تحليل: د. سحر حسن أحمد .. تُجسد الأزمة الليبية منذ سقوط القذافي مأزق دول ما بعد الربيع العربي؛ إذ تحولت من تجربة كان يُعوَّل عليها ديمقراطيًا إلى ساحة صراع داخلي وإقليمي ودولي، أفرزت انقسامًا سياسيًا وأمنيًا عميقًا وحربًا بالوكالة. ينطلق هذا المقال من فرضية أن جذور الأزمة تكمن في تداخل هشاشة الداخل مع صراع المصالح الخارجية، ويحللها عبر ثلاثة محاور: الانقسام الداخلي بين القوى الليبية، الدور الدولي للقوى الكبرى (الولايات المتحدة، روسيا، تركيا)، والموقف المصري وانعكاساته على أمنها القومي، وصولًا إلى رؤى وتوصيات عملية تُمهد لاستعادة تماسك الدولة الليبية وخروجها من دوامة الفوضى.
ليبيا منذ سقوط القذافي إلى التقسيم والتدخلات الدولية (2011–2025)
منذ اندلاع الثورة الليبية في فبراير 2011 وسقوط نظام معمر القذافي، دخلت ليبيا مرحلة انتقالية اتسمت بغياب المسار الواضح، وتزايد الانقسامات السياسية والعسكرية، وظهور تدخلات إقليمية ودولية متنافسة. تحولت البلاد من نموذج مأمول للانتقال الديمقراطي إلى ساحة صراع متعدد الأطراف، ما انعكس على استقرارها الداخلي وعلى أمن الإقليم ككل.
أولاً: سقوط النظام وفراغ السلطة
بدأ الحراك الشعبي ضد القذافي في فبراير 2011 م وقد قوبل بقمع دموي، مما أدى إلى تدخل عسكري من حلف شمال الأطلسى الناتو Nato بقرار أممي بحظر الطيران وحماية المدنيين. ومع سقوط مدينة سرت ومقتل القذافي في أكتوبر 2011 م انتهى حكمه الذي دام أكثر من أربعين عامًا. غير أن سقوط النظام أدى إلى فراغ سياسي وأمني؛ إذ لم تعرف ليبيا خلال تلك الفترة أى تنظيم سياسي، ووجدت نفسها بلا مؤسسات سياسية راسخة، إذ أن نظام القذافي لم يسمح بقيام أحزاب أو نخب معارضة داخلية منظمة، وكان معظم المعارضين بالخارج.
تولى “المجلس الوطني الانتقالي” برئاسة مصطفى عبد الجليل (1952م – …) إدارة المرحلة الانتقالية، ثم جرت انتخابات المؤتمر الوطني العام في يوليه 2012 م، لكنها لم تُنهِ الفوضى الأمنية الناتجة عن انتشار الميليشيات المسلحة. في سبتمبر 2012 م تعرضت القنصلية الأمريكية في بنغازي لهجوم أدى إلى مقتل السفير الأمريكي، ما أبرز هشاشة الوضع الأمني. وبحلول 2013 م تصاعدت الاغتيالات والاحتجاجات وسأت الأوضاع الاجتماعية، واندلعت احتجاجات واسعة تحولت إلى مواجهات مسلحة بين ميليشيات المدن المختلفة، ما دفع البلاد إلى مزيد من الانقسام والصراع على النفوذ.
ثانياً: الحرب الأهلية والانقسام السياسى
بين عامي 2014 و2017 م تصاعدت الخلافات السياسية في ليبيا مما أدى إلى صراع مسلح واضح، وشهدت ليبيا منعطفًا خطيرًا في 2014م مع إجراء انتخابات جديدة أسفرت عن إنشاء “مجلس النواب” في طبرق، مقابل حكومة موازية في طرابلس مدعومة من تحالف “فجر ليبيا”. وفي الشرق برز خليفة حفتر (1943م-….) وقواته “الجيش الوطني الليبي” من خلال عملية “الكرامة” 2014 م ضد الجماعات الإسلامية في بنغازي. وهكذا انقسمت البلاد بين سلطتين متوازيتين.
في ديسمبر 2015 م وُقع “اتفاق الصخيرات” برعاية الأمم المتحدة ، الذي أسس لحكومة الوفاق الوطني برئاسة فائز السراج ( 1960م-….)، إلا أن الاتفاق بقي هشًّا بسبب رفض أطراف عدة الالتزام به. واستمرت حالة الانقسام، مع صعود حفتر كفاعل عسكري قوي في الشرق، واستمرار سيطرة قوى إسلامية وميليشيات في الغرب حتى نهاية 2017.
ثالثاً: التدخلات الدولية وتفاقم الأزمة
في 2019 م شنّ حفتر هجومًا واسعًا على طرابلس بهدف السيطرة عليها، مما أدى إلى تدخل تركي مباشر لدعم حكومة الوفاق المعترف بيها أممياً، عبر اتفاقيات أمنية وبحرية. وأسهمت الطائرات المسيرة التركية والدعم العسكري في صدّ هجوم حفتر. في المقابل حصل حفتر على دعم إقليمي من مصر والإمارات وفرنسا، إضافة إلى مرتزقة روس من مجموعة “فاغنر”. وهكذا تحولت ليبيا إلى ساحة حرب بالوكالة بين أطراف إقليمية ودولية.
رابعاً: مساعي السلام والانتقال السياسي
أثمرت جهود الأمم المتحدة عن وقف إطلاق نار في أكتوبر 2020م ، أعقبه تشكيل “حكومة الوحدة الوطنية” برئاسة عبد الحميد الدبيبة في مارس 2021م ، مهمتها توحيد المؤسسات والتحضير للانتخابات. لكن الانتخابات المقررة في ديسمبر 2021م فشلت بسبب خلافات دستورية وشخصية، مما أعاد البلاد إلى مربع الانقسام.
خامساً: استمرار الانقسام والتحديات الراهنة
منذ فشل الانتخابات تعمقت الازدواجية السياسية، مع حكومات موازية في طرابلس والشرق. تفاقمت الأزمات الاقتصادية نتيجة الخلافات حول إدارة البنك المركزي وعوائد النفط، وازدادت هشاشة البنية التحتية كما كشفت كارثة فيضانات درنة 2023 م. أما أمنيًا، فقد ظلت طرابلس رهينة صراعات الميليشيات، واغتيال عبد الغني الككلي “غنيوة” في 2025 م أبرز هشاشة الوضع الأمني.
سادساً: العوامل الداخلية والخارجية للأزمة
تقوم الأزمة الليبية على ثلاث إشكاليات رئيسية:
- الفراغ السياسي والأمني: أفرز سقوط القذافي عن وجود دولة ضعيفة تعج بالميليشيات والجماعات الإرهابية.
- التدخلات الخارجية: وجود تنافس إقليمي ودولي حوّل ليبيا مما حولها إلى ساحة حرب بالوكالة.
- الانقسام المؤسسي: وجود صراع بين حكومتين منذ 2014م شمل مؤسسات حيوية، وفشل اتفاق الصخيرات 2015م في إنهاء الانقسام أو توحيد الدولة.
خارطة القوى الداخلية
منذ سقوط القذافي تحولت ليبيا إلى ساحة صراع مفتوحة بفعل غياب السلطة المركزية، وتوزع النفوذ بين ميليشيات وقبائل وإسلاميين، إضافة إلى التدخلات الخارجية. تشكل المشهد حول ثلاثة محاور رئيسية:
- غرب ليبيا (طرابلس): تُمثلها حكومة الوفاق سابقًا، مدعومة من تركيا وقطر.
- شرق ليبيا (طبرق): يُمثلها الجيش الوطني بقيادة حفتر، مدعوم من مصر والإمارات وروسيا.
- الجنوب: قبائل وقوى محلية ذات ولاءات متقلبة، إضافة إلى الجزائر وتونس كمواقف محايدة نسبيًا.
وبذلك أصبحت ليبيا نموذجًا لصراعات ما بعد الدولة في الشرق الأوسط، حيث تشابكت المصالح الداخلية مع التدخلات الإقليمية والدولية.
سابعاً: التدخلات الدولية والإقليمية
تحولت ليبيا منذ 2011 م إلى ساحة صراع إقليمي ودولي نتيجة الانقسامات الداخلية بين الشرق والغرب والجنوب، ما أفسح المجال لتدخلات خارجية بدوافع أمنية واقتصادية واستراتيجية. بدأ التدخل مع عملية الناتو تحت قرار مجلس الأمن 1973م ، التي أسقطت النظام لكنها خلّفت فراغًا أمنيًا وسياسيًا استغلته الميليشيات. لاحقًا قادت الأمم المتحدة جهود الوساطة عبر بعثة الدعم (UNSMIL)، غير أن غياب التوافق بين الأطراف حال دون نجاحها.
روسيا : سعت روسيا بعد سقوط القذافي لاستعادة نفوذها في ليبيا عبر قنوات سياسية واقتصادية، دون وجود عسكري رسمي مباشر معتمدة على أدوات غير رسمية مثل شركة فاغنر. ومع تفاقم الانقسام الليبي تعززت علاقتها بحفتر، وقدمت له دعماً سياسياً ودبلوماسياً ولوجستياً، مقابل حصولها على موطئ قدم في الشرق. لاحقاً توسع النفوذ الروسي ليشمل مصالح اقتصادية (نفط، مناجم، عقود) وتحركات استراتيجية لإعادة تأهيل قواعد ومطارات تتيح حضوراً بحرياً وجوياً في المتوسط وأفريقيا. وبعد سقوط نظام الأسد أواخر 2024، نقلت موسكو عتاداً عسكرياً من سوريا إلى ليبيا، ما أكد أن تدخلها خيار استراتيجي يهدف إلى تعويض أي تراجع في سوريا، وضمان نفوذ دائم قرب أوروبا، ومراقبة مسارات الهجرة وتعزيز حضورها في أفريقيا والبحر المتوسط.
- تركيا : ترى في ليبيا امتدادًا لمشروعها العثماني الجديد ومجالًا استراتيجيًا للطاقة والهيمنة في المتوسط. بعد سقوط القذافي، دعمت أنقرة حكومة الوفاق سياسيًا وعسكريًا، ووقّعت عام 2019م مذكرة لترسيم الحدود والتعاون العسكري، ثم أرسلت قوات وطائرات مسيّرة ساعدت طرابلس على صدّ هجوم حفتر. لاحقًا تحولت العلاقات إلى تعاون اقتصادي وأمني (إعمار، طاقة، تدريب). ومنذ 2023م بدأت تركيا بالانفتاح على الشرق الليبي، سعيًا لتوسيع نفوذها ومصالحها في ظل إعادة ترتيب التوازنات الإقليمية.
- الولايات المتحدة: الولايات المتحدة قادت تدخل الناتو لإسقاط القذافي ثم انسحبت عسكريًا، وركزت لاحقًا على مكافحة الإرهاب ودعم مسار الأمم المتحدة دون انخراط مباشر. دعمت حكومة الوفاق أحيانًا وتعاونت مع حفتر أحيانًا أخرى، ما جعل موقفها متأرجحًا. منذ 2020م ركزت على مواجهة النفوذ الروسي وتقديم مساعدات إنسانية، مع انخراط محدود وخطة دولية لتوحيد الجيش والأمن.
ثامناً: الموقف المصري
ارتبط دور مصر فى ليبيا بحماية أمنها القومي لاعتبارها دولة جوار مباشر ومصدرًا مهمًا للعمالة، ولخشيتها من تحول ليبيا إلى بؤرة للإرهاب والفوضى. منذ البداية، أكدت القاهرة دعم وحدة ليبيا وحل الأزمة سياسيًا، لكنها عمليًا دعمت مؤسسات الشرق خاصة مجلس النواب والجيش الوطني بقيادة حفتر، توازنًا بين مصالحها الحيوية وضغوط القوى الدولية. هذا الموقف جاء انسجامًا مع أولوياتها الأمنية، خصوصًا حماية الحدود ومنع تمدد التنظيمات المتطرفة. وتواجه مصر تحديات أبرزها تهريب السلاح والهجرة غير الشرعية، والتدخل التركي الذي تعتبره تهديدًا مباشرًا لمصالحها. وقد حددت موقفها وفق عدة عوامل: منها منع صعود الإسلام السياسي ، وحماية الحدود من الإرهاب والتهريب ، وموازنة النفوذ التركي والروسي.
وقد استخدمت أدوات سياسية (الوساطة بين الأطراف)، وأمنية (دعم الشرق وتهديد التدخل لحماية الحدود)، واقتصادية (اتفاقيات ومشاريع إعادة إعمار). وتؤكد مصر دومًا على حل “ليبي-ليبي” بعيدًا عن التدخل الخارجي.
خاتمة
استشراف المستقبل في ليبيا يطرح ثلاثة سيناريوهات:
- استمرار الجمود والانقسام وهو الأكثر ترجيحًا على المدى القريب، مع تفاقم المعاناة الإنسانية والتدخلات الخارجية.
- الحل السياسي الشامل عبر اتفاق يضم جميع الأطراف، وانتخابات حرة، وحكومة وحدة وطنية وإعادة بناء المؤسسات.
- التقسيم الرسمي وهو خيار خطير قد يفجر صراعات جديدة حول الحدود والموارد.
وللخروج من الأزمة تُوصى الجهود الدولية بدعم الحل السياسي، ووقف التدخلات الخارجية، وإعادة بناء المؤسسات الأمنية على أسس مهنية، مع تعزيز المصالحة الوطنية.
تُظهر قراءة تطوّرات الأزمة الليبية منذ 2011م أنّها لم تكن مجرّد أزمة داخلية بقدر ما كانت انعكاسًا لصراع رؤى ومصالح متشابكة؛ بين قوى داخلية تبحث عن الشرعية والسيطرة، وتدخلات إقليمية ودولية تسعى لتثبيت نفوذها، ودور مصري ظلّ حاضرًا بثقل الجغرافيا والتاريخ وهاجس الأمن القومي. لقد أثبتت التجربة أنّ غياب التوافق الوطني أتاح المجال لاتساع رقعة التدخلات، وأخّر مسار الدولة الليبية نحو الاستقرار والتنمية.
ومع ذلك، فإنّ ما حمله المشهد من تحديات يفتح في الوقت نفسه أبوابًا لرؤى مستقبلية أكثر نضجًا: رؤية تقوم على تعزيز الحوار الليبي–الليبي، والاعتراف بتوازن القوى الداخلية، مع دعم دولي مسؤول يضمن مصلحة الليبيين أولًا. وفي قلب هذا المشهد، تبرز مصر كفاعل رئيسي قادر على دفع عجلة الاستقرار عبر خبرتها الإقليمية وصلاتها التاريخية، شرط أن يُترجم دورها إلى جسر للتوافق لا مجرد أداة لمعادلات النفوذ.
إنّ الأزمة الليبية تضعنا أمام درس عميق: أنّ بناء الدول لا يتحقق بقوة السلاح ولا بسطوة التدخلات، بل عبر إرادة وطنية جامعة، ومساندة إقليمية ودولية صادقة. ومن هنا، تظلّ التوصيات المطروحة — بدءًا من دعم المؤسسات الدستورية، مرورًا بترسيخ الأمن الحدودي، وصولًا إلى إعادة الإعمار والتنمية — بمثابة خريطة طريق لا غنى عنها لتحويل التحديات إلى فرص، ولإعادة ليبيا إلى موقعها الطبيعي كدولة موحّدة وفاعلة في محيطها العربي والأفريقي والمتوسطي.
