دراسات

حملات الأنفال العراقية ضد الهوية الكردية: إبادة مركبة ومستمرة

تحليل: د. محمد رفعت الإمام .. بعد مرور 1364 سنة على غزوة بدر بين المسلمين والكفار ونزاع الأولين حول غنائم الحرب ونزول سورة الأنفال؛ أي غنائم الحرب، اتخذ نظام صدام حسين البعثي القومي الشوفيني اصطلاح “الأنفال” اسمًا للحملات الثماني التي شنها بضراوة ضد القرى الكردية بغية تنفيذ إبادة جماعية منظمة وممنهجة ضد الكرد المتشبثين بهويتهم وتقاليدهم في مواجهة عمليات الدمج القسرية؛ التعريب. وقد أوكلت هذه العملية إلى علي حسن المجيد أمين سر مكتب الشمال لحزب البعث العربي الاشتراكي والحاكم العسكري للمنطقة.

وقد استخدم النظام العراقي على امتداد حملات الأنفال هجمات برية وقصف جوي وتدمير قرى منظم وترحيل جماعي وفرق إعدام وحرب كيماوية. وجمعت منظمة العفو الدولية أسماء 17 ألف كردي على الأقل قد اختفوا.

 وثمة شهادات ودراسات شتى أكدت على أن عمليات الأنفال تُعد “جريمة  العصر” بسبب بشاعتها ووحشيتها. وانتهجت استراتيجية “تدمير القرى” عماد الحياة في المجتمع الكردستاني ورغم وجود آلاف الأدلة على اقتراف نظام صدام جريمة إبادة جماعية متكاملة الأركان المادية والمعنوية بحق الكرد، فقد تقاعس وتواطؤ المجتمع الدولي ومنظماته عن منعها ومعاقبة مرتكبيها حتى سقوط نظام صدام في 2003. وادعى النظام البعثي بأن جرائم الأنفال مؤامرة إيرانية غربية، وأنها مجرد عملية أمن داخلي.

      ولأول مرة في الشرق الأوسط، جرت محاكمات مقترفي إبادة جماعية تنفيذًا للمادتين الثالثة والرابعة من اتفاقية الإبادة التي وقعت عليها الجمهورية العراقية في عام 1959م. ولا غرو إذ أصدرت المحكمة العراقية المختصة أحكامًا بإعدام صدام حسين (2006) وعلى حسن المجيد وسلطان هاشم وحسين رشيد محمد وغيرهم (2007) جراء ارتكاب إبادة جماعية بحق الكرد على رأسها حلبجة والأنفال والدجيل.

      وبمناسبة مرور 37 عامًا في 25 أغسطس – آب 2025 على ابتداء نهاية المرحلة الثامنة والأخيرة من حملات الأنفال، ثمة قضية جد شائكة تفرض نفسها حول التكييف القانوني الأدق لهذه الحملات وملابساتها وتداعياتها. ورغم أن أدبيات الأنفال قد وصفت العمليات كونها جرائم ضد الإنسانية وتطهير عرقي وعدوان وجرائم حرب، فالأدق جريمة إبادة جماعية التي توصف بجريمة الجرائم.  ورغم أنها شهدت إبادات جسدية ونوعية بما لا يدع مجالاً  للشك، فالإبادة الثقافية هي الأخطر والأشد خطرًا.

ماهية الإبادة الجماعية

      قبل ارتكاب جرائم الأنفال بأربعة عقود، شاركت بعثة المملكة العراقية (1921- 1958) إلى هيئة الأمم المتحدة في جميع مراحل إعداد اتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة إبادة الجنس الجماعية والعقاب عليها (اتفاقية الإبادة الجماعية 1948م). وفي هذا الصدد، أبلى المندوبان العراقيان عبد الجبار جورميرد و م. رشيد بلاءً حسنًا في تبني الجمعية العامة للأمم المتحدة مصطلح Genocide؛ أي إبادة الجنس، وعرَّفته بأنه “إنكار حق الوجود لجماعات بشرية بأكملها”. وقد أصدرت الجمعية القرار رقم 96 (1) في 11 ديسمبر – كانون الأول 1946، وبموجبه وقعت الإبادة تحت طائلة القانون الدولي، وتُعد جريمة دولية لتعارضها مع روح وأهداف الأمم المتحدة ويستنكرها الضمير الإنساني.

      وقد أسهم الوفد العراقي في مناقشات ومداولات مسودة الاتفاقية التي أعدها المجلس الاقتصادي والاجتماعي واللجنة القانونية المنبثقة عنه على مدار عامين 1946-1948. وفي 9 ديسمبر – كانون الأول 1948، أقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة بموجب القرار رقم 260 (3) اتفاقية “منع جريمة إبادة الجنس الجماعية والعقاب عليها” سواء وقعت زمن السلم أو زمن الحرب وفقًا لمادتها الأولى، وعرّفت مادتها الثانية الإبادة بأنها “أي من الأفعال التالية المرتكبة بقصد التدمير الكلي أو الجزئي لجماعة قومية أو عرقية أو عنصرية أو دينية بصفتها هذه:

  • قتل أعضاء من الجماعة.
  • إلحاق أذى جسدي أو نفسي خطير بأعضاء من الجماعة.

ج- إخضاع الجماعة، عمدًا، لظروف معيشية يُراد بها تدميرها المادي كليًا أو جزئيًا.

د- فرض تدابير تستهدف منع الإنجاب داخل الجماعة.

هـ- نقل الأطفال عنوة من الجماعة إلى جماعة أخرى.

وقد نصت المادة الثالثة من الاتفاقية على  معاقبة الأفعال الآتيـة:

  1. اقتراف الإبادة في حد ذاتها على نحو ما حددته المادة الثانية.
  2. التآمر على اقترافها
  3. الشروع في اقترافها
  4. الاشتراك في اقترافها

وأكدت المادة الرابعة على معاقبة مرتكبي جريمة الإبادة أو الأفعال الواردة في المادة الثالثة سواء كانوا حكمًا أو موظفين عموميين أو مواطنين عاديين. وقد أصبحت الاتفاقية نافذة المفعول منذ 12 يناير – كانون الثاني 1951م. وبعد ثمانية سنوات، وتحديدًا، في 12 يناير – كانون الثاني 1959م صادقت الجمهورية العراقية عليها والخضوع إليها وسريان العمل بها.

وهكذا، أعدت الأمم المتحدة مفهومًا قانونيًا معترفًا به دوليًا لجريمة الإبادة الجماعية، قوامه أربعة أركان محورية وهي:

  1. فعل جنائي
  2.  تعمد تدمير كليًا أو جزئيًا
  3. جماعة قومية أو عرقية أو عنصري
  4. مستهدفة

ووفقًا لهذا المفهوم، تتكامل أركان الجريمة في الإبادة الجماعية ماديًا ومعنويًا. إذ يتوافر الركن المادي في تدمير أعضاء الجماعة المستهدفة كليًا أو جزئيًا بإيتاء أحد – أو أكثر – الأفعال الخمسة المحصورة في المادة الثانية. ولا يُشترط لوقوع هذه الجريمة أن يقود الفعل إلى غايته كليًا أو جزئيًا. فيكفي توافر النية الإجرامية المتعمدة عند الجناة للوصول إلى هذه الغاية، وهو ما يُمثل الركن المعنوي في جريمة الإبادة.

      وقد تعرض مفهوم الإبادة الجماعية لانتقادات جد مهمة. بداية، حددت المادة الثانية أربع فئات حصرية ينبغي حمايتها وهي القومية والعرقية والعنصرية والدينية دون تحديد ماهية هذه المصطلحات. ولا يخفى أن الفعل الإجرامي لن يُصنف إبادة إلا إذا استهدف تحديدًا واحدة من الجماعات الأربع آنفة الحصر. وهنا، تكمن خطورة التقديرية في تحديد ماهية الجماعات المستهدفة على المستويين العلمي والقضائي. وفي سياق متصل، ثمة انتقاد وحاد يُوجه صوب الجماعات المحمية بموجب الاتفاقية يتمثل في محدوديتها وحصريتها من أمثال الجماعات السياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية. وجدير بالذكر أن إبعاد الجماعتين السياسية والثقافية يُعد من أبرز نقائص اتفاقية الإبادة ومفومها.

      ويُعد القصد الخاص ممثلاً في إرادة  إفناء الجماعة المستهدفة شرطًا محوريًا وجوهريًا في وقوع جريمة الإبادة علاوة  على القصد العام. بيد أن إثبات هذه النية يُعد من المعضلات الشائكة في مفهوم الإبادة. ولا ريب أن إثبات القصد الجنائي الخاص في معظم الأنظمة القانونية أصعب من إثبات القصد العام الذي يُمكن إثباته بالمنهج الاستدلالي. وقد تركت القصدية الإبادية للقضاة حسمها بمقتضى المسئولية الذاتية. وإذا كان إثبات القصدية صعبًا في ساحات القضاء، فلاشك أنه سيغدو أكثر صعوبة على  بساط البحث العلمي.

      ويُمكن تقسيم الأفعال الإبادية الى ثلاثة أنواع. أولها الإبادة المادية (الجسدية) كما ورد في البنود أ و ب و ج من المادة الثانية آنفة الذكر، وثانيها الإبادة البيولوجية على نحو نص البند د، وثالثها الإبادة الثقافية (الحضارية) وفقًا للبند هـ في المادة الثانية من الاتفاقية. وفي الواقع، ليست هذه الوسائل فقط التي يمُكن بها تدمير جماعة مستهدفة، إذ يُمكن الوصول لهذه الغاية عن طريق الترحيل أو تغيير الموقع الذي تشغله الجماعة تغييرًا جذريًا أو الاحتجاز أو الابتعاد، أو سلخ جنسية أفرادها عن طريق الإرهاب المنظم والتعذيب والمعاملة غير الإنسانية وغيرها من إجراءات يُراد بها ترويع الضحايا من أذى يُمكن إلحاقه بأبدانهم. زد أيضًا أن حصرية الأفعال الإبادية في خمسة أنماط فقط قد أغُلِقت الباب أمام احتمالية إضافة أنماط إبادية مستخدمة مستقبلاً.

      وثمة انتقاد حاد يُوجه إلى اتفاقية الإبادة مفاده أنها قد أغفلت أي دور للدول والحكومات والسلطات المسئولة في ارتكاب جريمة الإبادة. ووفقًا لهذا الانتقاذ، لا يمُكن بديهيًا ارتكاب جريمة الإبادة في غياب خطة أو سياسة للدولة ترمي إلى إبادة الجماعة المستهدفة. إذ أن حكومة قومية هي فقط التي تمتلك السلطة اللازمة من أجل ارتكاب هذه الجريمة، وفي امكانها فقط عند غزو قواتها لبلد آخر أن تُحاول تدمير جنس بأكمله يعيش خارج حدودها. ومن ثم فلا أفراد ولا مجموعة من الأفراد في مقدورهم ارتكاب الإبادة. وحسب التجارب التاريخية، يتضح أن طبيعة جريمة الإبادة ذاتها تفترض أن تكون من صناعة الدولة ومؤسساتها وممثليها. والسؤال هنا، من سيقوم بمحاكمة مرتكبي الإبادة إذا كان حكام دولة ما هم مقترفوها؟ وهل تستطيع محاكمها أن تتولى بشكل جاد تحقيق العدالة؟.

      على أية حال، رفضت اتفاقية الإبادة أية مسئولية جنائية للدول أو الحكومات أو الأنظمة الحاكمة في ارتكاب جريمة الإبادة، وأعلت مفهوم المسئولية الفردية. ومع هذا، تُعد الاتفاقية من الآليات المبكرة في مفهوم المسئولية الجنائية الدولية للأفراد، ولذا، تُمثل اتفاقية جنائية دولية ذات دلالات في ساحة حقوق الإنسان، وتهدف إلى حماية الجماعات التي تتعرض للتصفية من جانب جماعات متباينة. ويكفي أنها جَّرمت ارتكاب الأفعال الإبادية، والتآمر فيها، والتحريض المباشر والعلني عليها، والشروع في اقترافها، والتواطؤ فيها.

      ورغم أن اتفاقية الإبادة تُمثل أول مرجعية لحقوق الإنسان تمنع جريمة محددة وتُعاقب على ارتكابها، فإنها تستحق ولاسيما مفهومها، تفسيرًا متطورًا يتماشى مع المتغيرات المتلاحقة بما لا يخل بجوهرها وبغاياتها. وفي الواقع، رغم مشاركة العراق في إعداد الاتفاقية والتصديق عليها، فقد ارتكبت أنواعًا متباينة بحق الكرد تُعد جرائم الأنفال ذروتها.

      والسؤال المحوري: لماذا تُعد جرائم الأنفال ذروة جريمة الإبادة الجماعية العراقية بحق الكرد إبان ثمانينات القرن العشرين؟

الطريق الطويل إلى  الأنفال

      تضرب جذور جرائم الأنفال في عمق التاريخ إلى الصراع الصفوي-الشيعي والعثماني – السُني منذ أكثر من 470 سنة، وتحديدًا، منذ 12 أغسطس – آب 1514 حيث معركة جالديران. ورغم انتصار التحالف العثماني – الكردي، فقد أسفرت تسويات جالديران عن تقسيم كردستان حيث خضعت كردستان شرق جبال زاجروس لفارس الشيعية وخضعت كردستان غرب هذه الجبال للدولة العثمانية. ومن ثم، ظهور مصطلحي كردستان الفارسية (الشرقية) وكردستان العثمانية (الغربية). وأسفرت تقسيمات سايكس بيكو (1916م) وتسويات الحرب العالمية الأولى لاسيما معاهدة لوزان (1923م) عن تقسيم كردستان العثمانية بين ثلاثة دول قومية وليدة هذه المعاهدة: تركيا ضمت شمالها، والعراق ضمت جنوبها، وسورية ضمت كردستان.

      وهكذا، إذا كانت الدولة العثمانية متعددة العرقيات والثقافات، فتأسيس الدولة العراقية بقيادة العرب السُنه قد سار بالمسألة الكردية في الاتجاه المعاكس. ولاغرو؛ إذ أصبحت العراق مركزية الحكم وذات ثقافة واحدة وهوية واحدة؛ العربية. وجدير بالتسجيل أن العصرنة قد تأخرت في كردستان حتى أواخر القرن التاسع عشر. ولم يتم إزالة النخبة الاقطاعية (الأغاوات) في كردستان بعد زوال الإمارات الكردية إبان منتصف القرن التاسع عشر. ولكن النخب استخدمت مواقعها لمصالحها الخاصة عندما طور بعض مثقفي مفهوم القومية، ونظموا حركات مسلحة.

      وقد أثر تقسيم كردستان بشدة على  مظاهر الحياة الكردية. فمثلاً، تعثرت رحلات الصيف والشتاء بحثًا عن الكلأ مما أدى إلى  توطين العشائر، وبحث الكرد عن فرص التجارة والتعليم والوظائف. وبذا، بدأوا يتعلمون اللغات العربية والتركية والأجنبية ويكتبون بأبجدياتها مما أثر على الكردية لغة وكتابة. وتسللت إلى الكردية مفردات من المعاجم العربية والتركية. وقد أسهمت الحدود المصطنعة بموجب لوزان 1923م في عدم التماسك السياسي داخل كردستان. ولاغرو؛ إذ منعت هذه الحدود الاتصال والتواصل والوصل بين المناطق الكردية داخل تركيا والعراق وسورية. ومن المفارقات، بينما أصبحت كردستان الشمالية تدور في فلك العالم الغربي، انخرطت كردستان الجنوبية في أتون العالم العربي والشرق الأوسط. ويُعد هذا ضربًا من ضروب الإبادات السياسية. ومن المفارقات، تم تقسيم كردستان واحتلالها بدون أدنى حقوق المستعمرات والإنتدابات، وتعلم الكرد اللغتين العربية والتركية عكس الدول التي وقعت في دائرة الانتداب بعد عام 1922م حيث تعلم سكانها اللغتين الإنجليزية والفرنسية وخبرات إدارية.

وفي مسرح عمليات جرائم الأنفال، احتلت بريطانيا ولاية الموصل وبغداد والبصرة، وخلقت منها دولة جديدة باسم “العراق” مكونة من “14” لواء. وفي هذا السياق، أصبحت الموصل جنوب كردستان، وولاية بغداد منطقة سُنيه، وصارت ولاية البصرة أرض الشيعة العرب. وقد بدأ الإنجليز حكمهم للعراق بنيات”شريفة” نسبيًا. بيد أنهم سرعان ما نكثوا بوعودهم للكرد. وقد أداروا كردستان المحتلة ومناطق ما بين النهرين من خلال شبكة من الضباط السياسيين، وباختصار، أسهم الإنجليز بشدة في تدمير كردستان وتقسيمها عبر آليات سرية وعلنية.

وإذا كانت الدولة العثمانية ووريثتها تركيا والمملكة العراقية (1921-1958م) قد أسهموا في تقسيم كردستان العثمانية (الغربية) وخلخلوا الهوية الكردية، فقد أسهمت الجمهورية العراقية منذ عام 1958م في انتهاج إبادة منظمة وممنهجة ضد الكرد في أراضيهم التاريخية ووطنهم الأصلي لاسيما بعد هيمنة وديكتاتورية البعث العربي الاشتراكي على الحكم العراقي منذ عام 1963م. تمحورت أيديولوجية البعث القومية العربية المتطرفة حول عقيدة مفادها أن وجود كرد في العراق وسوريا، وكذا البربر في الجزائر، يُمثل أكبر عائق أمام بناء الأمة العربية الواحدة، ولذا، يجب محوهم. وليس غريبًا أن تركيا القومية في ثوبها الكمالي قد دشنت هذه الأيديولوجية ضد الكرد بها كإستراتيجية ناجزة لبناء دولة نقية الدماء ذات لسان واحد وثقافة واحدة؛ تركيا للأتراك فقط.

وبمرور الوقت، استفحلت ديكتاتورية البعث العسكرية، وانتشرت صور صدام حسين التكريتي في جميع أنحاء العراق أثناء رئاسته (1979-2003م)، وناصره العرب السُنه بشدة أكثر رغم كونهم يُسيطرون على الحكم منذ تأسيس العراق الحديث. وعلى نحو ما فعلت تركيا الأتاتوركية بتوظيف الخلافات العشائرية ضد الحركة الكردية التحررية، جندت الاستخبارات العسكرية العراقية نفس هذه العينة من كرد العراق لتكون بمثابة “حراس القرى” (جاش) الذين أبلوا بلاءً سيئًا أثناء عمليات الأنفال. وبإيجاز، شكلت السلطات العراقية من هؤلاء الكرد المتواطئين قوات طوارئ للقيام بمهام استخباراتيه ومكافحة “الإرهاب” “في المدن، ناهيك عن حكم المناطق الكردية بقوانين الطوارئ. ولاريب أن هذه الآليات تُعد وسائل إضعاف لأية مقاومة كردية. وقد تأثر الكرد جراء مركزة الحكم وعسكرية في العراق كما كان في تركيا. وثمة إجماع على أن الدستور العراقي (1968-2003م) يُعد الأسوأ في عسكرة المجتمع على مستوى العالم منذ سقوط النازية. ولم تكن كردستان الجنوبية في يوم من الأيام تحت سيطرة بغداد بالكامل. وبدلاً من البحث عن إيحاد حلول للمعضلة الكردية، انتهجت بغداد حكم الكرد بالقوة الغاشمة، وأباحت كردستان للقوات غير النظامية.

التعريب القسري

      وكما بنى الأتراك أيديولوجيتهم على معتقدات طوران، شَّيد البعثيون أيديولوجيتهم على معتقدات العروبة. ومنذ البداية سعى العرب إلى توسيع وتمكين الدولة العراقية القومية على حساب الأغيار غير القوميين. ولذا، انتهجوا إبادة ثقافية طويلة الأمد بغية صهر الكرد في البنية البعثية القومية العربية، واعتبروا الكرد “يعيشون في المكان الخطأ”.

رغم أن البند الرابع في المادة الثانية من اتفاقية الإبادة اختصت بالإبادة الثقافية (الحضارية)، فقد بذلت القوى العظمى جهودًا جبارة للحيلولة دون الاعتراف بالإبادة الثقافية. ويُمثل تعريب الكرد قسريًا على أياد الأنظمة العراقية، ملكية وجمهورية، إبادة ثقافية بدأت مع تقسيم كردستان العثمانية وقيام دولة العراق القومية، ولم تنته بعد. ومنذ إلحاق ولاية الموصل الكردية إلى العراق، انتهج النظام الحاكم استراتيجية التعريب في المناطق المتاخمة للمناطق العربية، وبالأخص الموصل وشنكال وكركوك وخانقين. وقد ابتغت السلطات العراقية تغيير بنيتها السكانية بإحلال عشائر عربية محل الكرد تمهيدًا لفصلها نهائيًا عن  كردستان.

ولما كانت اللغة الكردية عمودًا فقريًا في هوية الكرد وثقافتهم، فقد منعت العراق التحدث بها أو الكتابة بها، وأحيانًا سمحت بها على استحياء تحت سيطرة صارمة. وقد أباح قانون اللغات المحلية لسنة 1931م للكرد “بعض الحقوق الثقافية” ولكن لم يتم ممارستها بالكامل. وفي الواقع، إستراتيجية صهر أو دمج الكرد في منظومة التعريب لا تعني التعليم باللغة الكردية فقط؛ إذ تمخص عنها صعوبات التعبير عن مفردات الثقافة الكردية من أمثال الموسيقى والرقص والغناء والأعياد القومية (نوروز مثلاً) وإرتداء الزي الكردي. وباستخدام العربية فقط، أصبح من الصعب علي الكرد الدراسة في الجامعات أو التطوُّع في الجيش أو الحصول على وظيفة حكومية. وبدأت الكرديات ترتدي النقاب أو الحجاب أسوة بالعربيات، ولم يكن من عادتهن ارتداءه.

ولم يقترف النظام العراقي برامج الدمج لأسباب دينية كون أغلبية الكرد مسلمين سُنه شأن الحكام العرب السُنه، ولم تكن بينهما أية خلافات مذهبية. بيد أن العامل الديني ينطبق بجلاء على الجماعة الإيزيدية وفقًا للجماعات المستهدفة بالأفعال الإبادية؛ إذ إنها جماعة عرقية وقومية ودينية في آن واحد.

الكرد على مدار التاريخ الوسيط والحديث، تعرَّض (الإيزيديون في شنكال وشيخان بالموصل إلى حملات إبادية مادية وثقافية. واستثنت السلطات الحاكمة الشباب الإيزيديين من الإنخراط في الخدمة العسكرية. ولكن مع تأسيس العراق، أُجبروا على أداء الخدمة العسكرية منذ عام 1934م مما أدى إلى تمرد الإيزيديين في شنكال، وانضمت إليهم عشائر كردية أخرى. وفي المقابل، سحق الجيش العراقي التمرد، وحرق العديد من القرى، وهجَّر 2000 شخص إلى جنوب العراق.

وثمة إبادات متداخلة، قومية ودينية وبيئية وثقافية، مادية ومعنوية اقترفها نظام صدام حسين ضد الكرد الإيزيديين الذين وصفهم بـ “عبدة الشيطان”. وآنذاك، طالبت السلطات العراقية الإيزيديين بقراءة القرآن والتحوَّل إلى الإسلام. وفرض البعثيون العراقيون على الكرد الإيزيديين هجر قراهم. أكثر من هذا، تم تدمير حوالي 250 قرية إيزيدية في جبال شنكال (سينجار)، وتسميم المياه القادمة من نهر دجلة لتزويد القرى الإيزيدية بمياه الشرب علاوة على تخريب أماكن العبادة الإيزيدية. وبذا، انتهجت السلطات العراقية إبادة جماعية وفي القلب منها إبادة ثقافية متكاملة الأركان المادية والمعنوية بحق الكرد الإيزيديين.

وعطفًا على الاستراتيجيات الإبادية الممنهجة ضد الكرد الإيزيديين على أياد العراقيين العرب المسلمين السُنه، ثمة إبادة متداخلة بين الجماعات القومية والعرقية والدينية اقترفها النظام العراقي بحق الكرد الشيعة المعروفين بـ “الفيليين”. وقد تمركزوا في بغداد، وتعود جذورهم إلى اللور ذي الثقافة الخاصة الذين أقاموا في إيلام وكرمنشاه بكردستان إيران (الشرقية). وقد عمل التجار الفيليون مع التجار اليهود واستفادوا من خبراتهم الطويلة في الميدان الاقتصادي. وعندما غادر اليهود العراق إلى إسرائيل مطلع خمسينيات القرن العشرين، شغل التجار الفيليون الفراغ الذي تركه اليهود، وقاموا بدور مهم في شئون بغداد التجارية. ورغم وجود هجرات ارتدادية من الكرد الفيليين (1959-1970،1971م)، فثمة هجرات قسرية اقترفها النظام البعثي إثر نجاح الثورة الإسلامية الشيعية في الاستيلاء على حكم إيران في عام 1979، وتوالت اعتقالات الفيليين ومصادرة أملاكهم وتسفيرهم عنوة إلى الحدود الإيرانية خشية أن يكونوا جواسيس أو أعوان للنظام الإيراني الجديد. ومن المفارقات، لم تُرحب إيران الخمينية بالكرد الفيليين وتخوَّفت أن يكونوا جواسيس للنظام البعثي العراقي.

وقبيل عمليات الأنفال، وتحديدًا بين عامي 1983-1986م، ألقت السلطات العراقية القبض على  حوالي عشرة آلاف من الكرد الفيليين وزجت بهم في غيابات سجن نقرة السلمان. ومن ثم، اختفت أية أخبار عنهم. ليس هذا فحسب فقد أبادت السلطات أيضًا 8300 بارزاني؛ كرد سُنه نقشبنديون، قبل عمليات الأنفال بخمس سنوات. ولاريب أن هذه العمليات الإبادية تُعد تدريبًا بعثيًا حول كيفية تنظيم اعتقال وقتل الآلاف من البشر في آن واحد.

وإذا كانت آمد – ديار بكر قد شكلت بؤرة نضالية في كردستان الشمالية ضد مشروعات التتريك، فلاغرو أن كانت كركوك بمثابة العقدة ضد استراتيجيات التعريب في كردستان الجنوبية. وفي الواقع، تتبوأ كركوك في الوجدان الكردي ما تتبوأه القدس في الوجدان العربي والإسلامي. وثمة اعتقاد لدن كثير من الكرد بأنها “قلب كردستان”. بيد أنها تكتسب أهمية جيوستراتيجية كونها منطقة نفط وغاز في آن؛ إذ تحتوي على 6% من مخزون النقط العالمي، ولم يتم استكشاف المنطقة بالكامل، ولذا، أراد البعثيون تدمير شخصية كركوك الكردية، وتدمير مئات المنازل التي سُويت بالأرض باستخدام البلدوزر، وتهجير حوالي أربعين قرية كردية عنوة وإحلال العرب محل سكانها. وباستخدام     هذه الآليات، انتهج البعث العراقي استراتيجية التغيير الديمجرافي كجزء أصيل في التعريب؛ الإبادة الثقافية. وقد تجلى الاستبداد البعثي في التعريب القهري بتدمير الجيش العراقي لقلعة كركوك بالبلدوزر. ورغم كردية كركوك التاريخية، فثمة تركمان وكلدان وآشوريين وأرمن ويهود عاشوا في حاراتها لمئات السنين في سلام ووئام.

الكيماوي

      وبوصول على حسن المجيد – مهندس إبادة الكرد – إلى كركوك، شهدت كردستان الجنوبية استعمال السلاح الكيماوي لأول مرة ضد الأهداف العسكرية والمدنية. وفي الواقع، استخدم الجيش العراقي قنابل النابالم أثناء انتفاضة طلاب جامعة في قلعة دزة عام 1974م. بيد أن استخدام هذا السلاح غدا مألوفًا إبان نظام صدام حيث هاجمت الطائرات مقرات الأحزاب الكردية من الجو وهدمتها بالبلدوزرات من البر. ومرة أخرى، جرَّبت السلطات العراقية البعثية المتطرفة عمليات القتل الجماعي للكرد واختبار ردود الفعل الإقليمية والدولية قبيل القيام بعمليات الأنفال.

وفي هذا الميدان، توجد أدلة على نية القوات الأمنية العراقية إخفاء – بأوامر السلطات البعثية العليا – أعداد كبيرة من الكرد غير المقاتلين. وثمة حالات متعددة لفصل الذكور عن الإناث، وحسب العمر، وسجنهم دون غذاء أو دواء علاوة على رمي النساء والأطفال بعيدًا عن ديارهم. وعمومًا، هناك تقديرات بحوالي ستين هجوم كيماوي بين عامي 1987-1988م. ولاريب أن الكرد لم تكن لديهم أدنى فكرة عن الحروب الكيماوية. ولذا، تسبب القصف في انهيار معنويات البيشمركة والمدنيين، وأرهب الأهلين مما دعا القوات الكردية إلى ترك مواقعها لإنقاذ ذويهم.

ويُعد الهجوم على  حلبجة في 16 مارس – آذار 1988م أكبر هجوم بالسلاح الكيماوي على أهداف مدنية في التاريخ المعاصر. وقد قذفت السلطات العراقية المدنية بمزيج من غازات الخردل والأعصاب والسيانيد والسارين. وبأوامر مباشرة من على الكيماوي، اغتيل فورًا من 4 أربعة إلى سبعة آلاف كردي، وجرح أكثر من عشرة آلاف آخرين. وهرب الناجون من حلبجة إلى إيران التي أقامت لهم 13 معسكرًا. وباستخدام كل أدوات التدمير، سوَّى الجيش العراقي بيوت الكرد بالأرض، ودفن الآلاف في مقابر جماعية، وبقيت مئات الجثث ملقاة على  قارعات الطرق، ودخل الناجون في سلسلة أمراض عصبية ونفسية معقدة. ورغم الأدلة البائنة على قتل آلاف من المدنيين الكرد، فلم يُوجه المجتمع الدولي أية انتقاد لنظام صدام. ببساطة، كان حليف الغرب ضد إيران الخمينية. وكان الصمت الدولي إشارة خضراء للمضي قدمًا في المزيد من إبادة الكرد. وبينما كان القصف الكيماوي على أشده فلاغرو أن بدأت عمليات الأنفال.

عمليات الأنفال الإبادية

      رغم أن عمليات الأنفال بدأت يوم 23 فبراير – شباط 1988م قبل الهجوم على حلبجة، ولكن لا يمُكن إدخال القصف الكيماوي لحلبجة ضمن عمليات الأنفال؛ إذ أنها مدينة وليست قرية، ولم يختفي سكانها شأن قرى الأنفال، بل قُتلوا في مدينتهم وتُركت جثثهم بها. وجدير بالتسجيل أن القرى الكردية كانت مصدرًا قويًا لدعم حركة التحرر، ووفروا الطعام والملاذ لقوات البيشمركة. ولذا، صمم البعثيون مع سبق الإصرار والترصد على إزالة الدعم اللوجستي للبيشمركة، والأهم، قطع الكرد من جذورهم طالما أن الريف يمُثل العمود الفقري للثقافة الكردية وطريقة للحياة. وفعلاً، تمخضت عمليات الأنفال عن تدمير الريف الكردي كليًا في كردستان الجنوبية عبر ثماني حملات ضد البيشمركة وأهالي الريف بدأت في 23 فبراير – شباط وانتهت في 6 سبتمير – آب 1988م. وبلغ حصاد الخسائر البشرية حوالي 182 ألف كردي على الأكثر من وجهة نظر حكومة إقليم كردستان أو خمسين ألف على الأقل من منظور منظمة هيومن رايتس ووتش.

كانت قيادة عمليات الأنفال تحت إمرة مكتب تنظيم الشمال التابع لحزب البعث برئاسة على  حسن المجيد (الكيماوي) أمين سر مكتب الشمال. وقد انتهج الجيش البعثي استراتيجية واحدة في جميع عمليات الأنفال.

تبدأ الاستراتيجية البعثية بهجوم كيماوي من الجو ضد البيشمركة والمدنيين بلا تفريق، وفي نفس الوقت، هجوم عسكري بري ضد البيشمركة. ولاشك أن حملات الأنفال كانت كبيرة من حيث حجم الدعم اللوجيستي. وقد تم ترحيل عشرات آلاف الكرد في توقيت واحد من قراهم إلى معسكرات الاعتقال، وأشهرها طوبزاوة على مسافة 15كم2 من  كركوك، ومعسكرات الجيش في تكريت. وقلعة دهوك. وبعد أيام معدودات، فصلت السلطات النساء والرجال والأطفال عن بعضهم البعض. وبينما نقلت الرجال القادرين على القتال والعمل والإنجاب إلى أماكن مجهولة تمهيدًا لقتلهم ودفنهم جماعيًا، نقلوا النساء والأطفال وكبار السن إلى شمال كركوك، وكذا، سجن نقرة  السلمان الجهنمي على مقربة من الحدود العراقية السعودية، ثم أطلق سراحهم بموجب العفو الصادر في 6 سبتمبر –أيلول 1988م.

بدأت حملة الأنفال الأولى في 23 فبراير – شباط وانتهت في 19 مارس – آذار 1988م. وقد استهدفت مقرات الاتحاد الوطني الكردستاني في وادي جافايتي موطن عشيرة الجاف الشهيرة. بينما كانت إذاعة الاتحاد تقع في قرية بركلو (السفلى)، وقع في قرية سركلو (العليا) مقر القيادة الإقليمية للإتحاد المسئولة عن عمليات البيشمركة في محافظة كركوك، ورغم شدة حصار الجيش العراقي، نجحت قوات البيشمركة في الانسحاب عبر جبال قنديل إلى إيران. وقد ترك الجيش ممرًا لهروب المدنيين، وهو ما لم يتكرر في الحملات القادمة، ولكن اختفى بعض المعتقلين المدنيين. وبعد حصار وادي جافايتي لما يُناهز ثلاثة أسابيع، دخلت القوات العراقية قريتي سركلو وبركلو.

وقعت الحملة الثانية بين 22 مارس- آذار وأول أبريل – نيسان 1988م، واستهدفت قرى منطقة قرة داغ بين السليمانية وكرميان. وفي عام 1987م، حاول الجيش العراقي وأعوانه من الجاش الكرد السيطرة على مدينة قرة داغ. بيد أن قوات البيشمركة قد هزمتهم. وكالمعتاد، بدأت الحملة الثانية بقصف كيماوي على قرية سيوسينان، وقتلت أكثر من 80 مدنيًا في أول أيام الحملة. وتوالى القصف الكيماوي في اليوم الثاني. ولذا، هاجر أهل قرية جافران. وانتشر الرعب بين الكرد، وأخذوا يهرعون شمالاً إلى السليمانية. ونصب الجيش كمائن على الممرات، وأنشأ معسكرات مؤقتة. وفتشت قوات الأمن البيوت بحثًا عن القرويين الهاربين. واحتجزت السلطات المعتقلين لمدة أربعة أسابيع، وفصلت النساء عن الرجال، وفقد الشباب الكرد القادرين على القتال حياتهم ضمن إبادة نوعية ممنهجة ومنظمة.

وحدثت الحملة الثالثة منذ 7 إلى 20 أبريل – نيسان 1988م، واستهدفت قرى كرميان وكلار وباونور وكفري ودووز وسنكاو وقادر كرم في محافظة كركوك وجنوب السليمانية. وتتسم هذه العملية بأنها الأكثر دموية. وفي هذه المناطق، قاومت البيشمركة ببسالة وشجاعة ضد القوات العراقية مما دفع الأخيرة إلى “إخفاء” المعتقلين. وتُعد الهيمنة العراقية على كركوك المسألة الأصعب منذ تأسيس الدولة مطلع عشرينيات القرن العشرين. وثمة رؤى تؤكد أن الاستيلاء على  كرميان وعاصمتها كركوك كان السبب الأبرز في الأنفالات الثمانية. وبسبب جغرافيا المنطقة، كانت هذه الحملة أقرب إلى الحرب التقليدية بموجات متتالية من هجمات المشاة والمدرعات والمدفعية مدعومة بهجمات جوية وقوات الجاش الكردية. ولذا، استسلم المدنيون، واعتقل الجيش جميع الأحياء. ونظرًا لضعف الاتحاد الوطني في هذه المناطق، فلم يستخدم الجيش السلاح الكيماوي بنفس حجم الحملتين السالفتين. وقام الجيش بحرق 120 قرية في كرميان، لم تكن جميعها أهدافًا عسكرية. وبذا، تم محو أي أثر لأي استيطان بشري.

وجرت حملة الأنفال الرابعة منذ 3 إلى 8 مايو – آيار 1988م، واستهدفت بلدات وقرى وادي الزاب بين أربيل وكركوك. وبدأت العمليات بقصف جوي على قريتي كويتية وعسكر. وآنذاك، ارتفع منسوب المياه في نهر الزاب الأسفل مما صعب محاولات عبور النهر. وهرب الأهالي من كل اتجاه عندما بدأت غارات الجيش. وبينما اعتقلت القوات كثيرين، نجح آخرون في الاختباء. ويُلاحظ اختفاء الكثيرين من أبناء قري واي الزاب.

واندلعت حملات الأنفال الخامسة والسادسة والسابعة منذ 15 مايو – آيار حتى 26 أغسطس – آب 1988م، واستهدفت قرى ووديان وجبال شقلاوة وراوندوز. وقد بدأت الأنفال الخامسة بهجوم كيماوي على قرية هرتلة. وفي 23 مايو –آيار، قصف الجيش العراقي باليسان وهيران والقرى المجاورة في الوادي بالسلاح الكيماوي. هربت بقايا المدنيين والبيشمركة إلى التلال المجاورة، وذهب آخرون إلى معسكرات اللاجئين في إيران. وكان عدد الكرد المختفين خلال هذه العمليات أقل من الحملات السابقة باستثناء قرية بلى السفلى التي عانت أكبر اختفاء للمكان.

وأخيرًا، أُجريت حملة الأنفال الثامنة منذ 25 أغسطس – آب حتى 6 سبتمبر – أيلول 1988م، واستهدفت مناطق بهدينان وآميدي وأكري وزاخو وشيخان ودهوك، وآنذاك، فقد الاتحاد الوطني الكردستاني معظم قواته في مواجهات الأنفال السبع السابقة. واستهدفت الأنفال الثامنة الحزب الديمقراطي الكردستاني، وبدأت عقب وقف إطلاق النار في الحرب الإيرانية العراقية مما ساعد الجيش العراقي على الاستمرار في حملات الأنفال. وأرسل مهندس إبادة الكرد على حسن المجيد الكيماوي 200 ألف جندي إلى منطقة يوجد فيها بضعة آلاف من البيشمركة علاوة على 14 أو 15 فرقة عسكرية، وفوج كيماوي، ووحدات جوية، وأفواج الدفاع الوطني وقوات الجاش. ولذا، تدمرت من 300 إلى 400 قرية في بهدينان. وبدأ الكرد يهربون من قراهم في اتجاه الحدود التركية والاعتصام في الجبال. وقد انتهى  القتال في ليلة 26 أغسطس- آب 1988م، واتجه حوالي من 65 إلى 80 ألف إلى الحدود التركية، واعتقلت السلطات العراقية المئات، واعتصم آخرون في الجبال لحين صدور العفو العام في 6 سبتمبر – آيلول 1988م.

أنفال الأنفال

      نجحت حملات الأنفال في تنفيذ إبادة جماعية بحق الكرد فيما تمخص عنه اصطلاح المؤنفلين؛ أي العائلات التي فقدت أحد أو عددًا منها إبان هذه الحملات. وثمة نوعنة جد بائنة في هذه العمليات الإبادية؛ إذ كان معظم المختفين من الذكور لاسيما القادرين على حمل السلاح، كما ظلت أعداد غفيرة من النساء والأطفال بلا زوج أو أب، ولذا، عاشوا في فقر مدقع. ولم يتلقى المؤنفلون أي دعم أو إعادة تأهيل، ولاحقًا، تبنت وزارة الشهداء والمؤنفلين في حكومة إقليم كردستان رعاية هؤلاء الضحايا. وتُعاني الأرامل والأمهات الطاعنات في السن من مشكلات نفسية شديدة ومعقدة على خلفية ما رأوه بأمهات عيونهن إبان قيامة الأنفال. ورغم هذا، لم تكن الأنفال نهاية الاستبداد البعثي ضد الكرد، وقد تركت آثارها على المجتمع الكردي. ومجددًا، ثار الكرد ضد عمليات التعريب القسرية، ولكن دون أن يتمكنوا من توحيد مقاوماتهم.

      نجح النظام البعثي القومي الاستبدادي في تدمير بنية المجتمع الكردي الزراعية بتدمير 1650 قرية قبل الأنفال و2600 قرية أثناء الأنفال. وبذا، نجح النظام في جعل الكرد سلبيين ومعتمدين على الدولة؛ إذ عندما هجَّر نظام صدام الكرد إلى المجتمعات قسريًا، استهدف منعهم من انتاج غذائهم، والاعتماد على الحكومة. وبتهجير الفلاحين الكرد إلى المدن، تلاشت الخبرات الزراعية الجبارة. وبذا، فقد هؤلاء الكرد ذاكرتهم الجماعية واختفاء الاكتفاء الذاتي والروح الكردية مما يُصنف بامتياز جريمة إبادة جماعية وفقًا لمفهوم الأمم المتحدة. وللأسف، أصبح الجيل الجديد يرى حياة الريف الكردي التقليدية تخلفًا. ولاريب أنها عملية انتزاع من الجذور ممنهجة بكل دقة. وقد طمح نظام صدام إلى أبعد ما وراء الإبادة، طمح إلى مسح الكرد بالكامل من الدولة العراقية: “حيث سيكون هناك طريق واحد بين كركوك والحدود التركية، ولا شئ آخر”. لقد نجح نظام صدام في إبادة جماعية بحق الكردـ، ولكنه لم ينجح في إبادة أمة كردية.

مصادر الدراسة

  1. محمد رفعت الإمام: إبادة الجنس البشري 1946-1948م، القاهرة، 2007م.
  2. دلشاد مراد: أيديولوجيا الإبادة العرقية في الشرق الأوسط، دار نفرتيتي، القاهرة، 2019.
  3. جيرارد جالياند: المأساة الكردية، ترجمة: عبد السلام النقشبندي، بيروت.
  4. كريستينا كويفنن: الكرد أمة الإبادات الجماعية، القاهرة، 2017م.
  5. بكر صديق عارف: حلبجة في مواجهة سموم الموت.
  6. فاتح محمد سليمان: عمليات الأنفال في كردستان العراق، كردستان العراق، 2010.
  7. فاتح محمد سليمان: عمليات الأنفال وآثارها على الشباب، دراسة اجتماعية نفسية ميدانية، إقليم كردستان العراق، 2010
  8. نجم الدين فقي عبد الله: الجريمة المنسية حول الأنفال وجرائم الإبادة الجماعية في كردستان، السليمانية، 2012.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى