مقالات

مستقبل سوريا: بين تفكك السلطة المركزية وتعدد مراكز النفوذ

تحليل: الباحث السياسي/ محمد صابر .. تمر سوريا بمرحلة ما بعد الحرب الكبرى، لكنها لم تدخل بعد في سلام واستقرار ولم يتوافر بها نظام سياسي متوافق حوله، بل أصبحت تشكل مسرحًا لتوازنات هشة بين قوى محلية وإقليمية ودولية، وتتقاطع خطوط النزاع اليوم بين الانقسامات المتجذرة داخليًا والتدخلات الخارجية المستمرة سواء في الشمال أو الجنوب وحتى في دمشق، ما يجعل مقاربة الحل السياسي في البلاد أكثر تعقيدًا من مجرد وقف لإطلاق النار.

ومع استمرار هذه البيئة المفروضة على المشهد السوري، تبرز ديناميات جديدة على الأرض، كالمؤتمرات المحلية مثل اجتماع الحسكة، أو “كونفرانس وحدة الموقف لمكونات شمال وشرق سوريا”، الذي طرح صيغًا للحكم اللامركزي، في مقابل تمسك السلطة المركزية في دمشق بهيمنتها. ويشكل الاقتصاد المنهك والنسيج المجتمعي الممزق عناصر ضغط إضافية، قد تؤدي إلى إعادة تعريف أهداف ومصالح الأطراف الفاعلة داخليًا وخارجيًا، ما يفتح الباب أمام مختلف السيناريوهات والتصورات لمستقبل الدولة السورية.

بالتالي، يسعى هذا التحليل إلى تفكيك المشهد السوري في مرحلة “ما بعد الأسد”، عبر رصد وتحليل توازنات القوى المحلية والإقليمية والدولية، وصراع الرؤى بين الطرح اللامركزي ومحاولات إعادة إنتاج مركزية السلطة، وتقييم حالة الانهيار الاقتصادي والتفكك الاجتماعي وتداعياتها على خيارات الحل السياسي، مع استشراف السيناريوهات المحتملة لمسار الدولة السورية في ضوء هذه التفاعلات المتشابكة.

السياق الميداني:

تعكس التطورات الأخيرة وتحديدًا ما جرى في السويداء خطورة التشظي الأمني والاجتماعي، حيث تحولت الخلافات المحلية بين الدروز والبدو إلى مواجهات مسلحة واسعة أسفرت عن سقوط مئات الفتلى ونزوح الألاف، ما يبرز حالة تآكل قدرة الدولة على ممارسة دورها كضامن أمني للمجتمع، ويحول بعض النزاعات من قضايا سياسية إلى صراعات هوياتية.

وهذا التحول يأتي كنتيجة طبيعية لضعف مؤسسات الوساطة، سواء كانت قبلية أو دينية أو مدنية، ما يثير القلق إزاء إمكانية دمج هذه المناطق ضمن إطار وطني شامل، ويكشف عن الحاجة الملحة لمعالجة البعد الاجتماعي والاقتصادي للنزاع السوري، بدلًا من الاكتفاء بالمقاربات العسكرية التي أثبتت محدوديتها.

ففي الشمال الشرقي، تستمر العلاقة المُعقدة بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية “قسد”، والتي تمزج بين التفاهمات المرحلية والصدامات الميدانية. ومؤتمر “الحسكة” الأخير يشكل منصة علنية للتأكيد على مطالب اللامركزية، فقد ضم ممثلين عن مكونات درزية وعلوية وكردية، ففي محاولة لبناء تحالفات سياسية تتجاوز الانتماءات التقليدية. مع ذلك، فإن رد الحكومة السورية الانتقالية أظهر نزعة رافضة لأي تقاسم فعلي للسلطة، حيث هددت بإلغاء مسار باريس التفاوضي إذا لم يتم تطبيق اتفاق 10 مارس بشكل عملي، ما يعكس أزمة ثقة مستمرة، ويسلط الضوء على فجوة كبيرة بين طموحات ومطالب الأطراف المحلية ورؤية السلطة المركزية لمستقبل الحكم في البلاد.

والتدخلات الإقليمية والدولية تزيد المشهد تعقيدًا، إذ تواصل إسرائيل تنفيذ عمليات محدودة في القنيطرة والجولان، في خطوات تحمل رسائل ردع وتختبر هامش حركة الحكومة السورية. ومن جهة أخرى تحاول الأردن لعب دور الوسيط الاقتصادي والسياسي عبر استضافة قمة ثلاثية مع سوريا والولايات المتحدة، ما يعكس نهجًا براغماتيًا يوازن بين الحفاظ على الأمن الإقليمي وفتح قنوات للتعاون الاقتصادي. أما تركيا فلا تزال تمارس نهجًا صارمًا في قمع الكرد حتى داخل الأراضي السورية، عبر التدخل في شئون البلاد بفرض رؤية أحادية لا تقبل بأي مساعي كردية للتعبير عن الهوية.

هذه التحركات تبرز كيف باتت الساحة السورية نقطة التقاء بين حسابات أمنية إقليمية ومصالح اقتصادية إستراتيجية، مما يجعل أي تسوية سياسية مرهونة بدرجة التنسيق أو حدة الصراع بين هذه القوى المؤثرة. وتبقى محاولات إعادة فرض المركزية شديدة الصعوبة ولها تداعيات سلبية عميقة، خاصًة إذا تم اتخاذ العنف سبيلًا لتحقيقها. فالخريطة الميدانية المتعددة الأقطاب تؤكد أن الصراع السوري تجاوز مرحلة الثنائية بين النظام والمعارصة، وأصبح أقرب إلى صراع شبكي متعدد المستويات، حيث تتقاطع اليوم النزاعات المحلية أكثر مع الأجندات الإقليمية والدولية، ما يعقد مسار الوصول إلى تسوية شاملة.

أبعاد اقتصادية واجتماعية:

لم تعد الأزمة السورية صراعًا عسكريًا أو سياسيًا فقط، بل تحولت إلى أزمة اقتصادية اجتماعية شاملة، تنخر في بنية الدولة والمجتمع على حد سواء. فالانهيار الاقتصادي المتسارع، مدفوعًا بتراجع الإنتاج وفقدان البنية التحتية والتهديدات المستمرة، يقوض قدرة الحكومة الانتقالية على تقديم الخدمات الأساسية. واجتماعيًا، يشكل النزوح والهجرة وفقدان الكفاءات عوامل إعادة تشكيل الخارطة الديموغرافية، مع ما يحمله ذلك من آثار طويلة الأمد على التماسك الوطني بالمجتمع السوري. ولتوضيح أهم أبعاد هذه الأزمة، يمكن تقسيمها إلى خمسة محاور رئيسية:

(1) الاستثمار وإعادة الإعمار: على الرغم من إعلان الحكومة عن توقيع اتفاقات استثمارية بقيمة 14 مليار دولار، يشكل غياب الضمانات الأمنية والسياسية تحديًا أمام جذب التمويل وتحويل الاتفاقات لإنجازات ذات عائد ملموس. هذه الاستثمارات، مثل توسعة مطار دمشق ومترو العاصمة، تظل رهينة بقاء خطوط الإمداد الأمنة وضمان عدم انهيار الاتفاقات مع الشركاء الدوليين.

(2)البنية التحتية: يفرض الدمار الواسع في القطاعات الحيوية، مثل الكهرباء والمياه والنقل، كلفة إعادة بناء هائلة، ويعني أن أي تأخير في التنفيذ قد يعمق الفجوة بين الاحتياجات الفعلية والقدرات المتاحة.

(3) سوق العمل: يعزز ارتفاع البطالة، خاصًة بين الشباب، مناخ الإحباط الاجتماعي، كما يدفع بعض الفئات نحو الانخراط في اقتصاد الحرب أو الهجرة غير النظامية، ما يفاقم نزيف الموارد البشرية.

(4) النسيج الاجتماعي: كشفت الأزمات الممتدة عن تأجيج الانقسامات العرقية والطائفية خلال سنوات الحرب، ما بات مدمجًا بالحياة اليومية، ويتطلب جهود مصالحة عميقة تتجاوز الترتيبات السياسية.

(5) الحاجة الملحة للتنمية المحلية: يفرض ضعف الحكومة المركزية حالة من العجز عن توفير الخدمات في ظل تزايد الاضطرابات، والتزامها بسياسات ورؤى أحادية، ما يفتح المجال لمحاولات ملء الفراغ، ويعيد إنتاج الهشاشة الأمنية.

السيناريوهات المحتملة:

يشير تحليل المشهد السوري إلى أن المستقبل السوري في مرحلة “ما بعد الأسد” يظل مرهونًا بعدة متغيرات محلية وإقليمية ودولية، ويكشف عن تعدد المسارات التي قد تتخذها الأزمة، سواء على مستوى الحكم أو الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي. تتعدد السيناريوهات المطروحة لتشكيل مستقبل الدولة في ظل المعطيات الحالية، والتي أولها: استمرار الحكم المركزي، في ظل تجاهل مطالب الحكم المحلي. وهذا السيناريو قد يؤدي لاستمرار الاحتقان الاجتماعي والتوتر بين المركز والهامش، ويزيد من احتمال تفاقم النزاعات الجزئية أو الاحتجاجات المحلية، دون تحقيق استقرار طويل الأمد. أما ثاني السيناريوهات: الحكم اللامركزي والمشاركة المحلية، عبر اعتماد مبادرات مثل مؤتمر “الحسكة” لتعزيز مشاركة المكونات المحلية في إدارة شؤونها، مع صياغة دستور يكرس التعددية ويوازن بين المركز والمناطق، بما يعزز استقرار الدولة ويحول التنوع الاجتماعي إلى أداة للتكامل السياسي. لكن هذا السيناريو يتطلب إرادة سياسية حقيقية غير متوفرة حاليًا من دمشق والفاعلين الإقليميين. وثالث الاحتمالات: التسوية الشاملة والتوافق الوطني، بنجاح المسارات التفاوضية كمسار باريس، ودمج المبادرات المحلية في صياغة دستور جديد يضمن المشاركة الحقيقية لجميع المكونات. ويوفر ذلك استقرار أطول، لكنه يعتمد على التوافق الداخلي والإقليمي، مع دعم الضمانات الدولية لضمان التنفيذ الفعلي.

بناءً على ما سبق، مازال المستقبل السوري على محك وغير محسوم بصورة واضحة، فإما أن تستمر المركزية والهيمنة التقليدية، مما يعيد إنتاج الاحتقان والصراعات الجزئية. أو أن يتم اعتماد مبادرات الحكم المحلي واللامركزي، بما يكرس التعددية والشراكة الوطنية، أو أن تُنجز تسوية شاملة عبر المسارات الدولية والإقليمية، مع دمج المكونات المحلية في صياغة دستور جديد يضمن الحقوق المتساوية.

وختامًا، يمكن القول أن الواقع الحالي يؤكد أن أي مسار مستقبلي يعتمد على الإرادة السياسية للسلطة المركزية، ومدى استجابة القوى المحلية لتطلعات المشاركة، مع مراعاة تأثير التدخلات الإقليمية والدولية. ويبقى الحوار والمشاركة ركائز أساسية في ضمان تحقيق استقرار دائم وبناء دولة سورية عادلة وشاملة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى