سوزان القليني: الدراما أخطر من الإعلام على صورة المرأة

أكدت الدكتورة سوزان القليني، عميد كلية الآداب الأسبق بجامعة عين شمس ورئيس لجنة الإعلام بالمجلس القومي للمرأة، أن الدراما التليفزيونية تعد أحد أهم أشكال القوة الناعمة وأكثر تأثيراً من الصحافة ووسائل التواصل الاجتماعي، لأنها تخاطب العاطفة وتؤثر في لا وعي المشاهد، مما يجعلها قادرة على تشكيل السلوكيات المجتمعية.
وأبدت القليني خلال ندوة “تأثير الدراما التليفزيونية على صورة المرأة العربية بين الواقع والمأمول”، التي أقيمت بمنتدى آتون الثقافي وقدمها الكاتب الصحفي والخبير الإعلامي سيد أبواليزيد، استياءها من اقتصار صورة المرأة العربية في الأعمال الدرامية على كونها “ضحية” أو “مضحية” أو “فاسدة”، مؤكدة أن هذه الصور النمطية لا تعكس حقيقة المجتمع العربي المليء بالنماذج الإيجابية، داعية إلى تقديم صورة أكثر إنصافاً للمرأة وتشريعات تواكب ما تطرحه الدراما من قضايا.
واستهلت سوزان القليني حديثها بالإجابة على تساؤل حول تفوق الدراما في تأثيرها مقارنة بوسائل التواصل الاجتماعي، وقالت إن الدراما كشكل إعلامي مؤثرة بدرجة كبيرة لعدة أسباب؛ كونها تخاطب العاطفة والوجدان، كما أن من يشاهدها ليس مجبراً بل يتابع عملاً ما باختياره الكامل.
وأشارت إلى أن هذا يأتي إلى جانب حالة الاندماج النفسي والمعنوي التي تخلق بين الجمهور والنص الدرامي، ما ينعكس على المشاهد وقد يجعله يتقمص بعض الشخصيات الدرامية، وربما يتخذ قرارات تحت تأثيرها ويتم تقليدها في مواقف شبيهة بتلك التي وردت بالعمل الدرامي.
وأوضحت أن تأثير الدراما هذا يختلف عن الصحافة، لأن الأخيرة تعمل على نقل أو نشر المعلومة، أما وسائل التواصل الاجتماعي يهمها أكثر سرعة انتشار المعلومة، في المقابل فإن الدراما تكون أكثر استمراراً وتساعد أكثر على خلق حالة الاندماج، في ظل أننا قد نتابع مسلسلاً مدته 30 أو 15 حلقة، لنجد أنفسنا مع الوقت قلباً وقالباً مع شخصياته وأحداثه ومواقفه، منوهة إلى أنه من خلال هذا الاندماج والتزامن والوقت يكون التأثير كبير للغاية في المجتمع، على نحو ربما نراه في محاكاتنا لبعض شخصيات العمل الدرامي في الملبس ربما أو طريقة الحديث.
وشددت سوزان القليني على أنه في ضوء ما سبق فإن الدراما تنعكس على المجتمع في صورة سلوكيات، لأنها تؤثر في اللا وعي للمشاهد، ولهذا السبب فإنها بلا شك أحد أهم أشكال القوة الناعمة، وطالما أنها كذلك لا بد للمجتمعات أن تستغل هذه القوة الناعمة الاستغلال الأمثل، وأن تكون الدراما نافذة لمناقشة القضايا الملحة في المجتمع.
وحول قدرة الدراما على تغيير الصورة النمطية عن المرأة العربية، سوزان القليني قدراً من الضيق والاستنكار للصورة التي يتم تصديرها عن المرأة في الأعمال الفنية التي لا تخرج عن 3 صور؛ فإما أنها ضحية فقط، أو مضحية فقط، على نحو لا يعبر عن الواقع، والصورة الثالثة والأسوأ هي تقديم المرأة في صورة الفاسدة أو بشكل غير لائق، فإما أنها سلعة لإغراء الرجل أحياناً أو سيدة أعمال فاسدة أو تاجرة مخدرات، أو حتى لو كانت ناجحة فإنها قد وصلت بطرق غير لائقة، مشددة على أن الصور الثلاث تجافي تماماً حقيقة المجتمع العربي، الذي تؤكد أنه مليئ بالنماذج اللائقة والإيجابية التي يجب إظهارها.
وتحدثت عن أسباب هذه الحالة، فذكرت أن الإشكالية هنا لدى المنتج الذي لا يعنيه إلا أن يحقق له العمل الفني الربح، وهذه الصور غير اللائقة لتقديم المرأة هي التي تحقق له ما يريد، فضلاً عن استبعاد المنتجين والمخرجين والكتاب أصحاب الخبرات، والاعتماد على مجموعة من الشباب الذين يبررون تقديم مثل هذه الأعمال بأنها موجودة في المجتمع وينسون أن عليهم مسؤولية تجاه تحسين وضع المجتمع، إلى جانب رأي كثير من النقاد الذي يتحول إلى مجرد ترويج لعمل ما، مشددة على أن هناك حاجة ماسة للحوار بين القائمين على الأعمال الدرامية، وإصدار دراسات علمية لتحسين المحتوى الفني أو الدرامي.
تجارب الدراما العربية
ورغم هذه السلبيات، أكدت الدكتورة سوزان القليني أن هذا لا يعني عدم وجود بعض النماذج الدرامية أو الفنية بصفة عامة الناجحة، والتي كان لها تأثيرها على صعيد قضايا بعينها، مثل فيلم أريد حلاً للفنانة الراحلة فاتن حمامة الذي كان سبباً في تغييرات طالت قانون الأسرة.
ولفتت في هذا السياق إلى أن المجلس القومي للمرأة تبنى القضية التي طرحها مسلسل تحت الوصايا، والذي كان يناقش إشكالية تتعلق بأن القانون يقر الوصاية على الأبناء القصر للجد أو العم وليس للأم في حالة وفاة الزوج أو الأب، حتى لو كان هذا الجد أو العم فاسداً، موضحة أن المسلسل عن قصة حقيقية وصلت المجلس.
وأشارت كذلك إلى مسلسل “حسبة عمري” الذي تطرق إلى حق الكد والسعايا للمرأة، والذي أقره الشرع وأكده الأزهر الشريف، لكن القانون لم يطبقه، فنجد مثلاً امرأة تعيش مع زوجها 40 أو 50 سنة، وقد مات أبواها، وهي من أفنت عمرها في خدمة هذا الزوج لكنه فجأة يقرر طلاقها فإلى أين ستذهب وكيف ستعيش؟، وهنا فإن للمرأة حق الكد والسعايا نظير ما قامت به لهذه الأسرة.
وهنا لفتت سوزان القليني إلى أهمية التشريعات، إذ قالت إن الأعمال الدرامية والفنية تقدم قضايا مهمة، لكن الأمر يتطلب أن تكون هناك تشريعات منظمة لما تقدمه هذه الأعمال، وفي نفس الوقت تشريعات تعالج ما تطرحه، خاصة ما نراه خلال السنوات الأخيرة بما نشاهد من ألفاظ تطال المرأة وإهانات لها، محذرة من أنها تولد سلبيات ستكتسبها الأجيال الجديدة، وتصبح لديهم تلك الأمور عادية.
لا وصاية على الإبداع
وحول المأمول القيام به للحد من تلك السلبيات، أعربت سوزان القليني عن أملها أن يتم تقديم صورة المرأة في الدراما أو كافة وسائل الإعلام بشكل جيد للحفاظ على العلاقة القويمة بين الرجل والمرأة، مشددة على أنه من الأهمية بمكان إلقاء الضوء على النماذج الإيجابية للمرأة في المجتمع، وتقديم نماذج إيجابية للأسرة العربية.
وأعربت عن قناعتها كذلك بأنه لا بد للدولة – أي دولة عربية بصفة عامة – أن تضع قواعد وإجراءت منظمة للدراما بشكل عام، مؤكدة في الوقت ذاته أن وضع هذه القواعد لا يعني الحد من الإبداع أو فرض الوصاية عليه، وإنما هذا التدخل مطلوب لحماية المجتمع وصورة المرأة فيه، منوهة إلى أنه لا يعقل أن يتم تقديم صورة المجتمع في عمل فني على أنه فاسد.
ولفتت إلى أن المنتجين كذلك عليهم ألا يكون كل ما يشغلهم الربح المالي فقط، وإنما عليهم مسؤولية تقديم قيمة إيجابية للمجتمع في الأعمال الفنية، مجددة التأكيد على ضرورة الاعتماد على الكتاب أو المخرجين أصحاب الخبرة الكبيرة في أي عمل فني، وليس الاعتماد على الشباب الجدد فقط، حتى نضمن أن يخرج عمل فني يناسب قيم المجتمع، ويعمل على تحسين السلبيات وتعزيز الإيجابيات، فضلاً عن دور المجتمع نفسه الذي عليه مقاطعة ما لا يتناسب معه.
دور المجلس القومي للمرأة
وعن دور المجلس القومي للمرأة في مصر، كشفت سوزان القليني عن تشكيل المجلس لجنة لرصد ما يدور في الدراما والأعمال الفنية ومختلف وسائل الإعلام فيما يخص المرأة، وأوضحت أن الفكرة بدأت عام 2006 بعد تشكيل المجلس، حيث جرت مشاهدة المسلسلات المنتجة خلال رمضان من هذا العام، وكانت النتيجة صادمة بما قدمت تلك الأعمال من صورة قميئة عن المجتمع ورديئة على وجه التحديد فيما يخص المرأة المصرية.
ونوهت إلى أنه هنا ظهرت لدى المجلس فكرة تكوين مرصد إعلامي لمعالجة قضايا المرأة في وسائل الإعلام بما في ذلك الدراما، وقد تمت الموافقة على المقترح، مضيفة أنه لاحقاً جرى التفكير في وضع واقتراح معايير لمعالجة قضايا المرأة في كل أشكال الإعلام، وقد نجحت تلك الخطوة بإصدار كود يخص هذا الملف عام 2018، كأول كود إعلامي لمعالجة قضايا المرأة في وسائل الإعلام، وبموافقة من المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، لكنها تؤكد أن المجلس ليس جهة إلزام ومن ثم فإن الأمر يتطلب وجود قانون ملزم.
وتابعت بالقول: “نعمل في المجلس القومي للمرأة بشكل ناعم من خلال الحوار مع المنتجين والمبدعين. وأؤكد أن أي انعكاس خاطئ لصورة المرأة سيكون انعكاس خاطئ لصورة المجتمع ككل”، مشددة على الحاجة الماسة إلى تضافر المجتعات العربية لمعالجة صورة الدراما، التي وصفتها بأنها “سفير في الخارج”.
مداخلات الحضور ودرع التكريم
وقد استقبلت المنصة مشاركات لعديد من الحضور، تساءلت عن دور المنتجين فيما يتعلق باستثمار الدراما لتقديم محتوى فني أفضل، وضرورة أن تكون تصاريح الإنتاج لمن هم جديرين بها، فلا يصح إعطاء تصريح لمنتج ليس لديه أي خلفية ثقافية، لأنه بدون ذلك ستكون الأعمال غير مناسبة، بالإضافة إلى أهمية الدراما الإيجابية في تغيير الواقع، مثل مسلسل “هي والمستحيل” والذي كان سبباً في إقامة فصول محو أمية التحقت بها معظم سيدات القري.
وفي الختام قدم الكاتب الصحفي فتحي محمود مدير منتدى آتون الثقافي درع المركز للأستاذة الدكتورة سوزان القليني، تكريماً لها، والتي أعربت عن سعادتها الجمة بهذا التكريم، مبدية إعجابها بتجربة مركز آتون للدراسات ومنتدى آتون الثقافي خاصة على الصعيد الثقافي ومناقشة القضايا المهمة، وبعدها جرى التقاط صورة تذكارية.




