تنظيم داعش يستعيد نشاطه داخل سوريا فى ظل الشرع

تحليل: د. فرناز عطية .. يبدو أنه بالرغم من مرور عدة أشهر على سقوط نظام “بشار الأسد” ووصول “أحمد الشرع “إلى سدة الحكم أخفقت سوريا في التخلص من الجماعات الإرهابية وعلى رأسها جماعة داعش، التي عادت تتصدر المشهد وبقوة وتجدد هجماتها لاستهداف المواطنين السوريين ومصالحهم ومقدراتهم، فبالرغم من الوعود التي أطلقها نظام “الشرع” بحماية السوريين وعدم التمييز بينهم من حيث الطائفة أو العرق، وإشراكهم في حكم بلادهم دونما تمييز يذكر، إلا أن الفوضى باتت تعم البلاد وتؤرق العباد، ناهيك عن النعرات والحوادث الطائفية التي أضحت تهدد مستقبل البلاد بين الحين والآخر، وهناك عدد من المظاهر التي تؤكد استعادة تنظيم “داعش” بشكل خاص والتنظيمات الإرهابية بشكل عام في سوريا لنشاطها، وأبرزها:
- تحذيرات أممية من استعادت “داعش” لنشاطه:
في فبراير 2025 حذر” فلاديمير فورونكوف” المسئول الأممي من الوضع المتقلب في سوريا، والذي بدوره يثير قلقًا كبيرًا، لاسيما في ظل وقوع مخزون من الأسلحة المتقدمة في أيدي الإرهابيين، وأشار إلى أن منطقة البادية السورية مازالت تستخدم كمركز للتخطيط العملياتي الخارجي لداعش ومنطقة حيوية لأنشطته، ونبه إلى أن عدم الاستقرار هذا يؤثر على المعسكرات ومراكز الاحتجاز وغيرها من المرافق في شمال شرق البلاد، بالإضافة إلى أن 42,500 فرد، بعضهم له صلات مزعومة بتنظيم داعش، لا يزالون محتجزين، ويشمل ذلك 17,700 مواطنًا عراقيًا، و16,200 مواطنًا سوريًا، فضلاً عن 8600 مواطنًا من بلدان أخرى.
كما دعا “فورونكوف” إلى العودة الآمنة والطوعية لهؤلاء الأشخاص إلى بلدانهم، فقد ذكر أن خمس دول أعضاء فقط أعادت أكثر من 760 فردًا من العراق وسوريا، وأعادت حكومة العراق ما يقرب من 400 طفل عراقي من شمال شرق سوريا إلى مركز لإعادة التأهيل.
وفي هذا الإطار أكدت ” ناتاليا جيرمان”- مساعدة الأمين العام والمديرة التنفيذية للمديرية التنفيذية للجنة مكافحة الإرهاب، في إحاطتها أمام المجلس أن التحديات التي يفرضها التنظيم لا تزال معقدة، مع استمرار المخاوف الإنسانية والأمنية والحوكمة في جميع المناطق المتضررة من أنشطته، وأشارت إلى أن الأزمة الإنسانية والأمنية في شمال شرق سوريا لا تزال محتدمة، حيث يوجد أكثر من 40 ألف فردًا محتجزًا في معسكرات ومرافق احتجاز في ظروف تتسم بالاكتظاظ والمأوى غير الكافي والوصول المحدود إلى المياه النظيفة والصرف الصحي، وكذا أكدت أن معالجة تهديدات داعش تتطلب نهجًا يركز على الوقاية، ويرتكز على احترام حقوق الإنسان، مع التعاون الإقليمي باعتباره المحور الرئيسي، كما تطرقت إلى الجهود التي تقوم بها لجنة مكافحة الإرهاب بما فيها تسهيل توثيق الأحوال المدنية وإعادة إدماج الأفراد النازحين في الشرق الأوسط.
وقد تبنى التنظيم أولى هجماته بعد سقوط نظام “بشار الأسد”، في مايو 2025، حيث أعلن عن تفجير “عبوة ناسفة زرعها جنود الخلافة مسبقًا على آلية للنظام السوري المرتد في محافظة السويداء جنوبي سوريا”، بحسب ما جاء في بيان نشره التنظيم على منصات التواصل الاجتماعي في إشارة إلى الحكومة السورية بقيادة “أحمد الشرع”، تحت ما يسمى بـ”ولاية الشام – حوران”، كما أفادت أجهزة الاستخبارات العامة السورية إلى فرع مكافحة الإرهاب بريف دمشق، بوجود خلايا إرهابية تنشط في عدد من مناطق الغوطة الغربية، وكذلك الهجوم الأخير للتنظيم في دير الزور الذي أسفر عن مقتل 5 عناصر من “قوات سوريا الديمقراطية”، كذلك يعد تفجير كنيسة “مار إلياس” بالدويلعة في دمشق 22 يونيو 2025 والذي أودى بحياة أكثر من 25 مدنياً وعشرات الجرحى، هي أخطر أعمال داعش بسوريا بعد سقوط نظام “بشار الأسد”، وقد أعلنت وزارة الداخلية السورية من اليوم الأول للتفجير أن تنظيم “داعش” هو الذي يقف خلف استهداف الكنيسة.
- رصد اضطرابات أمنية في مخيم الهول:
أكدت تقارير صادرة عن جهات أمنية لإدارة مخيم الهول الواقع جنوب مدينة الحسكة في شهر أغسطس الحالي بأن هناك خلايا نائمة لتنظيم “داعش” تقوم بتحركات مريبة، حيث شكلت زوجات مسلحي ومقاتلي التنظيم المحتجزات في قسم المهاجرات، ما يُسمى بـ«جهاز الحسبة»، وعمدن إلى حرق 3 مراكز لمقرات المنظمات الإنسانية وتخريب مقتنياتها هناك، كما تعرضت فرق الإغاثية للهجوم بالحجارة، مما أوقف أعمال الإغاثة التي تقوم بها هذه المؤسسات، بجانب تكرار حالات القتل والاختفاء القسري، بالإضافة إلى تعرض محتجزات بالمخيم لعمليات الضرب والاعتداء عليهن بأدوات حادة من قبل هؤلاء النساء التابعين لجهاز “الحسبة”، وجدير بالذكر أن مخيم الهول يضم قرابة 34 ألفاً، موزعين على 13 ألف لاجئًا عراقيًا، ونحو 15 ألف نازحًا سوريًا، إلى جانب وجود أكثر من 6 آلاف من نساء وأطفال مسلحي التنظيم الأجانب، فيما غادر قرابة 900 لاجئًا عراقيًا من مخيمات شمال شرقي سوريا، بعد سنوات طويلة قضوها في أماكن مكتظة، بالتنسيق بين الإدارة الذاتية والحكومة العراقية بغية تفريغها وتفكيكها.
وللحد من هذه التحركات، وتعقب الخلايا النائمة الموالية للتنظيم، نفَّذت «قوات سوريا الديمقراطية» بالتنسيق مع قوات التحالف الدولي عملية أمنية محكمة داخل مخيم الهول، أسفرت عن إلقاء القبض على كل من قائد العمليات العسكرية للخلايا النائمة، إضافةً إلى المسؤول الأول عن عمليات التجنيد، كما يتم تضافر الجهود الثلاثية بين التحالف الدولي لمحاربة “داعش” والإدارة الذاتية والحكومة العراقية لإفراغ هذه المخيمات كـ”مخيم الهول ومخيم روج “مع نهاية عام 2025، بالتنسيق مع مفوضية شؤون اللاجئين بالأمم المتحدة، حيث يجري الإعداد لقوائم تشمل عدداً من العائلات العراقية في مخيم الهول، من أجل الاستعداد لنقلهم عبر دفعات خلال الفترات المقبلة، لحسم ملف العراقيين داخل هذا المخيم، وللتقليل من احتمالات صحوة الخلايا النائمة للتنظيم ومحاولة تفكيكه في وقت مبكر، ويذكر أنه مما زاد الأمور سوءًا داخل المخيم، توقف المساعدات الأمريكية، حيث تدهورت الأوضاع المعيشية داخل المخيم بشكل متصاعد.
- ظهور جماعة “سرايا أنصار السنة” :
هي جماعة متطرفة أعلنت ظهورها في أواخر يناير2024 عبر حساب على تليجرام، وتسير على نهج “داعش” توعدت الطوائف الموجودة بسوريا بالقتل والتعقب، وعلى رأسهم العلويين والدروزوالشيعة، كما هددت بملاحقة من يُطلق عليهم اسم “فلول الأسد”، كذلك أنها تتهم حكومة ” أحمد الشرع” بالكفر والخروج على تعاليم الإسلام، بحسب بيانات الجماعة على “تلجرام”، يقودها شخص اسمه أبو عائشة الشامي، والمسؤول الشرعي فيها يُدعى “أبو الفتح الشامي”، كما يشغل شخص آخر اسمه “أبو سفيان الدمشقي” منصباً شرعيًا فيها.
وأكدت الداخلية السورية أن أعضاء الجماعة لا يتجاوز العشرات، متفرقين في أكثر من منطقة جغرافية في سوريا، أبرزها إدلب والمناطق المحاذية للساحل السوري، إضافة إلى بعض الأفراد في حمص وريف دمشق. وبحسب المعلومات فقد كان لأعضاء الجماعة وجود في إدلب قبل سقوط النظام، إلا أن أهدافهم كانت مختلفة حينها، فكانوا مجرد أشخاص غاضبين من توجهات “هيئة تحرير الشام” عندما كانت تحكم إدلب، وكانثوا ينادون بإسقاط “الهيئة” لأنها “خرجت عن تعاليم الإسلام وخانت العهود التي قطعتها على الذين انتموا إليها.
وتفتقر هذه الجماعة للتنظيم إلى حد كبير، كما تدّعي أنها شبكة “لامركزية” تعمل من خلال “ذئاب منفردةlonely wolf“، أي أفراد أو خلايا صغيرة ذات صلات محدودة ببعضها البعض، وليست لها قواعد مشتركة.
وبالرغم من إعلانها عن أنها وراء أحداث كنيسة “مار إلياس” بدمشق، إلا أنها لكنها لم تقدم أي دليل إضافي يدعم مسؤوليتها عن الهجوم، ولكن ذلك مستبعد إلا في حالة مبايعتها لتنظيم “داعش”، ودون ذلك قد يكون نوع من محاولة الجماعة اكتساب الصيت والهيبة.
عوامل انتعاش داعش والتنظيمات الإرهابية:
وقد أوردت التقارير الدولية تحذيرات في الآونة الأخيرة من عودة تنظيم “داعش” للنشاط مرة أخرى في سوريا، وأرجعت ذلك إلى :
- تصريحات إدارة “دونالد ترامب” في شهر يونيو 2025 بأنها ستخفض وجودها العسكري في سوريا إلى قاعدة واحدة من ثماني قواعد في أجزاء من شمال شرق سوريا تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية، حيث ذكرت صحيفة نيويورك تايمز في هذا الخصوص في شهر أبريل الماضي بأن القوات قد تُخفض من 2000 إلى 500 جندي في إطار عملية الانسحاب.
- انسحاب الولايات المتحدة بالفعل خلال شهر يونيو 2025 من قاعدتي “الوزير” و”تل بيدر” في محافظة الحسكة، وبذلك، يرتفع عدد القواعد التي غادرتها القوات الأمريكية في سوريا إلى أربع قواعد على الأقل منذ تولي ” ترامب” منصبه.
- التهميش المتعمد من قبل حكومة الشرع لأطياف متعددة داخل سوريا.
- استغلال التنظيم للوضع الأمني الهش بعد سقوط النظام السوري.
- وجود نقاط خلافية، خلقت عثرات في طريق المفاوضات بين “قسد” ودمشق.
- ازدواجية معايير النظام السوري في التعامل مع العرقيات المختلفة والطوائف السورية والانتماءات الأيديولوجية المتباينة.
- المبالغة في الانتقام الطائفي من قبل أطياف بعينها اتجاه أخرى لاسيما بعد سقوط نظام الأسد.
- المطالبات بنزع سلاح “حزب الله” متشددوا السنة في مقابل متشددوا الشيعة.
- رخوية الحدود بين سوريا والدول المحيطة بها.
- ضعف النظام الحاكم في سوريا وإخفاقه في إحكام قبضته على البلاد.
- صعود “الشرع” للواجهة وسدة الحكم بخلفيته التابعة لهيئة تحرير الشام، والتي تستفز الجماعات الأخرى المتشددة الراديكالية وتتأهب للدخول في صراعات معه بسبب الاختلاف الأيديولوجي والفكري.
- المقاتلين الأجانب وسعي حكومة الشرع لتوطينهم يشكل خروقات أمنية تهدد الأمن القومي السوري، وتفتح الباب أمام العمليات والجماعات الإرهابية والمتطرفة.
- هشاشة مؤسسات الأمن والدفاع السورية ووجود عناصر مسلحة راديكالية ذات خلفيات متطرفة داخل هذه المؤسسات.
- المصالح السياسية والاقتصادية للولايات المتحدة وإسرائيل في المنطقة والتي تتطلب تقسيم المنطقة لكيانات إيثينية.
- سبق التدخل الدولي في الملف السوري وانسحاب أطراف إقليمية مهمة منه.
ومما سبق يتأكد لنا أن عودة التنظيم الإرهابي لداعش على الساحة السورية والإقليمية يزيد من كم التحديات التي تواجه حكومة “الشرع”، حيث يتطلب من هذه الحكومة الوفاء بوعودها والتزاماتها تجاه الأطياف العرقية والطائفية المتباينة في سوريا، وتحقيق الاستقرار والأمن، وضمان عدم عودة إيران للمشهد السوري من جديد، وأن تثبت للعالم مصداقيتها وقدرتها الفعلية على الخروج من ثوب التشدد والتطرف والتخلص من ماضيها المليئ بالسقطات كونها تابعة لجماعة إرهابية متطرفة “هيئة تحرير الشام”، إلى جماعات مدنية تتقبل الأخر وتتعايش معه، وهو ما تخفق في تحقيقه هذه الجماعة إلى الآن، ويتوقع أن لاتنجزه مستقبلاً، لعدد من المؤشرات أبرزها تبنيها موقفًا متصلبًا تجاه الأطياف المتباينية في سوريا والتي تختلف معها فكريًا وأيديولوجيًا وعرقيًا، وعدم انجازها أيًا من الوعود التي قطع “الشرع” على نفسه الالتزام بها، وكذا اخفاقه في التوصل لاتفاق مع “قسد” والدروز والعلويين، وميله إلى الجانب التركي وانتهاجه سياسة مهادنة لأنقرة، وبناءًعليه أضحى من المرجح الوصول إلى السيناريو الأسوء وهو تقسيم سوريا، وزيادة نشاط التنظيمات والحركات الإرهابية في سوريا، إلى الحد الذي يوجد وازع لتكون سوريا مصدر لتفريخ وتصدير الإرهاب لدول الجوار ودول الإقليم بأسره.

