“الإعلام وقضايا الشرق الأوسط” .. ندوة جديدة في مركز آتون

يعيش الشرق الأوسط خلال الفترة الأخيرة أوضاعاً غير مسبوقة، لا سيما على صعيد الإشكاليات أو القضايا أو التحديات التي تواجه شعوبه، التي تتنوع بين السياسي والعسكري والاجتماعي والاقتصادي، أو ربما تتداخل فيها جميع هذه الأبعاد، على تحو يتطلب إعلاماً يجب أن يكون قوياً وقادراً على التعاطي معها ومعالجتها، ومن ثم فالتساؤلات عديدة حول قدرة الإعلام بالفعل على القيام بذلك أو القيام به بشكل صحيح.
انطلاقاً من هذا السياق، عقد مركز آتون للدراسات ندوة جديدة تحت عنوان: “الإعلام وقضايا الشرق الأوسط، مساء الجمعة 14 نوفمبر، تحدث خلالها الدكتور رامي عطا صديق رئيس قسم الصحافة بأكاديمية الشروق، والكاتب الصحفي علي السيد مدير تحرير جريدة الأهرام، وسط حضور مميز لعدد من الكتاب الصحفيين والأكاديميين من مصر وخارجها.
أهمية موضوع الندوة
وأدار الندوة الكاتب الصحفي فتحي محمود مدير مركز آتون للدراسات والتي استهلها بالترحيب بالحضور جميعاً، مؤكداً أهمية موضوع النقاش وخطورته؛ ففي ظل التحديات التي يواجهها الشرق الأوسط تزداد أهمية الحديث عن الإعلام؛ كونه يعالج كل القضايا التي تقابلنا تقريباً في هذه المرحلة الحساسة.
كما لفت إلى أن الإعلام أيضاً يوجه الرأي العام حسبما يريد المتحكم في الوسيلة الإعلامية. ونوه كذلك إلى دور وسائل التواصل الاجتماعي أو “السوشيال ميديا” والتي باتت إحدى أهم وسائل الإعلام في السنوات الأخيرة، ولها دور خطير هي الأخرى؛ لا سيما وأنه يمكنها توجيه وتحريك الرأي العام بناء على تصورت خاطئة.
الإعلام في قلب قضايا الشرق الأوسط
وقد نقل الكاتب الصحفي فتحي محمود الكلمة إلى الدكتور رامي عطا الذي شدد بداية على أن الإعلام في قلب قضايا الشرق الأوسط ويتشابك مع مختلف هذه القضايا بكل أبعادها، وهذا لأن الإعلام بالأساس يدرس الإنسان بما يقع منه وما يقع عليه. وقد استعرض بعضاً من وظائف الإعلام والتي لخصها في وظيفتين رئيسيتين، الأولى: دوره في الإخبار والمعرفة، وما يرتبط بذلك من اتخاذ للقرار بناء على المعلومة التي يخبر بها.
ويوضح الدكتور رامي عطا أن الوظيفة الثانية للإعلام هي تشكيل الرأي العام والتأثير فيه، والعمل على خلق اتفاق لدى الناس حول الموقف من قضية معينة، سواء كانت قضية دولية مثل القضية الفلسطينية، أو مثل قضية التغيرات المناخية، أو أخرى ذات صفة محلية مثل الموقف من تعديلات قانون الإيجار القديم في مصر.
ضوابط التناول الإعلامي
وتطرق “عطا” إلى الضوابط والأجندات التي يلتزم الإعلام بها في التعامل مع القضايا المثارة، وقال في هذه المسألة إن الإعلام بصفة عامة يتأثر بالوضع العام في أي دولة من مناخ سياسي ومؤسسات وأحداث وتطورات، ومن ذلك التطورات التكنولوجية وظهور منصات التواصل الاجتماعي، مشيراً إلى أن الأخيرة يحسب لها ظهور “صحافة المواطن”، ومن ذلك من يسمون “اليوتيوبرز” و”التيكتورز”، فيما تشير إحصاءات إلى أن مواقع التواصل الاجتماعي تسيطر على 70% من الأخبار التي تصل لنا.
وأشار كذلك الدكتور رامي عطا إلى طبيعة تناول الإعلام لكثير من قضايا المنطقة، وكيف تؤثر على طبيعة التعاطي معها، مثل الوضع في سوريا والسودان واليمن، منوهاً كذلك إلى أن هناك قضايا تغيب عن التناول الإعلامي مثل البطالة، وتراجع قضايا المرأة والطفل، وقضية الهوية، فضلاً عن غياب المعالجة الجيدة من الإعلام لقضايا مثل التعددية والتنوع.
وفي ختام حديثه تطرق رئيس قسم الصحافة بأكاديمية الشروق إلى عدد من التحديات التي تواجه الإعلام، والتي على رأسها مساحة الحرية المتاحة أمامه للعمل، إلى جانب استهداف الإعلاميين والصحفيين في بعض دول الشرق الأوسط، وكذلك تحكم مالك الوسيلة الإعلامية في طبيعة معالحة قضية ما، إلى جانب إشكاليات تتعلق بالكوادر الإعلامية نفسها والأجيال الجديدة من الصحفيين والإعلاميين.
الإعلام ومعالجة قضايا الشرق الأوسط
انتقلت الكلمة بعد ذلك إلى الكاتب الصحفي علي السيد، الذي تركزت كلمته حول الإجابة على تساؤل رئيسي بشأن كيفية تعامل الإعلام العربي مع قضايا الشرق الأوسط. وفي هذا السياق أكد أنه بالفعل لدينا إشكالية كبيرة في تعاطينا الإعلامي مع القضايا التي تشغلنا، وتحديداً مسألة النقل عن الإعلام الآخر أو الإعلام الأجنبي والغربي، وتحول الإعلام العربي إلى متلق من الإعلام الغربي.
وضرب “السيد” عدة أمثلة في هذا السياق، منها الفترة التي كان العراق فيها تحت الحصار، أي السنوات التي سبقت الغزو الأمريكي – البريطاني له عام 2003، فيقول إن العراق كان تحت حصار تام، وكان كل ما ينقل عن الداخل العراقي ينقل من خلال الإعلام الغربي الذي اعتمد على التهويل، في وقت كان الشعب العراقي تحت إبادة بطيئة بسبب هذا الحصار، الذي كان يمنع حتى البنج دخول البلاد، لدرجة أن بعض عمليات الولادة القيصرية كانت تجرى دونه.
وضرب مثلاً آخر بالتناول الإعلامي للأزمة السودانية التي تعبر عن ميول الدول وتأثيرها على أداء الإعلام، إذ قال إن هناك إشكالية تعمدتها بعض وسائل الإعلام في تعاطيها مع حالة السودان بأنها في البداية ساوت بين الجيش السوداني ومليشيات الدعم السريع، وصورت الأمر كأنه صراع بين طرفين داخل السلطة، مع أنه في واقع الأمر من يمثل الدولة هو الجيش ولو كانت الدعم السريع في دولة غربية لتم تصنيفها على الفور كجماعة تمرد خارجة عن الدولة، وبالتالي أن يساوي الإعلام بين الطرفين فذلك كان أحد أسباب الوضع الحالي في السودان.
الإعلام وصناعة الدول
تطرق كذلك مدير تحرير جريدة الأهرام إلى دور الإعلام في صناعة الكيانات والروايات التي تنسجها بعض الدول، وضرب مثلاً هنا بأن الرواية التي قامت عليها إسرائيل، وصياغة سردية عامة بأن اليهود تعرضوا للاضطهاد وأنه لا بد أن يكون لهم وطناً يعود أساسها إلى صحفي وهو تيودور هرتزل، وهي السردية التي بناء عليها ومن خلال الإعلام جذب الكيان الصهيوني تعاطف الشعوب الغربية، خاصة الحديث عما يسمى بـ”الهولوكوست”. وهنا يؤكد على أن من استطاع هزيمة هذه الرواية في الفترة الأخيرة هو “الموبايل” أو “إعلام الموبايل” من خلال المقاطع التي تم تصويرها وتداولها على نطاق واسع وكشفت وحشية الاحتلال.
تطرق “السيد” كذلك إلى الحالتين السورية والعراقية كنموذج آخر لما يسببه الإعلام من إشكاليات في المعالجة، من خلال استخدام بعض المصطلحات مثل “الكتلة الشيعية” والكتلة السنية” في حالة العراق، أو العلويين والسنة في سوريا، موضحاً أن تعمد الإعلام الغربي استخدام هذه المصطلحات التفتيتية ذات الأبعاد الدينية والطائفية هدفه بالأساس مواصلة التقسيم في المنطقة، وهو ما يخدم المصالح والأهداف الصهيونية.
وفي ختام حديثه، شدد الكاتب الصحفي علي السيد على أن أهمية دور الإعلام في قيادة بعض الدول إلى أن تكون بين مصاف الدول، مجدداً الإشارة إلى أن قضايا الشرق الأوسط للأسف أخذت معالجات خاطئة من الإعلام الغربي، ثم تعامل الإعلام العربي مع تلك المعالجات كمتلق. وهنا أشار إلى نقطة أخرى بأنه لا يوجد إعلام محايد وإنما يمكن القول إن هناك إعلاماً مهنياً يعرف كيف يقدم المعالجة بطريقة مقبولة يتقبلها المواطن أو المشاهد.
واختتمت الندوة باستقبال تساؤلات وتعقيبات بعض من الحضور الكريم، والتي ارتكزت جميعها حول كيفية معالجة الإشكاليات والتحديات التي تواجه الإعلام في الشرق الأوسط، والوصول إلى إعلام يعرف جيداً قضايانا ويلم بها ويعبر عنها لا سيما ما يخص قضايا الهوية والثقافة.



