دراسات

مستقبل لبنان.. بين التحديات الداخلية والخارجية

تحليل: د. رائد المصري

توطئة            

تعيش منطقة الشرق الاوسط حالة غليان، لتثبيت معادلات حكم سياسية وإستقرار إقتصادي وإجتماعي دائم، يرغب به النظام الدولي، المنزاح نحو تمركزه الأخير في العالم والاقليم، جارفاً معه/ وممهداً أمامه، كل ظروف التهيئة والتسهيل لذلك، شاطباً كل عوائق أو نوافر تعطيل وتأخير مشاريع التنمية وسلاسل التوريد في إمدادات الطاقة والتصنيع والهيكلة الإقتصادية العالمية، من أقصى شرق آسيا وصولا الى أوروبا، فكل القوى الخارجية، العربية والدولية كانت تدعم دائماً قوى السلطة الحالية في لبنان وسوريا والعراق، وكانت تبارك وتثْني على إستمرارها وتمدُّ لها يد المساعدات دون قيد أو شرط، رغم معرفتها وإدراكها بأنَّ هذه المنظومة فاسدة ومستبدَّة وتدميرية، ورغم معرفتها بأن أموال الدولة والشعب تتعرَّض للنَّهب المنظم، ولمحاصصة الميليشيات، وللتقاسم بين الأزلام والمحاسيب في الحكم، لكن فجأة أوقفت هذه القوى الدولية دعمها، وأحْكَمت قبْضة العقوبات العربية والغربية على نظم الممانعة بعد الحرب الضروس التي شنَّتها إسرائيل بعد طوفان الأقصى من عزة الى اليمن مروراُ بإيران، في توقيت وظرف دوليين يبدو أنه مدروس، وإلاَّ لماذا الإنتظار كل هذه المدة حتى يدفع الشعب السوري الكثير من الدماء والتهجير والنَّفي والطرد وعبور البحار والفيافي الى أراضٍ ودول مجهولة المصير والمستقبل..؟ ولماذا بقي اللبنانيون قيد الإنتظار حتى الساعة لإستعادة أموالهم المسروقة التي لم تتم بعد، ومعرفة من فجَّر مرفا بيروت وقتل أبناءها، ومَن عبث بالأمن والإغتيالات السياسية ومحاسبة المتورِّطين، في حين أن الكل يعرف حقيقة من يرتكب كل يوم مجزرة بحق الشعب أمنياً ومالياً وتهجيرياً..؟   السلطة والدولة العميقة في لبنان تدرك أن دفع الثمن صار قريباً، وكذلك الدخول الى تسويات جدية بعيدة عن مغامرات ومقامرات تصدير الثورة والإيديولوجيا الدينية الى الخارج، لكنهم مستمرون في مكابراتهم وفي أخذ الشعوب رهينة في شعارات وإنتصارات هي أقرب الى الوهم، كان أحد أكبر من قدم خدمة لإستمرارية هذه النظم وبقائها، هو شعار مواجهة المشروع الإمريكي الإمبريالي وربيبته إسرائيل في المنطقة، وعلى منوالها سارت نظم الحكم في سوريا ولبنان وفلسطين والعراق واليمن مدعَّمة بالحكم في إيران، بإطلاق سردية شعارات ضدَّ الغرب، ومسوِّقاً في مخياله الأوهام التي لا يزال يعيش على بقاياها البعض، وتمَّت تصفية ترسيم الحدود البحرية مع إسرائيل، وتسلَّمت تل أبيب حقولاً مليئة بالنفط والغاز من حقوق لبنان الخاصة، بعد أن قُبض ثمنها أمريكياً وخارجياً في العراق، وعبر تشكيل حكومة وإنتخاب رئيس للجمهورية في هذا البلد المتشظي طائفياً والمليء بالفساد والقهر. 

كل توقيت هو مدروس بعناية فائقة في لبنان، وخاصة من خلال الإنهيار المالي والإقتصادي، وتعنُّت قوى السلطة الطائفية، فهي خير سبيل لدفعها إلى الرضوخ نحو التسوية المطلوب تحضيرها في الشرق الأوسط، حيث كانت أبرز علامات هذه التسوية في لبنان، توقيع إتفاق الترسيم بحراً مع إسرائيل، وتمهيد الأجواء لمفاوضات الترسيم براً، فيما المنطقة كلها منشغلة بمساعي التطبيع المتعددة الأقطاب مع إسرائيل، وإيران، وسوريا والعرب والولايات المتحدة.

المدّ التسونامي الدولي الجارف، كان ألْغى بدوره جَيْب ناغوني كاراباخ، عبر عملية ترانسفير سكانية في ليلة واحدة، في مشاهد صادمة  تتعلق بهجرة وتهجير عشرات الآلاف من الأرمن المغلوبين على أمرهم، بعد إقتلاعهم من ديارهم بالقوة، وما تجرّه من مضاعفاتٍ كارثية طويلة المدى، على جموعٍ بشرية فقدت بين ليلة وضحاها كل شيء، الأرض والممتلكات والكرامة الإنسانية، وتحوَّلت إلى عبء أمني وسكاني مُهمّش في دول الجوار، ليُعاد خلط الإتفاقيات اليوم في باكو بين تركيا وأذربيجان برعاية أميركية، واليوم هذا العالم، هو على إستعداد لأن يعيد الكرَّة في منطقة الشرق الأوسط في العراق وسوريا ولبنان، وغيرها من الدول التي تتحكم في مفاصل حكمها سلطة الميليشيات الطائفية، المتقاسمة لحصص وخيرات الدولة، والمشكِّلة خطوطاً دفاعية متقدمة لتعزيز الأوراق التسووية لدى الخارج، وبالتالي فقد هيَّأت هذه المنظومات الحاكمة في لبنان وسوريا والعراق، كل الأسباب لوقوع الإنهيار، وإستثمرت القوى الخارجية في فسادها لتمرّر مخططات سياسية إقليمية، تريد أن يكون لبنان وسوريا بالتحديد جزءاً منها.

في لبنان سيبقى ومن دون نهاية، سقف الإنهيار على أنواعه، كونه محكوماً بإنتهاء الصراع الإقليمي والدولي المتشابك، خصوصاً أن القوى السياسية المحلية، إعتادت على إدارة بلاد مشلولة فاقدة للقرار، وكيانات ضعيفة يقرِّر في شأنها الأقوياء على الطاولة في الشرق الأوسط، وعملياً لن تتمكن نظم الحكم الميليشياوية في السلطة، من حل أزماتها الحالية بوجوهها السياسية والإقتصادية والأمنية، ولن تحصل على سلامها الداخلي، إلاَّ بعد إنجاز التسويات الجاري تحضيرها للمنطقة، فلا مساعدات ولا إنقاذ إقتصادي، إلاَّ إذا مشت هذه النظم في المسار الدولي، الذي يتم التوافق عليه بين أصحاب القرار إقليمياً ودولياً، فهم إرتضوا لأنفسهم هذا الإبتزاز وهذه المهانة، بعد أن رهَنوا الدول ومقدراتها وشعوبها بيد الخارج، وأضعفوا أجهزة الحكم ومؤسسات الدولة، وكرَّسوا وأمعنوا في تعزيز الخطاب الديني والفئوي الطائفي المتطرف، لتمكين الأقليات من الحكم عبر صيغة هي الأكثر عنفاً في ممارسة السلطة، وفي مفاصل الدولة، حتى صارت بمثابة دولة عميقة موازية..من أجل الدخول في تسويات إقليمية صارت أكثر خضوعاً وتنازلاً من أسلوب حكمها الإستبدادي طيلة خمسين عام وأكثر…

الدولة المدنية والدولة الطائفية

سلاح حزب الله ونزعه، هو الحديث السائد اليوم في لبنان، وقطب الرحى سياسيّاً فيه، بعد الحرب الإسرائيلية وتصفية أغلب قادته العسكريين والأمنيين وترسانته التسليحية، وللأمانة، السلاح في لبنان لم يكن يوماً محصوراً بفئة أو طائفة، بل كان أداة متكرّرة مستخدمة لكلّ الطوائف، في لحظات ضعف الدولة وهي كثيرة، أو من أجل التنافس على التحكّم بالدولة وأهلها، فكلّ طائفة تقريباً مرّت في مرحلة إمتلاك السلاح وإستعملته لتحقيق مكاسب أو حماية ذاتها، لكنّها كلّها، مع الوقت دفعت أثماناً باهظة من موقعها ودورها.

كل تاريخ الحروب الأهليّة للطوائف اللبنانية كافّة يشي يقيناً وبالعقل السياسي، إنّ سلامة أيّ طائفة لا تكون بإحتكار العنف والقوّة على حساب الدولة، ويقول أيضاً إنّ السلاح وَبال على حامِله، ويزيد ضعفاً للطائفة، وما أكثر الأمثلة والشواهد على السلاح، فقد حاول الموارنة أن يُقوُّوا موقفهم ويدافعوا عن مكاسبهم وهيمنتهم، فكانت النتيجة العكس تماماً، خسروا كلّ شيء ولم يبقَ لهم إلّا الذكرى.

إنّ النظام القائم في لبنان هو نظام طائفي وليس نظاماً مدنياً، وإنّ الدولة المدنية هي مطلب للعديد من الفئات والتّيارات، بما فيها التيار الديني في مُجمله، الذي يرتضي نموذجاً محلّياً وواقعيّاً للدولة المدنية، بعيداً من أي إسقاط نموذجي قد يُمارس، يتضمّن أكثر من إستلاب، أو إغتراب عن الذات والإنتماء، وقد يصحّ أن يقوم هذا المفهوم للدولة المدنية على الأسس التالية: العلمانية، والعقلانية، والعدالة، والديموقراطية، كآلية لإنتاج السلطة، والمصلحة الوطنية كمعيار لممارستها، وبالكفاءة كميزان للعدل، وتلبية حاجاتها البشرية، ممّا يفضي إلى مواجهة الطائفية في مجمل مفرداتها وجميع أشكالها ومؤدّياتها، بما فيها المحاصصة الوظيفية، والفساد والهدر وإستغلال السلطة والنفوذ.

وقد تكون هناك حاجة لأكثر من نقاش علمي في مفهوم تلك الدولة، ومجمل أسُسها ووظائفها وأهدافها، لكن من أهم القضايا التي يجدر التوقف عنده، أن هناك من يسعى إلى توجيه مفهوم الدولة المدنية إلى منحى تطهُّري من الدين، وليس من الطائفية، وهو ما يحتاج إلى شيء من النقد والتحليل، حتى لا يخرج ذلك المسعى إلى الدولة المدنية عن مساره الواقعي والعقلاني، إلى مسار لا يوصل إلى غاياته الواقعيّة والصحيحة، حيث يوجد خلط في تلك المقاربة بين الدين والطائفية، وهو خلط غير صحيح، لأن جوهر الدين وماهيته، يختلف عن جوهر الطائفية وماهيتها، وقد تؤدي تلك المقاربة إلى حرف الأنظار عن جوهر المشكلة التي تعاني منها الدولة في لبنان، بل الإجتماع اللُّبناني العام برمّته، وهي الطائفية وإمتداداتها، وقد تؤدّي إلى إعاقة ذلك المسعى إلى بناء الدولة المدنية، لأن العمل على إقصاء الدين، سوف يصطدم بشرائح واسعة من المجتمع اللبناني تلتزم قيمها الدينية، خصوصاً ما يتّصل منها بالأحوال الشخصية، وهي لن ترتضي أي مفهوم للدولة ترى فيه إلغاءً لخصوصيتها، وعدواناً على قيمها، بل تهديداً لحصانتها الإجتماعية والأسرية، وقد يكون في تجيير المسعى إلى إقامة الدولة المدنية نحو إقصاء الدين، وتحديداً إلغاء قانون الأحوال الشخصية الديني، تعطيل لذلك المسعى، لأن هناك من يدرك أن إلغاء ذلك القانون لن يكون محل قبول من التيار الديني، والعديد من فئات المجتمع اللبناني.

وعليه، عندما يتلازم المسعى إلى الدولة المدنية بإلغاء قانون الأحوال الشخصية الديني، فهذا يعني أنّه يُراد الإبقاء على الطائفية، ويُراد تالياً الحؤول دون الوصول إلى الدولة المدنية، وإلّا لو كان المقصود الدفع نحو الدولة المدنية، لما عُمِلَ على إعاقة الوصول إليها من خلال تلازمه بشرط قد يستحيل تحقيقه.(1)

هنا لا بدَّ من الإلتفات إلى أن قانون الأحوال الشخصية المعمول به في لبنان ليس قانوناً طائفيّاً، وإنّما هو قانون ديني، تعمل فيه كل طائفة بما يراعي خصوصيتها الدينية، فهناك فرق بين قانون يكون منتجاً طائفياً، وبين قانون يكون منتجاً دينياً، فمثلاً لو أردت الحديث عن قانون الأحوال الشخصية الإسلامي، فهذا القانون لم تنتجه الطائفة كمكوّن إجتماعي، وإنّما هو نتاج ديني، وإن عملت به هذه الطائفة أو تلك، أي أنّ ذاك القانون لم يتكوّن نتيجة عقد طائفي، وإنّما هو نتيجة فهم علمي من القرآن والسنّة، كمصادر تشريع في الإسلام، ومن هنا فإنّ توصيف ذلك القانون الديني للأحوال الشخصية، بأنّه قانون طائفي هو توصيف مضلّل، إذ قد يكون الهدف منه توظيف مصطلح طائفي ومرضه في الوعْي الجمعي اللبناني، لإلصاقه بالدين وتشريعه في الأحوال الشخصية وغيرها، وذلك للوصول إلى غايات محدّدة، يسعى إليها من يمارس ذلك التوظيف، وهي مقاربة تفتقر إلى الصحة والصدقية، لكن ومع ذلك يمكن الوصول إلى الدولة المدنية، وقد يُلغى هذا القانون، ويحلّ محلّه قانون وضعي للأحوال الشخصية، من دون أن تتقدّم التجربة اللبنانية خطوة واحدة إلى مدنية الدولة، وذلك لأنَّ القانون الديني للأحوال الشخصية ليس سبباً للطائفية، وهي لن تنتفي تالياً بإنتفائه.

ومن هنا ينبغي القول إن الدولة المدنية في الواقع اللبناني، تعني بشكل أساسي الدولة اللاطائفية، وأن نقيض المدنية في لبنان هو الطائفية، وأنّ الذي يؤدّي إلى إنحلال وضعف الدولة في التجربة اللبنانية هو الطائفية في ثقافتها، وقيمها وفي نظامها، وجميع مفاعيلها من محاصصة، وهدر وفساد وزبائنية، فالطائفية مقولة غير عقلانية، لا يبرّرها العلم، ولا تساعد عليها الديموقراطية، وتتنافى مع العدالة، ولا يشرعِنها الدين، لأنّها نوع من العصبية العنصرية، التي تتنافى مع جوهر الدين وقِيَمه، وإن عملت على تسويغ نفسها بمرتكز ديني، حالها حال أي عصبية تسعى إلى الإرتكاز على منشأ ما، قد يكون جغرافياً، أو عرقياً، أو قبلياً أو عائلياً أو دينياً، لكنها حتى في هذه الحال،  وعندما تسعى إلى تبرير ذاتها دينياً،  فهي توظّف الدين بما يتنافى مع قيمه، وتستخدمه بما ينافي جوهره، شأنها شأن أكثر من سلطة زمنية في التاريخ الديني، عندما سعت إلى إستغلال الدين لتحقيق مصالح خاصة، وإن كان هذا الإستغلال لا ترتضيه قيم الدين ولا تساعد عليه.

كذلك الأمر فإن الطائفية، فهي نوع من العصبية العنصرية، التي تسعى إلى إستغلال الدين لتبرير نفسها، ومدّها بأسباب القوّة والبقاء، لكن هذا الإستغلال لا يُكسبها شرعية الدين، وإن نجحت في كسب تأييد أي من رجال الدين ومؤسّساته، لكن هؤلاء عندما يدعمون الطائفية في تجليّاتها الإجتماعية أو السياسية، فهم لا يصدرون في فعلهم هذا من الدين في قيمه ومعانيه، بل من الطائفية في لبوسها وتشوّهاتها.

فالطائفية هي نوع من العنصرية التي تنجز تضليلاً ثقافياً وسياسياً غير مقبول، والتي تعني تعظيم الأنا الطائفية، وتقديمها على أنّها أعلى من أي آخر من فئات المجتمع، مع ما يمكن أن يؤدّي إليه ذلك من مضاعفات ونتائج خطيرة على أكثر من مستوى، لا تقف عند حدود إلغاء فكرة الدولة أو إضعافها، والتأسيس لديناميات مستديمة من الإحتقان الإجتماعي، والتوترات الإجتماعية والسياسية، سببها شعور فئات كثيرة بالغُبن والظُّلم، نتيجة التمييز الطائفي في أكثر من مجال، ولربَّما التأسيس لإنتاج أزمات وتصدّعات ونزاعات ذات مضمون طائفي، ولو بعد عقود من الزمن، فضلاً عن إيجاد بيئة مساعدة على الزبائنية، والفساد والهدر وإستغلال السلطة، وهذا يعني أنَّ من يُريد بناء الدولة، عليه أن يرفض الطائفية ويلفظها، وأن من يسعى إلى الإصلاح في تلك الدولة، عليه أن يجفّف جميع مصادر الطائفية لديها في القانون والأعراف والممارسة، فضلاً عن أن تكون تلك الدولة المنشودة هي الدولة المدنية، أمّا الدعوة إلى بناء الدولة وإصلاحها مع العمل على تعزيز الطائفية وقيمها، فهو نوع من التهافت، والتضليل الذي لا يصحّ أن يمارسه من يحترم العقول ويقدّر أفهامهم.

إنّ الطائفية هي نقيض مجمل تلك القيم التي تقوم عليها الدولة المدنية، ولذلك سوف يكون المدخل إلى بناء تلك الدولة، في إلغاء وكَنْس الطائفية في جميع أشكالها وتعابيرها، أمّا الدين فقد يكون في العديد من قيمه وقراءاته، المعين والمساعد على بلوغ تلك الدولة في عقلانيتها، وعدالتها وعلمانيتها، وتقديمها للبعد الإنساني، والكفاءة والمصلحة الوطنية على أي إعتبار آخر.

تعريف الدولة المدنية

الدولة المدنية هي دولة غير عسكرية وغير دينية، ينعم فيها المواطنون بالحرية والمساواة في الحقوق والواجبات، تسودها قِيم الثقافة المدنية، القائمة على التسامح وقبول الآخر، والثقة في عمليات التعاقد والتبادل المختلفة، معتمدة على مبدأ المواطَنة، الذي يعني أن الفرد لا يُعرّف بمهنته أو بدينه أو بإقليمه أو بماله أو بسلطته أو بجنسه، وإنما يُعرّف تعريفاً قانونياً إجتماعياً بأنه مواطن وعضو في المجتمع له حقوق وعليه واجبات.

وعلى مبدأ الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة، فالمبادىء الهامة في الدولة المدنية أيضاً، أنها لا تتأسس بخلط الدين بالسياسة، كما أنها لا تعادي الدين أو ترفضه، حيث أن ما ترفضه الدولة المدنية، هو إستخدام الدين لتحقيق أهداف سياسية، فذلك يتنافى مع مبدأ التعدُّد الذي تقوم عليه الدولة المدنية.

وهنا وجَب التفريق بين الدولة المدنية والدولة العلمانية، حيث كلاهما ضد الدولة الدينية، لكن العلمانية ترى أن الدين لديه شكل معين للدولة، وبالتالي يجب فصله عن الدولة، بينما المدنية ترى أن الدين ليس لديه شكل للدولة، وبالتالي يتم التعامل معه كقضية إجتماعية وثقافية.

أما العلمانية، فهي تدعو للمساواة أمام القانون، وتعني المساواة فرض قانون واحد على الجميع، والتشريع والقوانين في العلمانية يجب فصلها عن الدين، بينما في الدول المدنية تحترم الإستحقاق الديمقراطي، وبالتالي يجوز للأغلبية الفائزة تعديل القوانين مع مراعاة حقوق الأقلية، والحفاظ على الشكل المدني للدولة، كما أنَّ العلمانية لا تهتم بشكل نظام الحكم، علماني ملكي عسكري حزبي، فالمهم هو فصل الدين عن الدولة وقوانينها، أما الدولة المدنية فتشترط التداول السلمي المدني للسلطة، إذ أنه من أبرز الإنجازات الحضارية لتجارب الدول العلمانية، الفصل القانوني بين الدين والسياسة والعِلم، وبالتالي فصل التعليم عن تأثير أي دين، كما ألْغت بشكل مطلق شرعية أية فتوى دينية أو سياسية، تمسّ حياة عالِمٍ أو مفكِّر، بينما لا تبدو في مشاريع الدول المدنية، أية نوايا بإتجاه إلغاء الفتاوى المعادية للحرية والإنسان.

إن الدولة المدنية من وجهة نظرإسلامية، تقوم معايير تمثيلها على إرادة المجتمع وكونها دولة قانون، وإنطلاقها من نظام مدني يضمن الحريات ويقبل التعددية وقَبول الآخر، وقيامها على إعتبار المواطنة أساساً في الحقوق والواجبات لجميع المواطنين فيها، وإلتزامها بالديمقراطية والتداول السلمي على السلطة، أما كون القوانين تستند إلى المرجعية الإسلامية، ومن التجارب العديدة على أرض الواقع، فإن الديمقراطية لم تشكل سوى صباغ تتجمل أو واجهة تتخذها الحركات الإسلامية شكلاً بأنها تقبل الديمقراطية والتنوع، وفي النتيجة، من غير المقبول وجود أحزاب دينية في الدولة المدنية، لأسباب كثيرة، كعدم قبول الفكر الديني للحرية بمفهومها المعاصر، وعدم قبول الفكر الديني للمساواة ومنها مساواة المرأة للرجل، والمساواة بين الأديان، كل هذا يقوِّض مبادئ الدولة المدنية المنشودة.  

حقيقة إتفاق الطائف المخيفة في لبنان

لقد أبرزنا في هذا الإستطراد الكبير ضرورة تظهير النظام اللبناني، بوجهيه الدستوري بصيغة 1943 وإتفاق الطائف، فالإصلاحات الإجتماعية والسياسية التي ساقها إتفاق الطائف يحكمها التضارب في القرارات، التي تظهَّرت مؤخراً بشكل مخيف، فهو يؤكّد من جهة بأنّ المذهب والدين سيُلغى ذكرهما من الهوية الشخصية، لكن من جهة ثانية، بقيَ النظام الإنتخابي قائماً على التمثيل الطائفي، الذي يحتّم ذكر الطائفة على إخراجات القيد، وهو ما يجعل إلْغاء ذكره من الهوية دون معنى، ولا دلالة إجتماعية أو سياسية له.

فقد أبْقت السلطة الحاكمة في لبنان، على البُنى السياسية التقليدية والقائمة على الهوية الطائفية والمذهبية، وتجاهلت بناء مواطَنة حيّة وحرّة، ومتحرِّرة من القيد الطائفي والمذهبي، حيث كان قد ضمِن الدستور القديم، ولو نظرياً حقوق المواطنين ومساواتهم أمام القانون، ليأتي إتفاق الطائف، الذي مثّل نقلة وإرتداداً إلى الوراء، إذ أصبح لكلّ لبناني إنتماءاً أو وجْهاً مزدوجاً جراء ثنائية القوانين، ممَّا أضعف الحسّ الوطني، وصار هناك وجود لمواطن مسيحي ومواطن مسلم، ولا يعترف الطائف بمواطنية أي دين أو مذهب آخر، كما لا يعترف بمواطنية العلماني، الذي لا يريد أن ينتمي إلى أي توجّه ديني في السياسة، وهذا بدوره يتعارض مع شرعة حقوق الإنسان، التي وقّع عليها لبنان والتي تحفظ حقوق المواطن بمعزل عن دينه أو جنسه أو معتقده أو أصله.

إتفاق الطائف قطع الطريق على كلّ من يؤمن بالمواطنية، فقبلُ، كان بإستطاعة المواطن أن يلجأ إلى دستوره غير المطبّق، ليحتمي به من تعسّف الطوائف، حيث أنه لم يكن يُعترف بالطوائف كهيئات قانونية، وأُدرجت المادة 95 كوضع إستثنائي خارجة عن السِّياق العام، الذي يؤكِّد على حقوق المواطنية من دون أن تطبَّق أو تفعَّل حتى يومنا هذا، وهو ما شكَّل خرقاً وضرباً للدستور، من قبل كل من تعاقَب على الحكم. فالدستور يجب أن يشكِّل منارة الشعوب وفسحة إستقرارها، بينما نجد بأن إتفاق الطائف قد إعترف بهيمنة الطوائف، ولم يسمح حتى لنائب واحد بأن يمثّل الشعب على أساس علماني لا طائفي، أي إلغاء الطائفية السياسية، ولأنّ إتفاق الطائف، بعكس الدستور القديم، يحدّد مرجعية الوطن بالطوائف والمذاهب، يقود ذلك إلى أنّ قرارات مجلس الوزراء، يجب أن تتمَّ بالتوافق بشكل أساسي، ما يؤدّي إلى القضاء على مبدأ فصل السلطات بين تشريعية وتنفيذية وقضائية، وهذا بدوره عطَّل الدولة بمؤسّساتها الحكومية، والتي يُفترض بها أن تمثّل المواطنين ومصلحتهم، فلا وجود لها في لبنان، حيث أن ما  نراه  ونعيشه اليوم، هو كوكبة من الطوائف المُغلقة المتحكمة بالسلطة، بناء على الوفاق الوطني للقادة السياسيين، إذ في إستطاعة كل طائفة كبرى، أن تهدّد بحقِّ النَّقض لقرارات الطائفة الأخرى، كما تستطيع أن تحصّن نفسها وتعمل بإستقلالية وهامش واسع في ما يختص بأمورها الداخلية.

فهذا النظام التوافقي، هو أداة تستعملها بعض المجتمعات المنقسمة على نفسها إثنياً، بهدف تأمين الإستقرار، وحلّ الأمور الشائكة على مبدأ التنازلات المتبادلة، والتكيّف مع الأمر الواقع، حيث أنّ الكثير من علماء السياسة يرون أنّه من المستحيل بناء دولة مستقلة، أو ذات سيادة في مجتمعات منقسمة على ذاتها بحدّة، لذا، لم يستطِع النظام التوافقي في لبنان أن يمنع الحروب الأهلية والإقتتال الطائفي، ولم يساهم في إرساء اللُّحمة بين الأطراف المتنازعة، والنظام التوافقي لم يتقدم خطوة بإتجاه الدولة الديموقراطية، بل على العكس فقد رسّخ العصبيات الدينية والطائفية والمذهبية، ووسَّع الهوَّة بين المواطنين على إختلاف إنتماءاتهم، وهذا النظام التوافقي، قاد إلى شلل تام في القرارات السياسية، فكلّ أزمة أو حراك بين الطوائف لا يقود إلى التغيير، بل بالعودة بالأمور إلى ما كانت عليه قبل الأزمة.

ومعه يصبح التحجّر ملازماً لهذا النظام ولِبُنية المجتمع، إذ تكون الطوائف في حالة رعْب دائم، مخافة أن يأتي التغيير على حسابها، وتصبح المحافظة على الأمر الواقع، الهدف الأسمى للطائفة المُمسكة بالسُّلطة، وتقاوم هذه الطائفة المهيمنة بشراسة، كلّ محاولات الإصلاح السياسي، كي لا تخسر الإمتيازات التي حازت عليها، ففي ظل الحكم التوافقي، تتم المحافظة على الأوضاع الإنعزالية، والتقوقع لكلّ طائفة، ورفض مدّ الجسور لردم الهوة بين الطوائف والمذاهب، لأنّ الإختلاط بحسب مفهومها، يشكل تهديداً جديّاً لنظام الطائفية السياسية برمّته، وللميثاق الوطني المبني أساساً على إنقسام الطوائف، لتنخرط نخبة صغيرة جداً في إتخاذ القرارات السياسية، بينما لا يُسمح للمواطن بالمشاركة، لأنّ ذلك يتضارب مع مصالح زعماء الميثاق.

في النظام الطائفي المعمول به في لبنان، نجد نخبة قليلة العدد تسيطر على الحكم لفترات طويلة، لأنّها تترأس طوائفها، فلا تتغيّر وجوه قادة الحكم، بل يجاهدون لتوريث أولادهم الحكم، فالمعضلة في النظام الطائفي اللبناني، أنه فشل في إيجاد قواسم مشتركة بين المواطنين، وبالتالي فشل في أن يكون أداة حكم ناجحة، فهو يعتمد كنظام توافقي لإدارة أعماله على المحسوبيات والزبائنية، حيث تتبادل الطوائف الخدمات، ومن يسبغ خدمة لطائفة اليوم، يحصل على بديلها في الغد، وبالتالي ينتج عن حكم هذا الكارتل الطائفي، حظْر للمعلومات التي تتعلَّق بالإرتكابات، وإبقائها طيَّ الكتمان الشديد، بهدف مضاعفة القادة الطائفيون لمكاسبهم، وهو ما يحجب أية إمكانية لترسيخ أو تعزيز الديموقراطية، طالما أنّ المواطنين يجهلون الحقيقة وبالتالي هم عاجزون عن القيام بالخيارات الصحيحة، وهذا بدوره يسدُّ كل منافذ المواطنية، فيقف عائقاً أمام المواطن العادي، الذي يحاول أن يمثّل على أساس لا طائفي، ويصبح عرضة للمحرَّمات السياسية والمجتمعية، كرفض القيمين على السلطة إجراء أي إحصاء سكاني، كي لا تهتز تراتبية الطوائف، فلا أمل في بلد كلبنان، في بناء دولة عصرية مدنية يحكمها سيادة القانون وقوية، في ظل هذا النظام وإستشراسه الدائم، لأنّ الطوائف تتصرّف وكأن مؤسسات الدولة إقطاعات شخصية يحقّ لها أن توزّعها على محازبيها كما تشاء.

لقج هدف إتفاق الإصلاح في الطائف، الى تغيير البنية المجتمعية والسياسية وتعزيز قدرات المواطنية، والوصول إلى مساواة حقيقية بين المواطنين،  فإجتماع النواب اللبنانيين في مدينة الطائف السعودية، أدى إلى وقف الحرب الأهلية عام 1989، لكنه هدف أيضاً إلى وضع قواعد جديدة، تحول دون وقوع حروب طائفية أخرى، والإصلاحات التي تتمحور حول إلغاء الطائفية السياسية، تريد أن تستبدلها بديموقراطية حقة، وأن يتم فصل الطائفة والمذهب عن السياسة، فيعود مصدر السلطات للمواطنين وللشعب.(2).

يُعدّ بند إلغاء الطائفية السياسية في المادة 95 من الدستور اللبناني، بمثابة ثورة في بنية النظام اللُّبناني، شبيهة إلى حدّ بعيد بالثورة الفرنسية، فالطوائف تتقاسم سلطات الدولة اليوم، ومن يمثل لبنان هو الطائفة لا المواطن، بينما إلغاء الطائفية السياسية، يعني تطبيق معايير الديموقراطية القائمة على مساواة المواطنين، وهو ما لم يحدث في تاريخ لبنان الكبير منذ إنشائه من قبل الفرنسيين، فلا تزال الطائفية الدينية تهيمن على ساحتي المجتمع والسياسة، وعلى حساب الحريات الشخصية وتطور الدولة، ولقد أدى هذا النظام إلى نتائج كارثية على صعيد الوطن، إذ إنه كلّما تنافست الطوائف للحصول على سلطات أكبر في الحكم، أدَّى ذلك إلى نزاعات وحروب أصبحت مستوطنة في لبنان.

وحتى في فترات الهدوء أو الإستكانة، ترفض الطوائف التعاون والتنازل، في سبيل مصلحة الوطن وعوض ذلك، تلجأ كل طائفة إلى الحطّ من قدر الطوائف الأخرى في المجال العام، وما يضاعف المشكلة ويزيد الهوة بين المواطنين، أن الطوائف تعتمد على الإنقسامات العامودية لا الأفقية، فالطوائف لا تستطيع الإندماج في ما بينها، بينما يقدر الفرد أن ينتقل من فئة إجتماعية إلى فئة أخرى، في أي نظام حديث ودولة عصرية لا تعتمد نظام الطوائف المغلقة.

ويلجأ النظام الطائفي إلى تمتين وضعه السياسي، من خلال إستعمال مرادفات لمفاهيم وسرديات حديثة، فيتحدث النظام الطائفي عن أقلية وأكثرية، وهي تعني، في الدولة الحديثة، أكثرية أصوات المواطنين في دعمهم حزباً يحمل برنامجاً سياسياً وإقتصادياً وإجتماعياً، في مواجهة برامج مختلفة، فالأكثرية هي أكثرية الرأي العام، وأكثرية المواطنين، لا الأكثرية الطائفية، التي هي تعبير للعنصرية وإزدراء الآخر، فحكم الأكثرية في لبنان، يعني طغيان كارتل طوائف على أخرى، وإلغاء الطائفية السياسية يفتح المجال أمام لبنان للسير في خطى الديموقراطية، التي تحترم إرادة المواطن وإنخراطه في الشأن العام، بمعزل عن ملّته ومذهبه، وجرّاء ذلك، يتوقّف الفرد عن التطلّع إلى الطائفة كمصدر لهويته، ويتبنَّى برنامجاً وطنياً يخدم مصلحته كما مصلحة جميع المواطنين، إن إرادة أكثرية المواطنين ستعيد التقارب بينهم، ذلك أنّ الطائفية السياسية نقيض المواطنية، وإلغاؤها يضمن العدالة بين المواطنين.

فالنظام الطائفي اللبناني فشل في إيجاد قواسم مشتركة بين المواطنين، وبالتالي فشل في أن يكون أداة حكم ناجحة، وما كادت القوات السورية تنسحب من لبنان، عام 2005، حتى عادت الصراعات الطائفية بشكل حاد أعاد إلى أذهان الجميع حروبهم خلال خمس عشرة سنة، إذ حصلت أزمة بنيوية لا تزال تداعياتها الى يومنا هذا.

لقد تمَّت في إتفاق الطائف المساواة بين دينَين في مجلس النواب، أي تمثيل الشعب مناصفة بين الدينين، بمعزل عن التعداد السكاني لهذين الدينين، ولقد فشل هذا الحل، وذلك لعدم إمكانية إقامة مساواة بين الطوائف، لأنّ هذه الأخيرة في حالة تغير دائمة، وأجهزة الدولة غير قادرة على الحكم في ظلّ وضع أقرب ما يكون إلى الرمال المتحركة، التي تُغرق من يحاول دخولها، ويتضمّن هذا الحل الكثير من الرياء والنفاق، لأنه ضمناً، تؤمن كل طائفة كبرى بأنها هي التي يجب أن تحكم، وأن لا تتنازل لأي قانون خارج إرادتها، لأن ذلك سيعني التنازل للطائفة الأخرى، ويعجز هذا الحل، أيضاً، على أرض الواقع بسبب عدم وجود أية آلية يُحتكم إليها، في حال النزاع والخلاف بين الطوائف، لذلك، نجد أنّ الإحتكام في أوضاع كهذه، يقود إلى الإلتجاء إلى دولة أو دول خارج لبنان، لتقوم بهذه المهمة.

أما بالنسبة لحقوق المواطن/أو المواطنة، فإنّ أسس الحرية والمساواة في النظام الديموقراطي، تمُت إلى حقوق المواطنين وليس لأية هيئة أخرى، وسيطرة الطوائف على السلطة، يلغي تلقائياً حقوق وحريات المواطن، ففي لبنان، الطوائف هي المسؤولة عن إغتصاب حقوق المواطنين لا الدولة، فلقد عمدت الطوائف إلى فرض قوانينها الخاصة، فإستباحت المواطنين من جهة، والدولة من جهة أخرى، وبالنتيجة عمّقت في فرقة المواطنين ولم تخلق أرضية مشتركة لهم، وفي خضم المواجهات السياسية، يتم تجاهل الرأي العام تجاهلاً تاماً، بما أن السلطة ليست بيد الشعب، وحين يخسر الشعب حق تقرير مصيره، يخسر الوطن سيادته، فخسارة السيادة مردّها إلى أن لبنان، إتَّبع نظاماً قديماً بائداً يرتكز إلى الهوية الشخصية وعلاقات الدم، ولم يُبنَ على أساس الإنتماء للأرض أو الوطن، فالرأي العام غير موجود في لبنان، لأنّ الشأن العام مغيّب أصلاً، لقد تمَّ التوافق في لبنان بين طائفتين كبريين، عام 1943، على أنّ مصيره هو شأن خاص، حكر على الطائفتين تماماً، كما كانت تعتبر الأرستقراطية والملكية والتيوقراطية، أنظمتها في الأزمنة الغابرة محصورة بالخاصة ، وما على العامة  من الناس إلاَّ الإنصياع.

وحين نحاول دراسة هوية وإنتماء اللُّبناني أو اللّبنانية، نجد أنّ الهوية لا تُعطى بناء على الولادة على هذه البقعة الجغرافية، كما هي الحال في كلّ الدول الحديثة القومية، بل تُكتب هوية الطفل/ أو الطفلة بناء على صلة الدم عبر الأب فقط، وليس الأم، أي أنّ من يحقّ له المواطنة، هو من يتَّبع النظام الطائفي البطريركي،  فتُمنع الهوية عن أولاد الأم اللُّبنانية، كما أنها تُمنع عن كل مقيم أو مقيمة، فلا يكتسب هؤلاء أو أبناؤهم أو بناتهم الجنسية اللبنانية، سواء ولدوا هنا، أو أقاموا بشكل دائم، وعليه فإنّ حصر السلطة بالخاصة لا العامة، يؤسّس للتمييز بين أفراد المجتمع، فلا مساواة تُرتجى ولا عدالة تتحقق، ولا حرية تمارَس، ويظلّ المواطن هائماً دون وطن.

والقول في الديباجة، هل ننزع الطائفية من النصوص أولاً أو النفوس، هو نقاش عقيم يريد صاحبه من خلاله، أن يحافظ على الوضع الطائفي القائم، فقد بقيت الولايات المتحدة الأميركية، وحتى الخمسينيات من القرن الماضي، تُمارس سياسة التمييز العنصري ضدَّ السود، حتى بعد تحرّرهم من أصفاد العبودية، فكان لديها مواطنون درجة أولى، ومواطنون درجة ثانية، فقط لأنّ لون بشرتهم قاتم، ومُنع السود من الجلوس قرب البيض، وعُينت لهم مقصورات خاصة في مؤخرة القطار، وكذلك الحال في المدارس، والجامعات والكنائس والمقابر، وكانت المطاعم تضع لافتات على واجهة محلاتها، تعلن منع دخول السود والكلاب، ولو إتبعت حكومة الولايات المتحدة آنذاك، سياسة النفوس قبل النصوص، لكان وضع الأميركيين المنحدرين من أفريقيا، ما زال يرزح تحت قوانين ظالمة تميّزهم عن غيرهم من المواطنين، وتمنع عنهم حقوق المواطنة، لقد مارست حكومة أميركا حقّها، بوضع قوانين تُجبر المجتمع على معاملة السود على قدم المساواة مع البيض، في خمسينيات القرن الماضي، وبعثت بجيشها وقواتها إلى المدارس والجامعات، وأجبرتها عُنوة على فتح أبوابها، وإستقبال الطلبة الأفرو_أميركيين، حيث نجد اليوم أنّ هذه القوانين العادلة غيّرت من نفوس الملايين من البيض.

وهذا يقودنا إلى الإستنتاج بأنّ النصوص تغيّر النفوس، إنّ النموذج العنصري الطائفي، لا يقود إلّا إلى تقسيم المجتمع والمطالبة بالفدرالية أو الكونفدرالية، واليوم، لا مجال لإلغاء الطائفية السياسية في لبنان، إلاَّ عبر مباشرة السلطة الحاكمة، بالدعوة إلى تطبيق إصلاحات الطائف، والمبادرة إلى إنشاء الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية السياسية، وتستطيع هذه الهيئة أن تدرس الخطوات الممكن إتخاذها بإتجاه الإلغاء، وقيام الشعب اللبناني وشد عزمه، وهو مصدر السلطات في كل نظام ديموقراطي، فيطالب بإجراء إستفتاء وطني يحدّد خياراته في نوع النظام الذي يرتأيه مناسباً له.

السلاح ودوره في ضبط التوازنات الداخلية

لطالما شكّل سلاح حزب الله ومعه السلاح الفلسطيني، محور الجدل السياسي والأمنيّ في لبنان، بين من يراه حامياً من الإحتلال الإسرائيلي، ومن يُعدّه سلاحاً خارجاً على الدولة، ويهدّدها مع أهلها ومواطنيها.

فبالنسبة لمناصري حزب الله وبيئته وحلفائه، يُعدّ السلاح إمتداداً لتجربة تاريخية من التهميش والتهديد، ولا سيَّما في ظلّ غياب دولة قادرة وموثوقة، فهو، بالنسبة لهم الضمانة التي حَمَت الجنوب والبقاع والضاحية من إعتداءات إسرائيل، ومن تكرار تجارب الحرب الأهلية، أمّا في الوعْي الجَمِعي للبيئة الشيعية، فقد تحوّل السلاح إلى رمز كرامة وإعتزاز، لا يمكن فصله بسهولة عن الهويّة السياسية والأمنيّة للمجتمع الذي نشأ فيه.

هي رواية تناقضها روايات أخرى، فالسلاح، كما يراه خصوم الحزب، لم يَعدْ فقط وسيلة مقاومة، بل تحوّل إلى أداة ضغط داخلية، ترسم التوازنات السياسية بالقوّة، وتفرض إرادات في الإستحقاقات الكبرى، من رئاسة الجمهورية إلى تشكيل الحكومات، وصولاً إلى خيارات الحرب والسِّلم، فهناك من يقول حول الخطر الوجودي الذي يكتسب بُعداً رمزياً أكثر، بأن الطائفة الشيعية، بتاريخها وعمقها الديمغرافي، وشبكة علاقاتها داخل الدولة، لا يمكن إختزال وجودها أو مصيرها ببندقيّة، ذلك أنّ الإصرار على ربط الكينونة الطائفية بسلاح حزبي هو تقزيم لمكانتها، وتحويل لها من شريك مؤسّس في الوطن، إلى جماعة تُختصر بمشروع عسكري _ سياسي، لكن الأسوأ، أنّه يُبقيها رهينة صراع دائم مع الداخل والخارج، ويَعزِلها عن التفاعل الطبيعي مع بقيّة اللبنانيّين، فالتحدّي الحقيقي ليس في نزع السلاح بحدّ ذاته، بل في إقناع الطائفة الشيعية بأنّ أمنها وكرامتها، لا يُصانان بمنظومة عسكرية موازية، بل بدولة عادلة وقويّة، يشعر فيها الجميع دون إستثناء، بأنّهم شركاء حقيقيّون لا أعداء محتملون.

وأبعد من ذلك، يوم كان السلاح ظاهريّاً حكراً على الدولة اللبنانية ومؤسّساتها العسكرية، كان يتمُّ تصنيفه في الخانة الطائفية طائفيّاً، حيث كان سلاحاً مارونيّاً بالنسبة إلى كثيرين كانوا خارج دوائر صنع القرار آنذاك، وكان الجيش مارونيّاً بالنسبة لأبناء الطوائف الأخرى، كما كان فئويّاً لفئات كثيرة كانت خارج جنّة الحكم، ولم تكن مؤثّرةً في صنع القرارات ورسْم السياسات.

حتّى يوم وصل اللواء فؤاد شهاب إلى سدّة الرئاسة في الحكم اللبناني، وبنى يومها ما يمكن المفاخرة به اليوم على أنّه مؤسّسات ودولة، إصطفّت ضدّه الطوائف كلّها، بقضّها وقضيضها، ولم يجدْ من يدافع عنه أو يقف في صفّه، أي من زعماء الموارنة، كميل شمعون وبيار الجميّل وريمون إدّه، إلى زعماء الطوائف الأخرى، مثل كامل الأسعد وصائب سلام ومعهم سليمان فرنجية، ونجحوا في كسره والقضاء على مشروعه عام 1970، يوم أوصلوا سليمان فرنجية إلى سدّة الرئاسة، وراحوا يفكّكون المنظومة الأمنيّة وفي مقدَّمها المكتب الثاني، فقضوا على آخر مشروع لبناء دولة في لبنان، ودخلنا زمن شيوع وتفلُّت السلاح رسميّاً، وإنتشاره على كامل الجغرافيا اللبنانية، بعيداً عن مؤسّسات الدولة وأبنائها.

السلاح في لبنان لم يكن يوماً محصوراً بفئة أو طائفة، بل كان أداة متكرّرة لكلّ الطوائف في لحظات ضَعُفَت فيها الدولة، فهذا السلاح كان نذير شؤم ووبالاً على مَن حمله، فالطوائف التي تسلّحت في عزِّ قوّتها لتصبح أقوى، وتوسّلت السلاح لتحقيق غَلَبَة ما على شركاء الوطن، إنتهت إلى ضعف شديد وتهميش مزمن طائفيّاً، الدروز والموارنة والشيعة خير أمثلة على ما سبق، سياسياً، الحركة الوطنية مثال أكبر، وكلَّها كانت تنتج ترهُّلاً في الدولة ودورها ومؤسساتها.

المدخل الى السلم الأهلي

اليوم يفترض أن تكون قرارات الحكومة اللُّبنانية الأخيرة في حصر السلاح بيد الدولة، مدخلاً وتحوُّلاً كبيراً، إفتقده لبنان طويلاً لإستعادة السلطة الشرعية سيطرتها على أراضيها، بإعتبارها المرجعية الوحيدة لمواطنيها، في حالتيْ السِّلم والحرب وفي إدارة شؤونهم، وقيمة تلك القرارات، لا تنحصر في عملية حصر السلاح بيد الشرعية فقط، فالبنود التي جرى الإتفاق عليها، باتت تتخطَّى قضية تسليم حزب الله المدعوم من إيران سلاحه للجيش اللبناني، وإندماجه في الحياة السياسية الطبيعية، لبلد يمتاز بتنوع وتعدد طوائفه وأحزابه، إلى مشروع أكبر بكثير، قوامه البدء بإعادة ترميم وبناء الدولة اللبنانية، كياناً وأرضاً وحدوداً وسيادة وإستقلالاً وإقتصاداً،  وإعادة للإعمار.

قرَّرت الحكومة اللُّبنانية تنفيذ بنود وثيقة الوفاق الوطنيـ المعروفة بإتفاق الطائف والدستور اللبناني وقرارات مجلس الأمن، سيَّما القرار رقم 1701، وإتخاذ الخطوات الضرورية، لبسط سيادته بالكامل على جميع أراضيه، بهدف تعزيز دور المؤسسات الشرعية، وتكريس سلطة الدولة الصرية، في إتخاذ قرارات الحرب والسّلم، وضمان حصر حيازة السلاح بيد الشرعية أي شرعية الدولة وحدها، على كل الأراضي اللبنانية، مع ضمان ديمومة وقف الأعمال العدائية، بما في ذلك جميع الإنتهاكات، من خلال خطوات ممنهجة، تؤدي إلى حل دائم وشامل ومضمون، كذلك الإنهاء التدرجي للوجود المسلَّح لجميع الجهات غير الحكومية، بما فيها حزب اللّه، في الأراضي اللبنانية كافة، جنوب اللّيطاني وشماله، مع تقديم الدعم للجيش وقوى الأمن الداخلي، بالإضافة لنشر الجيش اللّبناني في المناطق الحدودية، والمواقع الداخلية، مع الدعم المناسب له وللقوى الأمنية، وإنسحاب إسرائيل من النقاط الخمس، وتسوية قضايا الحدود والأسرى بالوسائل الدبلوماسية عبر مفاوضات غير مباشرة، مع عودة المدنيين في القرى والبلدات الحدودية إلى منازلهم وممتلكاتهم، وترسيم دائم ومرئي للحدود الدولية بين لبنان وإسرائيل، كذلك بين لبنان وسوريا، مع إستمرار الدعم الدولي الإضافي للأجهزة الأمنية اللبنانية، ولا سيَّما الجيش، عبر تزويده بالوسائل العسكرية الملائمة، لتنفيذ بنود الإقتراح وضمان حماية لبنان.

لكن سرعان ما ظهر أن مواقف قادة الحزب، الرافضة لقرارات الحكومة اللُّبنانية، ليست إلاَّ ترجمة لمواقف تتعلَّق بالصراع الخارجي، وبالتأثيرات على الداخل اللبناني مباشرة، منها قضية فلسطين وحرب غزة التي لم تنتهِ، ومنها تصاعد العصبيات الطائفية والمذهبية في الشرق الأوسط، وخاصة ما حصل ويحصل في سوريا مع المكونات الطائفية والعرقية، وبقية الأقوام من عرب وكرد، هذا الرفض جعل الجميع في لبنان، يردِّد مقولة تبعية الحزب للمرجعية الإيرانية، وفي الطليعة منهم أمينه العام الراحل حسن نصرالله، وخلفه نعيم قاسم، لكن في السياسية الجديدة، حيث يحاول لبنان الخلاص من إرث الحروب المفتعلة، والدمار الإقتصادي الشامل، تحاول القيادة الإيرانية إعادة الإمساك بأوراق صنعتها للدفاع عنها، وهي الآن تستميت للإبقاء عليها، أملاً بمفاوضات مع الغرب، في شروط تضمن الحد الأدنى ممَّا بقي من عناصر قوة المحور الإيراني.

كما تحدثت الصحف الإيرانية، عن إحتمال بدء مفاوضات غير مباشرة بين إيران وأميركا، تنطلق هذا الشهر برعاية نروجية، وفيما لم يؤكد الآخرون هذا الإحتمال، لكن من الواضح أن طهران ترغب في ذلك بشدة، بعد الضربات التي تلقَّتها في شهر حزيران الماضي، وبعد التطورات الدراماتيكية الأخيرة في محيطها، من زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى تركيا، ثم أذربيجان وإقرار اتفاق أنبوب الغاز من هذه الدولة إلى سوريا عبر تركيا، ثم رعاية الرئيس الأميركي دونالد ترمب، لإتفاق السلام بين أذربيجان وأرمينيا، والقمة التاريخية التي جَمَعت ترمب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين في ألاسكا، ولم تجد طهران في كل ذلك إلاَّ تطويقاً لها من القوقاز، مثلما إعتبرت أن ما جرى في غرب آسيا، تطويق لها من الغرب، وفي الحقيقة فإن النظام الإيراني الخارج من سوريا، والذي يواجه الآن تحوُّلات عميقة في القوقاز، تضعه في مواجهة مباشرة مع تركيا وأذربيجان، وسط تجاهل روسي وإستعداد أميركي – روسي، لإتفاقات تبدأ في أوكرانيا، وتمتد إلى الشرق الأوسط، بما في ذلك إيران نفسها، فهذا النظام يعيش لحظات متوتِّرة قوامها الخوف على مستقبله، ولذلك فإن الجنون الذي أصابه نتيجة قرارات الحكومة اللُّبنانية المدعومة من ترمب مباشرة، ومن العمقين العربي والدولي لِلبنان مفهوم، لكن لا يمكن تبريره بأي شكل من الأشكال، وهو إستدعى رداً واضحاً من السلطات اللبنانية، قد يصل إلى قطع العلاقات مع نظام، لا يقيم إعتباراً أو إحتراماً للدول الأخرى، وقد كان مستشار خامنئي، علي أكبر ولايتي، شديد الصراحة بعد وزير الخارجية عباس عراقجي، في رفض سعي لبنان إلى أن يكون دولة طبيعية، فلقد رفض عراقجي نزع سلاح حزب الله، لكن ولايتي إعتبره قراراً من بعض الأطراف وكأن الحكومة غير موجودة.(3)

هنا يصعب التفكير بتقبل أي فريق في لبنان للموقف الإيراني، فالبعض يرى أن طهران تسعى لمنع قيام الدولة بمؤسساتها وقوانينها، معتبرين أن سلوكها هذا، يلتقي تماماً  مع سلوك إسرائيل في غزة، فلقد دعمت الدولة العبرية في الماضي حماس، للقضاء على إحتمال الدولة الفلسطينية، وها هي إيران تتمسك بما يسميه البعض الميليشيات ضدَّ الدولة اللبنانية، وهو ما أرادته منذ إطلاقها مشروعها العسكري المذهبي في لبنان.

الشارع مقابل الشارع في لبنان

الجلسة الأخيرة لمجلس الوزراء اللُّبناني، شكَّل نقطة تحوّل دراماتيكية، حيث  تأتي الخطة الأميركية ضمن إطار ضغوط دولية متصاعدة على لبنان، وتحديداً على مِلف سلاح حزب الله، الذي يعتبره الثنائي الشيعي(حركة أمل وحزب الله)، العمود الفقري لسيادة لبنان، وقدرته على الدفاع عن نفسه، ضد أي عدوان خارجي، وخصوصاً التهديد الإسرائيلي المتكرر، في المقابل، ترى الأطراف الأخرى في الحكومة اللُّبنانية والدول الغربية، أن ضبط هذا السلاح هو شرط أساسي، لإعادة تفعيل دور الدولة اللبنانية وسيادتها على كامل أراضيها، بالإضافة إلى تعزيز الأمن والإستقرار في منطقة تعيش توترات متجددة.

وبحسب مصادر سياسية حكومية وأمنية ودبلوماسية مطّلعة، ترتكز الخطة الأميركية على عدة محاور رئيسية، هدفها إعادة ترسيخ سلطة الدولة اللُّبنانية في الجنوب، وتعزيز دور الجيش اللبناني في مراقبة الحدود على الخط الأزرق، وتشمل الخطة تعزيز القدرات العسكرية والأمنية للجيش، ودعم أجهزة الإستخبارات اللبنانية، لضبط تحرُّكات الجماعات المسلحة خارج إطار الدولة، بالإضافة إلى وقف أي نشاط عسكري لحزب الله، أو أي جهة أخرى، لا تخضع لسلطة الدولة، كما تهدف الخطة إلى تخفيف التوترات مع إسرائيل، عبر تدابير أمنية مشتركة، تشمل مراقبة حركة الطيران والمراقبة البحرية، وتطبيق وقف إطلاق نار محكم.

هذه الخطة، تأتي في ظل تزايد التحليق الإسرائيلي فوق الأجواء اللبنانية، ممَّا يشكِّل خروقاً فاضحة لسيادة الدولة، وكذلك الإعتداءات المتكررة على مناطق في الجنوب، وهو ما يضع لبنان تحت ضغوط دولية كبيرة، لضبط الحدود ومنع أي مواجهات عسكرية جديدة.

ردّ الثنائي الشيعي كان سريعاً عبر ميدان الإعلام والسياسة، اللذان يشكّلان منصَّات أساسية لبثّ الخطاب الرافض للخطة، ولتعبئة الرأي العام، حيث أكد رئيس كتلة الوفاء للمقاومة النائب محمد رعد أن: الحكومة إرتكبت خطيئة سياسية كبرى بقبولها خطة تمسّ بحق لبنان في المقاومة، وتفتح الباب أمام العدوان الإسرائيلي الذي يهدّد كيان لبنان، وهذا الخطاب الحاد يعكس إستياءً عميقاً في صفوف قيادات الثنائي، خصوصاً في ظل مخاوف، من أن تؤدي هذه الخطة إلى تقويض ردع المقاومة، الذي يعتبره الثنائي خطاً أحمر لا يمكن تجاوزه، فهذا التصعيد السياسي والإعلامي، يكشف عن إستراتيجية واضحة للثنائي، تستهدف تعبئة قواعده الشعبية والسياسية، وتحويل الخطة إلى قضية وجودية، تتخطّى حدود الخلافات السياسية التقليدية.

يُعدّ تحريك الشارع، إحدى الأدوات التي يمكن أن يلجأ إليها ثنائي حزب الله وحركة أمل، للضغط على الحكومة، لكن في ظلِّ الأزمة الإقتصادية والإجتماعية الحادّة التي تعصف بلبنان، فإن خطوة كهذه تحتاج إلى حسابات دقيقة، حيث التحركات الشعبية، رغم أهميتها في التعبير عن رفض الخطة، يُمكن أن تؤدي إلى مزيد من التدهور الأمني والإجتماعي، وهذا ما يحذّر منه كثيرون داخل الوسط السياسي والدبلوماسي ، وفيه مسؤولية كبرى لا يمكن لأحد تحمُّلها، كما تحذّر مصادر دبلوماسية غربية، من أن أي تصعيدٍ شعبيٍّ واسع، قد يتحوّل إلى مواجهات عنيفة، خصوصاً في ظلِّ وجود مجموعات مسلحة صغيرة ومستقلة، قد تستغلُّ الأوضاع لتأجيج التوترات، ممَّا قد يدفع لبنان، إلى أزمات أمنية غير محسوبة العواقب، لذلك يجب إعتماد موازنة دقيقة في إستخدام الشارع كأداة ضغط، يرسل بها رسائل قوية للحكومة، مفادها فقدان الدعم السياسي والشارعي، وللدول المعنية بأنه في حال المضي قدماً في الخطة، فإن الإستقرار في لبنان سيكون مهدّد.

لكن أكثر المِلفات حساسية في هذه المواجهة، يبقى الجنوب اللُّبناني، حيث يراقب حزب الله تحركاته العسكرية بحذر بالغ، وسط إرتفاع وتيرة التحليق والطيران الإسرائيلي فوق الأجواء اللبنانية، وتؤكد مصادر أمنية لبنانية على أن الحزب، قد يلجأ إلى خيار فتح جبهة جنوبية، في حال إعتبر أن تنفيذ الخطة، يشكّل تهديداً خطيراً لقدرة المقاومة على الردع.

هذا السيناريو ليس بعيداً عن الواقع، بالنظر إلى تاريخ الصراعات والمناوشات في الجنوب، لا سيَّما حرب 2006، التي تركت آثاراً عميقة على لبنان والمنطقة، مستندين ومتأكديْن، بأنَّ الردع العسكري هو الركيزة الأساسية، التي تحمي لبنان من الإعتداءات الإسرائيلية، ولذلك يعتبر الثنائي الشيعي، بأن أي محاولة للحدّ منه، أو تفكيكه، قد تدفعهما إلى تصعيد عسكري كوسيلة ضغط أخيرة.

في المقابل، كشفت مصادر دبلوماسية، أن الحزب يستخدم وسطاء للتفاوض مع واشنطن حول تفاصيل تنفيذ الخطة، مع التأكيد على ضرورة عدم المساس بحرية الحركة في الجنوب، كشرط مسبق لأي تفاهم، إذ شكل هذا المزيج، بين التصعيد العسكري والتفاوض الدبلوماسي، ما يمكن تسميته بإستراتيجية التفاوض عبر القوة، التي يعتمدها الثنائي لإدارة الأزمة، كما تحاول الحكومة اللبنانية، إستثمار الدعم العربي والدولي، لا سيَّما الأميركي، لإتمام تنفيذ الخطة، رغم التحدّيات الداخلية العميقة، من إنقسامات سياسية إلى هشاشة الوضع الأمني.

في بلد يختلط فيه السلاح بالسياسة، وتتشابك المصالح المحلية والإقليمية، تبقى صورة المشهد غامضة ومفتوحة على إحتمالات عدة، إلّا أنَّ ما هو مؤكَّد، أن قرار الحكومة قد أشعل شرارة مواجهة حيوية، ستترك بلا شك أثراً عميقاً على مستقبل الأمن والسياسة في لبنان والمنطقة.(4)

ضعف التوافق الوطني

إعتبر البعض إن إقرار الحكومة لأهداف الورقة الأميركية، المتعلقة بإعادة تنظيم المشهد الأمني والعسكري في لبنان، وعلى رأسها بند حصرية السلاح بيد الدولة، خطوة مفصلية، سيكون لها إرتدادات واسعة في الداخل والخارج، فهذا القرار، بقدر ما يحمل في طياته بُعداً سيادياً، بقدر ما يكشف أيضاً هشاشة التوافق الوطني، في ظل تغيّب الوزراء الشيعة عن الجلسة، ممَّا يجعله قراراً محاطاً بعلامات إستفهام أكثر منه ليكون نقطة إجماع وطني.

اللافت في ما جرى، ليس فقط ما تضمّنته الورقة الأميركية، بل الطريقة التي أُقرَّت بها، الذي نمَّ عن غياب مكوّن سياسي أساسي، إعتراض شعبي سريع من حزب الله، وردود فعل دولية مرحّبة، بَدَت كأنها على عجلة من أمرها، لتكريس هذا التوجّه الجديد، قبل أن يُجهض من الداخل، وهو تباين يعكس هذا في ردود الفعل حقيقة أن القرار الحكومي، رغم طابعه الرسمي، يعبّر في جوهره عن إنقسام بنيوي في مقاربة مفهوم الدولة، السيادة، ودور السلاح.

رئيس الحكومة نواف سلام، إستند في تمرير القرار إلى دعم غربي واضح، لا سيَّما من واشنطن وباريس، ممَّا أعطاه هامشاً للمناورة، وربما غطاءً سياسياً ودبلوماسياً، مكّنه من تجاوز الفيتو الداخلي، لكن ذلك لم يلغِ أن الداخل اللبناني يبقى الساحة الفعلية لإختبار القرارات الكبرى، خصوصاً عندما تتعلق بموقع حزب الله، الذي لا يزال يشكل محوراً أساسياً في معادلة القوة والسيطرة، ليس فقط على المستوى الأمني، بل على المستوى السياسي والإجتماعي أيضاً.(5)

اللافت أن تلك الرسائل جاءت هذه المرة في ظل مناخ إقليمي ودولي مختلف، حيث تبدو الولايات المتحدة وحلفاؤها، عازمين على إنهاء الإزدواجية في القرار الأمني، وفرض خريطة سياسية جديدة في لبنان، عنوانها، تقييد دور الحزب داخل الحدود الرسمية للدولة، كذلك من المؤشرات البارزة على طبيعة الصراع المستجد، بروز موقف رئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي سارع إلى إعلان رفضه لبنود الورقة الأميركية، معتبرًا أنها تمسُّ السيادة الوطنية، وهذا الموقف، لا يُقرأ فقط كمجرَّد تضامن سياسي مع حزب الله، بل يعبّر عن رفض واضح، لتحوّل بنيوي في قواعد اللُّعبة الداخلية، إذ أن الرئيس بري الذي طالما لعب دور الوسيط في الأزمات الوطنية، قرّر هذه المرة الإصطفاف في جبهة الرفض، مما يعني أن المواجهة مرشحة للتمدد من الشارع إلى المؤسسات، بما فيها المجلس النيابي.

هذا الإنقسام العامودي بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، وبين مكونات الحكومة نفسها، بات يُنذر بمأزق دستوري وسياسي، يُخشى أن يعطّل مفاعيل القرار الحكومي، أو على الأقل يفرغه من مضمونه التنفيذي، فالورقة الأميركية، لا تقتصر على مطلب نزع السلاح، بل تتضمّن أيضاً بنوداً تطالب إسرائيل بوقف إنتهاكاتها وإنسحابها من الأراضي المحتلة، وهذا البعد، إذا تمَّ تثبيته، يمكن أن يَمنح الحكومة بعض الغطاء الوطني، لكنه لا يكفي وحده لتبديد الهواجس العميقة، لدى شريحة من اللبنانيين ترى في القرار، محاولة لفرض إرادة خارجية على حساب توازنات داخلية هشّة.

ختاماً وفي المحصلة، فإن لبنان دخل مرحلة جديدة عنوانها الصدام المؤجَّل، فإقرار أهداف الورقة الأميركية، لا يعني بالضرورة تنفيذها، كما أن رفض حزب الله، لا يعني بالضرورة الإنفجار الفوري، فكل ذلك يعني، أن ثمة سباقاً دقيقاً بين الزمن السياسي والزمن الميداني، حيث تسعى الحكومة إلى تكريس إلتزاماتها الخارجية، فيما يسعى الحزب إلى إعادة رسم حدود اللُّعبة الداخلية، وتأسيساً على ذلك، يقف البلد أمام مفترق خطير، إما أن يشكل هذا القرار لحظة تأسيس فعلية لدولة تحتكر السلاح والسيادة، وإما أن يتحول شرارة مواجهة جديدة، قد تُعيد خلط الأوراق داخلياً، وتضع لبنان مجدداً في عين العاصفة الإقليمية، قرار الحكومة هو بداية لمسار طويل وشاق، وليس مجرد طرح وتبنِّي أهدافاً بعينها، سيتحدد وفقًا لمدى قدرة الدولة على ممارسة سلطتها بفعالية، ومدى إستعداد الأطراف المعترضة على التنازل عن مكتسبات سلّمت بها طوال سنوات، وربَّما عقود.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المراجع:

1-وسام لحام، لبنان: طبيعة الدولة المدنية وطائفية الأحوال الشخصية، صفحة 68.

2- خليل الحسين/ إتفاق الطائف:خريطة للإصلاح في لبنان، الموقع الإلكتروني: https://asasmedia.com/41771/

3- مسعود معلوف، الصراع الأميركي-الإيراني في لبنان،بيروت تايمز، الموقع الإلكتروني: https://www.beiruttimes.com/article/48356

4- زياد سامي عيتاني، صجيفة اللواء، https://aliwaa.com.lb/%D9%85%D9%82%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AA/%D8%A3%D8%B1%D8%B4%D9%8A%D9%81-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%82%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AA/%D8%A7%D9%84%D8%AB%D9%86%D8%A7%D8%A6%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D9%8A%D8%B9%D9%8A-%D9%8A%D8%B5%D8%B9-%D8%AF-%D8%B6%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AE%D8%B7%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D9%8A%D8%B1%D9%83%D9%8A%D8%A9-%D9%85%D9%88%D8%A7%D8%AC%D9%87%D8%A9-%D9%85%D9%81%D8%AA%D9%88%D8%AD%D8%A9-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D9%83%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%A8%D9%87%D8%A7%D8%AA/

5-انطوان الأسمر، صحيفة اللواء، https://aliwaa.com.lb/%D9%85%D9%82%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AA/%D8%A3%D8%B1%D8%B4%D9%8A%D9%81-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%82%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AA/%D8%AA%D9%81%D9%83%D9%83-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%88%D8%A7%D8%B2%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%82%D9%84%D9%8A%D8%AF%D9%8A-%D8%A8%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D8%A9-%D9%88-%D8%AD%D8%B2%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D9%84%D9%87-%D9%81%D9%8A-%D8%B6%D9%88%D8%A1-%D8%AA%D8%AD%D9%88%D9%84%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%AF%D8%A9/

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى