متابعات

اتفاق هش: فشل وقف إطلاق النار في السويداء والتهديد بالانفجار مجددًا

تحليل: الباحث السياسي محمد صابر .. منذ مطلع يوليو الجاري، بدأت محافظة السويداء تكشف عن مرحلة جديدة من التفاعل السياسي والأمني داخل الجغرافيا السورية الهشّة، حيث لم تعد التحركات الميدانية مجرّد اشتباكات متقطعة بين مجموعات مسلحة، بل تحوّلت إلى صراع متعدد الأطراف تتقاطع فيه الحسابات المحلية مع التفاهمات الإقليمية والدولية. وسط هذا المشهد المعقد، تبدو الاتفاقات التي أُبرمت بين الحكومة السورية ومشيخة العقل، ثم الاتفاق المدعوم أمريكيًا، بمثابة محاولات لاحتواء انفجار أكبر، لكنها لم تنجح – حتى الآن – في تجاوز العوامل البنيوية التي أدت لنشوء الأزمة.

فإن الاشتباكات الأخيرة ليست سوى نتيجة مباشرة لفشل طويل في إنتاج صيغة إدماج فعّالة للمحافظة ضمن بنية الدولة، ولفشل موازٍ في بلورة قيادة موحدة تعبّر عن مصالح سكان السويداء وسط ضغوط أمنية واقتصادية متزايدة. من هنا، تصبح دراسة هذه التطورات ضرورة لفهم مسار الأزمة السورية في إحدى أكثر مناطقها تعقيدًا وخصوصية. فما يجري بالسويداء لا يمكن قراءته فقط كتمرد محلّي أو مواجهة طائفية، بل هو تعبير عن أزمة عميقة في علاقة الدولة بمحيطها الاجتماعي، وعن صراع تمثيل داخل الطائفة الدرزية نفسها، يغذيه غياب مشروع سياسي وطني متماسك، وحضور قوى إقليمية تحاول الاستثمار في التناقضات الداخلية.

تأسيسًا على ما سبق، يسعى هذا التحليل إلى قراءة أبعاد المشهد الراهن، بالتركيز على جذور حالة التطورات التي تشهدها السويداء في مرحلة ما بعد “الأسد”، مع استعراض أبرز أسباب هشاشة اتفاق وقف إطلاق النار المُعلن عنه، لمحاولة تقويض محاولات رفع التصعيد وسيادة الفوضى.

خلفية وقف إطلاق النار:

شهدت محافظة السويداء، ذات الأغلبية الدرزية، جولة جديدة من التوترات المسلحة بين فصائل محلية وقوات حكومية، على خلفية توترات متراكمة منذ بداية العام. وفي ظل ضغوط مستمرة على رأسها التدخل الإسرائيلي تحت ذريعة حماية الدروز، تم التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار منتصف يوليو الجاري، يقضي بانسحاب القوات الحكومية من عدة مواقع حساسة مقابل وقف الهجمات على الحواجز.

ولم يكن هذا الاتفاق ثمرة مفاوضات متوازنة، بل جاء نتيجة حالة إنهاك ميداني وحرص الحكومة السورية الانتقالية على تجنب التورط في معركة خاسرة اجتماعيًا وسياسيًا. تولّى “أحمد الشرع”، رئيس الحكومة الجديدة، مسؤولية إدارة الأزمة بهدوء نسبي، مستعينًا بمقاربة خفض التوتر، مع محاولة عدم تقديم تنازلات استراتيجية.

وتُظهر التطورات الأخيرة مدى هشاشة الاتفاقات الأمنية والاجتماعية التي كانت قائمة، خصوصاً في محافظة السويداء، حيث ارتفعت حصيلة القتلى منذ 13 يوليو الجاري إلى 1386 شخصاً، في ظل استمرار الاشتباكات وعمليات الإعدام الميداني والقصف الإسرائيلي. وتبرز خطورة الوضع من خلال الأرقام، إذ سُجل مقتل 657 شخصاً من أبناء محافظة السويداء، من بينهم 124 مدنياً، بينهم 10 أطفال و24 سيدة، في مقابل مقتل 469 عنصراً من وزارة الدفاع والأمن العام، من ضمنهم 40 من أبناء العشائر البدوية ومسلح لبناني الجنسية، ما يشير إلى اتساع رقعة النزاع وتشابك مكوناته.

هذا التصعيد يعكس فشل محاولات التهدئة السابقة ويؤكد هشاشة أي اتفاق أمني لم تُبْنَ عليه أسس سياسية واجتماعية راسخة. من جهة أخرى، تتفاقم الأزمة الإنسانية نتيجة عمليات النزوح الجماعي، إذ أعلن محافظ درعا “أنور الزعبي” عن وصول نحو 35 ألف نازح من السويداء، موزعين على 5600 عائلة، ما استدعى إنشاء أكثر من 60 مركز إيواء للتعامل مع الأزمة. النزوح الكثيف يُعد دليلًا مباشرًا على تراجع ثقة المدنيين في جدوى الاتفاقات المعلنة، التي لم تحمِهم من تصاعد العنف أو تضمن أمنهم. وبهذا المشهد، تتضح هشاشة أي اتفاق لا يأخذ في الحسبان التوازنات المجتمعية، ويغفل معالجة الأسباب العميقة للصراع، بما فيها غياب العدالة واحتكار القرار الأمني.

أسباب الانهيار:

ما لبث الاتفاق أن انهار بعد أقل من أسبوع، عقب توترات فجّرها اعتقال قيادات ميدانية من جماعة “حركة رجال الكرامة”، ما اعتُبر خرقًا مباشرًا لبنود التهدئة. تبع ذلك اشتباكات في أطراف مدينة شهبا، وردود فعل عنيفة من الفصائل المحلية.

الأسباب الأعمق لانهيار الاتفاق تتصل بعدم وجود ضمانات حقيقية لتنفيذ البنود، واستمرار الأجهزة الأمنية في سياساتها القديمة. فضلًا عن حالة الانقسام داخل بنية النظام ذاته، حيث تميل أطراف أمنية إلى التصعيد والردع، بينما يحاول “الشرع” الحفاظ على صورة الدولة الحامية، لا القامعة، في مرحلة إعادة التموضع السياسي. وفي هذا السياق يمكن توضيح أبرز أسباب هشاشة الاتفاق وفق ما يلي:

(1) غموض موقف دمشق: رغم موافقة الحكومة السورية شكليًا على اتفاق وقف إطلاق النار، فإن موقفها ظل ملتبسًا، إذ لم تلتزم بخطوات ملموسة تؤكد رغبتها في التهدئة. بل على العكس، استمرت العنف وتم تسجيل تحركات جديدة وإعدامات ميدانية. هذا الغموض خلق مناخًا من الشك لدى الطرف الآخر، وفتح الباب أمام تفسيرات متباينة، ما أضعف الثقة المتبادلة وعمّق الشعور بأن الاتفاق ليس أكثر من مناورة سياسية لكسب الوقت وإعادة ترتيب الأوراق.

(2) غياب الضمانات الدولية: لم يحظَ اتفاق وقف إطلاق النار بأي غطاء أممي أو إقليمي ملزم، بل اقتصر على تفاهمات محلية برعاية أمنية غير معلنة، الأمر الذي جعل الاتفاق هشًا منذ لحظته الأولى. فغياب الضمانات الدولية يعني غياب آليات المراقبة والتحقق من الالتزام، خاصة في بيئة مثل الجنوب السوري المتداخل مع المصالح الأردنية والإسرائيلية والأمريكية. بل جاء الاتفاق عبر وساطات محلية بين وجهاء عشائر وممثلين عن فصائل، دون أي إطار قانوني ملزم. ونتيجة لذلك، يفتقر الاتفاق إلى آليات مراقبة أو محاسبة في حال حدوث خروقات، مما يترك مصيره معلقًا على التوازنات الهشة بين القوى المحلية.

(3) ) ضعف السلطة المركزية الجديدة: رغم إعلان تولي الرئيس السوري “أحمد الشرع” رئاسة البلاد بعد انهيار النظام السابق، إلا أن الحكومة الجديدة لم تُثبت بعد سيطرتها الفعلية على الجنوب السوري، بما فيه السويداء. غياب أدوات الردع والانتشار الأمني المنظم يترك المجال مفتوحًا أمام الفصائل لتفسير الاتفاق وفق مصالحها الخاصة.

(4) تصاعد خطاب الثأر داخل المجتمع المحلي: استمرار تزايد القتلى الاشتباك ترك جراحًا عميقة داخل النسيج الاجتماعي، وولّد نزعة انتقامية لدى بعض العائلات والمجموعات. هذا يجعل من أي حادث فردي بسيط شرارة محتملة لاشتعال الوضع مجددًا، خصوصًا في ظل حمل السلاح بشكل علني داخل المدن والقرى.

(5) التعددية الفصائلية داخل السويداء: تشهد السويداء انقسامًا بين فصائل محلية تختلف في أيديولوجيتها وعلاقاتها الخارجية. هذا التعدد يخلق صراعات نفوذ ويزيد من احتمالية تفكك الاتفاق، خصوصًا مع غياب قيادة موحدة أو غرفة عمليات تنسق بين هذه الفصائل.

آفاق الأزمة:

ما يجري في السويداء لا يمكن عزله عن لحظة التحول التي تشهدها الجغرافيا السورية عمومًا. فالرئيس أحمد الشرع يحاول ترسيخ صورته كقيادي مدني بديل عن نموذج “الأسد” الأمني، لكنه يصطدم بثقل المؤسسة الأمنية والعسكرية التي لم تتغيّر جذريًا. ما يستدعي إما إعادة صياغة العلاقة بين السلطة والمجتمع، أو الغرق مجددًا في معارك استنزاف قد تقوض آخر ما تبقى من شرعية الداخل. وفي كلتا الحالتين، فإن ما بعد وقف إطلاق النار لن يكون كما قبله، لا للسلطة الجديدة، ولا للمجتمع الدرزي، ولا للبيئة الإقليمية المراقبة عن كثب.

حيث كشفت الأحداث عن مرحلة دقيقة من تاريخ سوريا ما بعد “الأسد”، يتصارع فيها مشروع الدولة مع الطموحات المحلية، ويتنازع فيها العنف مع الحراك السلمي. ورغم أن سقوط النظام السابق فتح الباب أمام تسويات تاريخية، فإن ما جرى فعليا في الجنوب كان نوعًا من إعادة إنتاج الانقسام، بل وتفجيره بطريقة أكثر خطورة.

وختامًا، يتطلب الأمر تدخلا عاجلا ليس فقط من قبل السلطة المركزية، بل من قبل القوى الدولية الراعية للعملية السياسية، وإلا فإن نموذج السويداء قد يتحول إلى نواة لتفكك أوسع، لا سيما مع استمرار الشكوك في نوايا حكومة دمشق المؤقتة تجاه الأقليات، وفقدان الثقة بين الأطراف السورية على آثر ذلك.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى