ثقافة

حين يغنّي الجبل ..  آرام ديكران وصوت الشعوب

تحليل: جاكلين جرجس .. على مرّ العصور، ظلّت الثقافات الكبرى تصوغ هويتها من خلال الفنّ، كأنّها تخطّ توقيعها الأبدي على صفحة الزمن. وبين الشعوب التي جمعتها الجغرافيا وصقلتها التجارب المريرة والمشرقة معًا، يبرز الأرمن والأكراد كشعبين تشابهت أقدارهما، وتقاطعت حكاياتهما عند منعطفات التاريخ، فانبثق من هذا التماس إرثٌ فنّي وثقافيّ غنيّ، يموج بالموسيقى والشعر والحكاية، ويُترجم أشواقهم إلى الحرية والكرامة.

تقاطعات المصير والذاكرة :

الأرمن والأكراد جيران الأرض والجبال، كلاهما حمل صليب المعاناة في مسيرات التاريخ الطويلة. الأرمن بعذابات الإبادة والتهجير، والأكراد بجراح الشتات والبحث عن كيان جامع. لكنّ الفنّ ظلّ عندهما أداة مقاومة ناعمة، لغةً أعلى من السلاح، تُعيد إليهما حقّ الوجود. وكأنّ الفنّ صار وسيلتهما للنجاة من المحو، يحفظ ذاكرة الأجداد في صوتٍ شجيّ، أو قصيدةٍ تشبه النصل، أو لوحةٍ تضيء كاللهب في ليلٍ معتم ..

الموسيقى: لغة الجبال والدموع

الموسيقى عند الأرمن والأكراد ليست ترفًا، بل هي هواء الروح، الحارس الأمين لذاكرة الشعوب. ومن بين عشرات الأسماء التي رفعت الصوت في فضاء المنطقة، يظل اسم آرام ديكران الأكثر لمعانًا، كأنه قمر وُلد في المنفى ليضيء قلوب المقهورين.

وُلد ديكران عام 1934 في مدينة القامشلي السورية لأسرة أرمنية نجت من أهوال الإبادة. منذ طفولته حمل داخله جرح الأرمن وحنين الأكراد معًا، فقد تربى بين جيران أكراد وأرمن، فامتص من بيئته ألحان الطفولة وذاكرة الجبال. تعلّم العزف والغناء في سن مبكرة، ولم يكن صوته مجرد موهبة، بل كان صرخة ممدودة نحو السماء.

بدأت مسيرته الفنية في خمسينيات القرن العشرين، حين انطلقت أغنياته عبر الإذاعات المحلية. اختار أن يغنّي بالكردية، رغم أصله الأرمني، لأنه رأى في تلك اللغة وطنًا آخر، وصوتًا يحمل أوجاع الناس البسطاء. كان غريبًا أن يتبنّى شاب أرمني لغةً ليست لغته الأم، لكنّ ديكران أدرك منذ البداية أن الفن لا يعترف بالحدود، وأن رسالته لا بد أن تكون إنسانية قبل أن تكون قومية.

غنّى للحب والحنين، غنّى للأم والوطن والحرية.غنّى عن الغربة والفقد، التي صارت نشيدًا سريًا لكل مغترب. صوته كان عذبًا، شجيًا، يحمل دفء الأبوة وحزن التاريخ معًا. لم يكن يغنّي فقط، بل كان يداوي جراح المستمعين، يضع يده على قلوبهم كطبيب يعرف مواضع الألم.

الجماهير الكردية أحبّت ديكران كأحد أبنائها، فلقّبوه بـ “عندليب الكرد”، بينما الأرمن وجدوا فيه تجسيدًا لفنان ظلّ وفيًا لأصوله، حتى وإن غنّى بلغة أخرى. وقد حقق شهرته الواسعة بعد أن بدأت إذاعات أوروبا تبث أعماله، خصوصًا عقب انتقاله إلى بلجيكا في السبعينيات، حيث واصل مشواره من المهجر، مغنّيًا للحرية والكرامة.

كان ديكران يؤمن أن الأغنية يمكن أن تكون وطنًا، ولذلك لم يتوقف عن الغناء حتى آخر أيامه. وحين توفي عام 2009، بكت الجماهير الكردية كما بكى الأرمن، وتحوّلت جنازته إلى مظاهرة حبّ ووفاء، رُفعت فيها أعلام الكرد وصور الأرمن، في مشهد نادر يُجسد كيف يمكن للفن أن يوحّد ما فرّقته السياسة .. آرام ديكران لم يكن مجرد مغنٍ، بل كان جسرًا بشريًا بين شعبين، حمل صوته الحلم المشترك: أن يعيش الإنسان بكرامة، وأن يظل الفنّ شاهدًا على أن الدماء لا تطفئ الأغنية.

كما أن الموسيقى لغة الشعوب كذلك الشعر: وطنٌ يُقام بالكلمات

إذا كانت الموسيقى لسان الروح، فالشعر هو مرساها. الأرمن، من زمن سايات نوفا حتى شعراء القرن العشرين، جعلوا القصيدة طقسًا يوميًا، يتغنّون بالكروم والكنائس والأنهار. الأكراد، من جانبهم، رفعوا الشعر إلى مقام الرسالة. فشعراء مثل أحمد خاني وشيركو بيكهس جعلوا الكلمة وطنًا بديلًا حين غاب الوطن الملموس.

المثير للدهشة أنّ الشعر الأرمني والكردي يتشابهان في صور الطبيعة؛ كلاهما يستحضر الجبال كرمزٍ للصلابة، والأنهار كرمزٍ للاستمرار، والأم كرمزٍ للخصوبة والحماية. كأنّ الذاكرة الجمعية تنسج صورها من ذات اللوحة الكونية، حيث الريف مصدر الإلهام الأصيل.

لا يمكن الحديث عن الفن والثقافة بين الأرمن والأكراد من دون التوقّف عند الرموز التي صنعت ذاكرة مشتركة:

آرام ديكران: أيقونة الغناء الذي وحّد الأرمن والأكراد.

سايات نوفا: الأرمني الكردي-الجورجي الأصل، شاعر التعدد اللغوي الذي غنّى بالأرمنية والكردية والجورجية والفارسية.

شيركو بيكهس: شاعر كردي كبير، جعل من قصائده أجنحة تُحلّق فوق الألم، وكان لصوته صدىً عند الأرمن الذين وجدوا فيه توأم الروح.

أرام خاتشاتوريان: الموسيقار الأرمني العالمي، الذي ألّف مقطوعات تحمل روح الشرق، فوجد فيها الكرد امتدادًا لإيقاعاتهم.هذه الرموز لم تكن مجرد أسماء، بل جسورًا متينة بين شعبين متجاورين، تتقاطع فيهما الأسطورة والوجع والحنين.

الثقافة كانت و لاتزال جسرًا للتعايش :

على الرغم من التوترات السياسية التي عصفت بالمنطقة عبر العقود، ظلّ المثقف والفنّان الأرمني والكردي يحملان رسالة التلاقي. في المهرجانات، تلتقي الأغنية الكردية بالرقصة الأرمنية، وفي المعارض تُجاور اللوحة الأرمنية القصيدة الكردية، في مشهد يؤكد أنّ الثقافة تتقدّم حين تُسكت البنادق.

و أمتدت المشاريع الثقافية المعاصرة بين الأرمن والأكراد ليست كثيرة، لكنها تحمل دلالة عميقة. هناك مبادرات مشتركة في مجالات الترجمة الأدبية، وإحياء الفولكلور الشعبي، وتنظيم حفلات موسيقية تستعيد تراث ديكران وسايات نوفا. هذه المحاولات الصغيرة تفتح آفاقًا لحوار حضاري، وتُعيد رسم صورة الشرق الأوسط كمكان يضجّ بالألوان بدل الرماد.

خاصة و أن الفن عند الأرمن والأكراد ليس ترفًا ولا زينة، بل ضرورة وجودية. إنه وسيلتهم لحفظ اللغة، والذاكرة، والأرض، في عالمٍ يهددهم بالنسيان. لذلك لا عجب أن ترى الأغنية الأرمنية والكردية محمّلة بالدموع والفرح في آن، تُقاوم لتبقى.

نحو مستقبل مشترك :

إذا كان الماضي قد جمع الأرمن والأكراد في محنته، فإن المستقبل يمكن أن يجمعهم في مشاريع ثقافية تُبنى على الاعتراف بالآخر. يمكن للموسيقيين أن يؤسسوا فرقًا مشتركة، وللشعراء أن ينظموا ملتقيات تُترجم فيها القصيدة الأرمنية إلى الكردية والعكس. يمكن للسينما أن تحكي قصصهم المتشابهة عن الغربة والحنين، وللجامعات أن تفتح مسارات بحثية في التراثين.

فالفن ليس مجرد مرآة تعكس الماضي، بل هو أيضًا جسر إلى الغد. وحين يضع الأرمن والأكراد أيديهم في يد بعض عبر الثقافة، فهم يعلنون أنّ الشعوب يمكنها أن تكتب تاريخًا آخر، أقل دمًا وأكثر موسيقى ..

في يريفان، تتعانق أصداء الكمان والعود في فرقة Gurdjieff Ensemble حيث تنصهر الألحان الكردية والأرمنية في مقطوعات تحمل عبق الروح الشرقية ودفء القرى القديمة. وعلى مسافة غير بعيدة، يحتفظ أرشيف إذاعة يريفان الكردية بآلاف التسجيلات التي تحفظ ذاكرة أجيال، وتشهد كيف كان الأثير يومًا ما صوتًا جامعًا للشعبين، يوصل الأغنية الكردية من قلوب الأرمن إلى بيوت الأكراد.

أما في أربيل، فقد جمعت المعارض الوثائقية صورًا ومخطوطات نادرة تحكي عن الجوار الطويل، عن القرى التي شهدت الأفراح المشتركة والأحزان المشتركة، وعن لغة الفن التي لا تعرف الحدود. وفي قرية أكناليتش الأرمنية، يقف معبدQubaMêrêDîwanêشامخًا، ليس كمجرد بناء ديني، بل كرمز للتعايش والتقدير المتبادل بين الثقافتين..

إن التعاون الفني والثقافي بين الأرمن والأكراد اليوم ليس مجرد تبادل عروض أو تنظيم فعاليات؛ إنه استمرار لمسيرة بدأت بأصوات مثل أرام ديكران، وامتدت عبر مبادرات تحرس التراث وتفتح نوافذ على المستقبل، حيث يلتقي الإبداع ليحكي حكاية شعبين عرفا أن الفن، قبل كل شيء، لغة الحرية ….

هكذا، يمتد جسر التعاون من أيام أرام ديكران، حين كانت الموسيقى تُبث من موجات الراديو، إلى عصرنا حيث تعبر عبر الإنترنت والمهرجانات العالمية. وبين الماضي والحاضر، يظل الفن هو الخيط الذي لا ينقطع، يربط بين الجبال والوديان، وبين شعبين وجدا في الإبداع لغة أقوى من أي حدود .

أهم المشاريع الفنية والثقافية المعاصرة بين أرمينيا والأكراد، التي تبرز الجسور التي نشأت حديثًا بين الثقافتين:

معرض “أرشيف الوثائق والصور التاريخية” في أربيل

في فبراير 2023، نظّمت القنصلية الأرمنية في أربيل بالتعاون مع وزارة الثقافة والشباب في إقليم كردستان معرضًا وثائقيًا بعنوان روابط كردية–أرمنية. عُرضت فيه وثائق وصور نادرة عن المجتمعات الكردية في أرمينيا، بالإضافة إلى مخطوطات كردية مكتوبة بالأبجدية الأرمنية. وشارك في اللقاء باحثون من متحف المخطوطات القديمة في يريفان (ماثناداران)

معبد QubaMêrêDîwanêللديانة اليزيدية

افتُتح في 2019قرب يريفان، في قرية أكناليتش، أكبر معبد يزيدي في العالم. جُسّد من خلاله التعايش الثقافي والديني بين الأرمن والأكراد، حيث بني من الحجر الأرمني والرخام الإيراني، ويضم متحفًا ومركزًا دينيًا، كما تتخشّص ساحته منحوتات تقرّب رموزًا من التراث الأرمني واليزيـدي

فرقة Gurdjieff Ensemble الموسيقية

تأسّست عام 2008في يريفان بقيادة ليفون إسكيان، وتمثّل مشروعًا ثقافيًا فذًا يعيد تجسيد الأنغام الروحية والشعبية التي غذّت الفنان جورج غورجييف، مدخلة قدم الأرمن وكرد وعرقيات أخرى. تشمل التوزيعات موسيقى كردية وأرمينية وأشورية وغسّانية

أرشيف إذاعة يريفان الكردية

لا يزال إرث إذاعة يريفان حيًا حتى اليوم، إذ يحتوي الأرشيف على أكثر من 10,000 تسجيل لأغاني ومسرحيات كردية مسجلة خلالها. يُعد هذا الأرشيف أحد أهم الأدوات الحديثة لحفظ الذاكرة الموسيقية الكردية ضمن فضاء أرمني معاصر

مهرجان HighFestالدولي للفنون الأدائية

من أبرز المهرجانات الفنية في يريفان، ولعل مشاركة فرق من إيران (التي تضم جيلاً من الكرد) تفتح الباب أمام التلاقح الثقافي والفني بين الأرمن والأكراد في سياق الأداء المسرحي والموسيقي المعاصر

هكذا، يمتد جسر التعاون من أيام أرام ديكران، حين كانت الموسيقى تُبث من موجات الراديو، إلى عصرنا حيث تعبر عبر الإنترنت والمهرجانات العالمية. وبين الماضي والحاضر، لم يكن صوت آرام ديكران مجرد لحنٍ عابر، بل صار وجدانًا حيًّا تسكنه ذاكرة الشعوب. وهكذا ظل ديكران وفيًّا لوصية والده الذي أوصاه بألا ينسى الكرد الذين أنقذوا أسرته من المجازر العثمانية ، فكرّس فنه جسرًا للوفاء والصداقة، حاملاً آلام الأرمن والكرد معًا، وناشرًا رسالة محبة تتجاوز الجراح والحدود.

حتى أن الزعيم الكردي عبدالله أوجلان اعترف بأن صوته اخترق قلبه وقال: “هذا الصوت يجب ألّا يموت”، وهو ما يفسر خوف السلطات التركية من أن يتحوّل قبره في آمد – لو دُفن فيها كما أوصى – إلى مزار حي يجمع الأرمن والكرد والسريان واليونان وكل من أحب فنه.

 و على مر العصور يظل الفن هو اللغة السرّية التي يتخاطب بها الأرمن والأكراد، لغةٌ تعلو فوق السياسة والحدود، وتقول للعالم: “نحن هنا، باقون، نغنّي كي لا نموت”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى