متابعات

اليمن في قلب العاصفة: التصعيد في البحر الأحمر وتهديد الأمن البحري العالمي

تحليل: الباحث السياسي/ مـحـمـد صـابر .. خلال الانشغال بالتحولات الجارية في النظام الدولي الجديد، تفجرت إحدى أخطر حلقات الصراع في البحر الأحمر في يوليو الجاري، بعد تصعيد غير مسبوق من جماعة الحوثي، قد تمثل في سلسلة من الهجمات البحرية التي استهدفت سفنًا تجارية وناقلات نفط باستخدام زوارق وطائرات مسيرة وألغام بحرية. وقد جاء ذلك تتويجًا لتراكمات ميدانية وتحولات استراتيجية، جعلت من البحر الأحمر خط اشتباك مفتوح لم يعد مقتصرًا على أطراف محلية، بل تحول لمسرح صراع إقليمي ذي أبعاد دولية، بالتزامن مع الهجوم الإسرائيلي على موانئ الحيدة ورأس عيسى، في عملية مباشرة فريدة من نوعها ضد “الحوثيين” في العمق اليمني، ما ينذر بفتح جبهة جديدة في التوازنات الإقليمية.

وتعبر هذه التطورات والهجمات الحوثية في توقيتها، وتكتيكها، وخلفيتها الأيديولوجية، عن صعود نمط جديد من الردع البحري غير المتماثل، يستند إلى أدوات منخفضة الكلفة عالية التأثير، تستهدف تقويض الهيمنة الغربية والإسرائيلية على خطوط التجارة الدولية. تحمل هذه الضربات في طياتها جملة من الرسائل المتشابكة، من فقد واشنطن الهيمنة البحرية، وحتى التأكيد على أن الحوثي طرف في معادلة غزة – لبنان، وأن باب المندب لن يكون محايدًا. ما يشير إلى اندفاع المنطقة نحو مربع المواجهة المكشوفة، وسط صمت أممي وتردد دولي، يهدد بانفجار دائم في ساحة الملاحة العالمية الأهم، وتهديد الأوضاع الإنسانية في المناطق الساحلية، وخاصًة في محافظة الحديدة.

تأسيسًا على ما سبق، يهدف هذا التحليل تقديم قراءة متعددة الأبعاد لمشهد التصعيد في البحر الأحمر، عبر دراسة الرسائل الإستراتيجية الكامنة خلف الهجمات، والرد العسكري الإسرائيلي. مع محاولة فهم مآلات تحول البحر الأحمر إلى جبهة مركزية في مشهد إقليمي يعاد تشكيله تحت ضغوط الأزمات والفراغ الدولي، عبر تفكيك منطق التصعيد ذاته وإعادة تقييم موقع اليمن، ليس باعتباره ساحة حرب فحسب، بل كفاعل بحري جديد يعيد فرض نفسه عبر أدوات غير تقليدية.

رسائل إستراتيجية:

تتضمن الهجمات البحرية التي شنها “الحوثيون” في يوليو الجاري رسائل إستراتيجية مُعقدة تتجاوز فكرة رد الفعل التكتيكي على التصعيد في غزة، وتنطلق لتأسيس نمط رئيس من الضغط متعدد الجبهات، قائم على تعطيل الممرات التجارية كأداة للتفاوض والردع. حيث يسعى “الحوثيون” لإظهار أن الجماعة لم تعد مجرد فرد فاعل محلي في الحرب اليمنية، بل أنها ذراعًا بحرية لمحور المقاومة، قادر على استهداف ناقلات النفط وسفن الشحن المرتبطة بشركات إسرائيلية أو حليفة للغرب، وتهديد الأمن البحري في واحد من أهم المضائق العالمية. مما يعكس تطورًا ملحوظًا في القدرات البحرية للجماعة، التي انتقلت من الألغام البدائية إلى الزوارق الانتحارية والطائرات المسيرة طويلة المدى، مستفيدة من الدعم الإيراني الموسع لها.

بالتالي، توجه الهجمات رسالة صريحة لواشنطن أيضًا، مفادها أن عمليات “حارس الرواح” والتحالفات البحرية الغربية لم تعد فعالة في حماية الملاحة الدولية، وتكتيكات الردع التقليدي تفشل في مواجهة التكتيكات الذكية التي تعتمد على الإرباك والاختفاء والضربات المركزة. فيتعامل “الحوثيون” مع البحر كمنصة تهديد إستراتيجية، مثلما تعامل “حزب الله” مع الحدود الشمالية لإسرائيل. ويلفت ذلك الانتباه إلى التنسيق غير المعلن بين فواعل المحور المقاوم، ويؤكد على وحدة الميدان البحري ضمن الجغرافيا المتصلة للمواجهة الممتدة من غزة إلى عدن.

كما تهدف جماعة “الحوثي” إلى إرسال إشارات تفاوضية غير مباشرة لدول الخليج العربي، مفادها أن باب المندب لن يكون ساحة آمنة إذا ما استبعد “الحوثي” من التسوية الإقليمية الشاملة. وفي هذا الإطار، يمكن القول أن البحر الأحمر قد تحول إلى ورقة ضغط دبلوماسية تعادل في ثقلها ملفات الحدود والطاقة، مما يعيد تشكيل خارطة النفوذ اليمني بطريقة تتجاوز العاصمة صنعاء إلى السواحل والمضائق. كما يتضح جليًا أن استخدام الجماعة للبحر ليس فقط للرد، بل لفرض معادلات إستراتيجية جديدة تضعها في قلب معادلة الأمن الإقليمي، بقوة السلاح زليس بالاعتراف السياسي.

الموقف الإسرائيلي والتوازن:

نفذت تل أبيب غارات جوية مباشرة استهدفت عبرها مواقع حوثية في موانئ الحديدة، الصليف، ورأس عيسى، شملت مستودعات للسلاح ومخازن طائرات مسيرة وقواعد إطلاق زوارق مفخخة تابعة للجماعة، ردًا على سلسلة الهجمات الحوثية التي اعتبرتها الأكبر منذ بدء الأزمة. وتحمل هذه الغارات الإسرائيلية دلالات كبرى، فهذا الهجوم لا يمكن فصله عن محاولة إسرائيل تثبيت معادلة الردع البحري بالتوازي مع الجبهتين اللبنانية والغزية، ما يعكس رغبة واضحة في تجاوز حدود الدفاع إلى فرض قواهد اشتباك هجومية. ويمكن توضيح أبعاد الرد العسكري الإسرائيلي ومحاولة ضبط التوازن الإقليمي عبر النقاط الخمس الآتية:

(1) تقويض قدرة الحوثيين على التحكم بالموانئ الإستراتيجية: تسعى تل أبيب إلى تدمير البنية التحتية البحرية التي يمكن للحوثيين من خلالها تنفيذ عملياتهم البحرية، عبر استهدافها لمواقع قرب موانئ الحديدة والصليف ورأس عيسى. ولا يتعلق ذلك بالسفن أوالزوارق فقط، بل يمتد ليشمل منظومات الرصد والرادارات ومنصات إطلاق الطائرات المسيرة، مما يقلص قدرة ميليشيا “الحوثي” على فرض تهديد دائم لحركة الملاحة الدولية.

(2) تثبيت معادلة ردع جديدة: تحمل الضربات الإسرائيلية رسالة مزدوجة، فمن جهة تتضمن أن  رد على الهجمات لن يكون عبر الولايات المتحدة فقط، بل من خلال توجيه ضربات مباشرة تمس البنية التحتية للحوثيين. ويأتي التوقيت مدروسًا أيضًا ليؤكد أن خطوط الملاحة البحرية التي تهددها الجماعة تمثل أحد الخطوط الحمراء التي لا يمكن تجاوزها دون عقاب.

(3) كسر الحدود التقليدية للجغرافيا: تبرز هذه الغارات عدم اكتفاء إسرائيل بجبهتي غزة ولبنان، في مسعى منها لإثبات القدرة على بسط نفوذها العسكري حتى على السواحل الغربية للبحر الأحمر. ما يعكس تحول هام بالمعادلة في قتال إسرائيل على الحدود المباشرة ومن عمق الإقليم من جهة وأخرى.

(4) توجيه إنذار مباشر لإيران عبر وكيلها البحري: تحمل الضربات رسالة ضمنية لطهران التي تدعم “الحوثي” بالسلاح والتقنيات البحرية. حيث تدرك تل أبيب أن استهداف منشآت الحوثيين البحرية يعادل أن تستهدف خطوط الدعم الإيرانية غير المباشرة، وهي بالتالي تعتبر ذلك جزءًا من معركة الظل مع إيران، من خلال توجيه ضربات لوكيلها وتجنب كلفة المواجهة المباشرة.

(5) إثارة الحرج للأطراف الخليجية ووضعها أمام خيارات صعبة: تدفع إسرائيل بعض القوى الخليجية مثل الإمارات والسعودية لإعادة حساباتها. وتضعها ومعهم مصر أيضًا أمام معضلة شديدة الحساسية، في ظل تصعيد التوتر في باب المندب وما قد ينجم عن ذلك من تداعيات وتهديد لقناة السويس. وتراقب القوى الخليجية التصعيد بقلق بالغ، في ظل الرغبة بتجنب الانخراط العسكري المباشر حرصًا على التهدئة، كي لا تتحول الضربات الإسرائيلية إلى ذريعة للحوثيين لمهاجمة أهداف خليجية.

(6) اختبار الموقف الأمريكي والدولي تجاه التدويل: تختبر تل أبيب القدرة على إقناع واشنطن بالتوسع العسكري في البحر الأحمر، خاصًة مع الحساسية الأمنية المرتبطة بالملاحة العالمية. ما قد يحرج الولايات المتحدة بوضعها أمام اختبار حيقي وخيارات محدودة، فإما دعم الحليف في هذه الساحة، أو ضبطه منعًا لتفاقم التوتر. كما أنه يختبر الموقف الأوروبي أيضًا والتدويل الذي بدأ يعبر عن قلق من تعطيل حركة السفن وارتفاع تكاليف التأمين.

السيناريوهات المستقبلية:

أدى التصعيد العسكري في البحرالأحمر إلى إحداث تداعيات خطيرة في الحديدة والساحل الغربي، فقد أفادت منظمات دولية بأن القصف الإسرائيلي عطل عمل موانئ رئيسية يعتمد عليها معظم سكان اليمن في الغذاء والدواء، وتم تسجيل نزوج مئات العائلات بعد قصف مناطق مأهولة. كما تأثرت خطوط الإمداد الطبي وارتفعت أسعار السلع الأساسية بنحو 40%. ما يهدد بانفجار الوضع الإنساني بقوة. وفي ضوء جميع ما سبق، يمكننا تناول أهم السيناريوهات المرجحة لذلك التصعيد على النحو التالي:

(1) سيناريو التهدئة المؤقتة بوساطة إقليمية: يقوم على نجاح وساطات تقودها سلطنة عمان أو مصر على سبيل المثال لفرض تهدئة بحرية محدودة، قد تفضي إلى وقف الهجمات الحوثية ولو بصورة مؤقتة، مقابل تجميد الغارات الإسرائيلية. ما قد يشمل اتفاقًا على آلية رقابة دولية للموانئ، للسماح بدخول المساعدات وتخفيف التوتر، مع بقاء جذور الصراع قائمة. لكن يبقى هذا السيناريو هشًا في ظل غياب ضمانات صلبة تلزم الأطراف.

(2) سيناريو التدويل المتدرج للصراع: يتضمن هذا السيناريو انخراط قوى دولية أخرى مثل فرنسا وبريطانيا، لدعم تل أبيب وواشنطن، في عمليات عسكرية أو لوجستية تحت ذريعة حماية حرية الملاحة. بما قد يؤدي إلى توسيع دائرة الهجمات، ويجعل التدويل عامل محفز للتعقيد.

(3) سيناريو الانفجار الشامل: يمثل السيناريو الأخطر، ويتمثل في اندلاع مواجهات متزامنة بين الحوثيين وأطراف يمنية أخرى مثل “قوات طارق صالح” أو “المجلس الانتقالي”، بدعم خليجي، مما قد يؤدي إلى تفكك الجبهة الساحلية وتحول البحر الأحمر إلى صراع يمني – يمني دولي. وبالتالي، قد تنهار ضمن هذا التصور أي مبادرة سياسية، وتتفاقم الأوضاع الإنسانية في ظل غياب قدرة أممية على التدخل الإيجابي الفعال.

 وختامُا، يمكننا القول أن المستقبل اليمني يبقى رهينًا بقدرة القوى الفاعلة على كبح جماح التصعيد العسكري وتقديم مصلحة المدنيين على حساب الأهداف الجيوسياسية. حيث يبقى الخطر مفتوحًا ما لم تنكسر الحلقة الرابطة بين الردع والانتقام. ويتضح جليًا، مدى ارتباط التطورات في باب المندب بمستقبل الأمن البحري العالمي، مع تأثر الملاحة الدولية بأي إهمال للأزمة اليمنية أو تقليصها لصراع محلي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى