مقالات

إعلان حرق السلاح في حضرة الحوار

تحليل: د. ياسمين السبع … في ظل التطورات الأخيرة في القضية الكردية، وعقب نداء السلام والمجتمع الديمقراطي للزعيم عبدالله أوجلان وإعلان حزب العمال الكردستاني حل نفسه،  وإحراق أسلحة مقاتليه، والانسحاب من المناطق التي يتوقع أن تشهد استفزازات محتملة ربما تؤثر سلبا على عملية السلام ، تاركا بذلك ساحة الكفاح المسلح برمتها على مرأى ومسمع من العالم أجمع، باسطا يديه بالسلام ومنتقلا لاستراتيجية السياسة الديمقراطية بدلا عن الكفاح المسلح، مقدما كل الخطوات الممكنة نحوه، واستجابة لهذه التحولات التاريخية بالحزب، تم تشكيل لجنة في البرلمان التركي للنظر في الشأن الكردي، في محاولة لإنهاء ما يقرب من أربعة عقود من الكفاح والصراع، واتباع مسار نحو العدالة والمساواة بين قضبي تركيا من الكرد والترك على حد سواء، ومن أهم ما أسند إلى الجنة من مهام، إعداد مقترحات وتوصيات لتعديلات دستورية ربما يشمل حقوق الكرد كاملة بالمساوة مع الترك دون اجتزاء، و تغير طرح الملف الكردي من الحلول العسكرية إلى الحلول السياسية ، وبناء خطاب بديل عن القومية المتطرفة ، وتمهيد الرأي العام لاتفاق سلام كردي تركي، وتمهيد قناة للحوار مع زعيم ومؤسس حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان .

      تم تسمية اللجنة رسميا (التضامن الوطني والأخوة والديمقراطية) وهو الاسم  الذي تم الاتفاق عليه بعد نقاشات ومقترحات مختلفة، وذلك بدلا عن اسم (السلام والمجتمع الديمقراطي) الذي طرحه الجانب الكردي وكذلك  بدل عن الاسم السابق الذي أطلقه الجانب التركي (تركيا بلا إرهاب) والذي من شأنه إثارة الجدل بين الطرفين، والاختلاف حول تصنيف كفاح الكرد المسلح ووصمه بالإرهاب، وأيضا لتجاوز مصطلحات كهذه تم استخدامها لسنوات في المجالس السياسية التركية ولم تخلف سوى المزيد من الكراهية و التباعد الاجتماعي والفوقية العر قية، ورغم استجابة اللجنة وتغيير الاسم، إلا أن الرئيس التركي رجب أردوغان لا زال يردد مصطلح ( تركيا بلا إرهاب) بشكل إعلامي صريح، وهو ما كشف عن نواياه تجاه مسار السلام برغم من تأييده له الظاهري، وربما ينذر ذلك بتحقيق مساواة منقوصة ، في حال نجاح اللجنة في مهمتها، أو مواطنة مجتزأة، خاصة في ظل الثقة الهشة من جانب الكرد في جل أذرع الحكم التركية ، إذ دائما ما كان يقدم الكرد خطوات نحو الاعتراف بحقوقهم ولكن تراوغ تركيا تارة بصورة علنية حين جرمت اللغة الكردية عام 1938، وأخرى من خلال سلسة من الاعتقالات والمحاكمات ، فجدير بالذكر أن هذه المحاولة لبناء جسر من الحوار السلمي هي العاشرة من نوعها، بعد فشل التسعة السابقات، والتي بدأت عام 1993 وحتى الوقت الحالي، أي قرابة 32 عاما من فشل المفاوضات    .   

    تتكون اللجنة من 51 مقعد لأعضاء ممثلين عن جميع الأحزاب التركية، باستثناء ثلاثة أحزاب قاموا بمقاطعة اللجنة والاعتراض عليها، منهم حزب (الجيد)، الذي تم توزيع مقاعدهم لصالح حزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية وحزب المساواة وديمقراطية الشعوب.

 يترأس هذه اللجنة رئيس البرلمان التركي (نعمان كورتولموش) والذي يتطلب إليه صنع القرار بأغلبية مطلقة من الأعضاء والتي تقدر بنحو ثلاثة أخماس الأعضاء .

    تم عقد أولى جلسات اللجنة فور تشكيلها وذلك يوم 5 أغسطس 2025 ، وفي هذه الجلسة استمعت اللجنة إلى خمسة من رؤساء البرلمان السابقين وفقا لخبراتهم السياسية والدستورية، ومن خلال الجلسات التالية استمعت اللجنة إلى ممثلين من مؤسسات الدولة مثل وزير الداخلية، وزير الدفاع، رئيس جهاز الاستخبارات، وذلك للوقوف على الأوضاع الأمنية والتطورات بعد إعلان إلقاء السلاح، وقد أتاحت اللجنة فرصة جيدة للاستماع إلى شهادات من (أمهات السلام)، من متضررات الحرب، وأسر الضحايا، وحقوقيين، ومنظمات المجتمع المدني، وأيضا أكاديميين، وممثلي أقليات _مع التحفظ على المصطلح_ وممثلين عن كل فئات المجتمع المتأثرة بالصراع .

    ومن اللافت في هذه الجلسات هو حديث أمهات الضحايا من الكرد، واللائي حين تحدثن بلغتهن الكردية رفض عدد لا بأس به من أعضاء الجلسة، وطلبوا إليهن الحديث بالتركية بدلا عنها، غير أن الأمهات الباسلات رفضت البوح عن معاناتهن والإدلاء بشهادتهن إلا من خلال لغتهن وهويتهن  التي قتل أبنائهم على إثرهها، وأمسين ثكالى في سبيلها، وربما يأتي هذا الفعل غير منطقي قليلا بما لا يتناسب مع الأغراض المنعقدة الجلسة بشأنها، إذ كيف يتم الاعتراض على الحديث بالكردية التي هي أساس الهوية المجتمعين بشأنها ؟ وتمت إدانة هذا الفعل العنصري من قبل أوجلان، وقد وصف بعض أعضاء الأحزاب الكردية أن الجلسات تخللتها لغة مسمومة وعرقيه، مما يعني أنه لازالت هناك تحديات أمام تنحية العنصرية جانبا من قبل الجانب التركي .  

     وكان هذا ما عرف بمسار الاستماع، والذي انتهى رسميا في نوفمبر الجاري بعد نحو 18 جلسة موزعة على عدة أشهر من أغسطس وحتى نوفمبر، ومنذ أيام قلائل وتحديدا في 21 من نوفمبر الجاري، أعلنت اللجنة  على إرسال وفدا لزيارة زعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان في سجنه بإمرالي، و رغم اعتراض البعض مثل حزب الشعب الجمهوري وغيره من الأحزاب، إلا انه تمت الزيارة من خلال مروحية خاصة، وتضمن اللقاء حديثا مع أوجلان ونقاشات حول أسباب تأسيس (PKK) وماضي الكفاح المسلح، وشروط الحل، ومناقشة خطوات الديمقراطية وتبادل وجهات النظر، وأيضا حول دور الكرد في تركيا، والتوافق على مستقبل الكرد ضمن المسار السياسي، واللافت أيضا أنه جرت المناقشات حول بعض الأزمات السياسية التي تمر بها سوريا.

    وربما يكون كل ما سبق أمر إيجابي حتى هذه اللحظة وقد ينذر بإعلان عهد جديد من المرونه التركية الذي ربما لم نشهده من قبل، ولكن أعلنت اللجنة أن لقائها مع عبد الله أوجلان سيظل سريا مدة عشرة أعوام على الأقل، وهو ما يثير الشكوك قليلا حول ما تم طرحه على طاولة النقاش، وما إن كانت هناك مساومات وتنازلات من أجل إتمام عملية السلام، وهو الأرجح إذ ماكان تركيا تريد تجاوز التحديات وحل القضية الرئيسية فيها وبالمقابل ما يشغل أوجلان الآن العبور بشعبه وبالشعب التركي من عنق الزجاجة، وتجنيبهم المزيد من الزعر وفقد الأرواح، والذهاب نحو جمهورية ديمقراطية، لاسيما وأن اكتمال عملية السلام بدون الإفراج عنه يعد مستحيلا، إذ لا خيار لفك أسر رجل قد بلغ من الكبر عتيا، و رغم هذا فتي العقل والروح ألهم السلام للغضب الكردي المقموع لعقود، وأورثهم ضبط النفس بعدما اجتاز مرحلة مقاومة الإبادة و الكفاح المسلح متخطيها مع أعضاء حزبه وشعبه نحو السلم المصحوب بالتأني لمصلحة الكرد والترك معا، ولما تعلم تركيا من مكانة عبد الله أوجلان لدى الكثير من الكرد ، ولما تعلم أيضا عن بعض الترك من الرافضين لإتمام عملية السلام ، فربما آثرت التكتم على اللقاء حفظا لضبط النفس لدى المعرقلين لعملية السلام من الأتراك حفاظا على عملية السلام، ربما تتضح الرؤية أكثر فور الإعلان عن التقارير النهائية للجنة، رغم أن الجانب الكردي طالب بأن يعلن للرآي العام النقاش الذي تم.

    إن خطوة الزيارة لأوجلان تعد خطوة جدية وملموسة على أرض الواقع من قبل الدولة التركية في مسار السلام، لأنها تعكس تحولاً مهماً لتركيا اليوم في الاستجابة لتسوية القضية الكردية إن تكللت بالنجاح وتم الاتفاق، ربما يكون خطوة تاريخية لتمكن تركيا من غسل أيديها من دماء الكرد لعقود، وتعد فرصة سانحة لرفع راية المساواة والعدول عن العدوان والمواطنة المنقوصة والتفرقة بين أبناء شعبها، بل وربما إذا ما تحقق مسار السلام كاملا من خلال تلك اللجنة أن يصبح لتركيا دور ريادي يحتذى به فيما بعد من قبل دول المنطقة خصوصا و دول العالم عموما لحل أزماتها الداخلية المماثلة، وقد تتحول تركيا من دولة قومية منغلقة إلى دولة أكثر انفتاحا وقبولا للتعددية، وأيضا انعكاسات إقليمية بالإيجاب على علاقتها بالعراق وسوريا، وقد يسهم حل القضية الكردية بشكل سياسي في حلول سلمية مع الحركات المسلحة التي لم تأمل يوما في حلول تفاوضية ولا تجد لمطالبها سبيلا سوى الصراع ، فبحسب تصريحات منظمة حقوق الإنسان فربما أن تكون هذه اللجنة هي فرصة تركيا لإصلاح قوانين لطالما استخدمت لقمع الناشطين الكرد والمعارضين، ما يجعل هذه المبادرة فرصة فريدة لبناء السلام .

    لعل ما يميز هذه اللجنة عن غيرها أنها ليست لجنة أمنية فقط، بل تضم فئات متعددة كالأكاديميين وغيرهم ، وهو ما يؤكد أن المصالحة لا تقوم على نزع السلاح وضمان وقف الصراع وحسب، بل بتتبع عوار سياسة الدولة قديما الذي نتج عنه هذا الصراع، وأيضا بضمان الحقوق لكلا الطرفين من خلال المشاركة المجتمعية، بإشراك أحزاب حكومية، وقومية، ومعارضة، وكردية، وهذا التنوع ينمح اللجنة مصداقية و شرعية أكبر، وتسير بذلك اللجنة في الاتجاه الصحيح مع رغبات الكرد وقادتهم في السلام مع المجتمع أجمع وليس فقط السلطات.

       جدير بالذكر أن القيادي التركي دولت بهجلي زعيم حزب الحركة القومية، قد أعلن سابقا أنه في حال حل الحزب نفسه وتخلى عن الكفاح المسلح سيناقش حق الأمل لأوجلان ، غير أنه توقف عند كونه مجرد كلمات لذلك، يعد نجاح المسار السياسي مرهونا بعدة عناصر، أهمها تنفيذ حق الأمل وصدور تشريعات واضحة تضمن حقوق غير الترك، وحرية التعبير، والاعتراف بالهوية الكردية في إطار الدولة، مع ضمان تطبيق حقيقي لتلك التشريعات، من خلال رفع الملاحقات السياسية، وحماية حقوق المدنيين، وبناء جسر من الثقة المتبادلة بين الطرفين _و ربما هو الأمر الأصعب_  وإطلاق سراح عبد الله أوجلان أيضا من ضمن أهم عوامل نجاح عملية السلام غير القابلة للنقاش من قبل الكرد، حيث من غير المقبول إكمال المفاوضات في ظل غياب المفاوض الرئيسي في السجون التركية .

      والآن اللجنة بصدد إعلان التقرير النهائي وعرضه على البرلمان، والذي من المفترض أن يتضمن توصيات قانونية وتشريعية والتي من شأنها تشكيل الإطار القانوني الجديد للمصالحة والمواطنة والحقوق الديمقراطية والحريات وإعادة تأهيل المجتمع عقب سنوات الصراع، ولعل الدور الأبرز للجنة  هو تمهيد الطريق للدولة التي ترى عزتها في أحاديتها لقرون ، ولإتاحة الفرصة أمامها كي لا تبدو متنازلة عن هيبتها وهي صاغرة، فليس من السهل التخلي عن الأمجاد السابقة في السيطرة وجمود الفكر، وما سينتج عن كل مساعي لجنة التضامن الوطني والأخوة والسلام إما أن يرفع علم (تركيا للجميع) كفرصة أخيرة للسلام، أو أن ينكس من جديد لصالح الأنا العثمانلية، ويبقى الخيار بين يدي ساسة لا تنقصهم الخبرة والحنكة، ونأمل أن لا ينقصهم الإنسانية والإنصاف كذلك .

    وأخيرا يجب الإشادة بكل من ينتصر للإنسانية ويحقن الدماء ، ويقدم لغة الحوار والمفاوضات _على مشقتها وعدم ضمانتها الكاملة_ على رصاصات البندقية، ولأن الجميع يستحق أن ينعم بالسلام، لذا من اللافت تحول الفكر من الصراع  إلى السلام لدى حزب العمال الكردستاني، إذ ليس من السهل على من اعتاد حمل السلاح للدفاع عن قضيته أن يستبدله بالحوار السياسي والدبلوماسية، بل إن الأمر يحتاج قدرا من المرونة والمعرفة أثبتهما حزب العمال الكردستاني بجدارة، متغلبا على مخاوفه وعدم ثقته في الطرف التركي .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى