تحليل: هدير مسعد عطية ..
في بيئة سياسية مركبة، موسومة بالصراع وميلاد عاصف لمرحلة انتقال سياسي من دولة واحدة جامعة لا مانعة تسمج بقدر من التنوع، إلى دول تعاني حساسية مفرطة من السرديات الذاتية والخصوصية الثقافية لتكويناتها الديموغرافية.. في ظل هذه الأجواء برز اسم محمد أمين ذكي كأحد المؤسسين الأصلاء للسردية الكردية الحديثة وأحد واضعي أسسها. يُعدّ محمد أمين زكي (1880–1948) أحد أوائل المؤرخين الكرد الذين جمعوا بين الخلفية الرسمية والخبرة العسكرية من جهة، وبين المشروع الثقافي لإعادة بناء الوعي التاريخي الكردي من جهة أخرى. فقد شغل مناصب رفيعة في الدولة العثمانية، ثم في الدولة العراقية بعد تأسيسها، ووصل إلى رتبة رفيعة في الجيش، كما تم تعيينه وزيرًا في حكومة بغداد. هذه المكانة الرسمية منحته شرعية مزدوجة: شرعية “الدولة” وشرعية “الوعي القومي الناشئ”، وهو ما جعله في عين الأجيال الكردية اللاحقة شخصية تقف بين عالمين — عالم السلطة وعالم المجموع الباحث عن سرديته. وقد ترسخت مكانته في المخيال الجمعي الكردي بوصفه “الأب المؤسّس للكتابة التاريخية الكردية الحديثة”. فهو لم يكن مجرد موظف أو عسكري، بل أوّل من قدّم رؤية منهجية متكاملة عن أصول الكرد وتاريخ كردستان بحدودها الجغرافية والثقافية. وبذلك تحوّل من شخصية بيروقراطية إلى رمز ثقافي، ومن مؤرخ إلى “مُهندس هوية” يستعاد اسمه كلما طُرِحت أسئلة الأصل والجماعة والذاكرة. كتب ذكي تاريخا مسكون بالهوى الكردي، تاريخ ليس بقلم مؤرخ عثماني أو مستشرق غربي. من هنا تأتي قيمته الرمزية — فهو المؤرخ الذي أدخل الكرد إلى التاريخ من بوابة الاعتراف الذاتي لا بوابة الآخر.
أدرك زكي، بعد انهيار الدولة العثمانية وصعود الدول القومية في المنطقة، أن الشعب الكردي مهدد بأن يُفقد سرديته في التاريخ إذا ظل تائهًا بين روايات الآخرين. ولهذا كان القرار إنتاج سبيكة معرفية في شكل كتاب “خلاصة تاريخ الكرد وكردستان من أقدم العصور حتى الآن “، الذي نُشر في بغداد عام 1931، ونقله للعربية محمد علي عوني ونشر بالقاهرة ١٩٣٩ عبر مطبعة السعادة. ويُعد من أوائل المحاولات لصياغة سردية قومية كردية متكاملة. يضم الكتاب قائمة مراجع تقارب 250 مصدرًا، ويقدّم رواية موجزة تسعى لبناء سرد وطني مهيمن عن أصول الشعب الكردي. أمضى زكي نحو عشرين عامًا في دراسة تاريخ الكرد، بدأها قبل عام 1910، وزار خلالها أرشيفات في ألمانيا وفرنسا. لكن في عام 1919 شبّ حريق في منزله أتى على أرشيفه، فاضطر لإعادة بناء عمله من الذاكرة ونشره لاحقًا. ورغم حرصه على الطابع الأكاديمي، أشار إلى ندرة المصادر التي حالت دون التوسع في بعض القضايا.
حاول من خلاله أعماله، وبالتحديد خلاصة تاريخ الكرد، أن يؤسس لعتبات البحث في إشكاليات كبرى تشغل المخيال الكردي: عن الأصل والجذور والعمق التاريخي والثقافي والإثني. ولهذا، صرّح في مقدمة كتابه بأن من أهم دوافعه هو شعوره بأن “الأمة الكردية بلا كتاب تاريخ يجمع شتات أخبارها”، وأنّه وجد أن “التاريخ المكتوب عنها إما مشوه أو تابع لرؤية خارجية”. هذا الإدراك لتحوّل التاريخ من “سجلّ أحداث” إلى “حماية وجود” هو ما جعله مختلفًا عن المؤرخين الكلاسيكيين؛ فهو لم يكتب للحاكم بل كتب للأمّة. من هنا، يصوغ زكي التاريخ بوصفه وظيفة سياسية – ثقافية، لا مجرد علم أكاديمي. فالتاريخ لديه أداة للتحرّر، لتأكيد الوجود، ووسيلة لإعادة ترتيب العلاقة بين الكرد والمكان. هذا ما جعل الكرد يضعونه في مرتبة الرجل الذي بنى الجسر الأول بين الماضي والحاضر. وكان زكي يرى أنّ الأمة الكردية “ظُلمت مرتين: مرة حين استخدمتها الدول والأسر الحاكمة، ومرة حين لم تُكتب قصتها بلسانها”. هذا التصريح يكشف جوهر مشروعه: لم يكن التأريخ عنده عملاً أكاديميًا باردًا، بل فعلًا لإنقاذ الذاكرة من الذوبان.
لم يكن مشروع محمد أمين زكي مجرد سرد لأحداث متفرقة، بل تأسيس لبنية معرفية متكاملة يُعاد من خلالها تعريف «مَن هم الكرد؟» و«ما هي كردستان؟» و«كيف تشكّلت هذه الأمة عبر التاريخ؟». بدأ عمله من سؤال عميق: كيف يمكن لأمة تعيش على أرض عريقة، وتمتلك لغة وهوية وتراثاً، أن تبقى بلا تاريخ مكتوب يعكس وجودها؟ من هذا السؤال انطلق في كتابه “خلاصة تاريخ الكرد وكردستان”، ليؤكد أنّ الكرد ليسوا مجرد قبائل متناثرة على أطراف الإمبراطوريات، بل هم شعب ذو جذور ضاربة في القدم، ارتبط بأرض محددة المعالم، ووُجد في مسرح التاريخ بوصفه فاعلاً لا تابعاً. وفي سبيل ذلك، استخدم منهجاً أقرب إلى «الترميم التاريخي»، إذ جمع بين الوثائق العثمانية والفارسية والمصادر الغربية والمرويات الشفوية، ثم أعاد تركيب صورة جديدة للأمة الكردية، واضعاً إياها في قلب السرد التاريخي بدلاً من هامشه.
اعتمد زكي في بناء سرديته على ثلاثة أركان مترابطة: أولاً، أصول الشعب الكردي، حيث قدّم نظريته الشهيرة عن «الطبقتين البشريتين»، موضحاً أن الكرد هم نتاج تفاعل حضاري بين شعوب قديمة استوطنت جبال زاغروس منذ آلاف السنين، مما يمنحهم عمقاً تاريخياً وشرعية وجودية. ثانياً، الأرض الكردية، حيث رسم حدود كردستان من جبال آرارات شمالاً حتى جبال حمرين جنوباً، مؤكداً أن هذه الجغرافيا ليست مجرد مساحة سياسية بل «وطن تاريخي» حافظ على هوية شعبه رغم تبدّل الدول والحكام. وثالثاً، الدور السياسي للكرد، إذ وثّق الإمارات الكردية مثل بادينان وسوران وبابان، ليُثبت أن الكرد لم يكونوا مجرد رعايا بل أصحاب حكم وإدارة وثقافة. وبهذا، تجاوز زكي النموذج التاريخي التقليدي الذي كان يصف الكرد كملحق بغيرهم، ليقدّمهم كأمة ذات نظام اجتماعي وسياسي، ما جعل من التاريخ أداة لإحياء الوعي القومي. وربما المهم في كتابات زكي ليس فقط المعلومات التي قدّمها، بل التحوّل الفكري الذي صاغه في العقل الجمعي الكردي. فقد منح الكرد للمرة الأولى شعوراً بأن لهم «سيرة ذاتية تاريخية»، وأن وجودهم ليس عارضاً أو طارئاً في جغرافيا الشرق الأوسط، بل هو جزء أصيل من نسيجه الحضاري. هذا الانقلاب في الوعي جعل من التاريخ وسيلة لمقاومة التهميش، فتحوّل كتابه إلى مرجع في المدارس والبيوت والمجالس الثقافية الكردية، وصار يُنظر إليه باعتباره «الكتاب المؤسس» للهوية الحديثة. ومع مرور الزمن، أصبح تأثيره يتجاوز حدود المعرفة ليصل إلى السياسة، حيث وجد السياسيون الكرد في كتاباته أرضية فكرية للمطالبة بالحقوق، واستند مثقفون وأدباء إلى أطروحاته لإحياء الشعر واللغة والأغنية والتراث الشعبي.
لقد أدرك أمين ذكي، أن سقوط الدولة العثمانية، وصعود الدول القومية في تركيا والعراق وإيران وسوريا، يُهدّد بطمس الوجود الكردي سياسيًا وثقافياً. وهكذا، تحوّل التاريخ لديه من سجّل للأحداث إلى “درع منسي” يحمي الوجود القومي. كانت محاولته لإنتاج معرفة تاريخية، لا زاوية تفسير الماضي فقط، بل للسعي في تأسيس شرعية للمستقبل. إن عمق التاريخ الكردي الذي عمل ذكي على إحيائه وتوثيقه هو ما زود الحركة القومية بالشرعية اللازمة، بينما كان انهيار الدولة العثمانية هو الفرصة المفصلية التي أطلقت شرارة التعبير السياسي والمقاومة المسلحة لهذه الذات الجديدة، على الرغم من أن التشرذم الجغرافي الداخلي (نتيجة التقسيم الإمبراطوري) ظل يمثل التحدي الأكبر لتوحيد صفوفهم.. وقد مثّل عمله جسرًا حيويًا بين الماضي والحاضر، مانحًا الأجيال اللاحقة معرفةً وفخرًا ضروريين لاستمرار إرث هذا الشعب.
الرجل قبل الفكرة
ولد محمد أمين زكي بن عبد الرحمن بن محمود سنة ۱۸۸۰، في مدينة السليمانية بحي كوثره الواقع شرقي المدينة. فقد زكي والدته في طفولته، ثم أصيب بحمى أدت إلى روماتيزم مزمن لازمه طوال حياته، لكنه لم يُثنه عن بلوغ إنجازاته. برزت موهبته في الرسم في الصف الثالث، فنال تقدير أساتذته بوصفه رسامًا موهوبًا. كما أظهر منذ صغره شغفًا عميقًا بالتاريخ والأدب، وكتب العديد من القصائد. غير أنّ صداقته الوطيدة مع الحاج توفيق پیر ميرد، الذي التقى به في إسطنبول، كانت نقطة التحوّل التي دفعته إلى ترك الشعر والتفرغ للتاريخ. عُرف زكي بهدوئه وقوة شخصيته وكرمه وإخلاصه ووفائه، وكان مثالًا للصبر والرقة والموهبة. كتب الشعر، وحفظ وجمع أعمال كبار الشعراء الكرد الكلاسيكيين مثل نالي، كما كان فنانًا تشكيليًا بارعًا، ولا تزال لوحتان من لوحاته الجميلة موجودتين إلى اليوم، مما يجعله على الأرجح أول فنان بصري كردي معروف.
وقد عني والده بتربيته عناية خاصة، فأدخله الكتاب، حيث قرأ القرآن الكريم ودرس الكتب الفارسية المتداولة في تلك الأيام، لم يلبث بعده أن أدخله المدرسة الابتدائية العثمانية التي افتتحت في السليمانية عام ١٨٩٢ حيث أمضى فيها عاماً واحداً، انتقل بعدها إلى المدرسة الرشدية العسكرية في مدينة السليمانية. وبعد اجتيازه الصفوف بكل كفاءة، دخل عام ۱۸۹٦ الإعدادية العسكرية في بغداد. وبعد تخرجه فيها تم قبوله في المدرسة الحربية في الآستانة (اسطنبول) وبعد إكماله الدراسة العالية فيها تخرج برتبة نقيب متميز، حيث تم تعيينه عام ۱۹۰۲ في الجيش السادس التنجي أوردي المرابط في بغداد. وبعد عام من ذلك جرى نقله إلى ادارة الأملاك السنية، وهي الادارة الخاصة بأملاك السلطان العثماني، بصفة مهندس، وبقي في منصبه هذا حتى إعلان الدستور العثماني سنة ١٩٠٨. وأثناء حروب البلقان عام 1912 خدم نائبًا لرئيس الأركان في جبهة جتالجه، ثم شارك في الحرب العالمية الأولى حيث رُقّي إلى رتبة مقدم وخدم في العراق. وفي عام 1917 عاد إلى إسطنبول وتولى عددًا من المناصب العسكرية المهمة. وبعد انتهاء الحرب، انخرط في النشاطات السياسية الكردية، ثم عاد إلى العراق عام 1924 ليدخل معترك السياسة، فتولّى مناصب وزارية في ظل الانتداب البريطاني، منها وزير الحربية ووزير الأشغال العامة. واستمر في لعب دور سياسي بارز حتى وفاته عام 1948. قادته مسيرته إلى سلسلة من المناصب والمهام العسكرية الكبرى، أسهمت جميعها في صقل وعيه السياسي والإستراتيجي. وقد أتاح له تنقله بين مؤسسات الدولة العثمانية ومناطق كردستان الجنوبية (إقليم كردستان العراق اليوم) الاطلاع المباشر على أحداث وتحولات تاريخية حاسمة. ومن خلال ترقياته في الرتب العسكرية وعودته لاحقًا إلى السليمانية، تقلّد مناصب سياسية رفيعة مكنته من فهمٍ أعمق لآليات الحكم والعلاقات الدولية. وقد جمع بين هذه الخبرة العملية وشغفه العميق بتاريخ وثقافة شعبه، فكوّن رؤية فكرية نادرة جعلت منه مؤرخًا تتردد أصداء أعماله عبر الأجيال. إن معرفته الواسعة وإخلاصه لقضيته جعلاه شخصية محورية في التاريخ الكردي الحديث، وضمانًا لاستمرار نسيج التراث الكردي الغني حيًّا ومحتفى به.
كان زكي فخورًا بانتمائه العراقي، لكنه في الوقت نفسه مدافعٌ صلب عن حقوق الكرد وداعيةٌ إلى القومية الثقافية. آمن بالتعليم والتنمية الاقتصادية وبأهمية ترسيخ علاقات أخوية بين الكرد والعرب وسائر الأقليات بوصفها السبيل الأمثل لنيل الكرد حقوقهم المشروعة. كان يعارض الثورات والمواجهات المسلحة مع الحكومة المركزية، مفضلًا طريق التقدّم السلمي. كان زكي متعدد اللغات، يتحدث العربية والفارسية والتركية والإنجليزية والفرنسية والألمانية والروسية بطلاقة. ويُعتبر أول مؤرخ كردي بعد شرف خان البدليسي، الذي كتب تاريخ الإمارات والممالك الكردية بالفارسية في كتابه الشهير شرفنامه. وقد أثارت أعمال زكي عن تاريخ الكرد وكردستان اهتمامًا واسعًا. وتظل إسهاماته في التأريخ الكردي موضع تقدير عالٍ حتى اليوم. كان أمين زكي يميل سياسياً إلى النزعة العثمانية، ورأى في الدولة العثمانية إطاراً يمكن للكرد أن يجدوا فيه مستقبلهم. ورغم إدراكه للاختلافات القومية بين الكرد والأتراك، ظلّ وفيًّا للدولة العثمانية حتى انهيارها. وبعد سقوطها، توجّه إلى بغداد، ولم يسعَ إلى إقامة دولة كردية مستقلة، بل انخرط في حكومة العراق الحديثة. ومن هذا المنطلق حاول أن يبرّر إخفاق الكرد في تحقيق استقلالهم بطرحٍ يمكن وصفه بالـ“واقعية السياسية” أو “البراغماتية الأخلاقية”. يقول في هذا السياق: “لا يمكن لأحدٍ أن ينكر أنّ في كلّ أمةٍ شعورًا بالاستقلال، بدرجاتٍ متفاوتة، وهو حقّ طبيعي لكل فردٍ ولكل أمة. ومن ثمّ، لا ينبغي اتهام أحدٍ بالرغبة في نيل الاستقلال. على الأمة، وخاصة نخبها ومثقفيها، أن تجعل الاستقلال هدفًا، وتسعى إليه بطرقٍ منطقية وآمنة، دون أن تنسى العقل والمعرفة، ودون أن تضيّع وقتها وحياتها في التهور. عليها أن تعمل بهدوءٍ وعقلٍ متزن، وأن تنمّي آفاقها الاجتماعية والسياسية على أساس الأخلاق والعلم والثروة؛ فهذه مقومات الاستقلال الحقيقي. ومن المهم إدراك أن الاستقلال في عصر الجهل والفقر لا يدوم؛ إذ يجلب الطغيان والبؤس بدل الازدهار، ويؤدي في النهاية إلى التبعية للأجانب من جديد”.
يظل أمين ذكي، أسماً معروفاً في مسيرة الثقافة الكردية بل عنوان في حد ذاته يثير ذكره في نفوس المثقفين الكثير من المعاني والرموز ويعني هذا الاسم ضمن ما يعنيه الكثير؛ فهو قبل كل شيء رائد من رواد التاريخ والأدب والثقافة الكردية المعاصرة، وهو بأحد التوصيفات (عميد تاريخ الكرد). وهو أيضا في طليعة المتنورين الداعين إلى خدمة تراث وثقافة ولغة شعبه وهو أشبه بعمود من أعمدة الهياكل العظيمة التي تسند السقوف والجدران لأنه ظل طوال حياته مسانداً ومؤازراً لكل الأعمال والمشاريع والجمعيات والنوادي والصحف التي كانت تهدف إلى خدمة مصالح ووجود شعبه وخدمة وتطوير لغته وثقافته. وعلى سبيل المثال عندما نتصفح وثائق أولى الجمعيات والنوادي الكردية (نادي الارتقاء الكردي)، والتي تأسست بجهود نخبة من رجالات السياسة والثقافة الكردية. تلك الجمعية التي أجيزت في 1930 وظلت تعمل حتى أوائل الستينيات. وعندما نقرأ العدد الاول صحفية التي صدرت عنه، والتي طبعت في بغداد (1943-1944) بمطبعة (النجاح)، نرى أن الصورة التي تحتل الصفحة الأولى لهذه المطبوعة التاريخية، هي صورة أمين ذكي، وقد كتب تحتها (الرئيس الفخري لنادي الارتقاء وعميد الأدباء والعلماء ومؤرخ الكرد وكردستان وعين الأعيان معالي محمد أمين زكي).
وكان له دوراً مهما في الحياة الثقافية، التي صبت في النهاية لصالح السردية الكردية الجامعة للذهنية الكردية العامة، فعلى سبيل المثال، الدور البارز الذي ساهم به في تأسيس مجلة (كلاويز)، وقد تميزت المجلة بجدية المواضيع التي كانت تعالجها أو تنشرها. وقد ألتف حولها نخبة ممتازة من كبار الكتاب والشعراء الكرد آنذاك، حتى أنها جلبت أنظار المعنيين بالدراسات الكردية والمستشرقين، فاعتبرها مثلا (لورانس) أحسن مجلة أدبية في الشرق الأوسط في حينه. وساهمت بشكل فعال في بلورة اللغة الأدبية الكردية الموحدة. وكانت في حينها أطول المجلات الكردية عمراً؛ إذ استمرت في الصدور خلال ما يقارب العقد (1939- 1949). وكان أمين من الكتاب النشطين المساهمين في تحريرها، ففي العدد الأول الصادرة في 1939، نجد له موضوعين منشورين على صفحاتها الأولى بعنوان اللغة الكردية وأدبها، يتحدث فيها أصالة اللغة الكردية، ويذكر كبار الشعراء الكرد في مختلف العصور الادبية. وفي نفس العدد وعلى الصفحات (34- 41) وفي زاوية مشاهير الكرد، نقرأ له موضوعاً عن (صلاح الدين الايوبي).كما نجد له على صفحات العدد الرابع من المجلة ذاتها والصادرة في1940، موضوعان الأول عن (أحمد بن ضحاك) بعنوان بطل كردي مجهول ( ص 6 – 10) وفي زاوية مشاهير الكرد تقرأ بقلمه موضوعا عن (امير خان برادوست).
خلاصة تاريخ الكرد.. ودوره في بناء السردية
يُعدّ أمين زكي من أوائل المؤرخين الكرد، الذين بدأوا تحت تأثير التحوّلات الفكرية في مفهومي الأمة والأرض كتابة التاريخ بمنظورٍ قومي. يقول في مذكراته: “بعد أن شاع استخدام لقب (العثماني)، بدأ لقب (التركي) أو (الطوراني) ينتشر أكثر، وكحال أبناء الأمم الأخرى، ازداد شعوري بالفخر والحميّة، فاندفعتُ للتعبير عن مشاعري كلما سنحت الفرصة. غير أنني لم أكن أعلم شيئًا عن أصول قومي وتاريخ أمّتي، لأننا لم نُتح الفرصة في مدارسنا لدراسة ذلك، ولم نرَ كتبًا عن التاريخ الكردي؛ إذ كان المجتمع العثماني قد أضعف حسّنا القومي إلى حدّ كبير. كنتُ دائمًا أسأل نفسي: إلى أيّ أمة ينتمي الكرد؟ وما الذي حلّ بهم؟ لكنني لم أجد جوابًا مقنعًا. فسألت بعض العلماء الكرد، وكان اثنان منهم أستاذين في التاريخ؛ فقال أحدهما إن الكرد من نسل (كُرد بن عمرو الحقّاني) كما ورد في روايةٍ لموشّح، وقال الآخر إنهم من نسل مخلوقٍ خرافي يُدعى (چاساديان). هذان الجوابان الخاطئان جعَلاني أَعِد نفسي بالبحث في هذا الموضوع وحلّ هذا اللغز. وكوني في إسطنبول كان فرصةً مناسبة؛ فكرّست أوقات فراغي للبحث، وبدأتُ عام 1326 رومي بزيارة مكتبات إسطنبول”.
حقيقة، استطاع أمين ذكي أن يساهم في تأسيس وبناء سردية متكاملة للتاريخ الكردي من خلال جهود بحثية وتأليفية مكثفة، مدفوعاً بوازع وطني عميق، مما جعله مرجعاً أساسياً في هذا المجال. كان المحرك الأساسي لعمل محمد أمين ذكي هو إدراكه للنقص الملموس في تدوين تاريخ الكرد حتى الفترة الأخيرة (قرب نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين). نشأت لديه فكرة التنقيب والبحث عن تاريخ الكرد بسبب شعور فياض بالعاطفة الوطنية القوية. هذا الشعور دفعه للتعاهد على نفسه بإجراء تحقيق دقيق في مسألة أصل الكرد، خاصة بعد استبعاده للإجابات التي اعتبرها “سخيفة” أو مضطربة، مثل تلك التي تنسب الكرد إلى أصول خرافية كـ”كرد بن مرة ” أو إلى جنس من الجن يُدعى. وبذلك، هدف إلى تقديم كتاب مستقل يزيل الغموض عن بعض الأمور المتعلقة بالكرد ووطنهم، واضعاً بذلك نواة للباحثين الكرد الشباب والمثقفين. في هذا النمط الجديد من الكتابة التاريخية، يصبح الكرد وكردستان مركز الاهتمام والسرد، إذ تُروى الأحداث انطلاقًا من حياة الشعب الكردي، مع التركيز على عمق الجذور التاريخية لكردستان والأمة الكردية، والبدء من الفترة ما قبل الإسلامية لإظهار مدى قِدم هذه الأمة وأصولها الممتدة في عمق التاريخ.
يذكر زكي بك في مقدّمة كتابه أنه بدأ تأليف هذا العمل عام 1910 بعد أن أعدّ ملاحظاته وجمع مصادره، غير أنّ حريقًا شبّ في حيه أتى على جميع أوراقه. لاحقًا، حين قرأ فقرة قصيرة للمستشرق مينورسكي في إحدى نشرات دائرة المعارف الإسلامية، عاد إليه الحافز لكتابة التاريخ الكردي من جديد. يقول زكي بك: “بعد أن يئستُ لعشر سنوات، أي في عام 1929، كنتُ في مكتبة النواب، فرأيتُ دائرة المعارف الإسلامية، وفي المجلد الثاني قرأتُ فقرةً كتبها المستشرق المعروف فون مينورسكي عن الكرد. قرأتُها بحماسٍ مرتين أو ثلاثًا، وأحيت في داخلي رغبةً قوية لاستئناف كتابة تاريخ الكرد وكردستان”. وعلى الرغم من نزوعه السياسي نحو الواقعية وربما المصلحة الشخصية، كان زكي بك مدركًا تمامًا لأهمية كتابة التاريخ ودوره في بناء الوعي القومي. لذلك، لم يتخلَّ عن مشروعه حتى بعد احتراق ملاحظاته الأولى. وهنا ينبغي التوقف عند نقطتين أساسيتين: أنه، رغم انتمائه السابق للمؤسسة العسكرية العثمانية وولائه لرفاقه الأتراك، عاد في النهاية إلى جذوره الكردية وأعاد اكتشاف ذاته من خلال مشروع التأريخ القومي. ارتبطت فكرة كتابة التاريخ لديه بالمرحلة التي فقد فيها الأمل في إصلاح النظام العراقي الجديد الذي كان أحد وزرائه ونوابه، إذ بدأ يشعر بتهميش الكرد وتصاعد النزعة القومية العربية الفاشية داخل الحكومة. نتيجة لذلك، نشر زكي بك عام 1931 عمله الكبير خلاصة تاريخ الكرد وكردستان، ليصبح الكتاب بمثابة ردٍّ فكري وثقافي على التهميش التركي والعربي، وعودةً واعية إلى الهوية الكردية. ومن هذا المنظور، يمكن قراءة مشروعه التاريخي لا كمجرد تدوينٍ للأحداث، بل كـ فعل مقاومة ثقافية في وجه الإقصاء السياسي ومحاولة لإحياء سرديةٍ كرديةٍ مستقلةٍ تحفظ للأمة تاريخها وكرامتها. بوجهٍ عام، يمكن النظر إلى عمل محمد أمين زكي بك هذا على أنه كتاب ذو توجه كردستاني خالص في كتابة التاريخ، وهو الامتداد لما بدأه حزني الموكرياني عام 1925 في مدينة حلب بكتابه زهرة الربيع. ومع أن الموكرياني واصل هذا المشروع بدرجة ما، فإن محمد أمين زكي بك كان أول من ألّف كتابًا تاريخيًا متمحورًا بالكامل حول كردستان عام 1931، من خلال مؤلفه خلاصة تاريخ الكرد وكردستان.
اعتمد ذكي في تأليفه على منهجية علمية جادة تضمنت التنقيب والبحث في دور الكتب العامة في الشرق والغرب. وقد حرص على مراجعة النصوص والتأكد من الأعلام التاريخية والجغرافية، واستعان بالمصادر الإسلامية القديمة، ذاكراً تحديداً قراءته لكتب مثل تاريخ ابن الأثير وتاريخ السيوطي. وكانت من أهم مساهماته نقل هذه السردية التاريخية إلى اللغة العربية، مشيراً إلى أن عمله (على حد علمه) كان أول كتاب ينقل الهوية التاريخية من اللغة الكردية الحديثة إلى اللسان العربي المبين. كان الهدف من هذه الترجمة هو إجلاء غموض بعض الأمور المتعلقة بأصول الكرد وتاريخهم، وتقديم عمل مرجعي يمكن أن يستفيد منه الباحثون القوميون لتقدير ودراسة هذا التاريخ. كما حرص على التوفيق في ضبط الأعلام الجغرافية والتاريخية بين طريقة المؤلفين المحدثين وطريقة المدوّنين القدماء، خاصةً في تعريب الأعلام الأعجمية.
قام محمد أمين ذكي ببناء سردية متينة تؤكد على الوجود العريق والمستمر للكرد، حيث أكد على العلاقات الوثيقة بين الأمة الكردية والسلالات البشرية الأولى، وتحديداً شعوب زاغروس مثل اللولويين والكوتيين الذين يُذكر أنهم حكموا بلاد أكاد وسومر. كما تناول الجغرافية الواسعة لوطن الكرد، موثقاً وجودهم في تقسيمات تاريخية وجغرافية متعددة مثل كردستان في بلاد الروم، وأذربيجان، والجبال، والجزيرة، وأرمينيا. بالإضافة إلى ذلك، قدم تفصيلات غنية ومفصلة عن التركيبة الاجتماعية والقبلية، مشتملاً جداول وإحصاءات تقديرية دقيقة لأعداد الأسر والمقاتلين للعديد من العشائر الكردية في مناطق مثل العراق وإيران وتركيا وروسيا وسوريا، بما في ذلك عشائر الداودي، والبرزاني، والهورامان، والبابان، والمكري. كما ناقش بعمق الجانب اللغوي، مشيراً إلى أن اللغة الكردية القديمة (لغة الأفيستا) هي الأصل الذي تفرعت منه الفارسية الحديثة والكردية الحالية.
لم يكن هدف ذكي عرض الماضي فحسب، بل استخدام التاريخ أداة لتعليم الحاضر وتوجيه المستقبل القومي، حيث رأى أن التاريخ هو مرآة العبر والعظات: فقد أشار صراحة إلى أن عوامل الشقاق والتفرقة والتهاون بين أبناء الشعب الكردي هي التي حالت دون توحيد الكلمة والوقوف بصف واحد. وبذلك، يصبح التاريخ أداة لمقاومة النسيان السياسي، وتذكير الأجيال الجديدة بالعوامل التي أدت إلى ضعفهم وتشرذمهم.كما أنه عمل على تعزيز السردية من خلال إبراز بطولات الكرد ومقاومتهم الطويلة للقوى الكبرى (مثل الروم والآشوريين)، مؤكداً أنهم كانوا الشعب الوحيد الذي استطاع أن يقف أمام جيوش المغيرة، وحافظ على كيانه القوي والنزيه الذي لم تبغه وتطغه قوميات أخرى، مما يعطي للأمة نموذجاً تاريخياً للصلابة والتمسك بالهوية. وختم ذكي عمله بدعوة واضحة للباحثين والمثقفين الكرد لاستكمال هذا العمل ودراسته، مؤكداً أن هدفه هو أن يكون الكتاب نواة للباحثين لتصحيح النقص وإزالة جوانب القصور. وهذا بدوره يضمن استمرار المشروع القومي للذاكرة، ويحول التاريخ من ماضٍ إلى جسر للعمل المستقبلي الموحد. باختصار، عمل محمد أمين ذكي على توفير إطار مرجعي شامل وموثق للهوية الكردية، مما أرسى الأسس اللازمة لـبناء ذاكرة جمعية متينة ومقاومة للمحو والإنكار، تؤكد على الأصالة التاريخية والوحدة الجمعية.
إن كتابة التاريخ من منظور كردي بدأت مع شرف خان البدليسي الذي ركّز على الجوانب الاجتماعية والنفسية والتاريخية للشعب الكردي. ثم جاء حزني الموكرياني عام 1925 ليخطو الخطوة الأولى عبر زهرة الربيع، لكنه لم يُكمل مشروعه. بعد ذلك، أصدر محمد أمين زكي بك كتابه خلاصة تاريخ الكرد وكردستان في مجلدين سنة 1931، ليكون أول عمل متكامل يندرج ضمن ما يمكن تسميته التاريخ الكردستاني المنهجي. ومن ثم، يمثل زكي نقلة نوعية من رواية الأحداث إلى تحليلها وتفسيرها. فهو لم يكتفِ بسرد الوقائع كما فعل المؤرخون السابقون، بل حاول أن يفسّر الأسباب والنتائج. فعلى سبيل المثال، عند حديثه عن الصفويين كتب: “كانت سياسة الشاه عباس تجاه الكرد – كسياسة أسلافه – تهدف إلى إسقاط الإمارات الكردية واستبدال حكامها بأمراء قزلباش، وهو ما يتناقض تمامًا مع سياسة العثمانيين الذين حكموا الكرد عبر العالم الفقيه إدريس البدليسي، فأسسوا مبادئ للتعايش وكسبوا صداقتهم عبر إقامة حكومات محلية لهم.” كما فسّر فشل الثورات الكردية مثل ثورتي جان بولاد وأمير خان برادوستي بقوله: “إذا تأملنا هذه الثورات في سياقها وزمنها، سنجد أن أسباب فشلها كانت تعود بالأساس إلى التدخلات الخارجية أكثر منها إلى الضعف الداخلي، بسبب جهلنا بالظروف السياسية المحيطة بنا.” وفي حديثه عن العلاقات الكردية الأرمنية، كتب: “لم تكن بين الكرد والأرمن أية مشكلات خاصة؛ فقد عاش المواطنون منهم في سلام، ولولا تدخل السلطة الحاكمة لبقوا في وئام أطول. لكن الدولة، إذ رأت فيهما خصمين محتملين، عملت على زرع العداء بينهما كي تخلق فوضى وخوفًا متبادلاً، مما يسهّل عليها حكم الطرفين.” يمكن القول إن كتاب خلاصة تاريخ الكرد وكردستان يمثل بداية الاهتمام بتاريخ الفكر في الكتابة الكردية. فقد أشار زكي بك إلى تأسيس أول مجلس كردي في إسطنبول واعتبره جزءًا من التاريخ السياسي والفكري للكرد. كما أنه أول من أبرز مشاركة الكرد في الحركة الفكرية والسياسية ضمن تاريخهم العام، وهو جانب لم يكن مطروحًا من قبل.
وختاماً، لابد من الإشارة إلى أن هذا الكتاب، كغيره من الأعمال التاريخية، يحوي بعض الثغرات والأخطاء، إلا أن خلاصة تاريخ الكرد وكردستان يبقى عملًا فريدًا ومختلفًا في تقاليد الكتابة التاريخية الكردية، يستحق الاحترام والمناقشة والتحليل والتأويل، بدلًا من تهميشه كما حدث في العقود اللاحقة. وهكذا، يمكن القول إن محمد أمين زكي لم يؤرّخ للكرد فقط، بل صنع لهم مرايا يرون فيها أنفسهم لأول مرة خارج أنساق الآخرين. فقد حوّل التاريخ إلى مشروع للهوية، والكتابة إلى فعل مقاومة، وربط الماضي بمطلب سياسي حاضر. ولا يزال تأثيره ممتداً حتى اليوم، إذ تعتمد عليه الدراسات الكردية الحديثة كنقطة انطلاق، ويُستعاد اسمه كلما طرح سؤال: من نحن؟ ومن أين جئنا؟ وما معنى أن يكون للكرد تاريخ؟ وبعيداً عن الأكاديميا، بقي زكي في ذاكرة الناس صورةً للرجل الذي حوّل الحكايات المتناثرة إلى تاريخ، وسمح للكرد ألا يكونوا شعباً .”بلا رواية”.
محمد أمين ذكي: خلاصة تاريخ الكرد وكردستان من أقدم العصور التاريخية حتى الآن، نقله إلى العربية وعلق عليه محمد علي عوني، مطبعة السعادة، القاهرة، ١٩٣٩
المؤرخ الكوردي محمد أمين زكي (1880 – 1948)
حسن كريم الجاف: المؤرخ العلامة محمد امين زكي (1880-1948)، مجلة المؤرخ العربي ، العدد 56 (1998)، ص ٤٥ – ٤٨
Rafiq salih: Pioneers of Kurdish Legacy: Muhammad Amin Zaki
Aran Hawraman: the beginning of recording Kurdistan oriented history,
