أمسية ثقافية جديدة بمناسبة اليوم العالمي لمناهضة العنف ضد المرأة

بمناسبة اليوم العالمي لمناهضة العنف ضد المرأة الموافق 25 نوفمبر من كل عام، نظم مركز آتون للدراسات أمسية ثقافية متميزة تحت عنوان “من العنف إلى العدالة: تمكين المرأة بين الخطاب والإعلام والفكر الفلسفي”.
جاءت الأمسية لتشكل منصة فكرية تجمع تخصصات متعددة، من الإعلام إلى الفلسفة والجنولوجيا، بهدف إلقاء الضوء على جذور العنف ضد المرأة وآليات تفكيكه، سواء في الواقع أو في الخطاب العام، وذلك بمشاركة ثلاث شخصيات نسائية هم: الدكتورة سوزان القليني، رئيسة لجنة الإعلام بالمجلس القومي للمرأة في مصر، والدكتورة إكرام البدوي الكاتبة والباحثة في الفلسفة، ونوجين يوسف عضو “جنولوجيا الشرق الأوسط”.
وقد أدارت الأمسية الإعلامية جاكلين جرجس، التي استهلتها بالترحيب بالحضور، واستعرضت المحاور الرئيسية التي سيدور الحديث حولها، فضلاً عن الإشارة إلى أهمية هذا اليوم، اليوم العالمي لمناهضة العنف ضد المرأة، كفرصة للتأكيد على دعم حقوق المرأة في كافة المجالات، وتقديم المقترحات التي تساعد النساء على التخلص من كافة أشكال العنف.

اليوم العالمي لمناهضة العنف ضد المرأة
الكلمة الأولى كانت للأستاذة الدكتورة سوزان القليني التي استهلت حديثها بتقديم تعريف حول اليوم العالمي لمناهضة العنف ضد المرأة، موضحة أن جذور اختيار هذا التاريخ تعود إلى تكريم ذكرى الأخوات “ميرابال” في جمهورية الدومينيكان، اللواتي جرى اغتيالهن عام 1960 بسبب نشاطهن السياسي ورفضهن للاستبداد.
ولفتت إلى أنه في عام 1999، اعتمدت الأمم المتحدة هذا اليوم رسمياً ليكون مناسبة دولية لتوحيد الجهود من أجل القضاء على العنف ضد النساء والفتيات، باعتباره انتهاكاً خطيراً لحقوق الإنسان وأحد أهم العوائق أمام تحقيق المساواة والتنمية والسلام. وأشارت إلى أن هذا اليوم يعقبه إطلاق حملة مدتها 13 يوماً تمتد حتى 10 ديسمبر، اليوم العالمي لحقوق الإنسان، بهدف الربط بين مناهضة العنف ضد المرأة والحقوق الإنسانية الأساسية، منوهة إلى أن اللون البرتقالي اعتمد رمزاً للحملة الدولية لأنه لون الشمس والضوء، في إشارة إلى الأمل وكسر الظلام.
العنف المظلم
ثم تناولت الدكتورة سوزان القليني أشكال العنف المتعددة ضد المرأة، مؤكدة أن العنف الجسدي، رغم بشاعته، هو الأبسط بين نحو سبعة أنماط أكثر تعقيداً، تشمل العنف الاقتصادي والاجتماعي والمعنوي. وركزت على ما وصفته بـ”العنف المظلم”، وهو ذلك الشكل غير المرصود وغير المعاقب عليه قانونياً، مثل بعض أنواع الصمت لدى الرجل داخل الأسرة، وهو عنف لا تملك المرأة آلية واضحة للإبلاغ عنه.
واعتبرت عضو المجلس القومي للمرأة بمصر أن التمييز القائم على النوع الاجتماعي يمثل أحد أخطر أشكال العنف، مقدمة مثالاً بما تعرضت له المذيعة آية عبدالرحمن مقدمة برنامج دولة التلاوة من انتقادات فقط لأنها امرأة تقدم برنامجاً دينياً. وأكدت أن المنافسة المهنية بين الرجال والنساء في مصر لا تزال مثقلة بإرث ثقافي يعتبر الرجل هو الأولوية في التعيين، حتى في مؤسسات تدعمها القيادة السياسية بسياسات واضحة لتمكين المرأة.
كما انتقدت سوزان القليني الدور السلبي للإعلام والسوشيال ميديا في إعادة إنتاج العنف ضد المرأة، موضحة أن العنف السيبراني والابتزاز الإلكتروني يشكلان تهديداً متصاعداً في ظل التطور السريع للتقنيات الرقمية وصعوبة تحديث القوانين بشكل يومي لملاحقة الجرائم الجديدة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
وشددت عضو المجلس القومي للمرأة في مصر على دور الأسرة والمدرسة والجامعة ودور العبادة في نشر الوعي بقيمة المرأة ومناهضة العنف ضدها، مؤكدة أن التمكين لا يعني سيادتها على الرجل، بل ضمان حقوقها كمواطنة كاملة، وأن دعم الرجل للمرأة عنصر أساسي في نجاح تمكينها.
الفكر الفلسفي وإعادة بناء مفهوم العدالة
وفي كلمتها، تناولت الدكتورة إكرام البدوي الكاتبة والباحثة في الفلسفة أثر الفكر الفلسفي في تحسين صورة المرأة داخل المجتمع. وأشارت إلى الرمز الشائع للعدالة باعتبارها امرأة معصوبة العينين، مؤكدة أن المرأة في الواقع تقف على “قدم واحدة” بينما تظل الأخرى مكبلة بقيود اجتماعية وثقافية. واعتبرت أن مفاهيم أساسية مثل الحرية والمساواة صيغت تاريخياً وفق منظور ذكوري، ثم عُمّمت باعتبارها صالحة للجميع دون مراعاة خصوصية أو واقع المرأة.
وأوضحت إكرام البدوي أن القول بأن المرأة حصلت على حقوقها هو نصف الحقيقة فقط، فالنصف الآخر يكمن في الممارسات اليومية التي تقوّض تلك الحقوق، من النظرات المتعالية إلى تحميلها أعباء أسرية إضافية. وركزت على أن الفلسفة السياسية النسوية تسعى إلى إعادة بناء مفهوم العدالة انطلاقاً من الواقع المعاش، وليس من الفرضيات النظرية. وهذا يتطلب إعادة توزيع الوقت والفرص وتعديل القوانين ذات الصلة، مع ضرورة تزامن التغيير التشريعي مع تغيير ثقافي في المجتمع.
وأشارت إلى انتشار “العنف الرمزي” ضد المرأة عبر اللغة والمناهج الدراسية والثقافة العامة، مثل استخدام تعبيرات من قبيل “ست بمئة راجل”، التي تجعل الرجل معياراً للقيمة، إضافة إلى تغييب حضور المرأة في الكتب المدرسية أو تقديمها بشكل هامشي. ودعت إلى تحويل الأفكار الفلسفية إلى آليات تطبيقية تلامس الواقع الاجتماعي وتعيد للمرأة موقعها كفاعل أساسي في تكوين المجتمع.
الجنولوجيا وبناء وعي تحرري بديل
أما نوجين يوسف، عضو “جنولوجيا الشرق الأوسط” فقد ركزت في حديثها على تجربة “الجنولوجيا” الذي يعود إلى فلسفة المفكر عبدالله أوجلان، أي علم المرأة من منظور تحرري، لتفسير جذور العنف ضد المرأة وإبراز سبل مواجهته. وأكدت أن المرأة في مجتمعات الشرق الأوسط هي الأكثر تعرضاً لتأثيرات الأزمات السياسية والاجتماعية، في ظل تاريخ طويل من الذكورية الدينية والثقافية والمجتمعية. وشددت على أن نقطة البداية في أي عملية تحرر هي أن تتعرف المرأة على ذاتها وقدراتها ودورها السياسي والاجتماعي.
وتطرقت نوجين يوسف إلى تجربة الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا، مشيرة إلى أن النساء هناك واجهن منظومة ذكورية كاملة حتى تمكنّ من بناء نموذج الإدارة الذاتية الديمقراطية، القائم على المساواة والتشاركية والرئاسة المشتركة بين الرجل والمرأة، إلى جانب إنشاء تنظيمات خاصة بالنساء، بما فيها وحدات حماية المرأة وبيوت حل النزاعات الأسرية.
وأوضحت أن هذه التجربة واجهت مقاومة كبيرة في البداية، إلا أن الظروف الأمنية مثل محاربة داعش دفعت النساء إلى الاعتماد على الحماية الذاتية المبنية على الوعي واللغة والثقافة. وأشارت إلى أن المرأة الكردية تتعرض للعنف من جميع الاتجاهات، ما يجعل الجنولوجيا مشروعاً لبناء مجتمع أخلاقي ديمقراطي يعتمد على الثقة المتبادلة بين النساء والتغيير الثقافي الشامل.




