تحليل: أحمد محمد إنبيوه .. صاحبت لحظة تأسيس الدول القومية الحديثة التي تبعت الشكل الامبراطوري، التأسيس بالتبعية لنموذج سيادي سيغدو مسؤولًا بدرجة عميقة عن مأساة الكرد الممتدة، مأساة تركت الجسد الكردي مثخنا بجراح التفتت بين بلدان أربع، يعاني ويكافح في محاولة بناء سردية إنسانية وتاريخية موحدة ووجدان كردي يقف على أرضية مستقرة. لكن هل كان الانتقال السيادي لنموذج الدولة الحديثة ذات المرجعية القومية وحده المسؤول عن الألم الكردي الممتد، أم كان للتفاعلات التي كانت تعتمل في البنية الكردية الداخلية من نهايات القرن ١٩ لبدايات القرن العشرين، أثر حاسم استمر من حينها وربما إلى الآن ؟ لنحاول أن نكتشف هذا، كونه سيساعد في فهم شفرات الواقع الجيوسياسي المركب للوجود الكردي في الفضاء الأني. كما أنه سيكون مفتاحا لتصور سيناريوهات المستقبل. هي ليست محاولة لاستدعاء التاريخ للوقوع في أسره أو التوقف لديه، بل محاولة لاستخدامه كعتبه للفهم وفك طبقات التناقضات بالرجوع لنقطة البداية قدر الإمكان.
يشهد الشرق الأوسط اليوم واحدة من أكثر أزماته تعقيدًا فيما يتعلق بمفهوم الحكم والسيادة وإدارة التنوع. وإذا كان الراهن السياسي يكشف عن مأزق الدولة القومية في استيعاب التعددية الإثنية والدينية والثقافية، فإن العودة إلى التاريخ تمثل مدخلًا مهمًا لفهم جذور هذه الأزمة وتشابكاتها. وفي هذا السياق، تُعد التجربة الكردية مثالًا كاشفًا عن عمق المعضلة: فهي من ناحية تعبّر عن ضياع فرصة تأسيس كيان سياسي جامع للكرد بعد انهيار الدولة العثمانية، ومن ناحية أخرى تُجسد كيف أن تَوزع شعبٍ واحد على أربع دول قومية حديثة قد أفرز سردية قومية بديلة، لا تزال تُلقي بظلالها على الحاضر وتشكّل أفقًا للمستقبل. عادة، تستغرق السرديات التاريخية في المظلومية أو تعمل على التوقف لدى محطة تدوين الألم عبر الذاكرة الجماعية، لكن ربما الأوفق أن يتم التعامل معها بوصفها إطار تحليلي يمكن من خلاله تفكيك التناقضات الكبرى في تاريخ المنطقة السياسي. فالمسألة الكردية تتقاطع مع لحظة التحول من الحكم الإمبراطوري اللامركزي إلى الدولة القومية المركزية، ومع مشروع الاستعمار الأوروبي الذي أعاد رسم الخرائط وفق منطق التجزئة والسيطرة، كما أنها تلقي الضوء على مأزق الهوية في القرن العشرين وما بعده. من هنا، فإن قراءة السردية الكردية بما تحمله من مفاهيم المقاومة والانقسام والبحث عن الاعتراف، تمثل أداة لفهم ليس فقط قضية الكرد أنفسهم، بل أيضًا أزمة الدولة القومية في الشرق الأوسط برمته، واستشراف البدائل الممكنة لمستقبل أكثر مرونة وعدالة.
الإرث الإمبراطوري واللامركزية المفقودة
تميزت أنماط الحكم في الشرق الأوسط قبل القرن التاسع عشر بقدر كبير من اللامركزية، سواء في الإمبراطوريات الإسلامية الكبرى كالأموية والعباسية، أو في التشكيلات السياسية اللاحقة مثل الصفوية والعثمانية. فقد اعتمدت هذه الإمبراطوريات على إدماج أراضٍ واسعة ومتنوعة تحت سلطة عليا رمزية، مع ترك هامش واسع للحكم المحلي. كان هذا الشكل من التنظيم يسمح بوجود سلطات عشائرية ودينية وإدارية محلية تمارس نفوذها المباشر على المجتمعات، بينما ظل المركز يكتفي بجباية الضرائب وتجنيد الجيوش وضبط الولاء العام. في هذا السياق، احتل الكرد موقعًا مهمًا في البنية الإمبراطورية العثمانية. فقد شغل زعماء عشائريون كرد أدوارًا بارزة في ضبط الأطراف الشرقية للإمبراطورية، وبرز رجال دين ومتصوفة كرد في الحياة الدينية والفكرية، كما أسهم جنود وضباط كرد في الحملات العسكرية. وعلى الرغم من غياب كيان سياسي كردي مستقل، فإن العلاقة مع السلطة العثمانية كانت تقوم غالبًا على المساومة والتفاوض، بحيث يترك للكرد قدر من الحكم الذاتي غير المعلن مقابل الولاء العام للسلطان. لكن هذه الصيغة اللامركزية لم تكن تعبيرًا عن اعتراف بالتعددية أو ضمانًا لحرية الشعوب، بقدر ما كانت نتاجًا لبنية الحكم الإمبراطوري الذي يوازن بين السيطرة والمرونة. ومع ذلك، وفّرت هذه البنية إطارًا جعل الهويات الإثنية والدينية أكثر سيولة وأقل صدامًا مع سلطة المركز.
لكن، بحلول بداية إصلاحات التنظيمات (1829-1879) كان الكرد قد خسروا معظم السلطة والهيبة المرتبطتين بإماراتهم، وآخرها سقط عام 1850. ومع ذلك، احتفظوا بقدر من الاستقلالية في مناطقهم. وعلى خلاف الولايات غير الكردية، لم يستبدل العثمانيون الأمراء الكرد بولاة من الدولة، وهو ما عمّق الفوضى في كردستان وفتح المجال أمام الشيوخ الكرد ليقوموا بدور الوسطاء في النزاعات. إن الفراغ السياسي الناجم عن أفول الإمارات الكردية الأخيرة، والمكانة الدينية لأسر السادة، وغياب تسلسل هرمي ديني داخل المؤسسة السنية الرسمية، كلها عوامل عززت من نفوذ مؤسسة المشيخة الكردية. وقد حافظ زعماء العشائر الكرد على سلطتهم المحلية رغم عمليات المركزية التي شملت بقية أنحاء الإمبراطورية. وحتى بعد إصلاحات التنظيمات، لم يبذل الباب العالي جهدًا جادًا لتغيير البنية التقليدية للسلطة في كردستان. ففي المجتمع الكردي القائم على الزراعة والمجزأ اجتماعيًا، كان دور الآغا والشيخ ورئيس العشيرة غالبًا يتركز في شخص واحد، ما عزز من نفوذ المجتمعات المحلية المرتبطة بالحكومة المركزية. وقد رسّخت سياسات عبد الحميد الثاني غير المتوازنة في المركزية دور الشيوخ وزعماء العشائر الكرد، إذ ضمنت أن تظل البنية الاجتماعية التقليدية – لا برجوازية مدينية – هي المهيمنة في المجتمع الكردي. ففي معظم أرجاء الإمبراطورية، عمل عبد الحميد على تقوية المدن وإضعاف الأرياف، وأخضع الجماعات القبلية وكبار الملاك عبر تفكيك الضياع الكبرى، وإنشاء ملاك صغار.
غير أن الوضع في كردستان كان مختلفًا؛ إذ ظلت تتمتع بقدر من الاستقلال حتى أوائل القرن العشرين، في وقت خضعت فيه مناطق أخرى لسيطرة مركزية أكبر. ففي حين كان القضاة والمفتون العثمانيون يسيطرون على الشريعة في معظم الولايات الغربية والوسطى، لم يكن الأمر كذلك في بعض المناطق الكردية. فقد خضعت بعض الأقاليم لسيطرة مباشرة من السلطان، واحتفظ بعضها بشبه استقلال ذاتي، بينما وقع بعضها الآخر تحت نفوذ روسي. وبسبب وقوع الولايات الكردية في المناطق الجبلية البعيدة شرقًا وجنوبًا، وافتقارها إلى شبكة مواصلات واتصالات متطورة، غالبًا ما كانت هذه المناطق عصيّة على وصول ممثلي الدولة. ومن ثم، وجد الباب العالي نفسه مضطرًا إلى عقد اتفاقات ضمنية مع زعماء العشائر الكرد، مما زاد من شرعنة سلطتهم السياسية.
تحولات الفضاء السياسي
استدعت إصلاحات الدولة العثمانية، ونزعات الباب العالي المركزية، والاختراقات الأجنبية سياسات جديدة أعادت تشكيل بُنى الفرص داخل المجتمع العثماني. وبناء على ذلك، احتفظت بعض المناطق الكردية بقدر من الحكم الذاتي؛ غير أنّ سياسات المركزية غيّرت النظام التقليدي للإدارة الإقليمية، وخلقت وحدات سياسية أصغر ضمن إطار الولايات، جرى تسييرها حصراً عبر أعيان مسلمين تولوا السلطة المحلية على حساب زعماء الملل المسيحية. هؤلاء الأعيان، بدورهم، عززوا مكانة الإسلام السني من خلال بناء المساجد وتوظيف الرموز الإسلامية في المدارس والمباني العامة. وبوضع كونية الدين في مواجهة محلية الجماعات العِرقية، عزّز نظام الولايات هيمنة الجماعات الحاكمة من المسلمين السنة، وأجّج التوترات بين المجتمعات المحلية. ومع مرور الوقت، راحت جيوب من الجماعات العِرقية تتمايز بهوياتها الإدارية، الأمر الذي جعل الانتماءات الإثنية أكثر بروزاً. ونتيجة لذلك، أصبحت الحدود بين الدين والعرق والمكانة الاجتماعية الاقتصادية أكثر ضبابية.
أعادت التحولات الإقليمية والتغيرات الديموغرافية تشكيل الجغرافيا السياسية للإمبراطورية، وعززت الانقسامات الدينية والعرقية واللغوية. فبعد انتهاء حرب القرم ومؤتمر برلين عام 1878، فقدت الدولة العثمانية ما يقرب من 80% من أراضيها الأوروبية. لم تعد غالبية السكان المسيحيين تحت سيطرتها، فارتفعت نسبة المسلمين لتصل إلى 74% من سكان الإمبراطورية. زاد هذا الفقدان من اختلال التوازن بين الأغلبية المسلمة والأقليات غير المسلمة. كما أنّ هجرة اللاجئين التتار المسلمين الناطقين بالتركية من روسيا إلى المدن الكبرى العثمانية دفعت غير المسلمين إلى الوديان والبلدات، ما ولّد ضغوطاً إضافية على الإدارة المحلية، ونزاعات على الأراضي بين المسلمين والمسيحيين، وزيادة في مطالب الاستقلال من قبل الجماعات العِرقية المختلفة.
أسهم الاختراق الخارجي في عمليات الاختلال العِرقي وأجج الانقسامات الداخلية داخل الملل، وبين المسلمين وغير المسلمين، وبين الجماعات المحلية والأجانب. وبحلول أواخر القرن التاسع عشر، تغيّر مفهوم المواطنة العثمانية ونظام الملل. فقد حصلت الجماعات المسيحية في البلقان على صفة قومية بفضل القوى الأوروبية، مما جعل من الصعب على السلطان عبد الحميد الثاني الترويج لفكرة الهوية الإسلامية الجامعة. وبلغت قضية الجنسية ذروتها مع سنّ قوانين عثمانية جديدة للجنسية حظرت تجنيس الأجانب من دون موافقة الحكومة. وبالتالي، ورغم أنّ الملل استمرت من حيث المبدأ، فإنّ معنى الجماعة الأقلية تغيّر جذرياً مع نهاية القرن التاسع عشر. وبالرغم من أنّ المسلمين السنة شكّلوا الأغلبية الدينية، إلا أنّ هيمنتهم أصبحت موضع تساؤل بفعل موجة الاختراق الأوروبي ودعمه لحركات تقرير المصير. لقد تحدّت حدود الإدماج والإقصاء أكثر فأكثر على يد الجماعات السياسية الساعية لإنقاذ الإمبراطورية. حاول الإصلاحيون الليبراليون في جمعية الاتحاد والترقي استبدال أيديولوجيا عبد الحميد بهوية عثمانية أولى جامعة، تعترف بجميع الجماعات باعتبارها متساوية أمام القانون. ورغم أنّ العثمانية لم تحظَ بدعم شعبي واسع، واستمر عبد الحميد في تفضيل الجماعات المسلمة، فإن محاولة إعادة تعريف الهوية العثمانية بقيت قائمة، لا سيما عبر التيار القومي التركي المتأثر بعمليات التسلّف والتنصير في الإمبراطورية الروسية. وبعد أن استولى قادة تركيا الفتاة ـ أنور باشا، وجمال باشا، وطلعت باشا ـ على السلطة السياسية عام 1908، فرضوا شكلاً راديكالياً من الهوية القومية التركية، فأغلقوا الجمعيات العثمانية والمدارس غير التركية.
وسعى التيار القومي التركي إلى إعادة رسم حدود الإدماج والإقصاء في الإمبراطورية على أساس عرقي. فقد روّج القوميون الطورانيون لفكرة الهوية التركية باعتبارها جنسية سياسية مؤسسة على العِرق، بمعنى الجماعة الإثنية الثقافية. وأعادت دراسات جديدة عن الطورانية تفسير التاريخ والهوية التركيين. فبعكس الأساطير العثمانية التي اعتبرت التتار والمغول برابرة، رفع الطورانيون من شأن جنكيز خان والتاريخ المغولي باعتباره جزءاً من الماضي التركي. كما تبنوا مجموعة مختلفة من الرموز لتمثيل الهوية القومية التركية، فوضعوا صورة الذئب التركي على أغلفة مجلاتهم الطورانية. ومع تطرف الحركة، تقلص الفضاء السياسي للجماعات غير التركية، ولا سيما الأرمن والكرد واللاز. ومن عام 1895 إلى 1915، قامت جمعية الاتحاد والترقي، وخصوصاً تشكيلات مخصوصة، بترحيل الكرد واللاز والأرمن من مناطقهم إلى قرى تركية في الغرب، ونفذت حملات إبادة استهدفت ما يصل إلى مليون أرمني.
ومع ذلك، وعلى النقيض من المجتمعات المسيحية التي طالبت بالاستقلال والتحرر في تلك الفترة، ظلّت الكردية ضعيفة نسبياً عبر المجتمع الكردي. فقد لجأ معظم الكرد إلى المجموعات الأرمنية والعربية والتركية لطرح مطالب قومية، لا إلى تنظيمات كردية متماسكة. فما الذي يفسر هذا الهدوء النسبي في القومية الكردية، خصوصاً مع بروز خطاب وسياسات الإقصاء لدى التيار القومي التركي؟ نظراً لطبيعة الفضاء السياسي، الذي منح امتيازاً للبنية التقليدية، لم يكن الشيوخ الكرد وزعماء القبائل مهتمين أو قادرين على قيادة تعبئة قومية مؤثرة. وفي غياب موارد التعبئة مثل البنية التحتية المتطورة، والدعم الخارجي، والتنظيمات السياسية، أو شبكات الاتصال، لم يكن ثمة سبيل فعّال لإظهار القومية الكردية سوى الاعتماد على الجماعات القبلية، والشيوخ الصوفيين، وطرقهم المتعددة. إنّ غلبة البنى القبلية دفعت الزعماء الكرد إلى العمل وفق مصالحهم الشخصية والقبلية، لا باسم الأمة الكردية الأوسع. فبدلاً من التوحد ضد الباب العالي بعد خلع عبد الحميد عام 1908 وسياسات مركزة السلطان محمود الثاني، أطلق القادة الكرد ثورات محلية خاصة في الولايات الكردية في بلاد الرافدين. حتى القوميون الكرد مثل الشيخ عبيد الله النهري، الذي عارض إصلاحات محمود، شكّلوا رابطات كردية محلية بدعم من الباب العالي، وتحالفوا مع الروس والفرس، كما تواصلوا مع البطريرك النسطوري، ورجال الدين الأرمن، والمبشرين الأميركيين، والمسؤولين البريطانيين.
وحتى لو امتلك زعماء القبائل أدوات تنظيم قومي فعّال، فمن المرجّح أن الكردية كانت ستبقى ضعيفة نسبياً داخل المجتمع، لأن الفضاء السياسي كان غير متكافئ بدرجة تمنع تشكّل حركة قومية متماسكة. إلى جانب البنى التقليدية للسلطة، دعمت إصلاحات التنظيمات وسياسات المركزية لمحمود الثاني صعود البرجوازية التجارية الناشئة، ومعظمها في الأناضول الغربي. وقد نشرت التأثيرات الأوروبية أفكاراً جديدة، ودعمت الجمعيات الليبرالية، وخلقت فرصاً ثقافية وسياسية جديدة في المراكز الحضرية. أصبحت المدن العثمانية جزءاً من تجربة التحرير الليبرالي، ما ساعد على تسييس الكرد. فبعد منتصف ثمانينيات القرن التاسع عشر، قدّم الأعيان الكرد أنفسهم، إلى جانب الأتراك والأرمن، في المجالس الوطنية والإقليمية. هذه الاتجاهات أفادت المجتمعات المسيحية والتركية، لكنها شملت أيضاً شرائح كردية في المراكز الحضرية، وأطلقت نهضة سياسية كردية. استغلّ القوميون الكرد الفضاء السياسي المفتوح لإنشاء مدارس كردية، وأندية كردية، ومنظمات ثقافية محلية. وبمطبعة صغيرة قدّمها البطريرك الكلداني، نشر بعض الكرد مجلات خاصة باللغة الكردية. كما شكّلت الجماعات الفكرية الكردية من ديار بكر وإسطنبول جمعيات “ترقّي كردستان”، مما أتاح لهم تبادل المعلومات ونشر الأفكار القومية. ففي إحدى المناقشات حول الحقوق القومية الكردية داخل الجمعية الكردية في ديار بكر، دعا العضو حمدي أفندي زملاءه إلى تحرير كردستان من “الجزء الغرغريني من الإمبراطورية العثمانية” الذي يجب، كما قال، “بتره ورميه بعيدا”.
ورغم بدء تبلور الكردايتي، فإنها لم تكن ممثلة على نطاق واسع عبر المجتمع الكردي الذي ظل أغلب أعضائه فقراء، قبليين، وأميين. وعلى النقيض من السياسة الكردية في القرن السابع عشر، حيث كان الأعيان الحضريون ينتقدون الأمراء بينما يلتمسون العذر للشيوخ، وجّه مثقفو القرن التاسع عشر الكرد انتقاداتهم للشيوخ القبليين، في الوقت الذي دعموا فيه رعاتهم العثمانيين. وبفضل فضاء التعبير الإعلامي، جادل هؤلاء بأن العقبة أمام تطوير الثقافة واللغة الكردية لم تكن سياسات الباب العالي بل وجود المؤسسة الدينية ـ الصوفية. ففي إحدى القصائد السياسية الشهيرة لتلك الفترة، كتب القومي الكردي حاجي قادر كويي (1817-1897): “إذا كان الكردي لا يعرف لغة أبيه، فعليه أن يعلم يقيناً أن أمه كانت زانية”. بل ذهب أبعد من ذلك فهاجم بعض الشيوخ الصوفيين الكرد على إحساسهم الزائف بالنبل، قائلاً: “يا صوفي، قل لشيخك، الرجل الذي يبيع زوجته بالمال، ألا يظهر لي كنبيل”. وقد انتمى بعض المثقفين الكرد إلى التيار الإسلامي وارتبطوا بالجماعات المسلمة التركية والعربية والألبانية السنية. على سبيل المثال، دعا سعيد النورسي، المعروف حينها بملا سعيد الكردي، “الأسود الكردية والجنود الشجعان” إلى “الاستيقاظ من سباتهم الممتد خمسمائة عام وبناء تضامنهم القومي”. ومع ذلك، اعتبر النورسي نفسه ملا، لا قومياً كردياً، وطرح مشكلة القومية الكردية في إطار حقوق الأقليات العامة التي ينبغي حلّها عبر المؤسسات العثمانية والتعليم، لا كصراع سياسي كردي مستقل.
بينما فضّل آخرون تعزيز هوية عثمانية ليبرالية وعلمانية تكون القومية الكردية جزءاً منها، بدلاً من إنقاذ الخلافة أو دعم الشيوخ القبليين أو حماية مصالح ملاك الأراضي ضد الجماعات المسيحية. ورغم محاولات بعض الشيوخ إنقاذ كردستان من الأرمن، فقد صرّح عبد القادر في مؤتمر كردي ـ أرمني عام 1909: “يجب أن نعيش كإخوة مع الأرمن… وأن نعزّز تفاهمنا ووئامنا بين رفاقنا العثمانيين”. وقد اختار الكثير المؤسسات السياسية العثمانية بدلاً من، أو جنباً إلى جنب مع، المؤسسات الكردية. كان اثنان من مؤسسي جمعية الاتحاد والترقي الأربعة، عبد الله جودت وعاكف سكوتي، من الكرد. كما شغل الأعيان الكرد مثل بدرخان وعبد القادر مناصب بارزة؛ فالأول كان قائداً شرفياً في الجيش العثماني، والثاني رئيس مجلس الدولة العثماني. أما رئيس جمعية “هڤا-ي كرد” القومية الكردية، خالد حسن موتكي، فكان عضواً في البرلمان العثماني. كذلك برز شريف باشا كأحد قادة الليبرالية العثمانية، وأصبح إسماعيل حقي زعيماً في جمعية الاتحاد والترقي، وكان أحمد نعيم بابان زاده من أبرز الإسلاميين.
وفي النهاية، برز تياران قوميان رئيسيان: أحدهما بين الشيوخ القبليين، والآخر بين المثقفين الحضريين. لجأ الزعماء القبليون الكرد إلى الطرق الصوفية وميليشياتهم الخاصة لإظهار شعورهم القومي، فيما اعتمد الأعيان الكرد على منظمات سياسية وثقافية ارتبطت بحركة المعارضة في إسطنبول لمواجهة سياسات التتريك. وبعد عام 1908، ومع صعود “جمعية الاتحاد والترقي المؤتْركة”، توجهوا إلى جماعات المعارضة العثمانية جنباً إلى جنب مع تنظيمات كردية مثل “جمعية ترقّي كردستان”، “اللجنة القومية الكردية”، “جمعية نشر التعليم الكردي”، “لجنة استقلال كردستان”، و”أصدقاء كردستان”. وحتى مع وجود قنوات قانونية للتعبير القومي، ما كانت الكردية لتصبح عرقية خالصة، إذ إن الحكومة العثمانية في زمن الحرب لم تكن قد أصبحت مؤتْركة بالقدر الكافي لفرض حدود إقصائية على أساس العِرق. فرغم أنّ القوميين الطورانيين بدأوا في إغلاق الفضاء السياسي أمام الجماعات غير التركية، إلا أنهم لم ينجحوا في السيطرة الكاملة على الحكومة، ولم يتمكنوا من إعادة تشكيل النظام السياسي على نحو جذري. فقد ظلّ التيار القومي التركي بحاجة إلى استيعاب الجماعات غير التركية، خصوصاً مع اقتراب الحرب العالمية الأولى. وبما أنّ الإسلام احتفظ بدور أساسي في الهوية القومية التركية، فقد رحّبوا بالجماعات المسلمة السنية غير التركية. اندمج المسلمون الروس والمثقفون الأتراك في جمعية “تورك”، التي أصبحت ذراعاً لجماعة إسلامية هي “سراط مستقيم”. حتى بعض الجماعات المسيحية وجدت مكاناً في الحركة القومية التركية؛ فانضم بعضهم إلى جمعية الاتحاد والترقي المؤتْركة هرباً من سياسات التجنيس في البلقان، بينما اختار آخرون اعتناق الإسلام وسمّوا أنفسهم أتراكاً، في ما كان أحد سبل الاندماج.
إذن لم يكن العرق في الحقبة الإمبراطورية، هو ما يحدد الهوية الجماعية، بل الدين. فوفقًا للشريعة الإسلامية السنية، كان السلطان – بصفته خليفة – هو الحاكم الروحي والسياسي لمجتمعات المسلمين في الإمبراطورية. وقد شكّلت الأيديولوجيا السنية الإطار المركزي للمؤسسات العثمانية، بما في ذلك النظام التعليمي الذي تأسس على الفقه الإسلامي، لا على مبادئ القومية. استخدمت السلطات العثمانية نظام الملل لتنظيم الجماعات العرقية واللغوية والدينية والقبلية المختلفة في إطار مجتمع سياسي واحد. ورغم الاعتراف بالجميع كـ”عثمانيين”، فإن الملل كانت تميز بين السكان على أساس الانتماء الديني. مع ذلك، كان للانتماء الإثني دور ملموس؛ فقد تميز الحكام المسلمون بين “عثمانيين أتراك” و”عرب”، فيما جرى تصنيف المسلمين الآخرين وفقًا للفوارق الإثنية واللغوية: ترك، عرب، كرد، ألبان، أو متحدثين بلغات البلقان والقوقاز. وأظهرت التعدادات العثمانية بين 1881 و1893 أنّ حلب ودمشق وبغداد اعتُبرت ولايات مسلمة ذات أغلبية عربية. أما القوميون الأتراك فطرحوا فكرة “أناضول تركي”، واعتبروا حدود الموصل “منطقة تُركية”. وللتفريق بين الخصوصيات الإثنو-لغوية للمجتمعات المسلمة، اعترف النخبة العثمانية رسميًا بالكرد كـ”الأمة الرمادية” (boz millet) وبالتركمان كـ”الأمة السوداء” (kara millet) . في المقابل، اعتمدت الجماعات المسيحية الإثنية لتمييز الفروق بينها، خاصة بين الطوائف الأرثوذكسية.
أكدت النخبة العثمانية على البعد الديني للهوية كوسيلة لتوليد التضامن داخل الإمبراطورية. فولاية الموصل مثلًا ضمّت كردا وعربًا وتركمانًا، لكنها عُرفت كـ”ولاية مسلمة”. المدارس الدينية الكردية (المدارس التقليدية/المدارس الشرعية) التي ساهمت في تنمية الأدب الكردي كانت ملحقة بالمساجد، وكان هدفها إعداد الطلاب لمناصب المُلّة في قرى كردستان، لا لإنتاج ناشطين قوميين. منح هذا النظام، المكرّس عبر عقد الذمة، امتيازات للمسلمين السنة (الملة الحاكمة)على حساب الجماعات غير المسلمة (الملة المحكومة) . صحيح أن الأرثوذكس والكلدان والأرمن واليهود اعتُبروا “ذميين” محميين، لكنهم لم يتمتعوا بحكم شبه ذاتي داخل مللهم إلا بشرط الاعتراف بأولوية الإسلام وتفوق المسلمين. بعض غير المسلمين تمكنوا من بلوغ مناصب عليا في البيروقراطية وتلقوا رواتب مساوية للمسلمين، لكنهم ظلوا خاضعين لتمييز ديني واجتماعي. فرضت النخبة الحاكمة سياسات لتحديد “المسلم الحقيقي” من غيره. فاليهود مثلًا أُجبروا على ارتداء شارة صفراء تميزهم، وحُظر على غير المسلمين ارتداء أنواع محددة من الملابس أو القبعات المخصصة للمسلمين. وحتى بعد صدور الدستور العثماني لعام 1876 الذي طرح فكرة التمثيل على أساس الطوائف الدينية، ظل الإسلام السني يُعتبر الملة الحاكمة من جانب السلطنة والسكان المحليين، ما عمّق الفاصل بين الأمة (الأمة الإسلامية) و”الآخر”.
تأثرت الهوية الجماعية أيضًا بالموقع المهني داخل البنية العثمانية القائمة على الطبقة العسكرية الحاكمة، والبيروقراطية، والقضاء، ما عزز عقدًا ضمنيًا بين المركز والأطراف. وكما يشير كمال كاربت، لم تكن الهوية الدينية وحدها هي المحدد للمكانة الاجتماعية، بل كذلك الدور الإداري والضريبي للفرد. فقد أعفي بعض التجار المسيحيين واليهود من الضرائب مقابل الخدمات المقدمة للباب العالي. أما نظام الضرائب المرتبط بالاقتصاد الزراعي، فقد أفاد كبار ملاك الأراضي وميّز بين سكان المدن والريف، وبين المزارعين والمحاربين، وبين زعماء القبائل وبقية المجموعات الريفية. ومع أن غير المسلمين اندمجوا في البنية السياسية كمحليين نافذين أو موظفين إداريين، فإن المناصب العسكرية العليا ظلت حكرًا على المسلمين السنة. ومع ذلك، استفادت بعض الجماعات المسيحية من موقعها كأقليات غير مسلمة، مثل المصرفيين في غلطة (اليهود، الأرمن، اليونان)، الذين سيطروا على القطاع المالي. وفي 1919، كانت 73% من المصانع والورش بيد اليونان، بينما كان 85% من عمالها من المسلمين.
لم تكن الجماعات المسلمة نفسها متساوية. فدرجات مختلفة من “الإسلامية” ميّزت الطرق الصوفية الكردية وأثرت في مكانتها وعلاقتها بالباب العالي. فقد لعبت الطريقة النقشبندية الأكثر أرثوذكسية – بتركيزها على الشريعة – دورًا محوريًا في الحياة الدينية والسياسية، بينما ساهمت المدارس المدعومة من الدولة في دمج الكرد النقشبنديين في الحياة المهنية العثمانية. على سبيل المثال، الشيخ الكردي مولانا خالد النقشبندي (1773-1826)، أقام روابط دينية وفكرية وثيقة مع إسطنبول ودمشق وبغداد. في المقابل، عانت الجماعات الإسلامية غير السنية، مثل العلويين، والإيزيديين، والإسماعيليين، من سياسات تمييزية ضريبية ووظيفية. صحيح أن بعض الأقليات المسلمة غير السنية، مثل الدروز في جبل لبنان، تمتعت بوضع خاص، لكن عمومًا ظل النفوذ العسكري والسياسي محصورًا إلى حد بعيد في يد النخب السنية الكردية والعربية والتركية.
لكن مع انهيار الدولة العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى، دخلت المنطقة مرحلة جديدة عنوانها إعادة تشكيل الخريطة السياسية على أسس قومية وحدودية. مثّلت اتفاقية سايكس–بيكو (1916) ونظام الانتداب الفرنسي–البريطاني محطة مفصلية في تكريس منطق الحدود الصارمة، الذي حوّل الشرق الأوسط من فضاء إمبراطوري متداخل إلى فسيفساء من الدول القومية الحديثة. في هذا السياق، كان الكرد من أبرز الخاسرين. فبينما نصّت معاهدة سيفر (1920) على إمكانية إقامة كيان كردي مستقل أو متمتع بالحكم الذاتي، سرعان ما ألغيت هذه الوعود في معاهدة لوزان (1923) التي ثبّتت الحدود الجديدة ووزعت الكرد بين تركيا والعراق وسوريا وإيران. هذا التوزع الجغرافي جعل المسألة الكردية من اللحظة الأولى مرادفة لفكرة “الشعب الموزع”، وأسس لبنية نزاع مستمرة حتى اليوم. لقد فرضت الدول القومية الحديثة منطقًا مغايرًا تمامًا عن الإرث الإمبراطوري. فالحدود باتت خطوطًا فاصلة صارمة، والهوية القومية أصبحت شرطًا للانتماء السياسي، وأصبحت الدولة المركزية تمارس سلطتها حتى أبعد الأطراف. وفي هذا الإطار، عانى الكرد من محاولات الاستيعاب القسري والإنكار، بدءًا من سياسات التتريك في تركيا، مرورًا بالتعريب في العراق وسوريا، وصولًا إلى التهميش الثقافي والسياسي في إيران.
تركيا في مرحلة الانتقال إلى دولة جمهورية مستقلة
مكّن غياب السيطرة الاستعمارية المباشرة، النخبة التركية من الانخراط مباشرة في مشروع بناء الدولة-الأمة منذ البداية، مما أتاح للمؤسسات القومية التركية أن تتجذر. وكما فعل البريطانيون في العراق، عمد القادة الأتراك إلى إعادة تشكيل النظام العثماني التقليدي عبر علمنة مفهوم المواطنة وتحديث الدولة. غير أنّ تركيا الجمهورية المبكرة، بحدودها السياسية المركزية والعلمانية والمشددة على البعد العرقي، أوضحت منذ البداية أن الكرد لن يحظوا بفرص للتعبير عن أنفسهم كجماعة إثنية. ففي حين كان المجال السياسي في العراق رحبًا نسبيًا أمام الكرد، فإنه في تركيا كان شبه معدوم. في هذا السياق غير المستقر، بذل كمال جهدًا خاصًا لاستمالة الكرد، الذين كانوا يشكلون نحو 20% من السكان، وتغطي أراضيهم قرابة 30% من مساحة البلاد و32% من الأراضي الزراعية، متمركزة خصوصًا في ولاية ديار بكر. ولضمان دعم هذه المناطق الاستراتيجية المرتبطة بالبنى العثمانية، طرح كمال الإسلام السني كمعرّف أساسي لهوية الدولة التركية المستقبلية. وفي النقاشات المبكرة في الجمعية الوطنية حول الهوية الرسمية، تحدثت النخبة التركية عن المسلمين الحنفية الناطقين بالتركية بوصفهم «المواطنين الأتراك الحقيقيين»، رغم أن غالبية الكرد كانوا شوافع لا يتحدثون التركية. عوضًا عن إبراز هذه الفوارق، قدم كمال فكرة جماعة إسلامية سنية موحدة تضم الأتراك والكرد معًا. وقد تعهد بحماية البنى التقليدية قائلاً: كإخوة في الدين، أرجوكم ألّا تنصتوا للفتنة التي زرعت بيننا… إنما نريد إنقاذ الوطن والإسلام من أيدي الأعداء الذين يظنون أن بلادنا لقمة سائغة.
وكما في أواخر العهد العثماني وفي مرحلة الانتقال العراقية، كان المجال السياسي في تركيا الكمالية المبكرة واسعًا نسبيًا. فقد تمكنت الجماعات الكردية من التعبير عن هويتها، والمشاركة في الحياة السياسية، واستخدام لغتها، والتجمع كجماعة قومية.لكن رغم هذه الدينامية، ظلت الكردية ضعيفة التمثيل والتأثير في المجتمع الكردي. فالمجتمع ظل ريفيًا متنوعًا ومقسّمًا طبقيًا ودينيًا، حيث سيطر الشيوخ وزعماء القبائل على السياسة والمجتمع أكثر من النخب المتعلمة في المدن. كما أن غياب مشاريع لتقويض الهياكل التقليدية – مثل تطوير شبكات المواصلات والاتصال – أبقى على قوة الانتماءات المحلية والقبلية، مما أعاق توحيد الهوية القومية الكردية. وبدلًا من تجاوز الانقسامات الداخلية، سمح الكماليون لها بالاستمرار، وهو ما أعاق أي إمكان لنشوء قومية كردية موحدة. وانضم كثير من الأغوات والزعماء الكرد إلى الكماليين دفاعًا عن مصالحهم العقارية المرتبطة بالقضية الأرمنية، رافضين مشروع معاهدة سيفر التي منحت الأرمن دولة مستقلة. وتحالف عدد آخر مع القوميين الأتراك في لجان «الدفاع عن حقوق الولايات الشرقية» لمواجهة التهديد الأرمني. كما اصطف بعضهم مع الأتراك ضد المسيحيين، أو سعوا إلى استمالة الآشوريين والكلدان المجاورين. وفي فضاء سياسي يفضّل الإسلام والبنى التقليدية، عرّف الكرد أنفسهم أولاً عبر هويتهم الدينية الإسلامية أكثر من القومية الكردية، كما في العراق. فقد تجاوب بعض الشيوخ والنخب مع خطاب كمال الإسلامي-الوحدوي، وساهموا في دعم الاستقلال وجمع التبرعات. وانتقد بعض المفكرين الإسلاميين الكرد، مثل سعيد النورسي، فكرة القومية والإثنية باعتبارها «سمًّا أوروبيًا»، مؤكدًا رفضه التخلي عن «الإخوة المسلمين» لصالح قومية ضيقة. كذلك فعل نعيم بابانزاده الذي وصف القومية بأنها «مرض أوروبي» وأشاد بالكرد لعدم تلوثهم بها. أما الجماعات العلوية، فقد تبنّت روايات متباينة؛ إذ دعم بعض زعمائها القومية الكردية وحركات التمرد (مثل انتفاضة قوجكري)، بينما فضّل آخرون الانخراط في الهوية العلوية أو الالتحاق بالحركة الكمالية، واصفين مصطفى كمال بأنه الإمام وحفيد حاجي بكتاش ولي.
ورغم أن مصطفى كمال (الذي حمل لاحقًا، في نوفمبر 1934، لقب أتاتورك) حقق الاستقلال وأعلن قيام الجمهورية التركية في 29 أكتوبر 1923، فإنه لم يكن قد رسّخ سلطته السياسية بعد. فبعد الحرب، بدأت صراعات جديدة بين جماعات المعارضة داخل الحكومة. كان الاقتصاد منهارًا، والمؤسسات السياسية ضعيفة، والمجتمع التركي بتنوعه يفتقر إلى هوية وطنية متماسكة. غير أن أتاتورك لم يشجع التعددية السياسية أو بناء التوافقات المحلية أو إنشاء لجان في المناطق الكردية الشرقية كما فعل خلال مرحلة الانتقال، بل قام بتطهير خصومه السياسيين من الحكومة، بمن فيهم الاتحاديون السابقون والفصائل اليسارية. ثم ركز السلطة السياسية في يده عبر توليه منصب الرئيس، وقيادة القوات المسلحة التركية، ورئاسة حزب الشعب الجمهوري. وكما فعل المسؤولون البريطانيون في العراق، سعى أتاتورك إلى توحيد سكان البلاد المتنوعين عبر خلق قومية رسمية موحَّدة، علمانية وحديثة. غير أن تركيز القوة القومية التركية ضمن نظام سياسي مركزي صارم أوجد فضاءً سياسيًا مختلفًا جذريًا عما كان في العراق الاستعماري. فبينما منحت النخبة البريطانية الكرد بعض الحقوق كجماعة إثنية، أنكر المسؤولون القوميون الأتراك الهوية القومية الكردية في الدولة الجديدة. وبدلاً من الاستناد إلى الميثولوجيا العثمانية أو الحديث عن «شعب تركيا» كما فعل في مرحلة الانتقال، لجأ أتاتورك إلى سرديات تاريخية قومية تركية تُعلي من شأن شعوب الأناضول القديمة – مثل الحيثيين والسومريين – وتعتبرهم أتراكًا.
وبينما بقيت الهوية العراقية غامضة نسبيًا تحت الاستعمار البريطاني، خلقت الجمهورية الكمالية حدودًا سياسية واضحة وإقصائية قائمة على الإثنية. فالأراضي الكردية في العراق اعتُبرت متميزة بوضوح، لكن في تركيا فُقدت أسماؤها الكردية ومعانيها. وبعد عشر سنوات من الحديث عن اتحاد فيدرالي كردي-تركي، أنكر أتاتورك وجود أراضٍ كردية أصيلة. ففي خطاب علني بدياربكر عام 1932 قال: أتيت إلى ركن بطولي من الأرض التركية. من العار أن يسموه أرض بكر بينما هي في الأصل أرض الأتراك. لم تُدعَ بكر إلا لاحقًا، لكننا نعلم ما هي أرضنا الأصلية: إنها أرض الأوغوز الأتراك. في الواقع، شملت عملية التتريك جميع مجالات الحياة. فعادت الرموز الطورانية لتظهر على الطوابع والعملات الوطنية وأزياء الجامعات، مؤكدة على تركية المواطنة الرسمية. وبعد 1924، تحولت النزعة القومية التركية من ثقافية إلى عرقية. كذلك استندت قومية الدولة الكمالية إلى تحديث الدولة وعلمَنتها، على غرار ما حدث في العراق الاستعماري. لكن طبيعة التحديث وتوقيته في تركيا اختلفت، مما خلق فضاءً سياسيًا أقل تسامحًا مع البُنى التقليدية المرتبطة بالقبيلة والإسلام. ففي حين منح البريطانيون زعماء الكرد القوميين شرعية شبه رسمية وحكمًا ذاتيًا في مناطقهم، نظر إليهم أتاتورك باعتبارهم «قطاع طرق» وتعامل معهم وفق ذلك. بعد عام 1924، اعتقلت السلطات التركية زعماء الحركة الكردية ونفتهم وقتلتهم. أُعدم الشيخ سعيد، ورُحِّل أفراد أسرته وأصدقاؤه إلى غرب تركيا أو خارجها. سُويت درسيم بالأرض، وغُيّر اسمها إلى «تونجلي»، وأُعدم وجهاؤها الكرد.
وعلى الرغم من محاولة أتاتورك فصل الجيش عن الدولة، فإنه بعد 1924 وضعه في خدمتها لحماية الجمهورية. ومع اعتماد قرض بقيمة عشرة ملايين ليرة من الجمعية الوطنية الكبرى وصناديق سرية للجيش، فضلًا عن قرض إضافي بمئة مليون فرنك من فرنسا، باتت النخبة الحاكمة تعتمد على القوة كأداة لإدارة الكرد. فمركَزَت الدولة وأعسْكَرت المناطق الكردية، واعتقلت الناشطين الكرد، ورحّلت عائلات كردية وأرمنية ولازية إلى الغرب، في حين نُقلت عائلات تركية إلى بلدات كردية. كما استُبدل معظم النواب الكرد في البرلمان بآخرين أتراك، كثير منهم لم يكن على صلة بكردستان. وتولى المفتشون العامون المعيّنون من الدولة، المرتبطون بالمؤسسة العسكرية، قيادة عليا على الولايات الكردية. وبعد 1935، أُنشئت أو أُعيد تنظيم ولايات حكّاري وبتليس وبنغول وتونجلي (درسيم سابقًا)، وخصصت لها ميزانيات شرطية شكّلت 50% من الإنفاق الحكومي
بين الكرد والدولة.. هوية بين الجبر والاختيار
في الوقت الذي كانت فيه الهوية الوطنية الرسمية في العراق الاستعماري غامضة نسبياً، بقيت واضحة ومستمرة في تركيا الكمالية الجمهورية. فخلال ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين، ظهرت نقاشات جديدة بين مختلف الفصائل السياسية حول طبيعة الدولة التركية: ما إذا كان ينبغي أن تكون دولة حزب واحد أم تحرير النظام السياسي، وطبيعة الاقتصاد، وعلاقة تركيا بالغرب. ومع ذلك، وعلى عكس فترة العراق الاستعماري، حيث تحدت النزعات العراقية الأولى والمفاهيم المتنافسة للعروبة القومية العربية التيار القومي العربي، ظلّت الفكرة الرسمية للهوية القومية التركية دون تغيير. وكانت معظم النقاشات الجادة داخل الحكومة حول الهوية التركية تدور بين تيارات مختلفة من القوميين الأتراك. في الواقع، رغم أن أتاتورك حدَّ مفهومه للقومية التركية ضمن الحدود الإقليمية لأناضول، وشدد على الوطن (vatan) بدل طوران، فإن دلالاته العرقية شجعت القومية التركية الكبرى. وعلى عكس المسار الكردي المتقلب في العراق الاستعماري والمرحلة الجمهورية المبكرة، شجع المجال السياسي الإثني الصارم العلاقة العدائية المستمرة بين القوميين الكرد والنخبة الحاكمة. ففي حين ربط القادة العرب الاشتراكيون في العراق أجندتهم القومية بحركات التحرر، واستهدفوا القوميين الكرد اليساريين على الأقل خلال سنوات ما قبل البعث، عززت عضوية تركيا في حلف الناتو، وتحالفها مع الغرب، وموقفها المتعصب تجاه العرق الكردي، من العداء بين القوميين الكرد والسلطة المركزية. كما أن المجال السياسي غير المتغير والمقيد حال دون تطور التنظيمات القومية الكردية القانونية في المجال العام.
ومن المؤكد أنه خلال أواخر الأربعينيات، بعد إنهاء نظام الحزب الواحد وإنشاء الحزب الديمقراطي في 1946، ظهر التيار القومي الكردي من جديد، خصوصاً مع وصول أخبار ثورة بارزاني وطرده من العراق إلى كردستان تركيا. نظم بعض المثقفين الكرد في دياربكر ومدن كردية أخرى اجتماعات سرية، آملين في نشر آرائهم القومية. وصدرت مجلات كردية شبه قانونية مثل Dicle Kaynagt، داعية الشباب الكردي إلى الانخراط في “القضية الشرقية” كما في كردستان العراق، ركزت المشاعر القومية الكردية على الهوية الإثنية المتميزة للكرد بعيداً عن الأتراك والعرب والفرس، وعلى ضرورة حماية الثقافة واللغة الكردية. ومع ذلك، بينما كانت النخبة العراقية تقمع القوميين الكرد لكنها تحاول التفاوض معهم، أغلقت النخبة التركية الاجتماعات الكردية، واعتقلت المنظمين، وحظرت المجلات الكردية، تاركة المجال مغلقاً أمام المؤسسية السياسية للقومية الكردية. كما لم يكن بمقدور الكرد في تركيا اللجوء إلى أحزاب سياسية بديلة لتقديم مطالبهم القومية. فرغم اعتماد حق الاقتراع العام والانتخابات متعددة الأحزاب في 1946، ظل حزب الشعب الجمهوري يسيطر على النظام السياسي ويمنع التعبير السياسي المفتوح عن الكردية على المستوى الفكري أو التنظيمي. في هذا السياق السياسي المغلق، كان السبيل الوحيد المتاح للقوميين الكرد للتعبئة يتمثل في نقل أنشطتهم خارج حدود تركيا. ففي سوريا، واصل بدرخان وأنصاره نشر المجلات الكردية، التي ساعدت في نشر الأفكار القومية.
إذن يمكن القول، على عكس العراق الاستعماري، أزالت المساحة السياسية الإثنية العالية والمركزية والاستبعادية في تركيا الجمهورية كل الفرص أمام الكرد كجماعة إثنية، ما أدى إلى بروز شكل أكثر إثنية وعنفاً من الكردية. كما أعاقت تطور القومية الكردية على المستوى الفكري أو التنظيمي. ففي حين ظهر حزب قومي شبه قانوني كبير يضم هويتين معارضتين في كردستان العراق، اضطر عدد قليل من القوميين الكرد الحضريين في تركيا لنقل أنشطتهم خارج البلاد. علاوة على ذلك، في حين شجع التغير في المجال السياسي على كل من التسوية والعداء بين القوميين الكرد والنخبة الحاكمة في العراق، أدت غياب أي تنويع سياسي في تركيا بعد 1924 إلى علاقة عدائية مستمرة بين القوميين الكرد والنخبة الحاكمة. فخلال الفترة الجمهورية المبكرة، كانت تركيا مكانًا إثنياً مقيدًا وخطيرًا بالنسبة للقوميين الكرد. لم يكن للكرد الحق في التحدث بلغتهم، أو الاحتفال بالأعياد الوطنية، أو التحرك كمجموعة إثنية. ومع ذلك، بعد عام 1950، ومع توجه تركيا نحو الغرب ودخولها عمليات الديمقراطية، ظهرت مساحة سياسية أوسع. ففي فبراير 1950، صادقت الجمعية الوطنية الكبرى على قوانين تنص على الانتخابات السرية، وتمثيل الأحزاب السياسية، ونظام قضائي مستقل. وبدأت المجموعات ذات الاهتمام الخاص تنشط، ما أتاح ظهور مجتمع مدني تركي. وأسهم توسع المجال السياسي في خلق تنوع أكبر في مظاهر الهوية السياسية الكردية، بما في ذلك القومية. ورغم استمرار القيود على الكرد للتحرك كمجموعة إثنية، أصبح لديهم قنوات قانونية للتعبير عن أنفسهم كمواطنين أتراك، أو كجزء من الاتجاهات اليسارية، المحافظة، والإسلامية.
استفاد بعض الكرد من المناخ التحرري وبدأوا في التركيز على القومية العرقية الكردية. وعلى عكس الشعور الإثني-الديني في الفترة الكمالية المبكرة، نشر القوميون الكرد الحضريون والعلمانيون مثل مهدي زانا وموسى أنتر مجلات باللغتين الكردية (الكرمانجية) والتركية، مطالبين بالاعتراف بالهوية واللغة الكردية، وليس بالإسلام. وبالمثل، أسس فائق بوجاق من أورفة وسعيد إلجي من منطقة بينغول، بدعم من فهمي بلال، السكرتير السابق للشيخ سعيد، وأنصارهما، حزب كردستان الديمقراطي في تركيا عام 1965. وقد ركزت المنظمة على الهوية الكردية المتميزة والتنمية الاقتصادية في كردستان، وليس على الدين. ومع ذلك، مقارنة بالعراق قبل حكم البعث، كانت طبيعة الفضاء السياسي في تركيا بعد عام 1950 تحد من إمكانات القومية الكردية العرقية. ففي حين أن قاسم منح الشرعية الجزئية للنخبة القومية ودعم منظمة قومية شاملة، على الأقل مؤقتًا، منع مسؤولو الدولة التركية القادة والجمعيات القومية الكردية. أصبح الحزب الديمقراطي الكردستاني في العراق شبه قانوني، بينما كان حزب كردستان الديمقراطي في تركيا سريًا منذ البداية. ومن أجل الأنشطة العلنية، دعم الحزب حزب “تركيا الجديدة”، وهو حزب يميني صغير. ولم يحصل الكرد أيضًا على إمكانية الوصول المستمر إلى شبكات الدعم الخارجية التي كان بإمكانها تعزيز مطالبهم القومية. ففي حين حصل الكرد العراقيون على دعم من الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران ضمن برامجهم المناهضة للعرب والمعادية للشيوعية، استُهدف القوميون الكرد في تركيا، والعديد منهم مرتبط بالحركات الشيوعية واليسارية، بسبب أيديولوجيتهم السياسية اليسارية. كما منع الفضاء السياسي إظهار الشعور القومي الكردي الإثني بشكل قانوني وعلني. وبحلول عام 1960، لم يكن للكرد الحق قانونيًا في استخدام مصطلح “كرد” في الأماكن العامة أو التحدث بلغتهم دون خطر التعرض للقمع. وقد اعتقلت السلطات موسى أنتر لنشره قصيدة باللغة الكردية، إلى جانب تسعة وأربعين قوميًا كرديًا آخرين. اعتبرت السلطات المنشورات الكردية أعمالًا تخريبية وأغلقتها. في الواقع، بعد الانقلاب العسكري في 27 مايو 1960، ظل الفضاء السياسي خطيرًا ومقيدًا للقوميين الكرد كما كان خلال الفترة الكمالية. وقد نشر النخبة الحاكمة وحدات كوماندوز في القرى الكردية، مروّعة السكان المحليين ومؤسسة لدور الجيش في الجهاز السياسي التركي. وبالإضافة إلى التهديدات الموجهة للكرد ككل، حذّر القوميون الأتراك من أن “الكرد الحمر” (أي العلويون) قد يُذبحون كما حدث للأرمن.
يمكن القول إنه حتى لو سمح الفضاء السياسي بالهوية العرقية الكردية، فإن مجتمع الكرد المتنوع داخليًا كان من المرجح أن يضعف تأثير “الكردية” على أي حال. فعلى الرغم من فقدان كردستان في تركيا بعض الهياكل المجزأة، بحلول أواخر الستينيات، كانت السكان المحليون يحددون هويتهم وفقًا للأدوار الاجتماعية والاقتصادية في المجتمعات القروية الطبقية. حافظت القبائل الكردية في منطقة حاكّاري على علاقات مؤثرة مع الحكومة المركزية، كما كان الحال خلال الفترة الكمالية. وأشار آخرون إلى هوياتهم الإقليمية: “خلكة” مرعش، “خلكة” ديار بكر، و”خلكة” ماردين. أما الكرد في أرضروم فكانوا يحددون هويتهم المحلية بـ”داداس”، المرتبطة بموقعهم الجغرافي وثقافتهم كمجتمع حدودي. كما استمرت الانقسامات بين الطبقة التقليدية واليساريين الحضريين، وبين الكرد العلويين والسنة. بدلًا من محاولة سد أو إضعاف هذه الانقسامات، عززت النخبة التركية من وجودها. فبالرغم من شبكات النقل والاتصالات الجديدة، فشل المسؤولون الأتراك في تعليم كردستان وتحديثها، مما حد من الإمكانات القومية للكتلة الكردية. وفقًا لتعداد 1960، كان معدل الأمية في خمس عشرة محافظة كردية حوالي 85% . كما أعاقت عسكرة كردستان التواصل بين المناطق وقيّدت تطوير لغة وطنية موحدة للمجتمعات الكردية.
ومع ذلك، إذا كان الطابع الانقسامي للمجتمع الكردي يفسر القومية الكردية أو غيابها، فكيف يمكن تفسير الاختلافات في طبيعة “الكردية” في العراق وتركيا، رغم أن المجتمع الكردي في كلا الدولتين كان متنوعًا وغير متطور؟ ففي منتصف الستينيات، كانت “الكردية” في العراق عالية التحديد عرقيًا ومُجسدة من خلال مجموعتين رئيسيتين ضمن حزب قومي كردي جماهيري شبه قانوني، بينما في تركيا تطرّفت وانقسمت ضمن حركة الشباب اليساري. فقد عبّرت الطبقة الكردية التقليدية في العراق عن قومية إثنية، بينما دعم نظراؤهم في تركيا الحكومة المركزية واندمجوا حتى في المجتمع التركي. لماذا امتنع الطبقة الكردية التقليدية في تركيا عن إظهار شعورهم بالكردية، خاصة حين كانوا زعماء نشطين في الثورات الكردية قبل ثلاثين عامًا فقط؟
كانت “الكردية” في الدولة التركية المتحررة أكثر تعقيدًا من الثنائية القبلية-الحضرية التي حدّدت القومية الكردية العراقية أو التعبئة المجزأة التي ميزت الفترات الإمبراطورية المتأخرة والجمهورية المبكرة. فقد حولت عمليات التصنيع وبرامج إعادة الهيكلة الاقتصادية ونمو الرأسمالية في تركيا طبيعة المجتمع والسياسة الكردية من خلال تنويع القوى العاملة إلى مجموعات مهنية مختلفة. كما عززت التحولات الديموغرافية الاستقطابات الاقتصادية. فبين عامي 1950 و1975، انخفضت نسبة الزراعة من الناتج المحلي الإجمالي من 49% إلى 26%، بينما ارتفعت الصناعة من 13% إلى 25%. وبحلول منتصف السبعينيات، عمل 1.7% فقط من السكان الريفيين كعمال زراعيين يعتمد دخلهم بالكامل على الأجور. ومع تلاشي الاقتصاد الكردي التقليدي، اضطرت مجموعات الفلاحين إلى بيع أراضيهم أو تأجيرها، مما اضطرهم لمغادرة قراهم للبحث عن فرص عمل في أماكن أخرى.
أدت التغيرات الديموغرافية والاجتماعية والاقتصادية إلى تحضر المجتمعات الكردية وتشجيع ظهور هويات جماعية جديدة. ففي حين أُجبر الكرد العراقيون على العيش في مدن جماعية معزولة وأصبحوا أكثر اعتمادًا على مساعدات الدولة، تشتت السكان الكرد المهاجرون في تركيا بين المدن في كردستان والأناضول الوسطى والغربية، وانتقلوا إلى أماكن عمل بديلة مثل مصانع السيارات وقطاعات البناء، دون مساعدة الدولة. وأصبح الكثير منهم عمالًا بأجر في مصانع مملوكة لشركات متعددة الجنسيات، أو عمالًا موسميين، أو سكانًا بلا مأوى في أحياء عشوائية، بينما غادر آخرون معاقلهم الجبلية للعمل في ألمانيا. وقد يكون السكان المشردون على دراية بالقومية الكردية، إلا أنهم ضمن القوى العاملة المتنوعة أصبحوا جزءًا من الحركات العمالية واليسارية، وعرّفوا أنفسهم على هذا الأساس في المجال العام. وقد شجعت زيادة التنوع الاجتماعي والاقتصادي، والتصنيع غير المتكافئ للدولة، ونشوء البروليتاريا الكردية، وتوافر التنظيمات اليسارية القانونية، على الميل اليساري للكردية. فمن أوائل الستينيات، أتاح تقنين الاشتراكية، وتأسيس حزب العمال التركي (TIP)، وحصوله على مقاعد برلمانية في 1965، للقوميين الكرد قناة آمنة وعلنية للتعبير في الساحة السياسية التركية. لم يدعم TIP في البداية القومية الكردية، لكنه أصبح الممثل القانوني الوحيد لحقوق الكرد، وإن كان ذلك من خلال “المسألة الشرقية”، أي عدم المساواة والاستغلال والفقر والتخلف الإقطاعي، كما فعل الحزب الشيوعي العراقي للكرد اليساريين في أواخر الفترة الاستعمارية وفترة قاسم المبكرة.
شارك الأفراد ذوو التوجهات اليسارية ضمن الحزب الديمقراطي الكردستاني في تركيا، لا سيما بين الشباب، في أنشطة علنية. وفي النصف الثاني من الستينيات، بدأوا في مناقشة “المسألة الشرقية” وحق الأمة في تقرير المصير بشكل أكثر صراحة. ومع ذلك، على عكس التحول اليساري للكردية في العراق، كانت القومية الكردية اليسارية في تركيا جزءًا من فضاء سياسي أكثر تعقيدًا، ما خلق تنوعًا أكبر في التنظيم القومي. شجعت أنظمة التمثيل النسبي والتعددية الحزبية التركية، على عكس نظام الحزب الواحد في العراق، نمو الأحزاب الصغيرة وتجزئة وتطرف السياسة التركية والكردية. ومثل اليساريين القوميين في كردستان العراق، ربط اليساريون الكرد في تركيا مطالبهم القومية بالأيديولوجية الماركسية-اللينينية الثورية، والتنمية الاجتماعية والاقتصادية، وحقوق الثقافة الكردية. ومع ذلك، وعلى عكس المطالب الإثنية المضادة للعرب التي قدمها الكرد العراقيون، تشكلت مطالبهم في تركيا من خلال الاستقطابات الاقتصادية الناجمة عن برامج التصنيع، ووضعهم كمجتمعات مهمشة، وإهمال الدولة الاقتصادي لكردستان، والتي كانت الهوية واللغة والثقافة الكردية جزءًا منها. وخلال عشرات الاجتماعات التي عقدها مثقفون وعمال أتراك وكرد في الستينيات، احتج المشاركون على تخلف جنوب شرق تركيا، مطالبين بـ”معلمين ومدارس لا شرطة”. وانتقد القوميون الكرد أيضًا التعليم من دون اللغة الكردية الذي يجعل من الحياة في كردستان كما لو كانت “بدون ماء أو طعام”.
عبور القمع.. نحو جسد واحد
على الرغم من احتفاظ المجتمعات الكردية بإحساس مشترك ما بالقومية، فقد أصبحت الكردية جزءًا من منظومة أوسع من الهويات، تتشكل وفق طبيعة الفضاء السياسي في كل دولة. فالفضاء السياسي، الذي تحدده خطابات وسياسات النخب الحاكمة، هو نتاج استراتيجيات بناء الدولة القومية التي تخلق تصوّرات مختلفة للإدماج والإقصاء، وهو يشير إلى الفرص السياسية والثقافية المتاحة أمام الجماعات للتعبير عن هويتها الإثنية، وإلى إمكانية تبني هويات بديلة بمرور الزمن. ومن ثمّ، فإن مدى تحوّل الكردية إلى هوية إثنية بارزة يعتمد على الحوافز الإيجابية والسلبية التي تقدمها الحكومات المركزية، وعلى تفاعلات الكرد معها. وبالتالي، فإن معنى أن يكون المرء كرديًا ينبغي النظر إليه في علاقته بمعنى أن يكون مواطنًا في العراق أو تركيا أو إيران. إن مفهوم “الفضاء السياسي” يوضح الطبيعة المتفاوتة والمتغيرة للقومية الكردية من خلال تحليل السياقات السياسية الكبرى التي منحت الكردية شكله ومعناه. فبينما يقوم محتوى الكردية على السمات الموضوعية للجماعة، وعلى الخبرات التاريخية والذاكرة الجمعية، فإن طبيعته – سواء تزعّمته قيادة حضرية أو قبلية، كان منظمًا أو ضعيفًا، إثنيًا أو إسلاميًا، تصالحيًا أو عنيفًا – تحددها الحدود السياسية وبُنى الفرص التي تنشأ داخل كل دولة عبر الزمن.
فعلى سبيل المثال، أدى الانتقال من النظام الإمبراطوري إلى النظام الدولتي إلى إعادة تشكيل الكردية؛ لأنه أوجد نوعًا جديدًا من الفضاء السياسي الذي يمكن أن تنبسط فيه الهويات الكردية. وكان من أبرز التحولات في الحقبة ما بعد الإمبراطورية الانتقال من الدين إلى العرق كأداة أساسية في تصنيف الهوية الجماعية. فبينما عرّف الكرد أنفسهم ضمن الإمبراطوريات كجماعة إثنية أو قبلية أو قومية، كانت السلطات العثمانية والإيرانية تميز السكان على أساس الانتماء الديني: مسلمون وغير مسلمون. أما التصنيفات العرقية فربما وُجدت، لكنها لم تحدد حدود الإدماج والإقصاء في النظام الإمبراطوري، بل كان الكرد يُعتبرون جزءًا من الأغلبية المسلمة السائدة، وينظرون إلى أنفسهم كذلك. لكن مع منتصف العشرينيات، غيّر الانتقال من الإمبراطورية إلى دول الشرق الأوسط الجديدة تصنيفات الهوية السياسية. فبينما واصلت معظم الجماعات المسلمة تعريف نفسها عبر الإسلام، أثرت النزعات القومية التي حفّزت العرب والفرس والأتراك أيضًا في الكرد، الذين سعوا إلى إيجاد مكان لهم في النظام الدولتي الوليد. والأهم أنّ القادة في العراق وتركيا وإيران، بعد مراحل تأسيس الدولة، باشروا مشاريع بناء الأمة الخاصة بهم بغية صياغة هويات قومية رسمية موحدة. وفي لحظات مختلفة من هذه المشاريع، أكّدت النخب السياسية على الإثنية كمعيار بارز للهوية، مبرزةً الفوارق بين الجماعات العرقية المهيمنة والأقليات. وقد روّجوا لأساطير الأصالة الثقافية باستدعاء عظمة التراث العربي أو التركي أو الفارسي. هذه الخطابات والسياسات أنتجت بيئات جديدة أُعيد فيها رسم الحدود السياسية والاجتماعية والاقتصادية، فبات الإقصاء على أساس العرق يخلق ثنائية “نحن-هم” التي أُطرّت الهوية القومية الكردية ضمنها.
صحيح أن النظام الدولتي الجديد وفر أيضًا فرصًا للكرد؛ ففي العراق كان بعض كبار الملاّك من الكرد، وفي تركيا برزوا كرأسماليين وساسة مؤثرين، وفي إيران تبوأوا مواقع دينية ومهنية رفيعة. غير أنّ الاندماج الكامل في الدولة كان يتطلب من الكرد التنازل عن جانب من هويتهم الإثنية. وهكذا عمدوا – بدرجات متفاوتة – إلى خلق تقسيمات سياسية وثقافية وإقليمية لا تتماشى مع برامج القومية الرسمية التي فرضتها الدول. فبدلًا من أن يُدمجوا اندماجًا تامًا في المركز السياسي، ميزوا أنفسهم كجماعة إثنية مستقلة. ومع ذلك، اختلفت طبيعة الفضاء السياسي من دولة إلى أخرى، مفرزةً هياكل فرص متباينة للمجتمعات الكردية بمرور الزمن. فالعقائد التأسيسية المختلفة اعترفت أو أنكرت الإثنية الكردية، ما سمح لبعض الكرد بالاندماج في مراكز السلطة بسهولة أكبر من غيرهم. كما استوعبت النخب الحاكمة، أو سيطرت على، فئات فرعية متنوعة من الملاّك والقبائل والطبقات العاملة والفصائل العسكرية والجماعات الدينية، فرفعت شأن بعضها وهمشت أخرى. وقد أفضت السياسات المتباينة في بناء الدولة القومية إلى تغييرات هيكلية في الأطراف الكردية، غيّرت بدورها العلاقات السياسية وأثرت على الأشكال التي يمكن أن يتخذها الكردايتي.
ومن ثم ظهرت أنماط مختلفة من القوميات الكردية تبعًا للفضاءات السياسية المهيمنة في كل دولة. ففي العراق خلق الفضاء السياسي، الذي رفع من شأن الجماعات القبلية إلى جانب الحضرية، وتراوح بين وسائل توافقية وأخرى قمعية، حركة قومية شبه قانونية وذات نفوذ متذبذب، أصبحت أكثر إثننة بعد سياسات التعريب التي تبنتها الدولة عقب عام 1958، وانقسمت بين تيارين رئيسيين. أما في تركيا فقد أدى الفضاء السياسي الضيق والثابت إلى إضعاف البنى القبلية وإغلاق كل السبل أمام الكرد للتعبير عن هويتهم الإثنية، ما أسفر عن حركة قومية إثنية غير قانونية، متنوعة، حضرية الأساس، لم يكن لزعماء القبائل فيها أي دور بارز كقيادة قومية. وفي إيران خلق الفضاء السياسي الإثنوي الغامض، الذي أتاح بعض الإدماج للكرد والشيعة، شكلًا أكثر مرونة من القومية الكردية قادته نخبة كردية سنية علمانية تميل لليسار، وتراوح فيه تعامل الدولة مع النخبة القومية بين العداء والتسوية.
ويمكن القول إن القومية الكردية كانت ستتخذ مسار الإثننة والانقسام على أي حال، رغم الفضاءات السياسية في العراق وتركيا وإيران. فالتباينات اللغوية والدينية والإقليمية – مثل الانقسام بين السورانيين والبادينانيين في العراق، والعلويين والسنّة في تركيا، والسنّة والشيعة في إيران – لم تنشأ عن سياسات الإقصاء وحدها، وإن كانت قد تعززت بها. فضلًا عن ذلك، وحتى إن شكّلت الفضاءات السياسية أنماطًا معينة من علاقات المركز-الهامش، فإن التنافسات الداخلية والغيرة الشخصية داخل المجتمع الكردي المتنوع كانت ستستمر على الأرجح، معبرة عن العلاقات المتناقضة بين القبائل والمثقفين الحضريين، وبين الأغوات والفلاحين.
ومع ذلك، إذا كانت القومية الكردية المعاصرة نتاجًا للبنى الاجتماعية التقليدية، فسيصعب أكثر تفسير الاختلافات في الكرديةبين دول شهدت تحولات اجتماعية وسياسية واقتصادية متعاقبة. ففي مطلع القرن العشرين كان المجتمع الكردي إلى حد بعيد ريفيًا وقبليًا. وقد أدت استراتيجيات الحكومات المركزية إلى تعزيز المؤسسات المشيخية وتشجيع الهويات القبلية والمحلية إلى جانب القومية الكردية الناشئة. غير أن عمليات فكّ القبلية، واتجاهات التمدين، وحركات اللجوء، والحروب المتواصلة، غيّرت هيكليات الدول منذ ذلك الحين. وحتى إن أعادت المجتمع الكردي إلى أشكال من إعادة القبلنة، فإن شبكات القبائل تعمل اليوم في بيئة مغايرة تمامًا لما كانت عليه قبل خمسين عامًا. إن التركيز على شبكات الرعاية التقليدية، أو على عودة السياسة القبلية الكردية بأشكال جديدة، لا يزال يطرح تساؤلات حول أسباب اختلاف القومية الكردية عبر المكان والزمان. وإذا كان النيوقبلية قد عادت فعلًا في صورة الأحزاب السياسية الكردية، فما الذي يفسر سلوك المجموعات غير القبلية في التعبير عن القومية الكردية؟
في معالجة هذه الأسئلة، يمكن تقديم تفسيرات بديلة للقومية الكردية التقليدية الممثلة عبر سمات جوهرية ثابتة لـ”الكردية” – كالصراعات المتأصلة، والسلوك القبلي غير المنضبط، والبنى الاجتماعية السياسية الجامدة – وكلها أقل ارتباطًا بتشكّل الهوية القومية من ارتباطها بصور نمطية سلبية ومضللة. فقد وُصف الكرد بأنهم “سفّاكون للدماء، مثيرو الفتن، ساعون وراء الاضطراب والفوضى، قطاع طرق ولصوص، وأصحاب عادات فاسدة” . وقد ساهمت مثل هذه الصور في تعزيز الانشغال بـ”إثبات” الهوية القومية الكردية عبر دلائل فقه اللغة والتكوين القبلي والموقع الجغرافي والملبس والطقوس. وتُستخدم التباينات في السمات المنسوبة إلى الجماعة لتفسير أنماط مختلفة من التعبير القومي، فيُعتبر بعض الكرد “أكثر كردية” من غيرهم، وهو ما يُفسر نزعتهم القومية العالية وقدرتهم على التعبئة. كما كان يستخدم الكرد أنفسهم دعاوى جوهرانية لتفسير التباينات في الكردايتي. فهم يرون أن “الكرد الصافين” ينحدرون من الميديين، يتحدثون بالكردية، يلبسون اللباس الكردي، يغنون الأغاني الكردية، يطهون المأكولات الكردية، ويواصلون تقاليدهم. أما الكرد الذين يميزون أنفسهم عن العرب والأتراك والفرس فيُعتبرون “كردا جيدين”، واعين بهويتهم القومية. في المقابل، يُنظر إلى الكرد في الشتات المندمجين في المجتمعات الغربية باعتبارهم غير كرد حقيقيين، حتى وإن عرّفوا أنفسهم ككرد أولًا. أما الجماعات ذات الأصل الكردي التي تتحالف مع الحكومات المركزية فلا يُعترف لها بحس قومي، وتوصف بأنها غير واعية بـ”الكرداية”، وتُعتبر “كردا سيئين”، أو “جماعات قبلية”، أو “خونة”.
قد تفسر هذه التصنيفات الفوارق بين الكرد، لكنها لا تشرح أسباب ونتائج الاختلافات في الكردايتي. فالكرد “الطيبون” أو “الحقيقيون” يُتوقع أن يعبّروا عن قومية إثنية كردية، بينما لا يفعل “الكرد السيئون” ذلك. لكن اعتماد هذه التصنيفات الذاتية يزيل الأساس التعريفي اللازم للمقارنة. وغالبًا ما تُستخدم النتائج السياسية كأدلة لتفسير السلوك القومي، فيُعتبر استمرار الاقتتال الداخلي بين الكرد برهانًا على وعي قومي غامض أو غير مكتمل. وبدون تحليل منهجي لتشكل الهوية عبر الزمن، لا يمكننا سوى تقديم تفسيرات ظرفية للتغيرات في الهوية القومية. وحتى حين يثبت أن القومية حقيقية، لماذا تنهض ثم تخبو من جديد؟ وما الذي يفسر فترات السكون بين موجات التعبئة القومية الكردية؟
كان ثمة أشكال مختلفة من الكردية في العراق وتركيا وإيران وفقًا لطبيعة الفضاء السياسي في كل دولة. وأسفرت الاختلافات في الفضاءات السياسية عن حركة قومية كردية شبه قانونية ومجزأة ومتغيرة في العراق؛ وحركة قومية يسارية كردية حضرية غير قانونية وذات طابع عرقي عالي في تركيا، والتي ارتبطت لاحقًا بالإسلام؛ وشكل أكثر تكيفًا للقومية الكردية في إيران، تمثله نخبة قومية سنية يسارية علمانية. ومع ذلك، بدأت التعبيرات المختلفة للكردية التي تبلورت في كل دولة تتغير بعد أوائل التسعينيات، حتى في ظل بقاء بعض الفضاءات السياسية مستقرة نسبيًا. خلال هذه الفترة، ساعدت العولمة والعمليات العابرة للحدود على تحريك المجتمعات الكردية وتسهيل اتصالاتها عبر الحدود. فقد اكتسب الكرد في الشتات والوطن إمكانية الوصول إلى المنظمات غير الحكومية الدولية، والشبكات العابرة للحدود، والمجتمعات المفتوحة في دول الاستقبال. عززت هذه التأثيرات الخارجية الشعور القومي، مع إضفاء مزيد من التعقيد على المشاريع القومية في الوطن.
السردية الكردية.. إعادة إلتفات
لم تكن السردية الكردية مجرد خطاب هوياتي، بل كانت أداة لفهم البنى العميقة التي فرضتها الدولة القومية على الشرق الأوسط. إن إعادة تشكيل الهوية الكردية جاءت استجابة مباشرة للقيود التي فرضتها حدود سايكس–بيكو ونظام الانتداب. وهنا تصبح السردية الكردية خريطة بديلة للحدود الرسمية، إذ تكشف هشاشة الدولة القومية وتُفسّر التوترات المستمرة، وهو ما يفتح الطريق للتفكير في سيناريوهات مستقبلية تتجاوز حدود ما بعد الاستعمار. إن تشكّل السردية الكردية لم يكن مجرد انعكاس للوعي بالهوية الثقافية، بل جاء بالأساس كرد فعل مباشر على البنى التي فرضها النظام الإقليمي الجديد بعد الحرب العالمية الأولى. فالاتفاقيات مثل سايكس–بيكو، وما تبعها من نظام الانتداب، لم تُقسّم الأراضي فقط، بل فرضت أيضاً حدوداً صلبة على الوعي الجمعي للشعوب التي اعتادت فضاءات حكم لامركزية أكثر مرونة. في هذا السياق، لم يعد الكرد قادرين على ممارسة أشكال الحكم الذاتي التقليدية التي كانت جزءاً من حياتهم السياسية والاجتماعية، فكان لا بد للسردية التاريخية أن تُعاد صياغتها لتتجاوز حدود القسر القومي الجديد.
فتحت ضغط الانكسار والتفتيت، أجبرت الذات الكردية على بناء ذاكرة ووجدان جماعي تجعل من الكردية موئلا ومساحة للوصل تستعيض بها عن الجسد المفتت لأربع. ولم تكن عملية إعادة تشكيل الهوية الكردية، عملية داخلية محضة، بل كانت نتيجة مباشرة للتفاعل مع الحدود السياسية التي فرضتها الدولة القومية. فقد أُجبر الكرد على التكيف مع أنماط جديدة من المواطنة تُلغي أو تهمّش خصوصيتهم القومية، الأمر الذي جعل السردية التاريخية وسيلة لمقاومة هذا التذويب القسري. وبذلك أصبحت الذاكرة الجماعية الكردية بمثابة “خريطة بديلة” للمنطقة، إذ تحافظ على تصور جغرافي–ثقافي يتجاوز الحدود الرسمية، وتكشف في الوقت نفسه هشاشة الدولة القومية التي عجزت عن دمج الكرد في إطارها. وتكمن الأهمية الجيوسياسية لهذه السردية، في كونها تُعيد ترتيب العلاقة بين الهوية والمكان. فبينما سعت الدولة القومية إلى تثبيت حدودها من خلال سياسات التتريك أو التعريب أو الفرسنة، وظّف الكرد سرديتهم التاريخية لتأكيد استمرارية جغرافيا بديلة غير معترف بها رسمياً، لكنها حيّة في المخيال الجمعي. هذا التوتر بين “الخريطة الرسمية” و”الخريطة المتخيَّلة” هو ما يفسّر استمرار الصراع في المنطقة، إذ لم تستطع الحدود التي رُسمت بعد الاستعمار أن تحجب المطالبة بالاعتراف بكيان قومي مختلف، له منطق جغرافي–تاريخي خاص به.
شكّل هذا الحرمان السياسي دافعًا أساسيًا لتبلور سردية قومية كردية حديثة، سعت إلى توحيد الذاكرة والهوية حول مشروع قومي جامع. يمكن النظر إلى القرن العشرين بوصفه قرن المخاض لهذه السردية، حيث اجتمعت عناصر الأدب والسياسة والفكر في محاولة لإعادة تعريف الذات الكردية. في المجال الأدبي، لعب الشعراء والكتاب دورًا مركزيًا في صياغة الهوية القومية. فقد مثّل أحمدي خاني في القرن السابع عشر مرجعًا رمزيًا، بينما أسهم شعراء مثل جكرخوين في القرن العشرين في تأكيد الهوية الكردية عبر لغة الشعر المقاوم. أما في الفكر السياسي، فقد ظهر باحثون ومفكرون – مثل إسماعيل بيشكجي – سعوا إلى تفكيك خطاب الدولة القومية وكشف تناقضاته، مؤكدين على خصوصية الكرد كأمة محرومة من الدولة. لكن السردية القومية الكردية لم تكن بلا تناقضات. فقد واجهت انقسامات جغرافية عميقة بين “كردستان الشمالية” في تركيا و”كردستان الجنوبية” في العراق و”الشرقية” في إيران و”الغربية” في سوريا. كما انقسمت الأيديولوجيات بين قومية علمانية ويسارية وأخرى إسلامية، فضلاً عن استمرار الانقسامات العشائرية والطبقية. ومع ذلك، استطاعت هذه السردية أن تخلق وعيًا جمعيًا كرديًا عابرًا للحدود، يقوم على فكرة الأمة الكردية المشتركة رغم التوزع السياسي.
شكّل الأدب الكردي الشفهي، وعلى رأسه ملحمة مم وزين للشاعر أحمد خاني، مثالاً واضحاً على كيفية تجاوز التعدد اللغوي لبناء سردية مشتركة. فهذه الملحمة، التي كُتبت بالكُرمانجية، أصبحت جزءاً من الذاكرة الجمعية لجميع الكرد، بما فيهم المتحدثون بالسورانية والزازاكية. المضمون الرمزي للملحمة – قصة العشق الممنوع التي تتحول إلى استعارة عن وحدة الكرد الممزقة – سمح بإعادة إنتاجها في سياقات لغوية ومناطقية مختلفة، ما رسّخ فكرة المصير المشترك. وإلى جانب الملاحم، لعبت الأغاني الشعبية دوراً محورياً في صوغ “الجغرافيا الرمزية” للهوية الكردية. فالأغاني الكُرمانجية في جبال بوطان، أو الأغاني السورانية في سهول السليمانية، لم تكن مجرد تراث فني، بل حوامل لذاكرة تاريخية توحّد الجماعة رغم اختلاف لهجاتها. وثمة إشارات إلى أن هذا التراث الغنائي ساعد على تخيّل الأمة الكردية كوحدة ثقافية حتى عندما كانت الحدود السياسية تمنع التواصل المباشر بين المجتمعات الكردية المختلفة. وربما تفقد محاولات فهم التناقضات الجيوسياسية الكردية المعاصرة، الكثير من عمقها إذا ما أهملت الطبقات الثقافية واللغوية. ذلك أن التباينات بين اللهجات الكردية الكبرى – الكُرمانجية، السورانية، والزازاكية – ليست مجرد فوارق لغوية، بل انعكاس لتوزّع الكرد على فضاءات جغرافية واجتماعية متباينة. هذه التباينات عكست انقسامات أوسع ارتبطت بالقبيلة، الدين، وحتى الانتماء الإقليمي، لكنها في الوقت ذاته كانت عنصراً بنيوياً في تشكيل وعي الكرد بتاريخهم وموقعهم في المنطقة.
ما يلفت الانتباه في بأحد وجهات النظر، هو أن الخطاب الكردي لم يسع إلى إزالة التعددية أو إذابتها في قالب واحد، بل جعلها جزءاً من بنيته. فالتعايش بين اللهجات واللهجات الفرعية خلق نموذجاً تاريخياً لهوية قادرة على التعدد دون أن تفقد تماسكها. هذا النموذج يكتسب أهميته اليوم في ضوء التناقضات الجيوسياسية التي يعيشها الشرق الأوسط، إذ يمكن أن يشكّل بديلاً عن الصيغ الأحادية للدولة القومية التي فشلت في إدارة التنوع. من هذا المنظور، يغدو التنوع اللغوي الكردي أداة لفهم الحاضر: كما نجح الخطاب الثقافي في تحويل التعدد إلى وحدة رمزية، يمكن للحركات الكردية المعاصرة أن تستثمر هذا الإرث في رسم سيناريوهات سياسية أكثر مرونة. على سبيل المثال، فكرة الكونفدرالية الديمقراطية – التي طرحها حزب العمال الكردستاني – يمكن النظر إليها كامتداد طبيعي لآلية تاريخية عريقة في التعايش مع التعددية اللغوية والثقافية، بدلاً من محاولة صهرها في قالب واحد. هذه المرونة التاريخية تجعل من السردية الكردية إطاراً تفسيرياً للتفاعلات الجيوسياسية الراهنة. فبينما تصرّ الدول القومية على فرض نماذج تجانس قسري – كالتتريك في تركيا أو التعريب في العراق وسوريا – يستند الكرد إلى إرثهم الثقافي الذي يرى في التعدد قيمة أصيلة. هذا ما يمنحهم قدرة على تخيّل مستقبل يتجاوز حدود سايكس–بيكو، ويؤسس لصيغ حكم لامركزية أو اتحادية أكثر استقراراً في المدى الطويل.
من خلال هذا التحليل، تصبح السردية الكردية أداة لتفكيك تعقيدات الراهن الجيوسياسي. فهي تكشف أن الاستقرار الظاهري للدولة القومية هشّ، وأن الحدود التي أُرسيت قبل قرن لم تستطع إلغاء ديناميات الهوية. هنا يبرز البعد المستقبلي: إذ يمكن النظر إلى السردية الكردية كإطار يتيح التفكير في سيناريوهات سياسية بديلة تتجاوز منطق الدولة القومية الصارمة، نحو صيغ من الحكم اللامركزي أو الكونفدرالي. وبذلك تتحول السردية التاريخية من مجرد استدعاء للماضي إلى أداة نظرية لفهم الواقع، وصياغة احتمالات المستقبل في منطقة تتسم بكثافة تعقيداتها الجيوسياسية.
الفضاء العابر للحدود: هياكل الفرص الخارجية
أضاف الفضاء العابر للحدود بُعدًا جديدًا للكردية في العراق وتركيا وإيران. فهو أكثر تعقيدًا من مجرد تدخلات حكومية أجنبية أو دعم عبر الحدود للجماعات الكردية، إذ يشير إلى هياكل الفرص القائمة خارجيًا، مثل شبكات الشتات، والمنظمات غير الحكومية الدولية، وأنظمة الديمقراطية في دول الاستقبال، وأنظمة الاتصالات المتقدمة، والتي توفر أشكالًا جديدة من الدعم أو القيود للمشاريع القومية الكردية. وعلى عكس الفضاء السياسي داخل الدولة، فإن الفضاء العابر للحدود يعد ساحة غير إقليمية، حيث تتجاوز التدفقات الثقافية عبر الحدود، ويمكن للكرد إعادة التفاوض أو إعادة ابتكار هويتهم القومية بشكل مفتوح. ويمكن للفضاء العابر للحدود أن يشجع على بروز هويات سياسية جديدة وإعادة تشكيل الهويات القائمة بناءً على تجارب الهجرة المشتركة، والمنظمات الدولية، وروابط القادة الجدد في دول الاستقبال. وقد عززت الموارد المرتبطة بهذا الفضاء، إلى جانب القيود المستمرة في الداخل، الشعور العرقي بالكردية الذي ظهر منذ فترة تشكل الدولة. كما أسست تحالفات جديدة بين الجماعات الكردية حيث لم تكن موجودة من قبل. وعلى عكس بدير خان ودائرته الصغيرة من المثقفين المنفصلين عن الجماهير الكردية غير المتعلمة، أنشأ أكثر من مليون لاجئ وعامل ضيف وطالب لجوء يشكلون الشتات الكردي شبكات عابرة للحدود مترابطة بين دول الاستقبال والوطن الكردي. وقد دمجت هذه الروابط العابرة للحدود المجتمعات الكردية المختلفة على المستويات السياسية والشخصية والمؤسسية. فعلى سبيل المثال، خلال وبعد اعتقال عبدالله أوجلان في نيروبي، تجمعت الجماهير الكردية في المدن الأوروبية والمناطق الكردية كوحدة متخيلة واحدة.
ساعد الفضاء العابر للحدود أيضًا في مأسسة الكردية على المستوى الدولي. وعلى عكس الفضاء السياسي المقيد أو المحدود داخل الدولة، يوفر الفضاء العابر للحدود للقوميين الكرد إمكانية الوصول إلى ساحة سياسية قانونية أوسع لتقديم مطالبهم القومية دون خوف من القمع، ولمدة زمنية نسبية مستمرة. فقد تحركت المجتمعات الكردية إلى جانب مجموعة واسعة من منظمات الحركات الاجتماعية العابرة للحدود التي ظهرت مع عمليات الديمقراطية وزيادة المشاركة العامة في العمليات السياسية الدولية. كما نفذت منظمات مثل جمعية حقوق الإنسان الكردية، والعفو الدولي، ومنظمة Human Rights Watch، حملات توعية وبرامج تنموية في المناطق الكردية. وقد أدت هذه الجهود، إلى جانب التغيرات في المعايير الدولية، إلى زيادة الاهتمام الدولي بالقضية الكردية وإبراز الكردية في كردستان وخارجها. حتى إذا أعيد بناء القومية الكردية على نطاق عابر للحدود، يبقى التأثير الدقيق للعولمة على الكردية في مختلف الأوطان غير مؤكد. فإذا كان الفضاء العابر للحدود يشكل هيكل فرصة آخر يساهم في توحيد أساليب الاحتجاج حول قضايا محلية للغاية، فإننا ينبغي أن نرى مظاهر مشابهة للقومية الكردية عبر الحدود. ومع ذلك، ظهرت أشكال جديدة ومتنوعة للكردية في أنحاء كردستان المختلفة.
لقد أدت الطبيعة غير المتكافئة للفضاء العابر للحدود إلى زيادة التنوع في القومية الكردية عبر الحدود. وبحسب خصائص هذا الفضاء، يمكن أن تصبح الكردية أكثر بروزًا، أو تتحول في شكلها. فعلى سبيل المثال، عندما تحظى النخبة القومية بالشرعية الدولية، والوصول إلى المنظمات الدولية، ودعم الحكومات الأجنبية، يمكن للكردية أن تزدهر ضمن إطار المعايير الدولية. أما إذا اعتُقلت النخبة القومية الكردية وُحُظرت منظماتها داخليًا وخارجيًا، فمن المرجح أن تتوقف الأنشطة القومية، أو تتحول إلى عمليات سرية، أو تصبح عنيفة. تتفاعل هياكل الفرص الخارجية أيضًا مع الهياكل المحلية، مكونة صلة بين العالمي والمحلي يمكن أن تعزز أو تقيد الإمكانات القومية. فمنذ أوائل التسعينيات، أصبح من الأسهل على مجتمعات الشتات الكردي العراقي أن تنشط في الشؤون المحلية مقارنة بالكرد من تركيا أو إيران، الذين تحدهم الفضاءات السياسية المقيدة في أوطانهم. وبالتالي، وعلى الرغم من أن أساس الكردية يظل مرتبطًا بالمسارات التاريخية المتميزة التي تطورت داخل كل دولة، فإن التعبيرات الجديدة التي اتخذتها بعد أوائل التسعينيات—سواء أصبحت معتدلة أو عدائية أو مستندة إلى أيديولوجيات ديمقراطية أو دينية أو اجتماعية-اقتصادية—ستتحدد، بدرجات متفاوتة، من خلال هياكل الفرص خارج الحدود الإقليمية للدولة. ففي العراق، ساعد الفضاء العابر للحدود الواسع على خلق شعور بالكردية قانوني وديمقراطي. أما في تركيا، فقد أعاد الفضاء العابر للحدود الأوروبي المرتبط بنظام حقوق الإنسان “تقنين” الكردية على المستوى الدولي، رغم استمرار القومية الكردية غير القانونية داخل الدولة التركية. وفي إيران، أضعف الفضاء العابر للحدود المقيد الكردية، مما قلل من أهمية القومية الكردية الإيرانية على المستوى الدولي وداخل كردستان الإيرانية.
وقد ساعد الفضاء العابر للحدود الواسع على إعادة تشكيل وزيادة أهمية الكردية في تركيا، كما فعل في كردستان العراق، ومنح شرعية جزئية للمطالب القومية الكردية. فبدلًا من اللجوء إلى منظمات الإغاثة الإنسانية أو الحكومة الأمريكية أو شبكات الضغط المؤثرة، ربط الكرد في تركيا مشروعهم القومي بأجندة حقوق الإنسان الدولية ومؤسساتها السياسية المدعومة أوروبيًا. وعلى مدى العقد الماضي، توجه الكثيرون إلى جمعية حقوق الإنسان التركية HRA لتقديم مطالبهم، كما أن نظام حقوق الإنسان الأوروبي وشروط ترشيح تركيا للاتحاد الأوروبي قد ضغطا على الحكومة التركية لتعديل سياساتها تجاه الكرد داخليًا. وأصبح القادة المدنيون الأتراك المعتدلون أكثر وعيًا بسجل تركيا السيئ في حقوق الإنسان من خلال تعويض العائلات الكردية عن الانتهاكات السابقة التي أقرها البرلمان الأوروبي.
مع ذلك، لم يحصل الكرد من تركيا على نفس الاعتراف الدولي أو الدعم السياسي الذي حصله الكرد العراقيون. فبينما نالت القيادات الكردية العراقية والمنظمات والمشاعر القومية شرعية دولية وداخلية، تم تجريم نظرائهم الأتراك في الخارج وتقويض شرعيتهم داخل الدولة. وقد خلقت الطبيعة غير المتماثلة للفضاء العابر للحدود ما يمكن وصفه بثنائية “كرد جيدون–كرد سيئون”، مما أعاق التطور السياسي والمؤسسي للحركة الكردية في تركيا. وعندما زار مساعد الولايات المتحدة للشؤون الإنسانية تركيا عام 2000 لتقييم الوضع في المناطق الكردية، قلل من خطورة المشكلة الكردية للحفاظ على العلاقات الأمريكية-التركية. وحتى إمكانية وصول الكرد إلى نظام حقوق الإنسان الدولي تواجه تهديدًا، خصوصًا مع محاولة المحكمة الأوروبية إصلاح نظامها الجنائي بسبب تراكم القضايا وتكاليفها، وهو ما قد يقلل من ضغط المحكمة على الحكومة التركية لتنفيذ الإصلاحات اللازمة.
تقيّد العلاقة المميزة بين تركيا والحكومات الغربية أيضًا فرص الجاليات الكردية في الشتات للتعبئة كجماعة قومية. فمعظم الجمعيات الكردية من تركيا تراقب بشبهة، بغض النظر عن انتماءاتها السياسية. وقد أغلقت الحكومات الأوروبية عدة مرات قنوات تلفزيونية كردية تحت ضغط النخبة التركية. وحتى بعد إعادة برمجة قناة MEDTV لتتركز على القضايا الثقافية والتعليمية، ما زالت تتعرض للمضايقة بحجب البث، ورفع دعاوى قانونية، وتدمير الممتلكات. ورفضت بعض المدن في ألمانيا وبلجيكا تسجيل المواليد الجدد بأسماء كردية، كما تفعل السلطات في تركيا. وقد أصبحت القيود على المنظمات الكردية من تركيا أكثر صرامة منذ أحداث 11 سبتمبر 2001، مع تشديد المجموعات المناهضة للإرهاب القيود على المنظمات المرتبطة بحزب العمال الكردستاني، والتي أدرجت العديد منها على قوائم الإرهاب الدولية، بينما أُغلقت أخرى أو فقدت تمويلها من الحكومات المستضيفة.
على عكس الفضاء العابر للحدود الواسع للكرد العراقيين، أو الفضاء القضائي للكرد في تركيا، كانت الهياكل الخارجية للفرص المتاحة للكرد الإيرانيين أكثر تقييدًا. بينما استفاد الكرد العراقيون من المساعدات الإنسانية الكبيرة والدعم الأمني، وتمكن نظراؤهم في تركيا من الوصول إلى البرلمان الأوروبي، لم يحظَ الكرد الإيرانيون بأي دعم مؤسسي دولي مماثل. فعندما تعرضت المناطق الكردية الإيرانية لهجمات عسكرية ووضعت تحت حكم العرف العسكري خلال التسعينيات، لم تكن هناك قوات تحالف متاحة، أو منظمات دولية، أو جاليات شتات مؤثرة تضغط نيابة عن السكان الكرد الإيرانيين. وقد حدّ غياب إطار قانوني يحدد شروط عمل المنظمات غير الحكومية، وكذلك عدم اهتمام القادة الإسلاميين المحافظين، من التغلغل العابر للحدود داخل البلاد. ومثل الكرد العراقيين والأتراك، استفاد الكرد الإيرانيون من الفضاء العابر للحدود من خلال التعبئة باسم هويتهم القومية العرقية. فقد نظموا، بالتعاون مع الجاليات في الشتات، أنشطة تعليمية وثقافية، بما في ذلك الفعاليات الموسيقية في وطنهم وأوروبا. وأنشأ الكثيرون مواقع على الإنترنت ومكاتب حزبية لتمثيل مطالب المجتمع الكردي الإيراني كأقلية مضطهدة. على سبيل المثال، أنشأت تحالف اللاجئين الإيرانيين مجلة فصلية على الإنترنت تبحث في مختلف جوانب حياة اللاجئين الإيرانيين الكرد. كما أنشأت أحزاب KDPI وكومالا مكاتب في جميع أنحاء أوروبا لتوليد المعلومات ورعاية الفعاليات لمجتمعاتهم الكردية، جنبًا إلى جنب مع الجاليات الكردية في العراق وتركيا. كما نشأت علاقات عابرة للحدود بين بعض الكرد الإيرانيين وحزب العمال الكردستاني؛ ففي فبراير 1999، تحرك الكرد في سنندج ومهاباد وأورمية ضد النظام الإسلامي دعماً لأوجلان. ومع ذلك، لم تنل القومية الكردية داخل إيران الشرعية والأهمية التي حظيت بها في العراق وتركيا بعد عام 1990. فغياب نخبة قومية مؤثرة، حتى بشكل رمزي داخل السجون، ترك القوميين الكرد الإيرانيين في موقف مؤسسي وسياسي ضعيف. وقد لجأ أولئك القوميون الذين واصلوا التعبئة إلى الجماعات الراديكالية العابرة للحدود، بدلًا من المشاركة في الفضاءات القانونية والسياسية المؤثرة.
في كل حالة، ساهم الفضاء العابر للحدود في زيادة أهمية وشرعية الكردية، ومساعدة القومية الكردية على إعادة تشكيل نفسها محليًا. ومع ذلك، أدت طبيعته غير المتماثلة إلى منح بعض المشاريع القومية الكردية تفوقًا على غيرها. فقد حظي الكرد العراقيون بالاحتكار الفعلي للحكم الذاتي الكردي، بينما بالكاد نال نظراؤهم في تركيا وإيران حقوقًا سياسية. ففي حين تم شرعنة الكردية في العراق دوليًا ومؤسساتيًا داخل كردستان، فقد نالت الكردية في تركيا شرعية جزئية في الخارج وتم حظرها داخليًا، أما الكرد الإيرانيون فلم تتح لهم فرص كافية لتعزيز شعورهم بالكردية. كما أدت طبيعة الفضاء العابر للحدود غير المتماثلة إلى زيادة التعقيد والتنوع في المنظمات والمشاعر القومية الكردية عبر الحدود، وهو تنوع، إلى جانب المسارات التاريخية المختلفة التي نشأت بالتوازي مع الدول المختلفة، يحد من احتمالية ظهور مشروع قومي كردي موحد على المستوى المحلي أو الإقليمي أو الدولي.
الراهن: أزمة الدولة القومية وإعادة طرح البديل
مع مطلع القرن الحادي والعشرين، أخذت أزمة الدولة القومية في الشرق الأوسط أبعادًا جديدة، وبرزت المسألة الكردية مرة أخرى بوصفها مؤشرًا على مأزق الحكم المركزي. ففي تركيا، أدت سياسات الإنكار والتتريك إلى استمرار الصراع مع حزب العمال الكردستاني، ما جعل القضية الكردية ملفًا داخليًا ودوليًا في آن واحد. وفي العراق، أدى سقوط نظام صدام حسين عام 2003 إلى إقرار تجربة فيدرالية أتاحت لإقليم كردستان بناء مؤسسات حكم ذاتي، وإن ظل ذلك مرتبطًا بتوازنات هشة مع المركز في بغداد. أما في سوريا، فقد فتحت الحرب الأهلية منذ 2011 المجال أمام تجربة الإدارة الذاتية في روج آفا، التي مثلت نموذجًا جديدًا للحكم المحلي يقوم على مبادئ الكونفدرالية الديمقراطية. وفي إيران، استمر التوتر بين الدولة المركزية والحركات الكردية، وإن بقي في حدود أضيق بسبب القبضة الأمنية القوية. هذه التجارب تكشف أن المسألة الكردية لم تعد فقط مطالبة بحقوق قومية، بل أصبحت اختبارًا لقدرة الدولة القومية في المنطقة على التكيف مع صيغ جديدة من الحكم. فالعودة إلى أشكال من اللامركزية – سواء فيدرالية أو حكم ذاتي أو كونفدرالية – تبدو اليوم شرطًا ضروريًا لتجاوز أزمات الانفجار الداخلي. وهنا يظهر البعد التاريخي: فبينما همّشت النخب القومية إرث اللامركزية الإمبراطوري خوفًا من التفكك، يعيد الراهن فرضه كأفق ضروري لإدارة التنوع.
وحين تكون الحواجز المؤسسية أمام الفعل الجماعي مرتفعة، فإن الاستراتيجيات القانونية المتاحة أمام الجماعات القومية تصبح محدودة، وهو ما قد يشجع على اللجوء إلى أنشطة سرية أو غير قانونية أو حتى عنيفة. وفي حالات أخرى، قد لا تكون العلاقة بين النخب القومية والنخب الحاكمة في الدولة على درجة من الوضوح. فالمساحات الغامضة، التي تتسم بوجود وسائل امتثال معيارية ونفعية إلى جانب أدوات القسر والسيطرة، غالباً ما تولّد قدراً من عدم اليقين في الحيز السياسي، بما يكفي لتشجيع كلٍّ من التسوية والعداء بين المركز والأطراف. ففي العراق وإيران، على سبيل المثال، دأبت النخب الحاكمة على فتح الفرص المتاحة أمام الكرد وإغلاقها، وبذلك خلقت مناخاً سياسياً ملتبساً للقوميين الكرد. وقد أسفر هذا الغموض عن قدر أكبر من التباين في التعبير عن “الكردية”، مقارنةً بتركيا مثلاً، حيث لم يطرأ عملياً أي تغيير على الحيز السياسي بمرور الزمن.
ومن طرق فهم العلاقة بين القوميين والنخب الحاكمة النظرُ إلى سياسات الدولة باعتبارها جزءاً من محاولة لترسيخ السلطة السياسية. فالعلاقات بين القوميين الكرد والمركز السياسي ترتبط بتوازنات القوى بين فصائل الحكم وإدارة المسألة الكردية. فإذا تفوّقت الفصائل العسكرية على المجموعات المدنية، أو إذا سيطر اليساريون على حساب خصومهم القوميين المحافظين، تصبح السلطة السياسية أكثر تماسكاً. ومن المرجح في هذه الحالة أن تستفيد بعض الجماعات على حساب غيرها، مما يفاقم الانقسامات داخل المجتمعات الكردية. أما إذا كان توزيع السلطة أكثر توازناً بين الفصائل المختلفة، فإن فرص التسوية السياسية بين الكرد والنخب الحاكمة قد تزداد. وفي مثل هذه الفترات يكون الكرد أكثر ميلاً لدعم المركز، إذ إن التوافق السياسي يكون أيسر في ظل دولة لامركزية مقارنةً بنظام حكم سياسي شديد المركزية. ومن هنا، فإن المناورات الداخلية على السلطة مهمة لفهم التحولات في السلوك القومي الكردي، لأنها تمثل تغيّرات في توزيع القوة. وهي جزء من عمليات ترسيخ الأنظمة ومركزة السلطة التي تحدد حدود عضوية الجماعات داخل الدولة.
لكن العلاقة بين الحيز السياسي و”الكردية” بدأت تتغير منذ أوائل تسعينيات القرن العشرين، مع بروز العمليات العابرة للحدود وتشكّل جاليات مؤثرة في المهجر. فقد وفّر الوصول إلى المنظمات غير الحكومية الدولية وبنى الفرص الخارجية، إلى جانب التحولات في المعايير الدولية وتطور أنظمة الاتصالات الحديثة، فرصاً جديدة للجماعات الكردية للتعبير عن هويتها القومية-الإثنية خارج الحدود الإقليمية للدول. ويناقش الفصل الثامن هذه التطورات وأثرها في “الكردية” في المواطن الكردية المختلفة، بينما يقدم الخاتمة أساساً نظرياً وعملياً يمكن من خلاله صياغة إرشادات دولية لإدارة “المسألة الكردية”. وبالنظر إلى القومية كنتيجة لتحيزات سياسية معقدة مرتبطة بعمليات بناء الدولة-الأمة، يقدم هذا الكتاب تصوراً للعلاقات بين المركز والأطراف، وكذلك للعلاقات الكردية-الكردية الداخلية، على نحو لا يُفترض فيه العداء المستمر عبر الزمان والمكان. فالتباينات في “الكردية” تكشف أن الهوية القومية الكردية، والسلوك السياسي الكردي، والعلاقات بين الكرد وحكوماتهم المركزية، ليست أموراً “طبيعية” كما تفترض بعض النظريات الشائعة. فالجماعات الشيعية والسنية والمسيحية والعلوية لا تحمل كراهية طبيعية متبادلة، والقوميون الكرد ليسوا متمردين بالفطرة على الدولة، كما أن الكرد لم يميزوا أنفسهم باستمرار عن العرب أو الأتراك أو الفرس.
أكدت الاختلافات في الطبيعة الكردية على أهمية وحدود الفضاء السياسي الذي تخلقه الأنظمة في تشكيل الهوية الوطنية. فالفضاء السياسي له دور محوري في خلق مجموعات من الدوافع والأفكار وإمكانيات التعبئة للمجتمعات الكردية، كما لعب دورا في تشكيل طبيعة النخبة القومية، والمنظمات، والمشاعر القومية، والعلاقات بين الكرد والحكومات المركزية. ومع ذلك، فإن الفضاء السياسي ليس ثابتًا عبر الزمان والمكان؛ فقد أدت الاختلافات إلى تنويعات في تجليات الكردية في ثلاثة سياقات مختلفة على مدار 150 عامًا. على سبيل المثال، أصبح زعماء القبائل نخبة قومية في العراق، بينما لم يلعبوا دورًا ذا أهمية في القيادة الكردية في تركيا وإيران. وفي الوقت الذي كانت فيه المنظمات الكردية في العراق مؤثرة وذات شرعية جزئية، كانت في تركيا وإيران كانت متنوعة، غير قانونية، وأقل تمثيلاً داخل المجتمع الكردي. كما أن الكردية تأثرت بالقبلية والمطالب المستندة إلى الدين والعرق، والأيديولوجية اليسارية، والمشاعر القومية ذات الطابع العرقي.
وبينما تفاوتت العلاقة بين القوميين والنخبة الحاكمة بين التسوية والعداء في كل من العراق وإيران، كانت في تركيا ذا سمت عدائي مستمر. كما يمكن القول أنه ثمة علاقة مباشرة بين الحدود السياسية العرقية والقومية الكردية، بمعنى أنه كلما اتسم الفضاء السياسي بالطابع العرقي، اتسمت الكردية بالعرقية أيضًا. فالمجتمعات الكردية “كردت” ما عربته أو تركته النخبة الحاكمة أو توركت أو فرسّت. في كل سياق، أصبحت الهوية العرقية واللغة والإقليم عناصر مشتركة وجوهرية للكردية، إلا أن طبيعة وتوقيت المطالب القومية اختلفت تبعًا لعمليات التعريب العرقي وهياكل الفرص المتاحة. فقد انتظر الكرد العراقيون حتى ستينيات القرن العشرين لتقديم مطالب قومية عنيفة وذات طابع عرقي شديد، بينما في تركيا، حيث كان الفضاء السياسي واضحًا العرقية وعسكريًا ومقيّدًا، أصبحت الكردية عنصرية وعنيفة منذ عشرينيات القرن العشرين. أما في إيران، عندما اتخذت الكردية طابعًا عرقيًا لكنه نسبيًا متساهلًا خلال أربعينيات القرن العشرين، فقد ظلت الكردية خاملة في تركيا وغامضة في العراق.
تشير أوجه التشابه والاختلاف في الكردية عبر الزمان والمكان إلى أن القومية هي عملية دقيقة ومعقدة تتجاوز العلاقة الأحادية بين المركز السياسي والأقلية. فالقومية الكردية ليست مجرد نتيجة لدولة قمعية تعمل ضد هامش عاجز، ولا هي مجرد منتج ثانوي للمؤسسات والهياكل السياسية، بل هي نتاج تفاعل نشط ومتعدد للأطراف المختلفة في الهامش مع الحوافز الاقتصادية والسياسية المتفاوتة للدولة. إن ظهور وتشكيل وإعادة تشكيل القومية الكردية عبر الزمن ينطوي على علاقات متعددة بين فصائل مختلفة في الحكومة المركزية ومجموعات فرعية في الهامش، وهذه العلاقات تتميز بتوتراتها السياسية الخاصة.
تتصل هذه التوترات جزئيًا بطبيعة المجتمعات المتنوعة عرقيًا. فعلى الرغم من الشعور العميق والجذري بالهوية الكردية، تتميز المجتمعات القومية الكردية بخصوصيات ثقافية مرتبطة بالدولة التي يعيشون فيها، تحدد مجموعة هوياتهم السياسية، كما تشارك في صراعات على السلطة فيما بينها، ما يحد من ظهور إحساس متماسك بالكردية. في الواقع، وعلى الرغم من وجود مشاريع قومية حصرية في العراق وتركيا وإيران، فشل العديد من الكرد في التعبئة لصالح القومية الكردية. وبعد برامج التعريب والهجمات الكيميائية في كردستان، بقيت القومية الكردية مجزأة. ولم يظهر الكرد في تركيا هويتهم القومية العرقية علنًا إلا في أواخر الثمانينيات، أي بعد حوالي خمسين عامًا من الثورات المبكرة للدولة. وحتى حينها، كانت المشاعر والمنظمات القومية مشتتة، واضطر القوميون الكرد إلى التنافس مع التأثيرات الإسلامية والعَلْوِيّة، التي أصبحت بعد عام 1990 جزءًا متزايد الأهمية من السياسة التركية والكردية. ومنذ سقوط جمهورية مهاباد عام 1946، كانت القومية الكردية في إيران مؤثرة بشكل أكبر بين الوسط الكردي السني العلماني المائل إلى اليسار.
ومع ذلك، فإن التجزئة والانقسامات الداخلية ليست سمة طبيعية للقومية الكردية العرقية، وليست الكردية وظيفة لمجتمعات كردية غير متجانسة أو غير متطورة. بل تظهر الدراسات التفصيلية أن طبيعة الفضاء السياسي في المجتمعات متعددة الأعراق غالبًا ما تعيق ظهور شكل تمثيلي ومتماسك للقومية الكردية. فمع صقل استراتيجيات بناء الدولة القومية، والتي تفضل بعض المجموعات الفرعية على غيرها، تصبح المجتمعات الوطنية أكثر تجزئة. ويمكن أن يحدث التمايز والتجانس داخل الهامش في الوقت نفسه لأن بعض الفضاءات السياسية تكون أكثر فائدة لبعض المجتمعات من غيرها. كما أن تنويع الفضاء السياسي يوسع الفرص المتاحة للكرد للتعبير عن هوياتهم السياسية. ويؤدي النظام الاجتماعي والسياسي المتعقد والمتزايد إلى ظهور شكل أكثر تعقيدًا، وغالبًا أقل تمثيلًا، من القومية. وبالتالي، حتى خلال فترات الإحياء القومي، قد يؤكد بعض الأفراد هويتهم الوطنية بينما لا يفعل آخرون، رغم وجود عرقية عميقة الجذور. كما تشجع استراتيجيات بناء الدولة القومية والفضاءات السياسية الناتجة عنها أنواعًا معينة من القومية على الظهور بشكل بارز على حساب أخرى. فعلى الرغم من أن الإسلام كان العلامة المميزة لهوية الكرد في كل إمبراطورية، إلا أنه لم يصبح جزءًا من الكردية إلا في الدولة التركية بعد عام 1980، إلى جانب القومية العلمانية القائمة. وقد أصبحت الاتجاهات الإسلامية أكثر نشاطًا في كردستان العراق ذات الحكم الذاتي، لكنها لم تعدّل الكردية بشكل جوهري، والتي ظلت مرتبطة بحس قومي علماني تمثله نخبتان قوميتان مؤثرتان. أما القومية الكردية في كردستان إيران، فقد اتخذت طابعًا إسلاميًا جزئيًا مباشرة بعد الثورة الإسلامية، إلا أن الكردية استأنفت سريعًا طبيعتها العلمانية واليسارية والعرقية.
القومية الكردية المتغيرة وأهمية الفضاء السياسي
تُبرز القومية الكردية المتغيرة أهمية هياكل التعبئة مثل النخبة المحدثة، والشبكات التنظيمية، والموارد المالية، والدعم الخارجي في توفير الخدمات اللوجستية اللازمة لإحياء الهوية العرقية. ففي المجتمعات النامية، الانتقالية، والمعرضة للصراع، مثل كردستان، والتي تفتقر بدوها إلى هياكل سياسية مؤسسية، يمكن أن تؤثر اتجاهات التحديث غير المتكافئة وعواقب الحرب بشكل غير متوقع على توفر الموارد. مثل هذه الصدمات يمكن أن تثبط أو تمنع أي مشروع قومي. كما أن الخوف من القمع أو غياب الحقوق القانونية للتنظيم قد يعيق تطور القومية، حتى عندما تكون هوية المجموعة ذات طابع عرقي قوي. في بعض اللحظات، قد يكون من الأكثر أمانًا للمجموعات الطرفية التركيز على هوياتها المدنية أو الدينية أو القبلية أو الإقليمية بدلًا من إثارة القومية العرقية. وتستجيب المجتمعات ذات الطابع العرقي القوي للفضاءات السياسية المقيدة بإيقاف أنشطتها، أو الانتقال بالمنظمات إلى العمل تحت الأرض وعبر الحدود، أو اللجوء إلى مجموعات بديلة لتقديم مطالب قومية. وهكذا، حتى إذا كانت المجموعة واعية لعرقيتها المتجذرة، فقد لا تعبئ نفسها لصالح هويتها القومية العرقية لأن الفضاء السياسي يعيقها عن ذلك. ويمكن للقومية العرقية أن تنشط ثم تخبو مرة أخرى دون أن يمس ذلك أصالة المشروع القومي، ففترات الخمود لا تعني بالضرورة فشل القوميات.
أضاف ظهور العولمة والعمليات العابرة للحدود، عنصرًا جديدًا للفضاء السياسي. ففي كل سياق بعد أوائل التسعينيات، أصبحت الكردية ذات طابع عرقي قوي في كردستان، بغض النظر عن الفضاءات السياسية المختلفة داخل كل دولة. أعادت المجتمعات الكردية تشكيل مشاريعها القومية بما يتناسب مع الهياكل الخارجية للتعبئة، خصوصًا مع التغيرات في المعايير الدولية والفضاءات العابرة للحدود. ارتبطت المشاعر والمنظمات القومية الكردية بالديمقراطية وحقوق الإنسان وتقرير المصير، وهي تيارات أيديولوجية مستوردة من خارج الحدود الإقليمية للدول.
رغم أن الفضاء العابر للحدود زاد من أهمية الكردية على المستوى الدولي، إلا أنه لم يغير من تأثير وتمثيل النخبة القومية الكردية على المستويات المحلية داخل كردستان. فقد أصبح بارزاني وطالباني زعماء كردًا شرعيين، لكن نفوذهم محصور في معاقل حزبيهما داخل كردستان العراق. وقد تم استيراد الفدرالية من الفضاء العابر للحدود، لكنها ما تزال محدودة التأثير على المجتمع الكردي، المرتبط بهياكله الاجتماعية والسياسية التقليدية. هذا الفارق بين العالمي والمحلي يوضح استمرار دور الفضاء السياسي المحلي في تشكيل الكردية وتعقيد طبيعة تشكيل الهوية الوطنية وعملية بناء الدولة بعد عام 1990.
إدارة القضية الكردية
توفّر العلاقة بين الفضاء السياسي وتشكيل الهوية الوطنية إطارًا مفيدًا لإدارة الصراع العرقي القومي، ولا سيما المسألة الكردية. فهي توضح أن هويات الجماعات يمكن أن تُستغل جزئيًا من قبل قادة الدولة أو فاعلين خارجيين. يمكن لسياسات الحكومة كبح الإمكانات القومية، سواء بدعم الهياكل التقليدية للسلطة، أو بترك المناطق الطرفية غير مطورة، أو بقمع النشاط القومي، أو بعدم تطوير نخبة قومية متماسكة ومحدثة. بعض الاستراتيجيات تكون أكثر ميلاً لحل النزاعات من غيرها. فحين تُمنح النخبة القومية مكانة شبه شرعية وإمكانية الوصول إلى الشبكات السياسية، فإن المنظمات القومية وعلاقات التكيف بين المركز والهامش تتطور. في العراق وإيران، كان الفضاء السياسي غامضًا ومتساهلًا جزئيًا، على الأقل حتى أواخر الثمانينيات، ما شجع على تطوير مؤسسات قومية ودمج واستبعاد مجموعات كردية، وفتح بعض فرص التفاوض بين النخبة القومية ونخبة الدولة. أما في تركيا، فقد خلق الفضاء السياسي الاستبعادي المتشدد فرصًا محدودة لتطوير نخبة قومية قانونية أو منظمات قومية، وأدى الطابع العرقي المتشدد والثابت للفضاء السياسي إلى استمرار العداء بين المركز والهامش الكردي، دون فرص للتفاوض.
توفر العلاقة بين الفضاء السياسي وتشكيل الهوية الوطنية إطارًا مفيدًا لإدارة الصراع العرقي القومي، ولا سيما القضية الكردية. فهي توضح أن هويات الجماعات يمكن أن تُستغل جزئيًا من قبل قادة الدولة أو فاعلين خارجيين. يمكن لسياسات الحكومة أن تكبح الإمكانات القومية، سواء بدعم الهياكل التقليدية للسلطة، أو بترك المناطق الطرفية غير مطورة، أو بقمع النشاط القومي، أو بعدم تطوير نخبة قومية متماسكة ومحدثة. بعض الاستراتيجيات أكثر ميلاً نحو حل النزاعات من غيرها؛ فحين تُمنح النخبة القومية مكانة شبه شرعية وإمكانية الوصول إلى الشبكات السياسية، فإن المنظمات القومية وعلاقات التكيف بين المركز والهامش تتطور. كان الفضاء السياسي في العراق وإيران، غامضًا ومتساهلًا جزئيًا، على الأقل حتى أواخر الثمانينيات، ما شجع على تطوير مؤسسات قومية ودمج واستبعاد مجموعات كردية، وفتح بعض فرص التفاوض بين النخبة القومية ونخبة الدولة. أما في تركيا، فقد خلق الفضاء السياسي الاستبعادي المتشدد فرصًا محدودة لتطوير نخبة قومية قانونية أو منظمات قومية، وأدى الطابع العرقي المتشدد والثابت للفضاء السياسي إلى استمرار العداء بين المركز والهامش الكردي، دون فرص للتفاوض.
لذلك، تتطلب استراتيجيات حل النزاعات فضاءً سياسيًا واسع المحتوى والزمن: مساواة سياسية حقيقية، والاعتراف بالهوية الكردية المتميزة، وإتاحة فرص للتعبير عن هذه الهوية داخل الدولة. تظهر الدراسات التاريخية أن السياسات التوافقية القائمة على الخطاب وحده، أو الاستراتيجيات قصيرة الأمد، تفقد مصداقيتها وتضعف قدرة الحكومة على التفاوض. ومع اتساع الفجوة بين الخطاب والواقع، يصبح إقناع الجماعات الوطنية بأنها جزء متساوٍ وأساسي من الدولة أمرًا صعبًا، وقد تتحول الإدارة الإيجابية إلى عداء، معادةً بذلك دورة العداء بين المركز والهامش. ويكمن التحدي الأكبر في محو الماضي. حتى إذا فتحت كل حكومة مركزية فضاءها السياسي واعترفت بالهوية الكردية المتميزة، هل سيقلل الكرد من شعورهم بالقومية العرقية ويُندمجون في مراكز السلطة كمواطنين عراقيين أو أتراك أو إيرانيين؟ بعد أكثر من ثمانين عامًا من السياسات الإقصائية، وبرامج التطهير العرقي، والتمييز، ونظام عالمي جديد يسمح للأمم الصغيرة بأن تصبح دولًا، هل من الممكن فعليًا احتواء القومية الكردية سلمياً داخل كل دولة؟ بالنظر إلى اتساع وتعقيد الكردية، ما هي فرص إدارة المشكلات الكردية داخل كل دولة وعبر الحدود؟
في الدول متعددة الأعراق التي أصبحت فيها الحدود العرقية مؤسسية، يصبح من الصعب إضعاف المشاعر القومية العرقية بمرور الوقت. فالعرق، على عكس الهويات الدينية أو المدنية أو اللغوية أو الاقتصادية والاجتماعية، هو جانب ثابت من هوية الجماعة لا يفقد أهميته بالضرورة مع التحديث أو سياسات العلمنة. على العكس، مع التحديث غير المتكافئ وعلمنة وتوسيع السلطة السياسية، أصبحت الكردية أكثر عرقية وأهمية. وقد تحدت التيارات الإسلامية واليسارية ومراكز الدولة الرسمية نفوذ القومية الكردية، لكنها لم تقلل من دور العرق في تعريف القومية الكردية المعاصرة. أصبحت فكرة هوية كردية متميزة وحق الكرد في شكل من أشكال الحكم الذاتي داخل كل دولة من الحقائق غير القابلة للنقاش بين المجتمعات الكردية عبر الحدود، على الرغم من تفاوت النخب والمنظمات القومية.
في ضوء الفضاءات السياسية العرقية والدور الثابت للعرق في تشكيل الهوية الوطنية، يتطلب إدارة القضية الكردية المعاصرة إعادة ضبط العتبة السياسية لمعالجة المكون العرقي للكردية. بدلاً من محاولة خلق إحساس زائف بالتجانس العرقي، يجب على نخبة الدولة في العراق وتركيا وإيران التأكيد على التنوع العرقي ضمن أنظمة سياسية لامركزية تضمن حماية حقوق الأقليات. وتتطلب إدارة القضية الكردية المعاصرة الاعتراف بالعرقية الكردية المتميزة كجزء من القومية الرسمية للدولة، وتأسيس الهوية العرقية الكردية ضمن الأنظمة القانونية والسياسية والتعليمية للدولة، والسماح بالتعليم باللغة الكردية، ومنح الكرد شكلاً من الحكم الذاتي السياسي والثقافي في مناطقهم. تتطلب المفاهيم المختلفة للكردية التي ظهرت في العراق وتركيا وإيران أيضًا استجابات سياسية مصممة لكل دولة ومجتمعاتها الكردية. فعلى الرغم من عدم الواقعية توقع دولة عراقية مستقبلية خالية من الكردية، إلا أنه ليس من المستحيل أن تزدهر القومية الكردية داخل عراق المستقبل. ومع ذلك، فإن الطريقة الوحيدة للحفاظ على كردية متوافقة هي أن تعيد نخبة الدولة المستقبلية بناء هوية عراقية تعترف بالكرد والعرب كشركاء متساوين في الدولة وتؤسس هذه الشراكة ضمن الأنظمة التعليمية والسياسية والاجتماعية. ويجب أن تكون اتفاقية الإدارة المؤقتة (TAL)، الموقعة من مجلس الحكم العراقي في 8 مارس 2004، الأساس الرئيس لدستور العراق المستقبلي ويتم تنفيذها على هذا النحو.
كما يتطلب التفاوض على الحكم الذاتي الكردي في عراق اتحادي الاعتراف بالمناطق الكردية المتميزة، وخصوصًا كركوك، كأراضٍ كردية تاريخيًا، حتى إذا كان من المقرر مشاركة عائدات النفط مع الحكومة المركزية. ويجب على نخبة العراق المستقبلية الاعتراف رسميًا بمجازر الأنفال وتعويض الضحايا الكرد وعائلاتهم وفقًا لذلك. إذا كانت الفرص أمام الكرد العراقيين كمجموعة عرقية واسعة في المحتوى والزمن، وإذا لم تكن هناك فجوات بين الخطاب والواقع، وإذا سُمِح للمنطقة الكردية بالحكم الذاتي أن تتطور سياسيًا واقتصاديًا ضمن دولة فدرالية لامركزية، فقد تزدهر القومية الكردية المتوافقة داخل العراق. لا يمكن لأي سياسة تجاه الكرد في أي نظام سياسي عراقي مستقبلي، سواء كان فدراليًا أو تحاصصيًا أو ديكتاتوريًا خيّرًا، أن تنجح دون هذه الضمانات الأساسية. في تركيا الجمهورية، حيث يوجد نظام شبه ديمقراطي منذ خمسينيات القرن الماضي، يتطلب الحل الحقيقي للقضية الكردية تغييرات دستورية في النظام السياسي. تشمل التحولات الضرورية الحد من نفوذ الجيش في الشؤون القضائية والسياسية والإدارية؛ تعزيز الحكم المدني؛ زيادة فرص تمثيل الأحزاب الصغيرة في الحكومة؛ وإتاحة حرية التعبير الفعلية. وتعتمد علاقة دائمة وبناءة بين المجتمعات الكردية والحكومة المركزية على تعديل مفهوم المواطنة التركي الرسمي، بحيث يُعترف بالكرد، إلى جانب الأتراك والمجتمعات العرقية الأخرى، كشركاء متساوين لهم الحق في التعبير عن هويتهم العرقية المتميزة ضمن حدود الدولة.
كما يجب على النخبة التركية تقليص الفجوة بين الوعود والواقع السياسي. فإمكانية مناقشة القضية الكردية علنًا في وسائل الإعلام وإنتاج الموسيقى وبعض المجلات باللغة الكردية خطوات إيجابية، لكنها لا تزال غير كافية بسبب القيود اليومية التي تواجه الكرد العاديين، ما يعيق تطوير علاقة إيجابية بين المجتمعات الكردية والحكومة المركزية. يجب على النخبة التركية التمييز بين الأحزاب الكردية العنيفة والمجتمعات الكردية المعتدلة التي تعترف بنفسها ككرد، والتمييز بين الإرهاب ومطالب الجماهير الكردية البريئة، وإضفاء الشرعية على الأحزاب الكردية المعتدلة ومنح الكرد حق استخدام اسم “كرد” في منظماتهم وجمعياتهم العامة، وإيقاف عرقلة الصحفيين والباحثين من الوصول إلى المعلومات ونشرها عن الكرد. كما هو الحال في العراق، يمكن للحكومة التركية أن تبدأ عملية المصالحة مع المجتمعات الكردية من خلال تطوير المناطق الكردية اقتصاديًا، وتعويض العائلات الكردية التي فقدت أراضيها أو أفرادها في الحرب الأهلية، وإنهاء نظام الحراس القرويين، ومساعدة الكرد على العودة إلى قراهم الأصلية، بما في ذلك برامج إعادة توطين اقتصادية مشابهة للبرامج الخاصة بالنازحين داخليًا في المناطق المتضررة من الحرب.
أما الحكومة الإيرانية، فلديها مهمة صعبة أيضًا. نظرًا للتاريخ المشترك بين الكرد والفرس، والدور المؤسسي للإسلام الشيعي في الدولة، والصيغة الإمبراطورية الفارسية القائمة على التاريخ الميدي والفارسي، والتنوع العرقي لإيران، يتمتع الكرد الإيرانيون بنقاط مرجعية خاصة مع المجموعة العرقية الفارسية المسيطرة تشجع على التسامح والتكيف العرقي. على الرغم من محاولات المسؤولين العراقيين والأتراك جعل المجتمعات الكردية تؤمن بأنها جزء من الثقافة العربية أو التركية، إلا أن هذه الدعوات لا تمتلك نفس المصداقية بسبب غياب الإحساس المشترك بالثقافة بين الأتراك والعرب والكرد. ورغم التراث المشترك مع الفرس، لا يتمتع الكرد في إيران بفرص متساوية للتعبير عن هويتهم العرقية المتميزة. تحتاج الحكومة الإيرانية إلى إضفاء الشرعية على مطالبها بالتشابه الثقافي من خلال ضمان مساواة سياسية حقيقية بين الفرس وغير الفرس، وكذلك بين الشيعة والسنة. يتطلب التفاوض حول القضية الكردية في إيران إصلاحات سياسية تدعمها القيادات الإسلامية الإصلاحية المعتدلة، تشمل إضفاء الشرعية على الجماعات المعارضة، السماح للأحزاب الكردية بالمشاركة في الانتخابات، تطوير المناطق الكردية اقتصاديًا، السماح بالتعليم باللغة الكردية، وتمكين المسؤولين الكرد من إدارة المناطق الكردية.
أصبحت القضية الكردية المعاصرة، التي انتشرت من أربع دول في الشرق الأوسط إلى معظم أوروبا، جزءًا من فضاء عابر للحدود يضم فاعلين إقليميين ودوليين. أدت التقلبات المستمرة في المناطق الكردية وظهور مجتمعات الشتات إلى مشكلات أمنية واقتصادية وسياسية جديدة خارج كردستان، مع دعم الأجندات القومية في الداخل. ومع تزايد أعداد الكرد في المدن الأوروبية واستمرار الهجرة السرية، أصبحت القضية الكردية جزءًا من “مشكلة الأجانب” في أوروبا، وجعلت الحكومات الأوروبية لاعبين مباشرين في السياسة القومية الكردية، والتي منذ التسعينيات ارتبطت بحقوق الإنسان والهجرة السرية وسياسات الاندماج. ومع زيادة التنوع، أُضيفت مطالب جديدة بحقوق الأقليات والمساعدات للاجئين ضمن الأجندات القومية، ما أدى إلى اختفاء الفارق تقريبًا بين السياسة الكردية في الوطن والدول المضيفة.
في ضوء هذه العمليات العالمية والعابرة للحدود، لم تعد القضية الكردية مجرد صراع بين زعماء كرد داخل الدولة أو شأن داخلي للعراق وتركيا وإيران. لن تُحل باجتماعات مع بارزاني وطالباني في العواصم الغربية، أو تحديث قواعد الجيش التركي، أو عزل إيران كجزء من “محور الشر”. إدارة القومية الكردية في عصر العولمة تتطلب تفاوضًا بين المؤسسات الأوروبية، شبكات الشتات، القادة القوميين الكرد في كردستان، المنظمات الدولية، وحكومات الدول الأصلية. وقد اكتسب الفاعلون الخارجيون تأثيرًا متزايدًا في تحديد قواعد اللعبة في السياسة الداخلية الكردية، كما حدث من خلال “قانونية” القضية الكردية في تركيا وضغط المنظمات الدولية على الحكومة التركية لإجراء تغييرات دستورية تضمن حقوق الإنسان والديمقراطية ودرجة من الحكم الذاتي للكرد.
كما يجب أن تتحمل المجتمعات الكردية نفسها مسؤولية أكبر في إدارة علاقاتها مع الحكومات المركزية، والفاعلين عبر الحدود، والمنظمات الدولية. وربما إذا أراد الكرد لعب دور جاد في السياسة الدولية والإقليمية خارج وضع الضحية، فيجب عليهم تطوير كوادر مهنية محليًا ودوليًا تستطيع الضغط بفعالية على الحكومات الأجنبية والمؤسسات المالية ووسائل الإعلام العالمية. بدلاً من اللجوء إلى الجماعات القومية الكردية المتطرفة والإسلامية، بما فيها في الشتات، يجب على المجتمعات الكردية الاستمرار في توجيه مطالبها السياسية عبر منظمات حقوق الإنسان، البرلمان الأوروبي، والحكومات الأجنبية، والاستفادة من الفضاء العابر للحدود لحماية الكردية وتطويرها. قد تكون الحكومة التركية قد منعت نمو اللغة والهوية القومية الكردية داخل تركيا، لكن الكرد أنفسهم يتحملون جزءًا من المسؤولية عن استمرار هذه الحالة في الشتات.
إذن، تكشف قراءة السردية التاريخية الكردية عن مفارقة أساسية في تاريخ الشرق الأوسط: فمن جهة، كان الإرث الإمبراطوري قائمًا على أشكال مرنة من اللامركزية سمحت بالتعايش رغم غياب الديمقراطية؛ ومن جهة أخرى، جاءت الدولة القومية الحديثة لتفرض حدودًا صارمة وهوية أحادية، فخلقت صراعات لم تهدأ منذ قرن. في قلب هذه المفارقة يقف الكرد، كشعب حُرم من الدولة، لكنه أعاد صياغة هويته عبر خطاب قومي أصبح بدوره أداة لفهم أزمة الحكم في المنطقة. إن استلهام هذه السردية ليس مجرد قراءة لتاريخ الكرد، بل محاولة لفهم كيف يمكن أن يُبنى مستقبل يتجاوز إخفاقات القرن العشرين. فالشرق الأوسط بحاجة إلى نماذج جديدة من الحكم تستوعب التعددية وتعيد الاعتبار لفكرة اللامركزية، لا كتهديد للوحدة، بل كإطار للتعايش. في هذا الأفق، تصبح السردية الكردية أكثر من مجرد تاريخ محلي، بل مدخلًا لإعادة التفكير في بنية السياسة في المنطقة برمتها.
سيناريوهات المستقبل
يمثل النظر في المستقبل عبر عدسة التاريخ الكردي تحدياً مزدوجاً؛ فمن جهة يكشف التاريخ عن طبقات من التجارب السياسية والاجتماعية التي تتراوح بين المقاومة والتهميش، ومن جهة أخرى يعرض أمامنا صوراً لتوازنات القوة التي قد تتكرر أو تتحول بطرق غير متوقعة. لا يمكن مقاربة سيناريوهات المستقبل بمعزل عن هذه الجدلية، لأن ما تراكم في القرنين التاسع عشر والعشرين، من انهيار الإمبراطوريات إلى صعود الدول القومية، قد رسم إلى حد بعيد البنية السياسية والفكرية التي يتفاعل فيها الكرد اليوم. لذلك فإن أي قراءة للمستقبل تحتاج إلى أن تعيد التفكير في علاقة الكرد بالكيانات السياسية التي يعيشون ضمنها، كما في قدرتهم على إعادة إنتاج سرديتهم الخاصة ضمن منظومات دولية متغيرة باستمرار.
السيناريو الأكثر قرباً إلى الواقع الراهن يتمثل في بقاء الوضع على ما هو عليه، أي استمرار تجزئة الوجود الكردي بين أربع دول رئيسية (تركيا، إيران، العراق، سوريا)، مع اختلاف نسبي في هامش الحقوق والحريات المتاحة. في هذا السيناريو تتواصل السياسة الإقليمية في التعامل مع المسألة الكردية بوصفها “ملفاً أمنياً”، لا باعتبارها قضية سياسية أو ثقافية. وهنا يظل الكرد أمام معادلة صعبة: من جهة، تتوفر لهم مساحات محدودة من الحكم الذاتي أو الاعتراف الثقافي (كما في إقليم كردستان العراق أو الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا)، ومن جهة أخرى تبقى هذه المساحات رهينة لتقلبات موازين القوى الإقليمية والدولية. هذا السيناريو يعزز ما يمكن تسميته “الهشاشة المستدامة”، حيث يُسمح للكرد بهوامش حركة معينة، لكنها سرعان ما تُحاصر أو تُقمع إذا ما تجاوزت حدوداً غير معلنة ترسمها الدول المركزية. السيناريو الثاني يقوم على احتمال دفع التجارب الكردية في الحكم المحلي إلى أفق أوسع من الفيدرالية أو اللامركزية الموسعة داخل الدول القائمة. هذا السيناريو يجد جذوره في التحولات التي عرفها النظام الدولي بعد الحرب الباردة، حيث أضحى مفهوم “الحكم الرشيد” و”التعددية الثقافية” جزءاً من الخطاب المهيمن. بالنسبة للكرد، قد يشكل هذا الاتجاه مخرجاً يوازن بين مطالبهم التاريخية في الاعتراف والحقوق، وبين هواجس الدول المركزية من خطر التقسيم. نجاح هذا السيناريو يتطلب إرادة سياسية لدى الأنظمة الحاكمة، لكن التجارب السابقة تظهر أن هذه الإرادة غالباً ما تظل ضعيفة أو مشروطة بتوازنات أمنية. ومع ذلك، فإن صعود نماذج “الكونفدرالية الديمقراطية” كما طرحها عبد الله أوجلان، يفتح أفقاً مختلفاً؛ إذ يربط بين الحكم الذاتي المحلي وبين شبكة عابرة للحدود من المجالس والبلديات التي تقوم على المشاركة المباشرة، ما يتيح للكرد أن يتجاوزوا منطق الدولة القومية دون الدخول في مواجهة مباشرة معها.
من أكثر السيناريوهات حضوراً في المخيال الجمعي الكردي هو سيناريو الدولة المستقلة. هذا الحلم الذي صاغته معاهدة سيفر عام 1920 قبل أن يُجهض في معاهدة لوزان 1923، لا يزال يشكل قوة رمزية هائلة في الخطاب السياسي والثقافي الكردي. غير أن إمكانية تحققه على أرض الواقع تواجه تحديات كبيرة، أولها تعقيدات الجغرافيا السياسية التي تجعل أي كيان كردي جديد محاطاً بدول معادية، وثانيها التباينات الداخلية بين الأحزاب والتيارات الكردية ذاتها. التجربة التي شهدها إقليم كردستان العراق مع الاستفتاء على الاستقلال عام 2017 تبرز هذه المعضلة بوضوح؛ فقد اصطدمت التطلعات الشعبية بواقع إقليمي ودولي رافض، الأمر الذي أدى إلى تراجع المشروع بسرعة. رغم ذلك، فإن هذا السيناريو لا يمكن استبعاده على المدى الطويل، خصوصاً إذا ما شهدت المنطقة تفككاً جديداً للخرائط أو انهياراً للدول المركزية تحت ضغط الصراعات الداخلية.
سيناريو آخر يمكن تصوره يقوم على تجاوز منطق الحدود الصلبة، لصالح شبكات إقليمية من التعاون الاقتصادي والثقافي. في هذا السيناريو يتحول الكرد إلى فاعلين في مشاريع إقليمية أوسع تشمل البنية التحتية، الطاقة، التجارة، والتعليم، ما يمنحهم دوراً معترفاً به من قبل جيرانهم، دون الحاجة إلى كيان سياسي مستقل. هذا الاتجاه يجد دعماً من بعض المدارس الفكرية التي ترى أن “الشرق الأوسط الكبير” لا يمكن أن ينهض إلا بتجاوز الانقسامات القومية والطائفية. ومع ذلك، يظل هذا السيناريو هشاً لأنه يفترض وجود أنظمة سياسية مرنة ومنفتحة، بينما الواقع يشير إلى أن معظم الأنظمة ما زالت أسيرة هواجسها الأمنية والسلطوية. لكن لا يمكن إنكار أن المشهد الكردي نفسه، بما يحمله من ثراء ثقافي وفني وأدبي، قد يشكل رافعة للتواصل بين شعوب المنطقة، إذا ما أُتيح له فضاء أوسع للحركة.
وثمة سيناريو يتجاوز جميع ما سبق، إذ ينطلق من مقاربة ترى أن المستقبل لن يُبنى على منطق الدولة القومية أصلاً، بل على شبكات اجتماعية وسياسية عابرة للحدود. في هذا التصور يصبح للكرد، الذين عاشوا طويلاً في حالة “بين – بين”، موقع متقدم في تشكيل أشكال جديدة من الانتماء والسياسة. نموذج “الكونفدرالية الديمقراطية” مرة أخرى يطرح نفسه هنا، لكن يمكن أيضاً استدعاء تجارب أخرى من الحركات الاجتماعية العالمية التي تركز على البيئة، حقوق المرأة، وحقوق الأقليات. في هذا السياق يمكن للكرد أن يكونوا في طليعة حركات “الديمقراطية الجذرية” التي تطرح بديلاً للأنظمة السلطوية وللنيوليبرالية في آن واحد. التحدي في هذا السيناريو يتمثل في القدرة على خلق تحالفات واسعة، وربط النضال الكردي المحلي بالقضايا الكونية مثل العدالة المناخية وحقوق الإنسان.
ومع كل هذا، لا يمكن استبعاد سيناريو أكثر قتامة، يقوم على عودة الأنظمة الإقليمية إلى سياسات قمعية أكثر شراسة تستهدف محو أي تعبير سياسي أو ثقافي كردي. هذا السيناريو يجد جذوره في عقود من سياسات الإنكار والتهجير والقمع، كما شهدنا في تركيا خلال التسعينيات، أو في العراق خلال حملة الأنفال في الثمانينيات. في حال عودة مثل هذه السياسات، فإنها قد تضع الحركة الكردية أمام مأزق وجودي، وتجعل من أي مشروع سياسي مجرد حلم بعيد المنال. ومع ذلك، فإن هذا السيناريو يصطدم اليوم بواقع مختلف، حيث أن وجود مؤسسات كردية راسخة (كإقليم كردستان العراق) وانتشار الشتات الكردي في أوروبا وأمريكا، إضافة إلى صعود الإعلام الرقمي، كلها عوامل تجعل من الاستيعاب الكامل مهمة شبه مستحيلة.
ليست السيناريوهات السابقة بدائل حصرية بالضرورة، بل يمكن أن تتقاطع وتتشابك. فقد نشهد في بلد معين تقدماً نحو الفيدرالية، بينما تشهد دولة أخرى تشديداً للقمع. كما أن الحلم بالدولة المستقلة قد يتعايش مع مشاريع أوسع للاندماج الإقليمي أو التحولات العابرة للقومية. هذه التعددية في المسارات تعكس الطبيعة المركبة للتجربة الكردية، وتوضح في الوقت نفسه أن مستقبل الكرد لن يتحدد بقرار داخلي محض، بل سيتأثر بشكل عميق بالتوازنات الدولية والإقليمية. ولا يمكن الحديث عن مستقبل الكرد دون التوقف عند العامل الدولي. فالتجربة التاريخية تُظهر أن القوى الكبرى لعبت دوراً مركزياً في رسم حدود المنطقة، وفي التحكم بمصير الكرد بشكل مباشر أو غير مباشر. اليوم يتجدد هذا الدور عبر تدخلات الولايات المتحدة، روسيا، والاتحاد الأوروبي، فضلاً عن الدور المتنامي للقوى الإقليمية مثل إيران وتركيا. في هذا السياق، يتوقف الكثير على كيفية قدرة الكرد على المناورة بين هذه القوى، وعلى مدى قدرتهم في بناء خطاب يستند إلى الشرعية الدولية لحقوق الإنسان وحق تقرير المصير. إن ربط القضية الكردية بقضايا الديمقراطية العالمية قد يمنحها زخماً جديداً، لكنه في الوقت ذاته يجعلها عرضة لتقلبات السياسة الدولية.
في النهاية، لا يمكن حسم أي من هذه السيناريوهات بشكل قاطع، لأن المستقبل يظل مفتوحاً على احتمالات متعددة. غير أن ما يميز التجربة الكردية هو قدرتها الدائمة على إعادة إنتاج ذاتها، رغم التهميش والقمع والانقسامات. هذه القدرة على البقاء والصمود تشكل في حد ذاتها سيناريو مستمراً، يضع الكرد في قلب معادلة الشرق الأوسط، ليس فقط بوصفهم ضحية، بل أيضاً كفاعلين قادرين على تقديم رؤى جديدة للعيش المشترك والسياسة الديمقراطية. من هنا، فإن التفكير في المستقبل الكردي لا ينفصل عن التفكير في مستقبل الشرق الأوسط برمته، لأن المسألة الكردية، بما تحمله من أبعاد سياسية وثقافية وتاريخية، تكثف في داخلها تناقضات المنطقة وآمالها في آن واحد.
إن الشرق الأوسط اليوم ربما يكون المنطقة الأكثر مركزية في الحكم في العالم، في حين أن الحكم اللامركزي كان السمة الغالبة على السياسة في المنطقة حتى القرن التاسع عشر. فالإمبراطوريات السلالية – من الأمويين إلى العثمانيين – نظّمت أراضي متنوعة تحت نماذج حكم لا مركزي، وأتاحت السفر عبر مناطق واسعة من البحر المتوسط والخليج العربي والمحيط الهندي بحدود قليلة ودون تعطيل لممارسات الحكم المحلي المتجذرة. غير أن هذا الإرث التعددي يُهمَّش اليوم من قبل النخب السياسية التي تثير مخاوف مشروعة من أن اللامركزية في عصرنا قد تسمح بأشكال من التجزئة الإقليمية استغلها الاستعمار في استراتيجيات “فرّق تسد”. ومع ذلك، فإن الدولة القومية، التي باتت معيارًا في المنطقة، ليست إلا تطورًا حديثًا ونتاجًا مباشرًا للتجارب الاستعمارية. وبالتالي يمثل التفكير في إمكانية تجاوزها أمرا شرعيا من الناحية النطرية والعملية، وهذا هو ما عكسته وللمفارقة السردية الكردية في أغلب مكوناتها التاريخية ولمحاتها التطبيقية على الأرض.
Aslı Ü. BâliOmar Dajani: Beyond the Nation State in the Middle East,
( https://www.bostonreview.net/articles/beyond-the-nation-state-in-the-middle-east/ )
Denise Natali: The Kurds and the State, Evolving National Identity in Iraq, Turkey, and Iran, Syracuse University Press, 2005.
Deniz Ekici: Kurdish Identity, Islamism, and Ottomanism, The Making of a Nation in Kurdish Journalistic Discourse (1898-1914). Lexington Books, New York • London, 2021
Philip G. Kreyenbroek and Christine Allison “edited” : Kurdish Culture and Identity, Zed Books Ltd London and New Jersey, 1996
Özge Korkmaz: Politics, Ethics, and Complicity in Turkey’s Kurdistan: Anxieties of an Era, PhD in the University of Michigan, 2022



