دراسات

صراع استراتيجي: الشرق الأوسط بين نفوذ الولايات المتحدة وانخراط الصين

الباحث السياسي/ محمد صابر

تشهد منطقة الشرق الأوسط تحولات عميقة منذ مطلع القرن الحادي والعشرين، فقد كان النفوذ الأمريكي أمرًا تقليديًا تحت مظلة الهيمنة نتيجة وجود نحو 45 ألف جندي أمريكي منتشرين في قواعد بالمنطقة ودورها كضامن أمني. لكن صعود الصين اقتصاديًا وتكنولوجيًا أعاد تشكيل هذه المعادلى، بعد أن أصبحت بكين المستورد الأكبر لنفط الشرق الأوسط، وقد تضاعفت تجارتها مع دول المنطقة ثلاث مرات خلال عقدين فقط، بينما توسعت استثماراتها عبر “مبادرة الحزام والطريق Belt and Road Initiative” لتشمل أيضًا بنية تحتية بحرية وبرية ورقمية، فقد استطاعت بكين أن ترسخ دورها كلاعب اقتصادي وسياسي ذي تأثير متزايد بالمنطقة[1].

ومن جهتها تعتمد كثير من دول الشرق الأوسط على “سياسة تعدد المحاورMulti-axis policy”، التي تتوزع بها الشراكات بين واشنطن وبكين والجهات الأخرى الكبرى، ما يسهم في توفير الفرص للصين في توسيع نفوذها.  وبالتالي فإن الحفاظ على التفوق الأمريكي بالمنطقة يشكل عنصرًا أساسيًا بالنسبة للولايات المتحدة في منع الصين من تحقيق الهيمنة التي قد تضعف المنظومة الغربية. أما بكين فهي تدرك أن السيطرة على مسارات التجارة والطاقة بالشرق الأوسط تشكل ضمانة لبناء استقلاليتها عن النفوذ الأمريكي، وتعزيز صعودها كقوة عظمى قادرة على إعادة صياغة قواعد النظام الدولي.

وبناءً على ما سبق، يسعى هذا التحليل إلى تفكيك أبعاد التنافس بين واشنطن وبكين في الشرق الأوسط، عبر تحليل إعادة تشكيل النفوذ الاستراتيجي، مع التركيز على التكنولوجيا والبنية التحتية باعتبارها أدوات صراع جديدة، إذ باتت مشاريع الصين والتوسع في شبكات الاتصالات والذكاء الاصطناعي تمثل تحديًا مباشرًا للمصالح الأمريكية. إلى جانب البحث في معركة الطاقة والتحالفات الاقتصادية، لإبراز كيفية تحول المنطقة إلى نقطة ارتكاز حاسمة في صراع النظام الدولي القادم، لمحاولة قراءة مستقبل هذا التنافس واحتمالاته الاستراتيجية.

تحولات استراتيجية:

مازالت واشنطن اللاعب الأبرز في الشرق الأوسط – من المنظور الأمني والعسكري – في ظل استمرار احتفاظها بنحو 45 ألف جندي بالمنطقة، مع أجهزة استخبارية وكبرى القواعد العسكرية وبالأخص في الخليج العربي، وقد قامت القوات الأمريكية بتعزيز وجودها العسكري بالمنطقة بعد التصعيد بين تل أبيب وطهران في يونيو 2025[2]. وفي المقابل تمتلك الصين وجودًا عسكريًا محدودًا لاسيما بامتلاكها أول قاعدة بحرية خارجية لها في جيبوتي منذ 2017، بهدف دعم مهمات مكافحة القرصنة في خليج عدن، حيث يعتمد النطاق العسكري الصيني على حالات متنقلة من الدوريات البحرية وقوات الطوارئ، بالإضافة إلى بيع أسلحة كطائرات بدون طيار أو صواريخ دقيقة لدول المنطقة.

أما على صعيد التحالفات فيمكن القول أن بكين تنخرط دبلوماسيًا في تسوية بعض ملفات المنطقة، فقد استطاعت بزيارة خاصة لمسؤولين صينيين إلى الرياض النجاح في تطبيع العلاقات الإيرانية – السعودية في مارس 2023، وتلتها لقاءات ثنائية في نوفمبر 2024 لمتابعة الاتفاق[3]. كما انضمت السعودية ومعها الإمارات ومصر بنفس العام إلى مجموعة البريكس، وسعت بكين إلى إدخال دول خليجية أخرى سواء للبريكس أو مجموعة شنغهاي، لكن يرى معظم صانعو السياسات الخليجية الصين شريكًا نعامليًا، يفتقر للاستقرار الاستراتيجي، حيث لا تغطي المبيعات العسكرية الصينية سوى حوالي 2% من احتياجاتهم. لكن الصين تدرك تمامًا أن لديها مصالح أمنية وطنية يجب حمايتها بالمنطقة التي تستورد منها أكثر من 53% من وارداتها من النفط الخام[4].

وتلعب الممرات البحرية دورًا حيويًا في الحفاظ على النفوذ الاستراتيجي، ولذلك تقود الولايات المتحدة تحالفات بحرية  متعددة للحفاظ على حرية الملاحة لأسطولها في البحرين، وعمليات حماية التجارة في البحر الأحمر وخليج عدن. أما الصين، فعلى الرغم من افتقارها لقوة بحرية دائمة في المنطقة، إلا أنها وظفت تأثيرها الاقتصادي لحماية مصالحها، ولاسيما في تفاهماتها مع الحوثيين على سلامة مرور سفنها مع انخفاض حركة السفن 70% إجمالًا. وبالتالي، نجحت بكين في تأمين طريق التجارة بحذر وتزويد الحوثيين بأجهزة مسيرة أدت إلى دفع  واشنطن لفرض عقوبات على شركات صينية ومواصلة الضغط التكنولوجي على إيران[5].

التكنولوجيا والبنية التحتية:

تجاوزت المنافسة بين واشنطن وبكين في الشرق الأوسط الهيمنة التقليدية، لتشمل التكنولوجيا المتقدمة والبنى التحتية الرقمية والفيزيائية. حيث تعمل الصين بقوة على الاستثمار في المشاريع الضخمة لتطوير الموانئ الرقمية وخطوط السكك والاتصالات، بينما تسعى واشنطن إلى تأمين موثعها من خلال صفقات الذكاء الاصطناعي وحماية سلسلة التوريد التكنولوجية[6]. حيث تقوم  شركات صينية ببناء شبكات الجيل الخامس في عدة دول وأنابيب بيانات ومراكز سحابية، مقابل رفع درجة التبعية للدعم الصيني لها. بالمقابل تعمل الولايات المتحدة على تأمين تفوقها التكنولوجي بعقد شراكات تقنية مع الحلفاء الخليجيين ولاسيما إطار التعاون مع دولة الإمارات في مجال الذكاء الاصطناعي المُعلن عنه في سبتمبر 2024[7].

وفيما يلي يمكن توضيح أهم الاتجاهات التي تتوزع عليها هذه المنافسة التكنولوجية، والتي يعتمد كل منها على خطوط بحث وتحليل هامة:

(1) استثمارات الحزام والطريق: توسع بكين استثماراتها في مشاريع النقل والموانئ والسكك الحديدية في السعودية والإمارات ومصر، معتبرة أن هذه المشاريع تمثل ركائز استراتيجية لربط المنطقة بعاملها الاقتصادي[8]. ولاسيما بمشاركتها في تطوير ميناء خليفة بأبو ظبي ومحطات بحرية سعودية في كل من ينبع وجيزان وجدة. وتأتي هذه الاستثمارات ضمن خطة صينية لاستمالة قادة الخليج.

(2) الردود التكنولوجية الأمريكية: تحاول واشنطن مجاراة هذه الخطوة عبر مبادرات استثمارية بديلةأو الضغط على الشركاء الخليجيين للحفاظ على المعايير التقنية الغربية في ماريع البنى التحتية الاستراتيجية. كما ردت الولايات المتحدة على النفوذ الصيني التكنولوجي من خلال تعزيز تعاونها الرقمي والأمني مع شركاء في المنطقة. فعقدت اتفاقات تقنية عسكرية ومعاهد أبحاث مشتركة، وشجعت الشركات الأمريكية على التوسع هناك. وعلى سبيل المثال وقعت أبوظبي مع شركة “مايكروسوفت  صفقة لتوفير خدمات ذكاء اصطناعي للحكومة، كتصدير شرائح الذكاء الاصطناعي المتقدمة إلى الإمارات[9].

(3) ثغرات الاتصال الرقمي: يزيد ضعف الترابط الإقليمي من فرص الصراع، حيث لاتزال شبكات النقل الكهربائي والغاز وأنظمة السكك غير متكاملة بين دول الجوار، ما يجعلها ساحة للاستثمارات الخارجية، وتشمل التدخلات الإقليمية مشاريع الربط الكهربائي وتحلية المياه، فهي تقدم نفسها كشريك تنموي بلا شروط سياسية[10]. ولذلك، تضغط واشنطن بعدة برامج لزيادة التواصل التقني ودمج الاتصالات الخليجية الرقمية مع معايير التحالف النظيف لتجريدها من تقنيات صينية، لتقليص هامش مناورة الصينيين.

(4) المنافسة على شبكات الاتصال: يدور الصراع اليوم أيضًا حول من يسيطر على شبكات الاتصالات والمعلومات، لاسيما “الجيل الخامس G5″، فقد أصرت واشنطن على استبعاد معداات الشركات الصينية وخاصًة شركة “هواوي Huawei” من شبكات الجيل الخامس بدعوى مخاطر أمنية، وضغطت على حلفائها لتبني مزودين موثوقين فقط[11]. بينما تقدم الشركات الصينية تقنيات تنافسية ورخيصة لأسواق بعض الدول. وبالتالي، يرسم التنافس على شبكات الاتصالات حدود النفوذ التكنولوجي، ومحاولات الصين طرح حلول بديلة.

(5) الرؤية الاستراتيجية: تتطلب المنافسة التقنية بين الولايات المتحدة والصين توافر رؤية بعيدة المدى. وتطرح الصين مفهوم “طريق الحرير الرقمي Digital Silk Road” كجزء من استراتيجيتها العالمية، بينما تركز واشنطن على التكاتف مع الحلفاء لمنع تفكك منظومة التعاون الدولي حول التكنولوجيا. وتمثل اتفاقيات طريق الحرير الرقمي الحالية مجرد بداية لانطلاق الرؤية الصينية، في ظل حظر عدد متزايد من الدول المتقدمة بما فيها الولايات المتحدة واليابان واستراليا لشركات التكنولوجيا الصينية العملاقة[12]. وتشدد هذه الرؤية على أن الصراع في المستقبل لن يقتصر على صادرات النفط أو القواعد العسكرية، بل سيمتد إلى البيانات الإلكترونية ومعايير الرقابة على الابتكار.

التحالفات الاقتصادية والطاقة:

تتنازع الولايات المتحدة والصين على أكبر موارد الطاقة في العالم بالشرق الأسط، حيث تُعتبر دول الخليج العصب الاقتصادي للطاقة. فالسعودية والإمارات والكويت من كبار المنتجين العالميين للنفط، وثطر توفر الغاز الطبيعي المسال. ومع ذلك، فإن طبيعة الصراع تغيرت بكون الصين أكبر مستورد للنفط عالميًا منذ 2016، وقد بدأت أيضًا في تخزين كميات قياسية من النفط لتعزيز أمن إمدادها، خاصًة بعد تصاعد الصراع بين إيران وإسرائيل مؤخرًا. وفي الوقت نفسه تستهدف بناء احتياطات نفطية استراتيجية لتخفيف الصدمة في أزمات الإمداد. هذه الخطوات لا تعكس رغبة اقتصادية فحسب، بل استراتيجية لاقتصار الخيارات أمام المنافس، لمنع تفوق النفوذ الأمريكي عبر التحكم في مسارات الإمداد وأسعار السوق[13]. فالسيطرة على تدفقات الطاقة وتحويلها إلى شراكات استراتيجية باتت اليوم أحد أهم أدوات تحديد منطق التحالفات في الشرق الأوسط.

وتتعامل دول الخليج مع هذا الواقع بعقلية التحزط المزدوج، حيث تستثمر فيما تتيحه الصين من تمويل وينى تحتية، وفي الوقت نفسه تحتفظ بمظلة أمنية وتقنية وسياسية أمريكية. وهذه الاستراتيجية المكثفة لا تنشئ مجرد توازن داخلي بل تغيّر من طبيعة التبعية التقليدية. ويبرز مثال على ذلك في ارتفاع شحنات النفط السعودية والصادرات المدنية إلى الصين يدل على أن الرياض قادرة على تنويع شركائها التجاريين دون التخلي عن علاقاتها الأمنية مع واشنطن، وهو ما يخلق فضاء تفاوضيًا أوسع. وبالتالي، فإن تحالفات الطاقة الجديدة حولت دول الخليج من طرف تابع إلى لاعب تفاوضي محوري يمكنه مزج الأمن والاقتصاد لصياغة شروط نفوذه الإقليمي.

وختامًا، يمكن القول أن الحوار الإقليمي يجب أن يتحول نحو إدارة تبعيات الطاقة والتحضير لمرحلة ما بعد النفط عبر صناديق سيادية، بنى تحتية للطاقة النظيفة، وسياسات صناعية مستدامة. وتظل النتيجة العملية المحتملة هي نظام إقليمي طاقي أكثر تعددية أو تنافرًا، لكن يسيطر على  هذا التحول الطاقي والتقني سيمتلك النفوذ السياسي المستقبلي في الشرق الأوسط. فالمشهد الاستراتيجي يشهد تجاذبات بين ضمانات أمن أمريكية عريقة ومحاولات صينية اقتصادية ودبلوماسية لترسيخ موطئ قدمها.

وفي المجال التكنولوجي، تتحول بنى تحتية إلى مسرح تنافس، إذ تسعى الصين لتعزيز موطئ قدمها عبر استثمارات ضخمة في شبكات ومحطات طاقة متجددة ، بينما تحاول الولايات المتحدة تعزيز التنسيق التكنولوجي مع الحلفاء ومنع أي نفوذ ذي طبيعة أمنية على شبكات الاتصالات. وعلى صعيد الطاقة، فإن إطالة ذراع احتياجات الصين النفطية والتلاعب بإمدادات السوق يقابله إنتاج أمريكي متصاعد وعلاقات مع منتجي النفط التقليديين، ما يرشّح استمرار تقلبات الأسعار واختبارات اقتصادية جديدة


[1] الصين في الشرق الأوسط .. مسار استراتيجي جديد حتى 2029، ارم بيزنس، 6 يناير 2025.

متاح على:  https://2u.pw/Q1Qata

[2] بالخرائط.. القوات والقواعد الأمريكية المنتشرة في الشرق الأوسط، الجزيرة، 22/6/2025.

متاح على: https://2u.pw/66Kxc

[3] أشرف سنجر، أثر الوساطة الصينية على فاعلية الاتفاق السعودي الإيراني، جامعة بورسيد: مجلة البحوث المالية والتجارية، العدد 3، يوليو2024.

[4] د. مروة صبحي منتصر، مقاربة جديدة: هل يكون للصين حضور عسكري في الشرق الأوسط؟، السياسة الدولية، 25/ 9/2023.

متاح على: https://2u.pw/Tpdes

  • [5] Mohammad Salami, China Sends Houthis Dual-Use Technology to Boost Influence and Undercut the US, STIMSON, August 12, 2025.
    Available at: https://2u.pw/seYXA

[6] “عكس النهج الأميركي”.. استثمارات الصين في دول “الحزام والطريق” تسجل مستويات قياسية، الشرق، 17 يوليو 2025.

متاح على: https://2u.pw/1Bh6p

[7] إعلان إطار تعاون بين الإمارات وأميركا بمجال الذكاء الاصطناعي، سكاي نيوز عربية، 24 سبتمبر 2024.

متاح على: https://2u.pw/66pre

[8] Mohammad Salami, Previous reference.

[9] US clears export of advanced AI chips to UAE under Microsoft deal, Axios says, Reuters, December 8, 2024.

Available at: https://2u.pw/D0tZY

[10] Minxin Pei, The Middle East Is a Quagmire For China, Too, Bloomberg, October 7, 2024.

Available at: https://2u.pw/mHNua

[11] Rupert Neate, Where is Huawei banned from working on critical networks?, The Guardian, April 19, 2019.

Available at: https://2u.pw/V04jP

[12] Patricia Lee Dorff, Assessing China’s Digital Silk Road Initiative, Council on Foreign Relation, December 18, 2020.

Available at: https://2u.pw/tOZDA

[13] [13] Mohammad Salami, Previous reference.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى