تحليل: أ.د سوزان القليني .. لم يعد المشهد الإعلامي العربي كما كان قبل عقدٍ من الزمان. فبينما كانت الصحف والقنوات المحلية هي المصدر الأساسي للأخبار والمعلومات، أصبحت اليوم خوارزميات الشركات التكنولوجية العملاقة هي التي تحدد ما يراه الجمهور وما يُخفى عنه. فمنصات مثل ميتا (فيسبوك وإنستغرام) وغوغل وتيك توك تحولت إلى “حراس البوابة” الجدد، تتحكم في تدفق المعلومات وتوجّه وعي الملايين من الشباب العربي الذين يعتمدون على هذه المنصات كمصدر رئيسي للأخبار.
الهيمنة الرقمية لم تعد مسألة نظرية، بل واقع ملموس يتجسد في فقدان الصحافة العربية لحصتها من الجمهور والإعلانات، وفي تراجع قدرتها على التأثير المباشر. إذ تشير تقارير إقليمية إلى أن الجزء الأكبر من عائدات الإعلانات الرقمية في العالم العربي يذهب إلى الشركات الأجنبية، بينما تكافح المؤسسات الإعلامية المحلية للبقاء على قيد الحياة.
ويحذر خبراء الإعلام من أن هذه الهيمنة تحمل مخاطر تتجاوز الجانب الاقتصادي، لتصل إلى قلب الهوية الثقافية والسيادة الإعلامية. فالمحتوى الذي يروَّج غالبًا ما يُصاغ وفق أولويات عالمية ربحية أو سياسية، قد لا تعكس القضايا العربية الملحّة. وهكذا يجد الجمهور نفسه أمام سيل من المعلومات قد تكون جذابة وسريعة الانتشار، لكنها لا تعبّر بالضرورة عن همومه أو تحافظ على لغته وهويته.
في المقابل، بدأت بعض الدول العربية والمؤسسات الإقليمية تدرك خطورة هذا الوضع. فقد خصص مؤتمر الإعلام العربي الأخير بتونس جلسات كاملة لبحث “الهيمنة الرقمية العالمية وسبل مجابهتها”، مؤكدًا على الحاجة إلى إنشاء فضاءات رقمية عربية بديلة وقادرة على المنافسة. كما طُرحت مبادرات لإطلاق منصات عربية مستقلة، وسنّ تشريعات تفرض على الشركات العملاقة التزامًا أكبر بحماية البيانات المحلية، ودفع ضرائب عادلة مقابل ما تجنيه من أرباح داخل الأسواق العربية.
ومع ذلك، تظل التحديات كبيرة. فبناء استقلالية إعلامية عربية في العصر الرقمي يتطلب استثمارات ضخمة في التكنولوجيا، وتدريبًا متطورًا للإعلاميين، وتعاونًا عربيًا جماعيًا يتجاوز المبادرات الفردية لكل دولة. كما يتطلب الأمر إنتاج محتوى عربي عصري يجذب الجمهور بنفس القوة التي يجذبه بها المحتوى الأجنبي، مع الحفاظ على الأصالة والهوية.
إن معركة الإعلام اليوم لم تعد مجرد سباق على سرعة نشر الأخبار، بل تحولت إلى معركة سيادة رقمية. فإذا لم يتحرك العرب لصياغة استراتيجيات واضحة لمواجهة هذه الهيمنة، سيبقى وعي شعوبهم مرهونًا بخوارزميات لا تصنعها عقولهم. والسؤال الذي يفرض نفسه: هل سيظل الإعلام العربي متفرجًا على المنصات العالمية وهي تعيد تشكيل عقول جمهوره، أم سيبادر إلى بناء فضائه الرقمي المستقل الذي يحفظ صوته وهويته للأجيال القادمة؟
Npasuzan1@hotmail.com
منصة واحدة تحكم العقول؟ الإعلام العربي في مواجهة الهيمنة الرقمية العالمية
