موقف حركة حرية كردستان في ضوء فكر عبد الله أوجلان

تحليل: د. حسني أحمد مصطفى … يتناول السياق التالي قراءة تحليلية في التحول الكردي من المواجهة العسكرية الى مسار السلام والمجتمع الديموقراطي، بالتركيز على موقف حركة حرية كردستان وقرارها بسحب قواتها من داخل الأراضي التركية إلى مناطق الدفاع المشروع (ميديا).
تُعدّ القضية الكردية من أكثر القضايا تعقيداً وتشابكاً في الشرق الأوسط المعاصر، نظراً لارتباطها بتاريخ طويل من الوعود غير المنجزة، والانقسامات الجغرافية، والتوازنات الإقليمية والدولية، فالكرد – وهم أحد أقدم شعوب المنطقة – يعيشون موزعين بين أربع دول رئيسية: تركيا، إيران، العراق، وسوريا، إضافة إلى جاليات واسعة في الشتات، وقد جعل هذا التشظي تطلعاتهم بشكل عام رهينة لمعادلات القوى الإقليمية والدولية التي كثيراً ما تعاملت مع المسألة الكردية كأداة في الصراعات أكثر من كونها قضية حقوقية أو إنسانية، وبشكل خاص في سياقات العلاقة الكردية التركية.
ورغمًا عن هذا، ظل الشعب الكردي في صراع مستمر بين محاولات الحفاظ على هويته وحقوقه الثقافية والسياسية، وبين سياسات التذويب أو القمع التي تبنتها بعض الأنظمة المركزية، هذا الإرث التاريخي شكل الأساس الذي قامت عليه الحركات الكردية المسلحة والسياسية لاحقاً، من الحزب الديمقراطي الكردستاني في إيران والعراق، وحزب الاتحاد الوطني الكردستاني وصولاً إلى حزب العمال الكردستاني في تركيا، وإلى حزب الاتحاد الديمقراطي في سوريا.
في حقيقة الأمر الشعب الكردي بمكونه القاعدي وقيادته الفكرية والعسكرية والمجتمعية تدرك جوهر كل هذه التحديات بكافة مستوياتها القائمة، إلا أنه ما زالت ممدودة يد السلام وأصداء نداء القائد عبد الله أوجلان منذ 27 شباط/ فبراير الماضي، والتي استجابت على إثرها قوات حزب العمال الكردستاني بوقف اطلاق النار، ثم انعقاد المؤتمر الثاني عشر الذي اتخذ قرار حل الهيكل التنظيمي للحزب وانهاء استراتيجية المواجهة المسلحة والانتقال إلى استراتيجية السياسية الديمقراطية.
وتتالى التعهدات الكردية التزامًا نحو تحقيق رؤية السلام والحل الديموقراطي، فقد أعلنت حركة حرية كردستان في 26 تشرين الأول/أكتوبر 2025 أن مقاتليها ينفّذون تحركات انسحاب جميع قواتها من داخل الأراضي التركية إلى مناطق الدفاع المشروع، وهذا ما تحمله رسائل بيان الحركة والذي لا توجهه فقط لحكومة أنقرة، والتي من جانبها اعتبرت هذا الإعلان نتيجة ملموسة لخارطة طريقها نحو ما تسميه (تركيا خالية من الإرهاب) !، بالرغم من كون هذا النداء سلامًا موجهًا للعالم كافة بما تدفع به الحروب والصراعات الدائرة في الشرق الأوسط الى تهديد لمستقبل كل من الكرد والترك، بل آثار هذا التهديد قد تطال بقاع ممتدة من الشرق الأوسط، ما يدفع الى بدء مسار جديد انطلق بنداء القائد عبد الله أوجلان وجهوده في إطار عملية السلام والمجتمع الديموقراطي.
بين ثنايا تنفيذ هذه التعهدات يتضح ادراك القيادة الكردستانية أن الصراع الكردي – التركي وأطروحاته تأخذ حيزًا بالغ الأهمية في الوضع السياسي والأمني في منطقة الشرق الأوسط برمته، وتتضح هذه الأهمية خاصة في كل من مناطق جنوب شرقي تركيا، شمالي العراق، وسوريا، بما تعكسه ضراوة صراع التوجهات بمشروعاتها وأجنداتها الدولية المتباينة.
لكن في خضم التطورات التي اتضحت في مواقف حركة حرية كردستان وسحب مقاتليها من الأراضي التركية، تتجلى الخطوات الاجرائية والتي تنتقل من سياقاتها الفكرية والتي تبنتها رؤى المفكر أوجلان في سردياته التي صاغها طوال فترة محبسه، والتي تعكس مدى حرص القائد أوجلان في تعاطيه مع المتغيرات الاقليمية والدولية، بدء بالمواجهة المسلحة، مرورًا بمراحل الاعداد والترتيب الى التحول السلمي والديموقراطي، وصولًا لنداء السلام وتنفيذ تعهداته، والذي إن دل فإنه يدل على وعي القائد وحرصه على ترسيخ مبادئ السلام والديموقراطية، وليس وقوفًا عند موقف متصلب، فلا مانع في العدول عن موقف يتطلب التغيير إن لزم الأمر، في سياقات التقييم والرؤى النقدية ومعطيات الوقائع واستشراف المتغيرات، وهذا يعكس السمة المميزة لرؤى أوجلان الفكرية على مدار تاريخه الذي تعكسه بشكل مؤثر القيادات الميدانية عسكريًا ومدنيًا.
1- تحليل الموقف:
قرار الانسحاب الذي أعلنت عنه حركة حرية كردستان يُعبّر عن رغبة في – أو على الأقل تظهير – تغيير في طبيعة النزاع من وجود عسكري ضمن الأراضي التركية إلى تحوّل نحو محور أقل عسكرية وأكثر سياسيّة، فالطلب على تسوية قانونية يُظهر أن الحركة لا ترى الانسحاب بحد ذاته كهدف بل كجزء من عملية شاملة للنضال السياسي، وفيما يتعلق بالتعاطي مع الموقف من جانب أنقره؛ فالطرح التركي استقباله للموقف) مفاده أن هذه خطوة لإنهاء وجود ميليشياوي داخل تركيا، ما يجعل الدينامية ثنائية الاتجاه حركة تنسحب + دولة ترحب(!!.
2- عبد الله أوجلان وأُطره الفكرية:
عبد الله أوجلان هو المؤسس التاريخي لحزب العمال الكردستاني، ومنذ سنوات خرج بفكر بات مختلفًا عن الأطر التقليدية للحركات المسلحة القومية، وذلك بدءاً من التسعينات وعلى مدار مدة احتجازه في معتقله الانفرادي منذ 1999 في سجن جزيرة إمرالي، حيث تتضح أبرز أُطره الفكرية في اقتراح نظامًا سياسيًا قائمًا على الإدارات الذاتية المحلية (كونفدرالية ديمقراطية)، ركائز هذا النظام الديمقراطية المباشرة، تعدُّدية الثقافات، المساواة، الأخلاق البيئية، الاقتصاد التعاوني.
وعليه يتضح أن أوجلان بنى نقده للمنظور القومي‑الأثني التقليدي، إذ جادل بأنه لا سبيل إلى دولة قومية كردية مستقلة أو مجرد حكم ذاتي داخلي، وإنما إلى ديمقراطية متجاوزة للدولة ضمن إطار متعدد القوميات، ومن ثم أعلن نهاية الكفاح المسلّح والتحوّل إلى النضال الديمقراطي في رسالة تاريخية دعا إلى حل الحزب العمالي الكردستاني، وإنهاء الكفاح المسلّح، والانتقال إلى العمل السياسي الديمقراطي:” لا طريق غير الديمقراطية، لا يمكن أن يكون هناك غيره”، كما أكد على تبني النضال المجتمعي والاندماج الديمقراطي مع الدولة القومية والتحول لجمهوريات ديمقراطية، ورفض فكرة الانفصال أو الدولة القومية كردية كحل، واعتبر أن الإفراط في القومية بمثابة وقع في فخّ، ومن ثم دعا إلى المشاركة السياسية، وإلى مجتمع ديمقراطية مدني قوي، يساهم في إذابة الحدود بين ” أنا” القومي و ” نحن” العام، ما يدفع إلى التعايش والمشاركة الثقافية والسياسية، في ذلك أوجلان يرى أن القضية الكردية ليست مجرد مسألة عسكريّة أو أمنية، بل مسألة ديمقراطية، احترام الهوية، حقوق الإنسان، مشاركة سياسية، وعدالة اجتماعية، لذا فإنّ التحول من العسكرة إلى السياسة هو في صلب فكره، وهذا ما يكفل في حد ذاته تحقيق أحد أوجه السلام والمجتمع الديمقراطي.
3- موقف حركة تحرير كردستان في إطار أفكار أوجلان:
عند ربط موقف تحركات جميع قوات الحركة من داخل الأراضي التركية إلى مناطق الدفاع المشروع، مع أفكار أوجلان، يمكن استخلاص الآتي:
– مطابقة جزئية:الانسحاب من الأراضي التركية يتوافق مع فكرة أوجلان بأن الكفاح المسلّح يجب أن ينتهي، وأن الحركة يجب أن تتحول إلى عمل سياسي نضال مدني، وبات الانسحاب إعلان بارز لهذا التحوّل السلمي ومبادرة لتفعيل خطوات نداء السلام.
– تأكيد على الطلب القانوني‑السياسي: إذ إن الحركة تطالب أنقرة بتشريعات تمكّنها أو ممثليها من المشاركة السياسية بشكل ديمقراطي، وهذا يتماشى مع فكرة أوجلان بأن المسار ليست دولة جديدة بل مشاركة وتحول ديمقراطي.
– تخلي تكتيكي عن مواقع عسكرية في الداخل التركي: يتوافق هذا مع رؤية أوجلان حول أن الوجود المسلّح في تركيا ليس الطريق، وأن التركيز يجب أن يتحول إلى مشروع ديمقراطي ومجتمعي.
– تحول رمزي واستراتيجي: ليس مجرد سحب عسكري، بل خطوة ضمن عملية سلام، أو تحول يفرض على الدولة التركية من ثمّ أن تفتح أبواب المشاركة – وهو ما تؤكده الحركة في مطالبتها.
-تقوية ودعم الأطراف التركية التي تريد الحل مقابل التي لا تريد الحل.
4- الإشكاليات والتحديات:
مع أن الموقف يحمل دلالات إيجابية، ليس هذا فحسب بل توجد آفاق إيجابية أُخر في محاولة إمكان الشعب الكردستاني وقيادته صياغة استراتيجية براغماتية تقوم على:
- تعزيز حقوقهم الثقافية والسياسية ضمن الأطر الدستورية للدول القائمة على قائمتها تركيا.
- الانفتاح على الشراكات مع المكونات الأخرى لتجنب العزلة القومية.
- بناء تحالفات إقليمية ودولية على أساس المصالح المشتركة وليس فقط على الوعود الآنية.
إلا أنه ثمة إشكاليات تضع الى حد كبير بعض التحديات، فحول التطبيق الكامل؛ إعلان الانسحاب يضع الحركة محل نظر فيما تُستَكمل رؤاها السياسية في سياقات ردود الفعل الاصلاحية لحكومة انقره، هذا من جهة، ومن الجهة الأخرى هذا لا يعني تلقائيًا أن الحركة قد تحوّلت إلى حزب سياسي، مما يضع مختلف الاطراف في انتظار مخرجات معادلة الثقة المتبادلة، فالحركة تطالب أنقرة بإجراءات قانونية ملموسة قبل الانتقال النهائي، وهذا بدوره يشير إلى أن التحوّل ليس كاملاً حتى الآن.
ومن منظور آخر؛ ثمة إرث نضالي عسكري طويل تبناه القائد عبد الله أوجلان في سياقات تعاطي حزب العمال الكردستاني والحركات المسلحة الكردستانية من خلفه الظهير المجتمعي والشعبي الكردستاني، على مدار أربعين عامًا تقريبًا من الصراع العنيف، الذي ترك تراكمات اجتماعية وسياسية وثقافية لا تُمحى بسهولة، مما يضع هذا التحول في إطار جدية الاطراف لتحقيق مساهمة فعلية متبادلة، وهذا ما ينعكس أثره على التحوّل الفكري إلى نضال مدني يتطلّب تغيّرات عميقة، تتطلب من الجانب التركي أن يضع هذا من الأهمية بمكان.
ولا يمكن في هذا السياق تناول هذا التحول فيما بين الطرف الكردي والتركي؛ دون وضعه في إطار أوسع، وهو الاطار الاقليمي والذي بدوره لا ينفصل عن السياق الدولي، فلا يمكن فهم القضية الكردية بمعزل عن التنافس الدولي في المنطقة، فقد ظلت القضية الكردية ورقة بيد القوى الكبرى تُستخدم عند الحاجة وتُهمَل عند تبدل المصالح، فوجود حركة تحرير كردستان في شمال العراق، والعلاقة مع الإقليم، والمواقف التركية والدولية، كلها عوامل تؤثر على مسار التنفيذ.
وكذلك قد يدفع عامل التوقيت ومتابعة السياقات القائمة الى تدقيق النظر في اتجاه أنقره، فالانسحاب ذاته قد يُفسَّر من جانبها كإضعاف للحركة المتسلّحة، وهذا بدوره يُثير تساؤلًا: هل الهدف أكبر من مجرد تخفيف التوتر؟، وهل هنالك من ضمانات لحقوق الحركة أو الكرد بشكل أوسع؟
5- خلاصة استشرافية:
إنّ إعلان حركة حرية كردستان انسحابها من الأراضي التركية يمثل تحوّلاً مهمًا في مسار الصراع الكردي‑التركي، ولا يمكن فصله عن الدعوة التي أطلقها القائد عبد الله أوجلان نحو إنهاء الكفاح المسلّح والذهاب نحو السياسة الديمقراطية والمجتمع المدني.
وكما شهدنا، فإن قرار الانسحاب يُعبّر رمزيًا ومؤسسيًا عن ذلك التحوّل، لكن في الوقت نفسه، فإنّ تحقيق رؤية أوجلان بالكامل – من حركة مسلّحة إلى حركة سياسية مدنية، ومن دولة قومية إلى مجتمع تعدّدي، ومن عسكرة إلى ديمقراطية تشاركية – يبقى رهين التنفيذ الفعلي والتجاوب القانوني والسياسي من الجانب التركي.
من هنا، يمكن القول إنّ الموقف يمثل نقطة تحوّل واعدة، لكنها ليست بعد تأكيدًا على أن جميع شروط التحوّل تحقّقت أو أن المسار أصبح غير قابل للانزلاق، وأن تعامل الدولة التركية والمجتمع التركي مع التعددية والحقوق الكردية بات واقعًا ممارسًا، فالمطلوب متابعة دقيقة لتطورات التشريع، ومشاركة الحركة في السياسة التركية بكافة أوجه تمكين الكرد من حقوقهم، وتجنب الفجوة بين الخطاب والفعل من جانب انقره، فأفكار أوجلان جماعية وثورية، تعكس نسقًا ديمقراطيًا تشاركيًا، فهل يفرض الواقع السياسي حلولاً أكثر بيروقراطية أو أقل طموحًا؟.



