دراسات

التحول الفكري والمشروع المجتمعي الديموقراطي لدى عبد الله أوجلان ” المنهجية والمرتكزات “

تحليل: د.حسني أحمد مصطفى .. يمثل فكر أوجلان انتقالاً من النضال القومي العسكري إلى مشروع مجتمعي ديمقراطي، ومن حلم الدولة القومية إلى شبكات مجتمعات حرة؛ وهو تحول فلسفي وسياسي يعيد تعريف السلطة والحرية والهوية، فيما يتضح مسار العقيدة الفكرية لدى حزب العمال الكردستاني كحركة مسلحة لها حالة خاصة من التحول الايديولوجي، بدءَ من رد الفعل ذي العنف الثوري المصبوغ بالطابع الماركسي الكلاسيكي، الى خطاب اجتماعي ديموقراطي يتجاوز فكرة الدولة بطابعه اللا مركزي، هذه العملية الديناميكية التي مر بها حزب العمال الكردستاني التي أعاد بها بُنيته الذاتية، نتيجة تجربته التاريخية بين الضغوط العسكرية وكذلك السياسية، والمراجعة الفكرية الذاتية، والتغيرات الاقليمية والدولية.

    وفي ضوء التحولات السياسية والاجتماعية في منطقة الشرق الأوسط، برزت أفكار أوجلان كإطار نظري يسعى لحل أزمة الاندماج الوطني التي تعاني منها شعوب المنطقة، ومن أبرز هذه الأفكار نموذج “الأمة الديمقراطية”  الذي طرحه أوجلان باعتباره بديلاً عن أنظمة الدولة القومية المتسببة في الصراعات والانقسامات، ويهدف هذا النموذج إلى خلق فضاء للتعايش المشترك بين المكونات المختلفة على أساس المساواة والاحترام المتبادل، دون فرض هوية قومية أو دينية واحدة.
    وقد بدأ تطبيق هذا النموذج بشكل عملي في تجربة الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا منذ عام 2013حيث سعى الأكراد وحلفاؤهم من المكونات المحلية إلى بناء نظام يقوم على المشاركة الشعبية والاعتراف بالتنوع القومي والديني، ورغم التحديات الكبيرة التي واجهتها هذه التجربة، بما في ذلك التدخلات العسكرية الإقليمية والتحولات السياسية في كل من سوريا وتركيا، إلا أنها استمرت وصمدت حتى اليوم.

أولًا: مراحل التحول في فكر عبد الله أوجلان:

    يتبنى عبد الله أوجلان مسارًا فكريًا متطورًا، يعكس تحولات عميقة في نظرته للواقع السياسي والاجتماعي، ليس فقط فيما يتعلق بواقع الكرد الجيوسياسي والاجتماعي؛ بل الشرق الأوسط مجملًا، حيث يمكن رصد مراحل التحول من خلال تتبع مساره الفكري والسياسي، والذي مر بعدة محطات أساسية شكلت رؤيته النهائية، هذه المراحل يمكن إيجازها على النحو التالي:

  1. مرحلة المراجعة النقدية وبداية التحول  في التسعينيات:

    في بداياته، تأثر أوجلان بالأفكار الثورية اليسارية العالمية، خاصة الماركسية واللينينية، وكان تركيزه منصبًّا على تحرير كردستان عبر الكفاح المسلح وإنشاء دولة قومية كردية مستقلة، رأى أن النضال ضد النظام التركي لا يمكن أن يتحقق إلا عبر حرب الشعب الثورية، حيث كان حزب العمال الكردستاني (PKK) في  تلك المرحلة يتبنى خطاباً قومياً صريحاً.

    مع تصاعد الصراع واستنزاف القوى، بدأ أوجلان يراجع التجربة ورؤيته للفكرة القومية والدولة، أدرك أن الدولة القومية حتى لو تأسست ستعيد إنتاج أنماط القمع نفسها بسبب مركزيتها واحتكارها للعنف، بالتوازي مع التحولات العالمية مثل سقوط الاتحاد السوفييتي وصعود العولمة.

  • مرحلة السجن وتبلور الفكر الجديد ما بعد 1999:

    شكّل الاعتقال نقطة انعطاف؛ إذ انتقل من قيادة العمل العسكري إلى التأمل النظري، كتب في إمرالي سلسلة  “مانيفستو الحضارة الديمقراطية “، وانصرف إلى دراسة التاريخ والحضارة، متبنياً نقد الحداثة الرأسمالية وربط الأزمة ببنية الدولة القومية، وطرح مفهوم “العصرانية الديموقراطية – القائم على الحرية والوعي البيئي والعدالة الاجتماعية، حيث ساهمت فترة الاعتقال هذه بلورة فكرة مشروع الأمة الديموقراطية.

    فقد قدّم أوجلان نموذج الأمة الديمقراطية الذي يتجاوز حدود الدولة القومية عبر الكونفدرالية الديمقراطية والمجالس المحلية المباشرة، مع التعددية الثقافية واللغوية، وتمكين المرأة، والاقتصاد المجتمعي، والبيئة، حيث بدأ التطبيق العملي في شمال وشرق سوريا عام 2013.

  • مرحلة ترسيخ الفكر والممارسة 2014 – 2020:

    انصرف أوجلان في هذه الفترة إلى مهام إعادة هيكلة العصرانية الديمقراطية لتشمل الحركات البيئية والنسوية والثقافية والدينية، رابطاً حل أزمات الشرق الأوسط بأزمة النظام الرأسمالي العالمي، وداعياً إلى ثورة فكرية ضد الاحتكار وجعل الأمة الديمقراطية نموذجاً معاصراً للتعايش والحرية.

  • التمهيد للتحول السلمي 2020 الى نداء السلام يوليو 2025:

    بدأت هذه المرحلة مؤشراتها في سياقات التحول من المواجهات المسلحة الى الاستعداد للانخراط السياسي، فقد انخفضت وتيرة العمليات العسكرية، وتم تعزيز الخطاب السلمي في البيانات الرسمية، كما دعمت بعض مكونات الحزب مسار الحوار مع الدولة التركية، وظهر الاستعداد لفتح مجال سياسي، وفي مايو – أيار – 2025 اعلن الحزب رسميًا حل هيكله ووضع السلاح مطلقًا نداء السلام، في قرار عُد تتويجًا لمرحلة طويلة من التحول العقدي والبراغماتي، فقد ربط الحزب قراره بضرورة تحقيق حل سياسي شامل، وضمان الاعتراف بالهوية الكردية والانتقال الى النضال السلمي المدني، بما يتوافق مع رؤية أوجلان لمشروع الأمة الديموقراطية.

    يتضح من هذه المراحل المراجعات التي تبناها أوجلان على مدار تاريخه النضالي، والذي يتضح فيها كل من عنصري التأمل والنقد، ليطرح رؤية تتجاوز القومية الضيقة الى مشروع انساني أوسع، يركز على الديموقراطية القاعدية، وتمكين المرأة، والعدالة الاجتماعية، وحماية البيئة، فقد توج أوجلان هذا المسار بالتحول نحو النضال السلمي والسياسي، بذلك جسَد فكرة أن التحرر الحقيقي لا يتحقق إلا ببناء مجتمع ديموقراطي متنوع يضمن الحقوق لجميع مكوناته، مما يجعل تجربته نموذجًا يمكن أن يلهم حركات أخرى في المنطقة الباحثة عن العدالة والاستقرار.

ثانيًا: النقد في فكر عبد الله أوجلان:

 انتشرت الليبرالية بوصفها ايديولوجيا تقوم على سيادة المستهلك وخياراته، وفي ثنايا الليبرالية الفجة هذه يكون لأفكار الاختيار الحر في السوق وقوة السوق غير المقيدة قصب السبق، وقد يبدو التركيز على اللذات الفردية والمصالح الشخصية، مما يؤدي الى اهمال المجال العام وصولاً الى تنامي ” الاستبداد الناعم ” في مجتمع غير سياسي.

 وعليه يكون قد فقدت الليبرالية جانبها النقدي كذلك، وتخلت عن رؤيتها لمجتمع مكون من افراد لديهم القدرة بصورة كاملة على تقرير مصيرهم، فقد تخلت الليبرالية عن وظيفتها الناقدة لأجل قالب غير سياسي بدرجة لأكبر بكثير من أي وقت مضى، مما تتضح هنا تقليص السياسة الابداعية عن طريق فرض المخططات الايديولوجية والصيغ الفجة بدلاً من التفكير المفتوح، في حين عدم وجود رؤية أو هدف عام أو مشروع ملهم، وستظل هذه العلاقة بين تواتر التخلي عن الوظيفة الناقدة للرؤى والمعارف العلموية وتضخم القوالب غير السياسية ما دامت التحليلات العلمية الاجتماعية تغض الطرف عن تنامي واستمرارية النظم العالمية الحالية.

 وفي تفنيده ونقده الايضاحات والتحليلات التاريخية العلمية والفلسفية، وايضًا الضرورة لإنتهاجها يرى اوجلان: “بينما تقتضي الطبيعة الأولى إيضاحات تاريخية متكاملة، فإن الطبيعة الاجتماعية الماضية قُدُماً على شكل حلقات أساسية متداخلة ومتسلسلة، وتحليلها على الصُّعُد التاريخية والفلسفية– العلمية ضمن تكامُل أكثر ترابُطاً، إنما يُعَد ضرورة ذات أهمية ممنهجة لا بد منها”. 

    وفي هذا السياق يمثلان النقد والمراجعة ركيزة أساسية لتطوّر الرؤية الفكرية والسياسية لدى المفكر عبد الله أوجلان، فبجانب التحولات التي عاشها، فقد قدم نقدًا واسعًا وجذريًا للأنظمة السياسية والاجتماعية والفكرية السائدة، ولم يتوقف أوجلان عند حد النقد فقط بل قدم حلولًا مطروحة، يؤكد أنها ليست حلولاً تقنية أو اقتصادية فحسب؛ بل ثقافية وأخلاقية ووجودية، تبدأ من نقد الذات وبناء مجتمع جديد يقوم على الحرية والديمقراطية والمساواة ومعنى الحياة، وأن المخرج من الأزمات برمتها؛ لا يكون إلا بإبداع  نمط حياة جديدة يؤسس لمجتمع ديمقراطي بيئي نسوي، يعيد الاعتبار للإنسان ككائن اجتماعي أخلاقي.

    ويمثل النقد الموضوعي في فكر أوجلان العلاقة الرشيدة بين البنية الذهنية والواقع الانساني، فتحقيق الهدف من العلوم والمعارف لصالح حياة المجتمع الرشيدة؛ مرهون ذلك بالمعرفة المُثلى والعميقة لمفهوم العقل الانساني، والذي تتضح حالته هذه من خلال عملية ” النقد الموضوعي “، وفي هذا يشير أوجلان: ” أن اقتطاف نتائج مثمرة عندما نتصور نظامنا في الأسلوب وتحصيل المعرفة، سيكون محض صدفة؛ ما لم نتعرف جيداً على بنيتنا الذهنية وطبيعتها، في حين؛ يمكن لنظامنا في الأسلوب والمعرفة أنْ يُثمِر عن أجوبة مُثلى ورشيدة بمفاهيم صحيحة، عندما نتوصل إلى التعريف الصحيح والعميق للعقل، ونحقق قدرته على الاختيار الحر – الحرية المجتمعية “، ويمكن عرض أبرز محاور الرؤية النقدية الأوجلانية فيما يلي:

  1. نقد الحداثة الرأسمالية:

        يعتبر أوجلان أن الحداثة الرأسمالية هي السبب الرئيسي للأزمات العالمية، خصوصًا في الشرق الأوسط، حيث يرى أن هذه الحداثة تقوم على ثلاثة أركان أساسية:

  • الرأسمالية: التي تحوّل الإنسان إلى سلعة، وتسيطر على الموارد العالمية
  • الدولة القومية: التي تحتكر السلطة وتدمر التنوع الثقافي.
  •  النظام الصناعي: الذي ينهب الطبيعة ويؤدي إلى تدمير البيئة.

    من منظوره تمثل هذه الأركان بنية متكاملة لإدامة الاستغلال والسيطرة، ولا يمكن إصلاحها من الداخل، بل يجب استبدالها بعصرانية ديموقراطية بديلة.

  • نقد الدولة القومية في الشرق الأوسط:

    يوجه أوجلان نقدًا لاذعًا للدولة القومية في المنطقة، ويصفها بأنها كيان استعماري، داخلي مفروض على المجتمعات عبر الحدود المصطنعة التي رسمتها القوى الاستعمارية، يقول إن الدولة القومية لا تمثل الشعوب، بل النخب الحاكمة، وهي مسؤولة عن الصراعات المذهبية والعرقية، مثلما حدث بعد سايكس بيكو، كما يرى أنها تدمر القيم الأخلاقية والسياسية للمجتمع، لأنها تعتمد على الإكراه والعنف وليس التوافق.

  • نقد الحركات اليسارية والاشتراكية التقليدية:

    على الرغم من تأثره في شبابه بالماركسية والاشتراكية، إلا أن أوجلان يقدم نقدًا لهذه الحركات، معتبرًا أنها فشلت في تجاوز نموذج الدولة المركزية، حتى عندما وصلت بعض الحركات الاشتراكية إلى السلطة، أعادت إنتاج أنماط القمع نفسها التي كانت تعارضها، وبالتالي، يرى أن الحل لا يكمن في تغيير الطبقة الحاكمة فقط، بل في إعادة بناء المجتمع على أسس ديموقراطية.

4. نقد الثقافة الذكورية والسلطة الأبوية:

     يخصص أوجلان جزءًا مهمًا من نقده لمواجهة الثقافة الذكورية، التي يعتبرها النواة الأولى لكل أشكال القمع السياسي والاجتماعي، ويؤكد أن هذه الثقافة تترسخ عبر الأسرة، والتعليم، والمؤسسات الدينية، ما يجعل تحرير المرأة خطوة أساسية في أي مشروع تحرري.

    ومما سبق؛ يتضح في القراءات النقدية للأزمة الانسانية في السياق الأوجلاني؛ انكشاف الازمة البنيوية الحضارية المتعلقة بكينونة الإنسان والمجتمع، وليست مجرد مشكلة اقتصادية أو سياسية، وإن اتسمت اطروحات الحلول الأوجلانية بانها جذرية؛ لكنها تفتح أفقًا حقيقيًا لإعادة بناء الإنسان والمجتمع على أسس الحرية والمعنى والتنوع بعيدًا عن هيمنة المال والسلطة.

ويشدد اوجلان في سياقاته النقدية على أهمية وجدية الاخذ بالتركيز على منطق النقد الموضوعي لهذه النظريات او تلك والتي مثلت في الرؤية الاشتراكية شرخاً بيناً في جسد الرأسمالية والعكس، فظلتا الرؤيتين لا ترمم نفسها سوى في حضور الاخرى، واتضحت في هاتين الرؤيتين كل اعطاب علم الاجتماع الشاملة، وهنا يرى اوجلان: “أهمية توجيه النقد إلى الأسلوب الذي يشكل الدعامةَ الركن للنظام، وإلى الضوابط العلمية المطروحة “.

وتمثلت الهوة الاساسية والبنية المنهجية الهشة التي حصرت الفكر الانساني وضيقت على منابع الابتكار الانساني في سياق الاشتراكية المنصهرة في الذات الرأسمالية وإماطتها من طريقها كل المنتجات التي تتماس مع الحقيقة الانسانية الحرة، حيث تتضح هذه الهوة في ضوء الرؤية الأوجلانية للأسلوب: ” أن نقطةَ الضعف الأساسيةَ في الانتقادات الموجَّهةِ إلى كافة الأنظمة، بما فيها انتقاداتُ الاشتراكية – لا يستثنى من ذلك الرأسمالية ايضاً – تكمن في لجوئها إلى نفسِ الأسلوبِ الذي ترتكز إليه تلك الأنظمةُ في تحقيقِ وجودها، مع أنَّ الحقيقةَ تشير إلى أنّ انتقاد الواقع الاجتماعي الناشئ اعتماداً على نفسِ الأسلوب الذي يستند إليه هذا الواقع، لا يُنقِذ النُّقّاد من الوقوع في نتيجة مشابهة”.

    في الحقيقة هذا ما راهن عليه الفيلسوف عبد الله اوجلان فيما رصدة من اجترار التاريخ الانساني برؤية شمولية تجمع بين طياتها التاريخ والاجتماع والفلسفة والاديان والانثربولوجيا والجغرافيا والفنون والعمارة والجيوبوليتيكا والاقتصاد، وذلك في سياق ما اطلق عليه ” نسق الحقيقة ” وبدوره – السياق الأوجلاني – اضحى عاملاً فاعلاً في توجيه ثورة ذهنية عصرية.

ثالثًا: الأسس المنهجية للنقد والمراجعة في فكر عبد الله اوجلان:

    أدرك أوجلان أن أي حركة تحرر وطني أو مشروع مجتمعي لا يمكن أن يستمر دون مراجعة مستمرة لأفكاره وتجربته في ضوء المتغيرات الداخلية والخارجية، وتُعد الأسس المنهجية للنقد والمراجعة في فكر عبد الله أوجلان جوهر مشروعه الفكري والسياسي، والتي تقوم على:

  1. الانطلاق من نقد الذات والجماعة.
  2. تجاوز الأيديولوجيات الجامدة نحو فكر منفتح.
  3. ربط الفكر بالممارسة العملية.
  4. قراءة نقدية للتاريخ والمجتمع.
  5. إدماج البعد الأخلاقي في العمل السياسي.
  6. الانفتاح على الحوار والشراكات.
  7. إدارة التناقضات بوسائل ديمقراطية.
  8. الاستمرارية والديناميكية في عملية المراجعة.

    ومن هذه المنطلقات أتاحت الأسس المنهجية للمراجعات الفكرية لمشروع أوجلان أن يتحول من حركة ذات طابع ثوري مسلح، وقومية تقليدية إلى رؤية أوسع تهدف لبناء مجتمع ديمقراطي متحرر يتجاوز حدود الدولة القومية، حيث يمكن تحديد الأسس المنهجية للنقد والمراجعة لدى أوجلان ضمن عدد من المرتكزات الفكرية والفلسفية والسياسية، على النحو التالي:

١. النقد الذاتي كشرط للتحرر:

  • يرى أوجلان أن أي عملية تحرر تبدأ من نقد الذات، سواء على المستوى الفردي أو الحزبي أو المجتمعي.
  • النقد الذاتي ليس هدفاً في حد ذاته، بل وسيلة لتصحيح الأخطاء وتجاوز الجمود الفكري.
  • دعا قادة حزب العمال الكردستاني وكوادره إلى ممارسة “نقد ثوري” يركز على فهم الأخطاء البنيوية في التجربة، وعدم الاكتفاء بتبريرها أو إسقاطها على العوامل الخارجية.
  • هذا النقد يشمل القائد نفسه، حيث قدّم أوجلان مراجعات جريئة لأفكاره السابقة، خاصة تلك التي تبنّت النموذج الماركسي اللينيني الصارم.

٢. تجاوز الأيديولوجيا المغلقة:

  • في مرحلة البدايات، كان أوجلان متأثراً بالأفكار الماركسية الكلاسيكية، لكنه لاحقاً أدرك محدودية هذه الأيديولوجيا في تفسير الواقع الكردي والشرق أوسطي.
  • من هنا، تبنّى نهج النقد الإبستمولوجي، الذي يقوم على تفكيك البنى الفكرية المغلقة والانفتاح على مصادر معرفية متنوعة، مثل:

– الفلسفة الغربية الحديثة (فوكو، هابرماس، إلخ).

– الفلسفات الشرقية والتراث الإسلامي.

– التجارب التاريخية في الإدارة الذاتية والديمقراطية.

– الهدف هو خلق نظرية مرنة تتفاعل مع الواقع بدلاً من فرض نماذج جاهزة عليه.

٣. المراجعة في ضوء الواقع الموضوعي:

  • يربط أوجلان الفكر بالممارسة؛ لذلك تأتي المراجعة نتيجة تقييم التجربة العملية.
  • فشل بعض الاستراتيجيات العسكرية أو السياسية، مثل الحرب الطويلة مع الدولة التركية، دفعه إلى التفكير في بدائل مثل:

– الحل الديمقراطي بدلاً من الانفصال.

– الإدارة الذاتية كبديل عن الدولة القومية المركزية.

  • هذا التحول يعكس مبدأ أن الواقع الحي هو المختبر الحقيقي للفكر، وأن أي نظرية يجب أن تكون قابلة للتطوير باستمرار.

٤. الانطلاق من التاريخ والذاكرة المجتمعية:

  • يرى أوجلان أن فهم الحاضر يستلزم قراءة نقدية للتاريخ.
  • لم يكتفِ بسرد التاريخ الكردي كضحية، بل حلّل:
  • كيف أسهمت بعض البُنى الاجتماعية الكردية في إعادة إنتاج التبعية.
  • دور الإمبراطوريات والدول القومية في قمع التنوع الثقافي.
  • هذا الفهم سمح له بوضع تصوّر جديد يتجاوز الثنائية الضيقة بين “المستعمِر” و”المستعمَر”، ويسعى لإعادة بناء المجتمع على أسس كونفدرالية ديمقراطية.

٥. إدماج البعد الأخلاقي:

  • يرفض أوجلان أن يكون النقد مجرد ممارسة فكرية باردة، بل يربطه بالقيم الأخلاقية.
  • أي مراجعة يجب أن تستند إلى:

– العدالة الاجتماعية.

– التحرر الإنساني وليس فقط القومي.

– احترام البيئة والطبيعة كجزء من فلسفة “الأيكولوجيا الاجتماعية”.

– بذلك، يصبح النقد أداة لإعادة صياغة العلاقات بين الإنسان والسلطة، وبين المجتمع والطبيعة.

٦. الحوار والالتقاء مع الآخر:

  • من أبرز سمات المراجعة عند أوجلان الانفتاح على الحوار مع الخصوم والشركاء.
  • يرى أن الصراع المسلح وحده لا يكفي، وأن الحلول المستدامة تحتاج إلى:

– تفاهمات سياسية.

– بناء جسور ثقة بين الشعوب (الكرد، العرب، الأتراك، الأرمن…).

– النقد هنا يتوسع ليشمل النقد المتبادل مع القوى الأخرى، سعياً لإيجاد مساحات مشتركة للتعاون.

٧. المنهج الجدلي (الديالكتيكي):

  • يعتمد أوجلان على الفكر الجدلي في فهم التحولات:

– يرى أن التناقضات داخل المجتمع هي محرك التاريخ.

– بدلاً من القضاء على التناقض، يدعو إلى إدارته بطرق ديمقراطية.

– هذه الجدلية تظهر في مشروعه للكونفدرالية الديمقراطية، الذي يدمج التعددية والاختلاف ضمن إطار تعايش سلمي.

٨. الديناميكية والاستمرارية:

  • يؤكد أوجلان أن النقد والمراجعة ليسا حدثاً لمرة واحدة، بل عملية مستمرة.
  • فالعالم في تغير دائم، وأي فكر يتوقف عن المراجعة يصبح متحجراً.
  • لذلك، فإن مشروعه السياسي يقوم على المرونة والتجديد بما يتناسب مع الظروف المحلية والإقليمية والعالمية.

رابعًا: نحو مشروع حضاري بديل:

    من خلال هذا التحول والنقد، يطرح أوجلان مشروعًا بديلاً يتمثل في  العصرانية الديمقراطية وهي رؤية شاملة لبناء مجتمع حر، عادل، ومتعدد، وهذا ما يتمايز به المنظور الاوجلاني الكلياني لقضايا المجتمع ومشكلاته المتداخلة اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً فيما تبحثه العلوم الانسانية؛ مستهدفة توجيه النهضة الانسانية للمجتمعات والأمم، وبمقدار ما تقدمه من مخرجات فكرية وتطبيقية تتماهى مع جوهر ثقافة المجتمع وتراثه وفلسفاته وآدابه وفنونه، وبما ينعكس اثره على واقع الممارسات السلوكية على مختلف انساقها الفردية والجمعية.

    يرتكز مشروع أوجلان ” العصرانية الديموقراطية – الأمة الديموقراطية “ على:

  1.  الكونفدرالية الديمقراطية:  نظام سياسي يقوم على المجالس المحلية واللامركزية.
  2.  الاقتصاد المجتمعي: يضع حاجات المجتمع فوق الربح.
  3.  العدالة البيئية: حماية الطبيعة كشرط لاستمرار الحياة.
  4. تحرير المرأة:  باعتبارها أساس أي تحول حقيقي.

هذا ما طرحة أوجلان فيما تتبناه رؤيته للمجتمع الديموقراطي: ” الحضارة الديمقراطية، هي فرصة عظيمة ورائعة من حيث إنتاج العلم السليم “، حيث اختص أوجلان الحاجة الماسة إلى علم جديد – قائم على التحقق من مدى حقيقة وجدوى التراكم المعرفي في العصر الرأسمالي – في أتّون الأزمة والفوضى العارمة، حيث يرى أوجلان: ” لا يمكن تلبيتها إلا بسيادةِ براديغما المجتمع الديمقراطي فقط، ونظراً لاستحالة ظهور الحلول العملية دون حَلحَلة وتفكيك القضايا الأبستمولوجية، فإنّ تحطيم طوق براديغما الدولة القومية، والتحلي ببراديغما العصرانية الديمقراطية سوف يَصِل بنا إلى القدرة على إيجاد الحل اللازم والمرتقب “.

    ويعتبر أوجلان أن هذا المشروع لا يخص الأكراد فقط، بل يمكن أن يكون نموذجًا لحل أزمات الشرق الأوسط، وتجاوز الصراعات التي أنتجتها الدولة القومية والحداثة الرأسمالية، فالنقد الجذري والتحول الفكري يمثلان انتقال أوجلان من الأيديولوجيا القومية الثورية إلى مشروع حضاري ديمقراطي يتجاوز حدود الدولة القومية، هذا التحول في فكر أوجلان وانتقاله من إطار ضيق للنضال الكردي إلى أفق أوسع، يتناول قضايا الشرق الأوسط والإنسانية جمعاء، اهتم بقضايا ذات طابع شمولي مستدام، تتمثل في:

  1. الانتقال من فكرة الدولة القومية إلى الأمة الديمقراطية:

في بدايات مسيرته، تبنى أوجلان فكرة تحرير كردستان عبر إنشاء دولة قومية كردية مستلهماً حركات التحرر الوطني في العالم، لكن مع مرور الوقت – وخاصة بعد اعتقاله عام 1999- بدأ يراجع هذه الرؤية، توصل إلى أن الدولة القومية، حتى لو كانت كردية، ستعيد إنتاج أنماط القمع نفسها الموجودة في الأنظمة الاستبدادية القائمة، يرى أن القومية الحديثة ما هي إلا أداة للهيمنة، وأنها مسؤولة عن معظم الحروب والانقسامات في الشرق الأوسط، ومن هنا بدأ يطرح بديلًا يتمثل في الأمة الديمقراطية، التي تقوم على مبدأ التعددية الثقافية والإدارية، واحترام تنوع المكونات العرقية والدينية، دون فرض هوية واحدة أو مركزية سياسية.

  • إعادة تعريف السلطة والمجتمع: تحول أوجلان من النظر إلى السلطة كأداة تحرير إلى اعتبارها آلية قمع إذا لم تُبنَ على أساس أخلاقي ديمقراطي، في هذا السياق أعاد تعريف المجتمع على أنه مجتمع أخلاقي سياسي، يقوم على المشاركة المباشرة في صنع القرار، بعيدًا عن احتكار النخب السياسية أو الاقتصادية، هذا التحول الفكري يعكس نقده العميق لفكرة الدولة القومية التي تحتكر العنف والموارد، وتعيد إنتاج الفقر والهيمنة.
  • المرأة ودورها في المشروع التحرري: من التحولات البارزة في فكر أوجلان تركيزه على قضية المرأة، إذ يرى أن تحرير المجتمع يبدأ بتحرير المرأة، يربط بين استعباد المرأة ونشوء أنظمة القمع، معتبراً أن أول سلطة استبدادية في التاريخ كانت سلطة الرجل على المرأة، لذلك جعل من ثورة المرأة جزءاً جوهرياً من مشروع الأمة الديمقراطية، مؤكدًا على ضرورة مشاركتها في القيادة السياسية والاجتماعية.
  • البعد الإيكولوجي  ” البيئي” : أدخل أوجلان البعد البيئي في مشروعه الفكري، معتبرًا أن أزمة البيئة نتاج مباشر للحداثة الرأسمالية التي تستنزف الموارد دون اعتبار للتوازن الطبيعي، يدعو إلى بناء اقتصاد مجتمعي يحترم الطبيعة، ويرفض منطق الإنتاج الصناعي غير المحدود الذي يهدد الحياة البشرية.

    يمثل فكر أوجلان مسارًا فكريًا متدرجًا، بدأ من النضال القومي الكردي الضيق، ثم تحول إلى رؤية كونية تعالج جذور الأزمة الحضارية في الشرق الأوسط، هذا التحول لم يكن انعزالًا عن الواقع، بل جاء نتيجة نقد عميق للتجارب السابقة، سواء الأنظمة القومية أو الحركات الاشتراكية، وصولًا إلى صياغة مشروع متكامل للأمة الديمقراطية والعصرانية البديلة، وبهذا، يضع أوجلان تصورًا لبناء شرق أوسط جديد قائم على الحرية والتعددية والعدالة، ليكون نموذجًا عالميًا لمجتمع انساني.

……………………………………………………………………………

المراجع:

  • أوجلان، عبد الله (2018): مانيفستو الحضارة الديمقراطية ” أزمة المدنية وحل الحضارة الديمقراطية في الشرق الأوسط “، ترجمة: زاخو شيار، المجلد الرابع، ط (3)، مطبعة داتا سكرين، لبنان.
  • أوجلان، عبد الله (2018): مانيفستو الحضارة الديمقراطية ” المدنية ، العصرانية الديمقراطية وقضايا تجاوز الحداثة الرأسمالية – عصر الآلهة غير المقَنَعة والملوك المتسترين “، ترجمة: زاخو شيار، المجلد الأول، ط (3)، مطبعة داتا سكرين، لبنان.
  • أوجلان، عبد الله (2018): مانيفستو الحضارة الديمقراطية ” المدنية الرأسمالية ، العصرانية الديمقراطية وقضايا تجاوز الحداثة الرأسمالية – عصر الآلهة غير المقَنَعة والملوك الغزاة “، ترجمة: زاخو شيار، المجلد الثالث، ط (3)، مطبعة داتا سكرين، لبنان.
  • أوجلان، عبد الله (2018): مانيفستو الحضارة الديمقراطية ” سوسيولوجيا الحرية “، ترجمة: زاخو شيار، المجلد الثالث، ط (3)، مطبعة داتا سكرين، لبنان.
  • قنديل، غدي (2025): المعضلة العَقَدية لحزب العمال الكردستاني ما بعد السلاح، مركز الدراسات العربية والأوراسية CAES، على الرابطhttps://eurasiaar.org        

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى