زيارة واشنطن وإعادة رسم التوازنات في سوريا بعد الأسد

تحليل: الباحث محمد صابر .. في العاشر من نوفمبر 2025، قام الرئيس السوري الانتقالي “أحمد الشرع” بزيارة واشنطن في خطوة تاريخية تمثل لحظة مفصلية في إعادة ترتيب المشهد السوري بعد سقوط نظام “بشار الأسد”. حيث تمثل هذه الزيارة فرصة حاسمة لإعادة إدماج سوريا في المجتمع الدولي، وإعادة رسم التوازنات الإقليمية من خلال إشراك الحكومة السورية الانتقالية في التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب. وتأتي هذه الخطوة في ظل ضعف مؤسسات الحكومة الانتقالية ومرونتها المحدودة، ما يجعلها تعتمد بشكل كبير على الدعم الخارجي في إدارة ملفات الأمن والسياسة الداخلية، وهو ما يتيح لواشنطن استخدام أدوات النفوذ لتحقيق مصالحها الإقليمية
ومن جانبها، تسعى الحكومة الانتقالية إلى تعزيز شرعيتها الدولية ورفع العقوبات الاقتصادية، وإعادة ترتيب أولوياتها الأمنية والاقتصادية بطريقة تخدم استقرارها الهش. فالتحولات الحالية تشير إلى رغبة دمشق في الاستفادة من الدعم الدولي لإعادة هيكلة القوات المسلحة وبناء مؤسسات مركزية، بينما تعتمد بشكل كبير على التنسيق الخارجي في ملفات الأمن والتدريب العسكري وإدارة الموارد.
وتأسيسًا على ما سبق، يركز هذا التحليل على دراسة دلالات زيارة “الشرع” إلى واشنطن من منظور استراتيجي، مع إبراز أهداف واشنطن، وأولويات الحكومة الانتقالية، في ظل الطبيعة الهشة والقابلة للتأثر بالضغوط الإقليمية والدولية للحكومة السورية الانتقالية.
مصالح واشنطن:
تهدف الولايات المتحدة إلى استغلال زيارة “الشرع” لإعادة ضبط المشهد السوري، وتعزيز استقرار شمال‑شرق سوريا عبر دمج القوى المحلية ضمن هيكلية الدولة المركزية، بما يتيح تحكمًا أكبر في العمليات العسكرية والسياسية. كما أن دمج الحكومة الانتقالية في التحالف الدولي يمثل أداة لإعادة توجيه القدرات المحلية، بما يخدم أهداف الأمن الإقليمي.
ويشمل الهدف الأميركي استخدام الحكومة الانتقالية كواجهة للتدخل الاقتصادي والسياسي، بما يتيح رفع العقوبات تدريجياً، وفتح الباب أمام الاستثمار الدولي والإقليمي، بما يخدم مصالح واشنطن ويضعف أي نفوذ محتمل للمعسكرات التقليدية في المنطقة.
كما تركز السياسة الأميركية على دعم إعادة هيكلة القوات المحلية، بما فيها تلك التي تتمتع بقدرة على الاستقرار الميداني، لتكون جزءاً من منظومة عسكرية متكاملة تحت إشراف الدولة المركزية. هذه الخطوة تهدف إلى ضمان استمرارية النفوذ الأمريكي، وإعطاء الحكومة الانتقالية دوراً وظيفياً محدداً، مع الحفاظ على التوازنات العسكرية في شمال‑شرق سوريا.
في الوقت نفسه، تعكس هذه الاستراتيجية قدرة الولايات المتحدة على تعزيز حضورها السياسي والعسكري عبر أدوات غير تقليدية، من خلال إشراك حكومة انتقالية ضعيفة نسبياً، لكنها تمثل واجهة شرعية يمكنها إدارة الملفات المعقدة وإحداث تغيير تدريجي في التوازنات الداخلية، بما يضمن حماية مصالحها في سوريا والمنطقة بشكل مستدام.
تحول هش:
تعمل الحكومة الانتقالية السورية في بيئة سياسية ضعيفة، تعتمد على الدعم الخارجي لضمان استمرارها وشرعيتها. حيث تتركز أولوياتها الأساسية في استعادة دور الدولة المركزي، ورفع العقوبات الاقتصادية، وتقديم نفسها كطرف مسؤول قادر على إدارة الموارد والمؤسسات. ولعل من أهم الأهداف السورية لهذه الزيارة:
1- تعزيز الشرعية الدولية: تمثل زيارة واشنطن فرصة لإظهار الحكومة الانتقالية كممثل رسمي لسوريا، مما يعزز موقفها السياسي أمام المجتمع الدولي، رغم محدودية سلطتها الداخلية.
2- رفع العقوبات الاقتصادية: يسهم تخفيف العقوبات في إعادة تنشيط الاقتصاد، جذب الاستثمارات، وإعادة الإعمار، وهو أمر أساسي للحكومة لتأكيد قدرتها على إدارة الدولة.
3- إعادة بناء منظومة أمنية: تشمل دمج القوات المسلحة المحلية تحت إشراف الدولة، مع الاعتماد على الدعم الخارجي لضمان فاعلية هذه القوات في شمال‑شرق سوريا.
4- تأمين التعاون العسكري الدولي: ضمان توافر التدريب، التوجيه، ودعم اللوجستيات بدعم دولي، بما يعوض ضعف قدرات الحكومة الانتقالية الذاتية ويضمن قدرتها على تنفيذ عمليات مكافحة الإرهاب.
5- توازن النفوذ الإقليمي: تعمل الحكومة الانتقالية على مواءمة سياساتها مع القوى الإقليمية المؤثرة لضمان استمرار دعمها، مع التركيز على الاستقرار العسكري والسياسي، ما يضعف أي قدرة على التحرك مستقلًا داخل الساحة المحلية.
وعلى الرغم من خطواتها لتعزيز الشرعية الدولية وتوسيع نطاق سيطرتها، لا تزال الحكومة الانتقالية تواجه تحديات حقيقية في التعامل مع الأطراف المحلية الفاعلة مثل قسد. فالتباينات بين ما تطالب به هذه الأطراف وما تقبل به الحكومة الانتقالية تعكس هشاشة قدرتها على التوازن بين الضغط الخارجي واحتياجات المجتمع الداخلي. الحكومة الانتقالية لم تمنح هذه القوى كامل الاستقلالية أو حقوقها المؤسسية، بل تسعى إلى دمجها ضمن منظومة مركزية تضمن السيطرة العامة واستقرار الدولة، مع إبقاء هامش محدود لمساهمتها في العمليات الأمنية والعسكرية.
في الوقت نفسه، تعكس هذه العلاقة المعقدة مدى ضعف الحكومة الانتقالية واعتمادها على الدعم الخارجي لتسيير شؤون الدولة، ما يجعل أي تقدم في دمج القوى المحلية مرتبطاً بمدى قدرتها على فرض رؤية مركزية، دون المساس بأدوار هذه الأطراف الأساسية في المرحلة الانتقالية.
إعادة ضبط المنطقة
تعكس هذه الزيارة قدرة واشنطن على توجيه التحولات في سوريا عبر دعم الحكومة الانتقالية الضعيفة، ما يعيد ترتيب التوازنات بين القوى الإقليمية. الدول المحيطة بما فيها القوى التقليدية الكبرى تتكيف مع هذه المرحلة الجديدة، مع إدراك أن الحكومة الانتقالية لا تزال بحاجة إلى إشراف ودعم خارجي لإدارة الملفات الأمنية والسياسية الحساسة، بما يتيح استمرار تأثير واشنطن على المشهد السوري.
قسد والأطراف المحلية الأخرى يظهرون كشركاء ضروريون في الاستقرار الإقليمي، مع مساهمة مباشرة في إدارة الأمن والمراقبة في شمال‑شرق سوريا. إدماجهم ضمن الدولة المركزية قد يعكس قدرة الحكومة الانتقالية على توظيفهم بشكل إيجابي، ويمنحهم دورًا عملياً في المرحلة الانتقالية، مع الحفاظ على فعالية مؤسسات الدولة رغم هشاشتها.
تؤسس الزيارة لمرحلة جديدة من إعادة هيكلة القوى العسكرية والسياسية، حيث تبقى الحكومة الانتقالية ضعيفة نسبياً لكنها تمثل الواجهة الشرعية لإدارة التوازنات الإقليمية. المشاركة الأمريكية في التوجيه والتدريب العسكري تضمن استقرار القوات المحلية، وتفتح المجال أمام دعم مؤسسات الدولة في تطبيق سياسات مركزية، بما يحفظ التوازن بين القوى المحلية والإقليمية ويعزز استقرار البلاد على المدى الطويل.
ختامًا، يمكن القول إن زيارة “الشرع” إلى واشنطن تمثل نقطة محورية لإعادة إدماج سوريا في المجتمع الدولي وإعادة ترتيب التوازنات الإقليمية. الحكومة السورية الانتقالية، رغم ضعفها واعتمادها الكبير على الدعم الخارجي، استغلت هذه الفرصة لتعزيز شرعيتها الدولية ورفع العقوبات الاقتصادية، وإعادة بناء مؤسسات الدولة المركزية.
كما أن دمج الأطراف المحلية الفاعلة ضمن الهيكلية العسكرية والأمنية يعكس قدرة الحكومة على إدارة مرحلة انتقالية معقدة، ويضمن إشراك شركاء محليين مسؤولين في إدارة الملفات الحساسة. هذه المرحلة تمثل بداية لإعادة ضبط المشهد السوري، حيث تبقى الحكومة الانتقالية ضعيفة لكنها أداة مركزية لإدارة الاستقرار، وتحقيق التوازن بين القوى المحلية والإقليمية، بما يضع سوريا على طريق تدريجي نحو الاستقرار السياسي والأمني والتنمية الاقتصادية.



