الأمة الديمقراطية: بين النظرية والواقع

تحليل: د.ياسمين السبع .. بين العنصرية، والطائفية، والحروب الأهلية، والأمراض المزمنة والسرطانات المتفشية، واستخدام تفسيرات ملتوية للأديان، والأوتوقراطية، والعنف الممارس ضد المرأة بشتى أنواعه، وعجلة الرأسمالية التي نالت من الأغلبية، يحاول الجميع التنفس، وربما يظن أن هذه الأشياء كل منها تسير في مضمار مستقل، غير أنهن يستقللن قارب فولاذي واحد، مكنهن من النجاة لعقود في مياه الشرق الأوسط، ترى هل ستكمل طريقها أم هناك سبيل للغرق.
فلسطين مغتصبة، وغزة يتبارى أهلها في مجاورة الرفيق الأعلى حتى كادت أن تصبح فارغة، والسودان تم تقسيمه والتنكيل بأهله والاعتداء على نسائه على مرأى ومسمع من الجميع، ولازالت أبخرة انفجار كنيسة دمشق تزكم الأنوف، ولبنان لم يجد أهله بدا من تعلم فن الحياة مع الحرب من طول أمدها، واليمن كان سعيدا ذات يوم، وداعش التي كانت حديث الساعة بالأمس القريب، والعراق الذي تنهشه الطائفية، هذه الأزمات الرائجة التي تواجهها المنطقة، غير أن هناك المزيد منها مسكوت عنه و غير رائج لاسيما و أنه يلوح بالموت والفقر أيضا ولكن من مسافة أبعد قليلا، لذا لا يلتفت إليها الأغلبية وباتت مصر هي الوطن ربما الوحيد ذو السيادة المتماسك الذي بالكاد يواجه أزماته ويبسط يديه بالسلام لأبنائه وأبناء المنطقة جمعاء .
تم اقتراح مشروع الأمة الديمقراطية ، من قبل عبد الله أوجلان، الذي يقبع في غيابات السجن في إمرالي لسنوات طوال، وبدلا من أن تقوض عزيمته، اقترح مشروعا، وهو أمر يوجب الاحترام، لا ندري ربما يكون أمل جديد، في ظل غياب مقترحات مشابهة، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من شرقنا الأوسط الذي إن لم ينهض بأبنائه فلا بواك له، وستزداد المنافسة بين أرواح تتلاحق للصعود إلي السماء ، ربما يكون شعاع من نور في هذه الغيمات، فهل سيمثل الخلاص أم أنه نظريات مجردة ؟
يقوم مشروع الأمة الديمقراطية على عدة بنود :
أولا : التخلي عن الدولوية القومية والاتحاد في مجتمع متكامل بدلا منها ، ثانيا : بناء أمة ديمقراطية تشمل جميع الأديان والمذاهب والعرقيات وتقويض العنصرية ، ثالثا : تحرير المرأة وهي مبدأ أساسي للمشروع ، رابعا : الكونفيدرالية الديمقراطية، بمعنى تفعيل المجالس المحلية وسلطتها ، خامسا : اللامركزية والإدارة الذاتية لمشاركة أوسع في الحكم ، سادسا : الدفاع الذاتي بجوانبه المتعددة ، سابعا : العدالة البيئية والحفاظ عليها ، ثامنا : الاقتصاد التعاوني بهدف غير ربحي وإنما تشاركي ، تاسعا : التعددية الثقافية والهوية الديمقراطية ، عاشرا : الديمقراطية كفعل مستمر وثقافة فكرية .
في بلادنا فقط كل يوم قتيل !
سطرت دول الشرق الأوسط في التاريخ الحديث صفحات من خزي تمنيت لو تجتزأ من التاريخ الذي يدون الأحداث حفرا في الصخور دون شفقة بأولئك اللذين كانوا يوما أعزة كرام .
في أرض الأبطال التي تشبه الأساطير غير المصدقة، ومنذ طوفان الأقصى الذي انطلق في السابع من أكتوبر لعام 2024، والذي ربما لم يكن مصادفة، وكان المقصود منه إحراز أهداف تحريرية كتلك التي أقتنصتها مصر في السادس من أكتوبر لعام 1973 ، حفاظا على أرضها ، فيمكن القول أنه تيمنا بانتصارات مصر على الصهيونية ذات الفكر الاستعماري التوسعي، لكن ربما لغياب التنسيق بين دول المنطقة وعدم توحدهم من الأساس، وتشتت أحوالهم ودولهم والتي أصبحت كالشمس لا يجهلها الجميع، دفعت غزة ثمن محاولة التخلص من الإحتلال ، واليوم لدينا 65.500-56.531 شهيدا جراء قصف ونقص الغذاء والدواء، والنساء والأطفال ،71.000 طفل و 17.000 أم حامل ومرضع بحاجة عاجلة إلى علاج سوء التغذية الحاد، واستهداف المستشفيات والمدارس وخيام النازحين، هذا بخلاف ضحايا مصيدة المساعدات الذي تنظمها قوات الاحتلال، من خلال استهداف مواقع توزيع المساعدات ، كارثة إنسانية بما تحمل الكلمة من معنى، ترى أبعد ذلك وهن للشرق الأوسط !
وعلى صعيد آخر، في محاولة من النظام اللبناني لأشراك جميع طوائفه في الحكم نجد الرئيس ماروني، بينما رئيس الوزراء سني المذهب، ورئيس مجلس النواب شيعي، غير أن هذا التقسيم الطائفي، لم يوقف الحروب الأهلية، مثل تلك التي كانت مشتعلة بين عامي 1975-1990 ، بالإضافة لهيمنة حزب الله الشيعي وامتلاكه سلاح وجيش مما أثار رفضا لدى المسلمين من السنة والمسيحيين ، مما أدى إلي غياب قوة الدولة وهجرة شبابية جماعية بحثا عن السلام وضعف مؤسسات الدولة أمام الطوائف .
أما العراق فيضم ثلاثة مكونات رئيسية، 60-65% الشيعة العرب ،20-15% السنة من العرب ، والكرد 20-15 %، والمسيحيين والأيزيديين حوالي 5% ، وهذه تعددية ان تم التعامل معها بديمقراطية فإنها مصدر قوة للبلاد، ولكن ما بين عامي 1979-2003 كانت الدولة تتبع سياسة القمع تجاه الكرد والشيعة ، وشنت حملات في ثمانينيات القرن الماضي لقمعهم باستخدام أسلحة كيميائية، وعقب التدخل الأمريكي ، وإسقاط النظام عام 2003 تم حل الجيش العراقي وسيطرة الاحزاب الشيعية، ثم قامت الحرب الأهلية الطائفية في البلاد، وهو ما كان متوقع نتيجة القمع والتنكيل، نتج عن ذلك مئات الألاف من القتلى وملايين من المشردين ، واستمر التوتر الشيعي السني حتى ظهور داعش عام 2014 ، بخلاف الصراع العرقي بين الكرد والعرب على أراضي النفط بالعراق، حتى مطالبة الكرد بالاستقلال عن العراق من خلال استفتاء حصلت فيه على الأغلبية بالموافقة ، كل هذا بخلاف التدخلات الخارجية السافرة سواء من إيران من خلال دعمها للأحزاب الشيعية دون غيرها، أو من أمريكا بعد هدم الدولة كلها ، أو من تركيا التي تدعم السنة بشكل غير مباشر، وتتذرع بضرورة محاربة حزب العمال الكردستاني ليكون لها نفوذ بكردستان، كل هذه الأحداث أدت بالضرورة إلى تعزيز الكراهية بين أفراد الوطن الواحد، وانعدام الثقة بينهم، مما أدى إلي حركة هجرة بين الشباب، وتعطيل بناء دولة وطنية مدنية، فالإشارة بأصابع الاتهام نحو الهويات والعرقيات والمذاهب، جرم نهايته الوهن، والاحتلال الفكري والعقائدي، الذي بالضرورة يتحين الفرص من خلال هذه الخلافات التي تؤدي إلي تفتت الوطن .
والسودان يقع بين فكي العنصرية والقبلية، حيث أن 70 % منهم من العرب، والبقية يتنوعون بين 500 مجموعة عرقية مختلفة ما بين النوبة والماساليت والبجا والزغاوة ، وصراع حول السلطة والموارد ، وحرب أهلية يعقبها انفصال الجنوب، وصراع بين الجيش وقوات الدعم السريع، نتج عنه حروب دامية، فآخر تقارير لمنتصف العام الحالي تقدر عدد الوفيات بين 20,000-24,000 ، وعدد النازحين حوالي 13 مليون نسمة، ويعاني حوالي 25.6 مليون شخص من انعدام الأمن الغذائي الحاد بينهم 756,000 ، في مستويات كارثية ، وفي مخيم زمزم الذي يبلغ عدد لاجئيه نحو 500 ألف نسمة يقتل طفل كل ساعتين بسبب نقص التغذية ! ، وأكثر من 12 مليون امرأة سودانية تحت تهديد مباشر بالعنف الجنسي .
والكرد اللذين يجوبون العالم حتى الان ليتم الاعتراف بهويتهم لدى بعض الحكومات، دون تقييد أو طمس لهويتهم، يسكنون جنوب شرق تركيا وشمال العراق وغرب إيران وشمال شرق سوريا، و منذ عام 1920 في اتفاقية سيفر عقب انهيار الدولة العثمانية تم الاتفاق على اقامة دولة كردستان المستقلة ،ولكن سرعان ما تم نقض هذا الاتفاق في معاهدة لوزان 1923، ومنذ ذلك الوقت يتم تقويض وقمع الكردية كعرق ولغة وتراث وتاريخ، خوفا من أي حركات انفصالية مشابهه ، فتم حظر اللغة الكردية في تركيا منذ إعلانها الجمهورية، وقمع أي ثورات كردية اعترضت على هذا الاضطهاد مثل ثورة الشيخ سعيد 1925 وثورة درسيم 1937 التي قتل فيها ألآف الكرد، ومنذ ثمانينات القرن الماضي شهدت تركيا اقتتال مع حزب العمال الكردستاني المدافع عن وجود وحقوق الشعب الكردي، نتج عنه قتل عشرات الألاف وتهجير ملايين من الكرد، وفي العراق شنت حملة إبادة جماعية سميت الأنفال على الكرد تحديدا عام 1988 واستخدم فيها أسلحة كيميائية قتل فيها حوالي مائة ألف كردي، ومنعت اللغة الكردية كذلك، وتم تهميشهم سياسيا، وتهجيرهم قصريا،( وربما يعود تسميتها بالأنفال تيمنا بسورة القرءان الكريم التي عرفت بسورة القتال أيضا، لما تتركه في نفوس الجند من جسارة ومواجهة القتال، ولكن جدير بالذكر أنه تم استخدام هذا الأسم ليتم منح جرائم القتل والمذابح صبغة شرعية كاذبة من خلال الاستخدامات الملتوية للمسميات الدينية، غير أن هذه المذابح بريئة منها الأديان السماوية المنزهة عن قتل الأبرياء) وفي إيران تم قمع الأحزاب الكردية واعتبارها معادية للدولة، ومنع التعلم باللغة الكردية ، وفي سوريا في ستينات القرن الماضي تحديدا تم تجريد عشرات الألاف من الكرد من جنسيتهم السورية، ومنعت الكردية أيضا وتم تسكين العشائر العربية في مناطق الكرد تعنتا، ولكن بعد الثورة السورية أنشأ الكرد إدارة ذاتية في شمال وشرق سوريا.
في أجواء اشتعال المنطقة، كما يبدو جليا فإن العنصرية وازدراء الاخر، سواء هويته أو قبيلته أو عرقه أو دينه والتناحر على السلطة والموارد والثروات، هي أبرز الكلمات المفتاحية، للبحث عن الخراب والدمار وإزهاق الأرواح، ترى هل من تنفس في ظل هذا الغرق ؟
قبس من نور يعد به مشروع الأمة الديمقراطية
تدعو بنود المشروع فيما يخص ما تم عرضه من أزمات يعاني منها الشرق الأوسط، أولا لاحترام جميع العرقيات، والأديان، واللغات، واحترام التعدد الذي خلقنا الله عليه، فلا أفضلية لفصيل دون الآخر، واحتضان (الأقليات) مع التحفظ على المصطلح ، فما تعاني منه أغلب دول الشرق الأوسط فوارق الإثنيات والعقائد والطائفية المطلقة على امتدادها، فيسعى المشروع لمحاولة هدم النموذج النمطي من الفوقية التي تعتري الأغلبية لسحق من دونهم عددا، ورفض هذا الفكر الكمي لا الكيفي، وبدلا عنه السعي من الاستفادة من هذه التعددية التي أراها صحية حد السماء .
ثانيا : نبذ الدولوية التي جعلت صراعات تلك الدول أكثر كثيرا من اتفاقها، لأنها تؤسس لهوية واحدة دون الأخرين وأيضا تساهم في خدمة الرأسمالية العالمية ، وربما شاهدنا معا بإيجاز ،آثار فرض تلك الهوية الواحدة دون غيرها على المواطنين ، أو سيطرة الأغلبية على الأقلية، ومن ثم حروب وطائفية لا نهاية لها .
ثالثا : تطوير كنفدرالية مجتمعية بدلا عن الدولة المركزية، بمعنى تكوين نظام سياسي بديل عن الدولة القومية، مبني على شبكات من المجالس المحلية التي تتم إدارتها بشكل ذاتي، بناء على ما يتناسب وسكانها، فتصبح السلطة موزعة بشكل أفقي لا رأسي، وتمارس الديمقراطية بشكل أكبر وبصورة مرضية للجميع، ويشارك الأغلبية في الحكم، هذه المجالس تكون مسؤلة عن التعليم، الأقتصاد، الأمن، الصحة، حرية بناء مساجد أو كنائس أو مدارس تخص أي فصيل منهم، مع الأخذ بالاعتبار حقوق الدفاع المشتركة بينهم والتعايش السلمي، غير الإنفصالي ، وهو ليس بالضرورة تطبيقه دون دولة، فيمكن التعايش معه تحت مظلة الدولة ولكن بنمط أكثر مرونه للحكم الذاتي غير الإنفصالي .
رابعا : الدفاع الذاتي ، والذي يقتضي بفرضه دفاعا شاملا للأفراد ، التنظيم المدني، الأمن المحلي، الثقافة، الاقتصاد، التعليم، الهوية، إذ لا فائدة من دفاع عسكري فقط إذا اخترقت الهوية والرؤية، على أن تكون وحدات حماية المجتمع بقيادة مشتركة، خاضعة لمجلس شعبي ديمقراطي، والمهمة الوحيدة هي حماية الإرادة الحرة للمجتمع الداخلي والخارجي .
خامسا : الاقتصاد التشاركي، وهو قائم على عدة نقاط
1/ الملكية المجتمعية بدلا من الخاصة أو الحكومية
2/ الإنتاج من أجل تلبية الحاجات، بدلا عن الربح
3/ العدالة في التوزيع بدلا عن الإحتكار والطبقية
4/ شراكة المرأة أساسية في الإنتاج والإدارة
5/ الإعتماد على الكومينات والمجالس المحلية لتنظيم الإقتصاد، ولا يكون ملك لشخص محدد بل ملك الجميع، ويتشارك الجميع في إنجاح هذه العملية ثم يعاد توزيع الأرباح بحسب الجهد والإحتياج
6/ رفض المديونية والبنوك الربوية والاحتكار المالي، وإقامة بنوك مجتمعية بدلا عنها تمنح تمويلات بدون فوائد، وذلك من أموال الأشخاص أنفسهم، تقوم بتوزيع القروض حسب حاجة المجتمع وليس رصيد الأفراد.
7/ تشجيع الإكتفاء الذاتي المحلي ضد التبعية للسوق العالمي
8/ إقامة مراكز تعليم مهني ومجتمعي، لتعلم الحرف، والزراعة، والإدارة التعاونية، وتدفع النساء والشباب للعمل المستقل
هذا البند بنقاطه يعد ضربة قاسمة للرأسمالية، ومن المقرر أنه إذا تم تطبيقه بشكل صحيح، أن تذوب الفوارق بين الطبقات، ثم لن تعود تلك الهوة بين القليل من الأثرياء، والكثير من الكادحين أو من هم دون الكدح وخط الفقر، خاصة وأن الرأسمالية ليست مجرد نظام مالي، وإنما نظام استعمار اجتماعي قائم على استعباد الإنسان، وخاصة المرأة، من خلال اللهاث فقط من أجل الحياة، وأي محاولة لالتقاط الأنفاس تعني الهزيمة الساحقة، وأدلجت الرأسمالية العديد من الأشخاص في اتجاه جمع المال، دون أي اعتبارات أخرى، مما يخلق فجوة بين الفرد وإنسانيته التي تجردها الرأسمالية بحرفية وعلى مهل، بالتالي فإن تحرير المجتمع يبدأ بتحريره اقتصاديا من الإستغلال، وهذه الديمقراطية الاقتصادية هي الحجر الثاني في قاعدة هرم الديمقراطية والحريات، بعد حرية المرأة .
ما تبقى من المرأة !
في كل صباح تقريبا، نصادف خبرا عن نسائنا المفتتة، تلك التي قتلها أبيها لرفضها العودة إلي منزل الزوجية إثر خلاف مع زوجها، وأخرى أطلق طليقها عليها وأبيها ومحاميها الرصاص، ذلك لأنها رفعت دعوى خلع للتطليق منه ، وماتت بالفعل، ولا تسع السطور لسرد الألاف من حكايا القهر، لكن التاريخ يسع ويذكر جيدا .
تشير الإحصاءات أن حوالي 30-35 % من نساء العالم تعرضن لعنف جسدي، وما يقرب من 245 مليون امرأة تعرضن لعنف من الشريك خلال ال 12 شهر الأخيره ، ويقتل على أساس الجنس – فقط لكونها امرأة – متوسط 140 امرأة يوميا علي يد الشريك أو أحد أفراد أسرتها ، وارتفعت حالا الاعتداء الجنسي بنسبة 50% مع ارتفاع النزاعات ووتيرة الحروب الأهلية.
وعن استغلال جسد المرأة للترويج في المواد الإعلانية حدث ولا حرج ، ومافيا صناعة العهر بدعوى الحرية الزائفة، واستغلال أجواء مجتمع أبوي تعاني منه النساء ، و الصورة الذهنية للعقل الجمعي التي تم بثها لعقود عن المرأة وإليها، بحصر قيمتها في في جسدها وجنسنة كل ما يخصها، وإقصائها عن المؤسسات المجتمعية .
وفي هذا الشأن يطرح مشروع الأمة الديمقراطية مسألة المرأة وحريتها كحجر أساس لا بديل له لحرية وديمقراطية المجتمع بأسره، وأنه لا بناء للمجتمع من الأساس إلا من خلال تحرر المرأة، وذلك من خلال عدة نقاط.
أولا : الوعي
1/ إعادة كتابة التاريخ من منظور محايد موضوعي لا يجتزأ من مكانة المرأة ، بخلاف ما تم تدوينه بأقلام ذكورية تجنب المرأة دورها التاريخي في ميادين المجتمع المختلفة .
2/ تجديد الخطاب الديني، والفهم القويم للنصوص الدينية، دون تطويع لصالح الذكوريين، وهذا الأمر تحديدا له خصوصية ، فبتتبع التاريخ نجد كيف يتأثر العامة من الناس بخطب المنابر وآحاد الكنائس، ذلك لأن المجتمعات منذ التاريخ القديم دينية بطبيعتها، خاصة الشرقية منها، والتي لا تزال إلى الآن كذلك، ولأن الرجل هو الذي يتصدر المشهد الدعوي سواء الإسلامي أو الكنسي، ولأنه بشر فمن البديهي أن ينحاز لجنسه في تأويلاته المختلفة للنصوص الدينية، ويطوعها سواء عمدا، أو بغير عمد، غير أنه مؤخرا درب الأزهر عدد من الواعظات ضمن الديوان العام لمجمع البحوث الإسلامية، حقيقة أن عددهم لازال قليلا بالمقارنة برجال الدين، إلا أنها خطوة إيجابية، وتشرف المطرانية أيضا على نشاط مماثل في الكنيسة، من خلال خادمات مدار الأحاد .
3/ فهم آليات القمع الجندري، سواء الإعلامي أو القانوني أو المجتمعي من خلال الأسر الذكورية، وربما الوعي وحده دون غيره الذي يمكنه مقاومة هذه الآليات، وفي هذه الحالات يجب صناعة هذا الوعي منذ الصغر.
ثانيا : التمكين
من خلال بناء مؤسسات نسائية مستقله، تتضمن مجالس نسائية، وتعاونيات ، وأكاديميات بفكر نسوي معتدل، قضيته التحرر من العبودية ونيل العدالة وعدم استضعاف النساء في المجتمعات .
ثالثا : الدفاع الذاتي
من خلال تدريب النساء على حماية أنفسهن، جسديا وفكريا، وتكمن ضرورة هذا العنصر في وتيرة العنف المتصاعد ضد النساء حول العالم، وقد تكون هذه أقل حقوقهن (الحياة) ألا يقتلن غدرا على أيدي المجرمين .
رابعا : مناصفة جميع المؤسسات
بحيث تترأس المرأة المناصب مع الرجل في جميع المؤسسات سياسية ، واقتصادية ، واجتماعية ، من خلال رئاسة مشتركة بينها وبين الرجل، وذلك إيمانا بمبدأ العدالة والتمثيل، فكما يعمل الرئيس على المصالح العامة وقد لا يلتفت لوجود النساء من الأصل، فإذا كانت الرئاسة مشتركة فلن يسقط فصيل مهم في المجتمع كالمرأة لأنها ممثلة في جميع المؤسسات، مما يسهل الحياة علي الطرفين .
رجل واع عنف أقل
ربما يكون جل ما يحتاج العالم رجل واع ، لتعيش المرأة بسلام ، يعد الوعي من أهم صفات الإنسانية، وتربية العقول لا تقل أهمية عن إطعام الأجساد، بل تزيد ، وفي حالة التركيز على التوعية الذكورية لتصبح رجولية أخلاقية بدلا عنها، ستختلف المعطيات كثيرا ، ولا يكون الوعي من خلال التوجهات المفروضه في الأوساط المحيطة، وإنما رحلة بحث فردية لصناعة مبادئ إنسانية فطرية قويمة .
ما بين انتهاك البيئة والمقبرة طريق ممهد
في منتصف القرن العشرين بدأت ما عرف بالثورة الخضراء، لزيادة المحاصيل الزراعية لمواجهة مجاعات في دول أسيا وأمريكا اللاتينية، وبدأ استخدام النيتروجين والفسفور والجليفوسات، والذي ارتبطت ارتباطا وثيقا بظهور السرطانات ولاسيما سرطان الدم والدماغ، بالإضافة لتلف في الكبد والكلى، و تلوثت الأرض والمياه بهذه المواد والتي ينعكس ضررها على الكائنات البحرية و الحيوان والحشرات أيضا، وما تستهلكة طرية الزراعة هذه من طاقة تسهم في الاحتباس الحراري وبالتالى خلل بيئي متكامل الأركان يصب في مقبرة الإنسان.
وعلى صعيد المبيدات لدينا أيضا الهرمونات، حيث يتم استخدام منظمات نمو نباتيه، مثل الأوكسينات و الجبريلينات و إيثيلين لتسريع نضج الفواكه، والذي يؤدي إلي مخاطر سرطانية وخلل هرموني خاصة عن الأطفال وتشوه في الأجنة ، ويتم اعطاء الأبقار هرمونات صناعية مثل rbgh وهو اختصار ل (recombinant bovine growth hormone ) لزيادة النمو والوزن ومعدل انتاج الحليب، والذي يزيد معها بالتوالي اصابات سرطان الثدي والبروستاتا لدى البشر، واضطرابات الغدد الصماء لدى الأطفال والمراهقين، ومقاومة المضادات الحيوية لأنواع البكتيريا المختلفة، فضلا عن الأثر البيئي على المياه والأسماك في حال وصول فضلات الحيوانات المهرمنة إليها .
تم منع استخدام هذا الإجرام ضد البشرية، في أوروبا وتقنينه في الولايات المتحدة، بخلاف دول الشرق الأوسط التي لازال استخدام هذه الهرمونات بها يتم وبشكل عشوائي .
وربما لم يتم اتخاذ اجراءات عالمية حاسمة لهذه الانتهاكات لأنها تخدم فئة من رجال الأعمال الرأسماليين ليست بالقليلة، حيث أن منظومة فساد البيئة بمراحلها العديدة التي تبدأ عند المواد الكيماوية والتلوث مرورا بالمتاجرة بالمرض والأدوية المتعددة، وغير مقصود هنا الطفرات التي خدم بها العلم البشرية كالأنسولين وتطعيم الجدريي المائي على سبيل المثال، ولكن هناك تجارة ذات وجه قبيح، خال تماما من الإنسانية بنيت فقط على أرواح البشر من خلال المتاجرة بأمراضهم ولا مانع من زيادتها لزيادة الأرباح، خاصة في دول العالم الثالث .
التعايش مع البيئة بدلا عن العيش على أنقاضها
تلك المشاهد التي انتشرت مؤخرا لأطفال ( لم يتلقوا وعيا بالبيئة كافيا من مربيهم) يقتلون قطا و يعذبون جرو ثم يحرقوه، هم في المستقبل ذاتهم الرجال الذين لن يتوانوا عن إلقاء مخلفات مصانعهم في نهر بلدتهم، أو استيراد أطنان قمح مسرطنة، دون أدنى شعور بالإنسانية.
الطبيعة والمرأة والحرية مثلث متشابك وانتهاك حقوقهم نتيجة لنفس الأسباب ، وبالتالي ربما يكمن الصلاح في تقويض النظام الأبوي السلطوي.
وبصدد ملف البيئة في مشروع الأمة الديمقراطية، هو ملف حياة الإنسان ويتم التعامل معه على هذا المستوى من الأهمية، ويقوم على عدة عناصر أهمها
– أن الفرد جزء من الطبيعة وليس سيدا عليها، بحيث تقوم علاقة تكامل واحترام بين الإنسان والبيئة، لا علاقة استغلال أو سيطرة ورأسمالية ينتج عنها ما تم سرده مسبقا.
– نقد النظام الرأسمالي من منظور بيئي ، لأن الرأسمالية تعزز الإستهلاك المفرط وتحول الطبيعة إلى سلعة وتستخدم التكنولوجيا بشكل غير مسؤول يضر بالبيئة والمجتمعات، وبالتالي تدمير البيئة .
– حرية المجتمعات لا تكتمل بدون حرية البيئة وتنفسها، فلا ديمقراطية حقيقية مع انتهاك البيئة .
– البيئة يجب أن تدار محليا، من خلال مجالس ومجتمعات محلية، تديرها بحسب احتياجها، بلا إسراف أو أنانية .
– دعم الزراعة البيئية النظيفة، وتقوية الإقتصاد المحلي بعيدا عن الصناعات الكبرى الملوثة .
– إعادة التوازن البيئي بين الإنسان والطبيعة .
– دعم التعليم البيئي منذ الصغر، ذلك لنشر الوعي باحترام المزروعات والحيوانات والطيور وحتى الحشرات، وتنمية حس المسؤولية الجماعية تجاه البيئة .
– بناء مدن مستدامة تعتمد على الطاقة النظيفة والمواصلات الآمنة بيئيا .
روج آفا وجرأة التنفيذ
في شمال وشرق سوريا، تم تطبيق مشروع الأمة الديمقراطية بأركانه وبنوده كاملة ، فتنفذ روج آفا الإدارة الذاتية، في ثلاث كانتونات (جزيرة –كوباني-عفرين) ثم توسعت إلى منبج والرقة ودير الزور ، كل كانتون يدير نفسه عبر عبر مجلس تشريعي وتنفيذي، وتم توزيع السلطة أفقيا لا مركزيا، تم تنفيذ نظام الكومين بمعنى مشاركة السكان مباشرة في اتخاذ القرارات المحلية فيما يتعلق بالتعليم والأمن والخدمات وهكذا .
تم تطبيق التمثيل الجندري، وفر نظام الرئاسة المشتركة بين الرجل والمرأة في جميع المؤسسات ، تأسست وحدات حماية المرأة (YPJ) ومجالس نسائية مستقلة، وسن قوانين تمنع زواج القاصرات وتقر بحقوق النساء .
تم السماح لكل من اللغة الكردية والعربية والسيريانية كلغات رسمية ، وتم إشراك جميع فصائل وقطاعات المجتمع من العرب والكرد والسريان، دون تمييز أو فوقية، وتم إنشاء مدارس للغات الثلاثة .
القضاء قائم على المصالح المجتمعية، يشارك فيه ممثلون عن المجتمع المحلي، غير مركزي، ويهدف للعدالة التصالحية بدلا من العقاب .
تم تأسيس قوات دفاعية (الأسايش) كقوة لحفظ الأمن الداخلي، بالإضافة إلى وحدات حماية الشعب (YPG) ووحدات حماية المرأة (YPJ) التي تتولى الدفاع ، ثم قوات سوريا الديمقراطية، وكان لتلك القوات الدور الأقوى على الإطلاق في تخلص المنطقة من داعش والدفاع عن سيادة ووحدة سوريا أمام الاحتلال التركي .
تأسست جامعات مثل جامعة روج آفا في القامشلي ، وتم تطوير المناهج لتراعي جميع الهويات دون تجاهل لأي منها أو تمييز .
إنشاء نظام اقتصاد تعاوني ومجتمعي، وتعاونيات في الزراعة والصناعة والخدمات، ذلك في وجود الملكيات الخاصة بحرية، تم إقامة مشاريع لزراعة الأشجار وتقليل التلوث، واستخدام الطاقة النظيفة.
هذا النظام قائم منذ عام 2012 حتى الآن في منتصف 2025 ، ولازال صامدا أمام التحديات .
عودة إلي فطرة الله في خلقه:
يحاول مشروع الأمة الديمقراطية الرجوع لفطرة الخلق، حيث خلقنا الله أحرارا (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) مختلفين في كل الأشياء عدى صفة الإنسانية ،فترك لنا ما يجمعنا ويمكننا من العيش على نفس الأرض دون نزاعات لأسباب هي في الحقيقة من صنيعة أيدينا، وجعل أمرنا بيننا شورى ، ولم يفرق الخالق بين ذكر وأنثى، وأمر ألا تقطع شجرة ولا يؤذى آدمي رجل كان أو امرأة، ولا مكان لمصطلح الأقلية، حيث لا غلبة لأحد هنا، فالجميع كأسنان المشط كما خلقهم بفطرتهم سواسية، وهذا معنى في ادراكه ربما ننال السلام المنشود .
بعيدا عن الطموح والآمال في عالم أكثر أمنا وأشبه بالمدينة الفاضلة، فإن تطبيق مشروع كهذا أمامه تحديات قوية، فرغم كل ما يحمل من حلول للشرق الأوسط تطوي الكثير في معانيها من الرجوع إلى الفطرة، إلا أن هذه العودة تحتاج إلى درجة من التقبل والمرونة لن تكون وليدة يوم، بل هي وليدة معرفة متراكمة، ومحاولة صناعة جيل جديد مثقف واع ،خال تماما من أي نزعات عنصرية تجاه النوع أو العرق أو الدين أو المذهب، يتم دمجهم ونسجهم في نسيج الوطن كإخوة يتشاركون الإنسانية أولا وقبل أي شئ ، ويتم تنشئتهم على الحب والسلام للجميع دون فكر قبلي أو مذهبي أو عرقي ينحدر نحو الهاوية بالأوطان .
وأخيرا ربما يكون اللافت في هذا المشروع ليست بنوده، بقدر ماهيته الفكرية الإصلاحية، الذي برأيي تشكل دعوة للمفكرين، أن يعبئوا بهذا الخراب المحيط، ومن ثم ينتجوا الأفكار التي قد تكون منقذه، بدلا من الإستسلام لارتداء النظارات السوداء الإنهزامية، فلا زال هناك طفل جائع لم يمت بعد بانتظار الإنقاذ، ولازالت هناك فتاة على وشك القتل لكنها تتنفس وبانتظار الخلاص، ولازال الصبح تبتلعه الظلمات بانتظار الأيادي المجددة .
قائمة المراجع
Amnesty international.
– Human rights watch
– www.almadapaper.net
– ناظم نواف إبراهيم، ظاهرة العنف والاستقطاب الطائفي في العراق بعد عام 2003 وأثرهما في الاستقرار السياسي، مجلة دراسات دولية ، الجامعة المستنصرية ، بغداد -2015
– www.Ungeneva.org
– WWW.Sudan.un.org
– www.Unfpa.org
– WWW.arabstates.unfpa.org
– WWW.trt.global
– Aljazeera.net
– Unicef.org
– Genderdata.worldbank.org
– Apnews.com
– World health organization/larc monograph on glyphosate
– Aghealth.nih.gov/agricultural health study
– Rockfound.rockarch.org/green revolution
– Fao.org/plant growth regulators
– Who.int/chemical safety
– Pmc.ncbi.nih.gov/environmental exposure to hormone-disrupting chemicals
– Fda.gov/hormones in milk
– Sfsa.europa.eu/hormones in meat
– Nutritionsource.hsph.harvard.edu/hormones in food
– Unep.org/environmental lmpact of livestock
– Tandfonline.com/the Kurdish genocide in Iraq: the security-anfal and the identity-anfal national identities:vol23 no 2
– Hrw.org
– sciencespo.fr/dersim massacre,1937-1938/ sciences po mass violence and resistance-research network
– عبد الله أوجلان : مانيفستو الحضارة الديمقراطية، القضية الكردية وحل الأمة الديمقراطية، ج 5
– Joseph dahmus : a history of the middle ages



