ثقافة

زرياب … أيقونــة تلاقــي الثقافـات والحضـارات

تحليل: د. محمد رفعت الإمام
أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر
.. آداب دمنهـــور

منذ 12 قرنًا من الزمان ونيف، امتطى زرياب في ديسمبر – كانون الأول 822 م السفينة من سبتة إلى قرطبة ليغدو موسيقار الأندلس بعد أن أصابه الحسد والحقد في بغداد والقيروان. ومنذ سبعين عامًا، وتحديدًا في عام 1956م، أنشدت قيثارة السماء الصوت الملائكي فيروز صوت الجبل أوبريتًا عن زرياب بمشاركة الكروان الشجي كارم محمود في أول زيارة لها بمصر؛ وأذاعته الإذاعة المصرية، ومما ورد في هذا الأوبريت تأليف ولحن الأخوين الرحباني:

لمياء (فيروز): زرياب ما أجمل مغناه، عرائس الأسحار تهواه، وبلبل الدوح تمناه

حبيبة: ياليتنا نسمع نجواه

: زرياب في القصر الكبير بين الأماني والعطور يشدو على همس العبير بصوته العذب المثير.

       يا ليت زرياب نلقاه ويلقانا يومًا، ويشدو لنا في الحب ألحانًا.

لمياء: يظل زرياب حلمًا في جوارحنا، وصوت زرياب شوقًا في حنايانا.

       ………

زرياب(كارم محمود): جئنا نُريد الصيد فأين درب الوادي؟… صوتك عذب       يا فتاة، ما ضر لو جئت معي إلى القصور النائيات؟

زرياب: صوتكِ حلو رائع الصفاء. بالله من علمكِ الغناء؟

لمياء: نحن غنانا ساحر النداء، نأخذه من موطن الصفاء، من نغمة الغدير                        في الضياء، من رقصة الطيور في الفضاء.

          إني هنا أحيا مع الأطيار ، هانئة بالورد والأطياب، والله لن أترك                              هذي الدار ولو أتى  يأخذني زرياب

زرياب: أنا زرياب

لمياء: زرياب؟!

       زرياب لحن الشاعرين!

صبية : زرياب أحلى المنشدين!

لمياء: زرياب في أرضنا

       موشح بالمنى

       آه يا زرياب كم أطربتنا. آه لو تبقى طويلاً عندنا.

زرياب: أنا لا أبقى طويلاً في مكان.

        كل يوم لي في أرض أغاني. أنا كالطائر يشدو ثم يمضي ليُغني من              جنان لجنان.

لمياء: ولمن تشدو وتروي وتُغني؟

زرياب: للندامى، للحيارى، للحسان، لقلوب تعرف الحب وتصغيه، والأجيال       بأبعاد الزمان.

المجموعة: زرياب، زرياب. للأيام ذكراكَ، سحرية الأحلام. زرياب والغيد                  والأنسام تهواكَ. يا رائع الأنغام، والفجر مرماكَ والليل ملهاك.                        زرياب للدهر ذكراكَ.

وبعد سبعة عقود على هذا الأوبريت الذي بلور حياة زرياب الصاخبة وبعد مرور اثنتى عشرة قرنًا على رحيله من بغداد إلى قرطبة، نسعى إلى إبراز المحطات المحورية في حياة زرياب ودوره الرائد في عالم الموسيقى والألحان والغناء.

في تحفتها الرائعة “شمس العرب تسطع على الغرب”، بلورت المستشرقة الألمانية سيجريد هونكه سيرة ومسيرة زريات في  عبارات جد مُعَبِرة: “… لم يكن ذلك المسافر بحاجة إلى أن يترك بغداد عاصمة الشرق بنسائه وعياله، فإن كرم الرشيد وتكريمه للعلماء والفنانين كان قد بلغ حينذاك ذروته. ولكن الحقد والحسد أفسدا على زرياب فرصته هناك. لقد أراد إسحق بن إبراهيم الموصلي أن ينال حظوته عند الرشيد بتقديمه لتلميذه زرياب… وكان الفتى الكردي زرياب ألمع تلاميذ مدرسته. فقد امتاز بقدرته الفائقة في الموسيقى والجدل والفكاهة فضلاً عن لسان سليط ورأس مفكر”.

البلبل الصداح

       إنه أبو الحسن على بن نافع الملقب بزرياب موسيقار الأندلس. وبشأن توصيفه بلقب زرياب، ثمة روايتان. أولاهما: تشبيهًا بطائر يُسمى زرياب (الشُّحرور)، وهو طائر غرد أسود اللون نفس لون بشرة أبو الحسن على أو تكاد، وثانيهما: كلمة كردية تعني ماء الذهب. وفي الفارسية أيضًا. وفي تقديري، جمع زرياب بين سمات الطائر المغرد بلونه الأسود ذبيب اللون وصفات الحنجرة الذهبية.

ورغم وجود تضارب حول أصول زرياب العرقية ما بين العربي والزنجي، ففي الأغلب ينتمي إلى الكرد الذين كانوا جزءًا أصيلاً من مكوَّنات الدولة  العباسية (750-1258م). وتُؤكد المصادر الأسبانية (الأندلسية) والغربية الاستشراقية والكردية على كردية زرياب لاسيما وأنه أجاد الكردية مع العربية. وثمة إجماع على ميلاده في شمال الموصل حوالي عام 777م (160ه) زمن الخليفة العباسي المهدي (775-785م)، وعاصر حكم الهادي (785-786م)، وبزغ نبوغه زمن هارون الرشيد (786-809 م).

وفي كلمة، يُعد زرياب نتاجًا بامتياز لعصر ازدهار الحضارة الإسلامية خلال العصر العباسي الأول (750-847 م)، وهو العصر الذهبي الذي شهد ازدهارًا كبيرًا في العلوم والفنون والآداب والعمارة والاقتصاد. وإذا كانت دمشق الأموية (661-750 م) قد اتسمت بالطابع العربي فقط، فقد تميزت بغداد العباسية بالانفتاح على الثقافات والحضارات، وتجلى فيها الأعراق غير العرب  من قبيل الفرس والكرد والترك تحت مظلة الحضارة الإسلامية.

تلك، هي البيئة التي نما فيها زرياب وترعرع صبيًا وشابًا، وهي التي أهلته للنبوغ في ضروب الفنون والآداب بدءًا من الموسيقى والغناء مرورًا بإقراض الشعر والإلمام بصنوف المعارف، وليس انتهاء بالثقافة الموسوعية. ولاغرو؛ إذ صارت بغداد زهرة المشرق وجنة الدنيا، ذات القصور الفخمة والحدائق الغناء والميادين الفسيحة والمساجد الرائعة. واكتظت بغداد وسائر الدولة العباسية بالمدارس ودور العلم حتى أضحت مطلع شمس العلوم والفنون. باختصار، أصبحت دولة العلم والتأليف والابتكار والتدوين والنقل والترجمة.

وبلغت الحياة الاجتماعية أرقى ما يتصوره إنسان، وتقدمت أسباب الحياة ومعيشة الرفاهية، وارتفعت قيمة الاجتماعات، وازدهرت الندوات، وانتشرت مجالس الأدب والثقافة. واشتركت النساء مع الرجال في هذه المناظرات وتلك الاجتماعات. وقد شغف الناس جميعًا بالموسيقى والغناء: في الطرقات والمحال العامة، والندوات الخاصة في قصور الخلفاء والأمراء والوزراء. في كلمة: انتشر الغناء وشغف الموسيقى في قصور الحكام وديار الفقراء. وجدير بالإشارة أن الغناء آنذاك كان جُله بالشعر العربي السهل القريب المعني، السائغ اللفظ والوزن، ومعظمه يدور حول العشق والغرام والهجر والوصال. ولذا، تُعد مجالس الغناء لاسيما زمن هارون الرشيد من عجائب الفن.

وفي خط متواز مع هذه المتغيرات الاجتماعية، شهد هذا العصر ميلاد فنون وآداب “الإتيكيت”، ووضعوا قوانين “الظرف” في الزي، والحلي، والعطور، والشراب والموائد. ليس هذا فحسب، بل صاغوا ما يُناسب الرجال دون النساء، والعكس. ووضعوا الكُتب في عود السواك وتنظيف الأسنان، والمستظرف من الخواتم والفصوص، وما يُكتب عليها من أهل الهوى. وكذا، تفننوا فيما يُكتب على الوسائد والستور والبُسط والمقاعد والأبواب والقباب والأقلام والمقاصير.

مـدارس فنيــة

في هذا السياق، اكتسب الصبي زرياب أسباب الرفاهية والنعمة والتظرُّف، واستساغ ألوان الثقافة، واستجمع أصناف المعارف.

وقد تتلمذ زرياب على أياد الموصلي الأب إبراهيم والابن إسحق في بغداد بشكل مباشر. وكذا، على أياد معاصريه من أعلام الموسيقى والغناء بشكل غير مباشر ناهيك عن مؤثرات بغداد العلمية والاجتماعية. وعبر هذه الينابيع الثلاثة، ارتشف الفتى زرياب العلوم والفنون نظريًا وعمليًا.

يُعد إبراهيم الموصلي الموسيقار الأول في بغداد والفنان المتفرد في زمانه، ولذا، نهل زرياب من أستاذه في هذا المضمار، فأتقن الموسيقى تأليفًا وعزفًا وغناءً. وقد خبر زرياب من آل الموصلي آليات إعداد الجواري وتثقيفهن وترقية ذوقهن العام وتنمية شعورهن القوي بالجمال وتزويدهن بوسائل فنون الغناء والشعر والرقص والطرائف، والتدوين على الآلات الموسيقية ناهيك عن تعليمهن آداب الحياة “الإتيكيت”.

وقد شاهد زرياب بأم عينيه إبان شبيبته وشبابه تأسيس أساتذته آل الموصلي أول مدرسة لتثقيف وتدريب الجواري على الغناء وعزف الموسيقى، وتشرَّب زرياب “سر الصنعة” من إسحق الموصلي الذي كان عالمًا فقهيًا، وشاعرًا مجيدًا، وأديبًا أريبًا، ومغنيًا مرموقًا، وعازفًا ماهرًا، وملحنًا بارعًا. وفي المجال الفني، وضع القواعد والأصول وضبط الأوزان، وأحكم الأجناس والمقامات، ووضع مبادئ التدوين الموسيقي.

ورغم كل هذا، يُعد آل الموصلي من أنصار القديم شعرًا وموسيقى وغناءً. وفي المقابل، بزغ نجم إبراهيم بن المهدي شقيق الرشيد الذي يُعد طليعة المجددَّين في العصر العباسي الذهبي. ولاغرو؛ إذ أجاد العزف بالآلات الوترية والمزامير والدفوف، وتألق في الموسيقى والغناء علمًا وأداءً. وقد ارتأى حتمية مواكبة  الموسيقى والغناء للازدهار الذي شهدته دولة بني العباس في ذروة مجدها، والعزوف عن الوسائل القديمة المتوارثة منذ الجاهلية. ولذا، قام بثورة فنية غير هياب ولا مرتاب. ومن أبرز محطات التجديد هي مزج الألحان العربية بألحان فارسية للخروج بألوان تلحينية جديدة، وهو ما أسس عليه زرياب لاحقًا.

وإذا كان زرياب قد تشرَّب أصول الموسيقى والغناء في مدرسة آل الموصلي التقليدية، فقد واكب التجديد بمثابة النحلة التي ارتشفت من رحيق ابن المهدي. وعطفًا على آل الموصلي والمهدي، تأثر الشاب زرياب بمنصور زلزل، أشهر من ضرب بالعود إبان العصر العباسي الذهبي. وإذا كان منصور معلم آل الموصلي وتلاميذهم وضمنهم زرياب، فقد قام بضبط مواقع النغم على دساتين العود؛ أي موضع عفق الأصبع على الوتر، وسُميت نغماته “وسطى زلزل”، وابتكر مقام “المنصوري” ذائغ الصيت في العراق، وكذا، حَسَّن صناعة العود، وابتكر العيدان “الشبابيط”. ولاشك أن زرياب قد استوعب تقنيات العود من المعلم زلزل، وواصل درب أستاذه في الابتكار.

وقد سطع نجم زرياب في حضرة هارون الرشيد ومجلسه الذي شهد عباقرة الموسيقى وأعلام الغناء ما لم يجتمع لخليفة قبله أو بعده. وعلى الأرجح، ارتاد زرياب مجالس الرشيد قبل أن يُكمل عقده الثالث أو ينيف عندما طلب من إسحق الموصلي مغنيًا جديدًا على سبيل التنويع والتغيير. وهنا، أثنى الأستاذ الموصلي على تلميذه زرياب. ولذا، استدعاه الرشيد إليه، وأخذ يستفسره ويمتحنه.

الـواعــد والحـاقـــد

ويُعد لقاء الرشيد – زرياب – الموصلي علامة جد فارقة على درب سيرة ومسيرة زرياب. وثمة إجماع في المصادر على هذه الوقائع وتلك الحقائق. والخلاصة أن الرشيد سأل زرياب عن مهاراته الموسيقية والغنائية، فأجابه: “إنني أستطيع الغناء تمامًا كما يستطيعه الآخرون، ولكنني استطيع شيئًا لا يقدر عليه غيري. إن فنى الخاص لا يفهمه إلا من تبحر في فن الغناء مثل مولاي الخليفة. فإن أذنتَ لي غنيتُ أمامكم ما لم يُغنه أحد من قبل”. وعندما ناول الأستاذ عوده إلى تلميذه زرياب للعزف عليه، أخذه بلا مبالاة، ثم قال للخليفة: “إن شاء مولاي سماع أغنية من طراز ما يُغنى أستاذي، فسأعزف على عوده. وإن شاء مولاي معرفة نوع الغناء الذي ابتكرته، فيجب أن أعزف على عودي الذي صنعته بيديّ”.

عندئذ، أذن هارون الرشيد لزرياب بالعزف على عوده الخاص، وأنشد قصيدة ألفها هو في مدح الخليفة. انشرح صدر الخليفة وانسر بشدة أثناء عزف زرياب وغنائه بصوت شجي. وفي المقابل، اشتاط الموصلي غضبًا من زرياب؛ إذ شعر بأن تلميذه أهانه وقلل من شأنه في حضرة الرشيد وأمام مجلسه. وآنذاك، أعرب زرياب عن ميلاده الفني بعد أن تشرَّب الصنعة على الأسس والتقاليد ومواكبة التجديد ليخرج بشخصية فنية مميزة ومتفردة؛ لا موصلي ولا مهدي، إنه زرياب.

وقد أجمعت المصادر على رد فعل الأستاذ الحاقد على تلميذه الواعد. وفي مواجهة تراجيدية، صاح الموصلي محتدًا في وجه زرياب:

لقد حاولتَ النيل مني عند الخليفة، كما أن الشركة في الصناعة عداوة، ولا حيلة في حسمها، ولو أنكَ ولدي. وبكل جبروت وطغيان، خيَّر الأستاذ تلميذه بين الرحيل أو الهلاك. وأمام هذه التهديدات المباشرة، آثر زرياب الهجرة بعد أن استوى عوده ونضجت شخصيته؛ إذ ابتكر واخترع في صناعة العود وأوتاره، وبرع في ابتكار الألحان واختار الأشعار المناسبة.

فوجئ الموصلي بزرياب من وراء حجاب، وقد استخدم كل الحيل والأكاذيب لتشويه صورة الشاب الواعد في عيون الخليفة عندما طلب رؤية زرياب، رد الأستاذ: ” إن زرياب مسكين تنتابه حالات جنونية فيدَّعي بأنه لا مثيل له في العالم. لقد رحل، لأن مولاي لم يُعطه ما يُناسب من الأجر. وليحمد مولاي الخليفة ربه أنه تخلص من هذا المخلوق”. فسكن الرشيد إلى قول إسحق الموصلي، ثم قال: ”  على ما كان به، فقد فاتنا منه سرور كبير”. وتمادى الأستاذ في تشويه صورة التلميذ، والطعن على عقليته وفهمه، وإحاطته بكل كلمة نابية وسمعة سيئة. وأمام هذه الحملة  الممنهجة ضد زرياب، آثر الأخير الترحال من أقصى المشرق إلى أقصى المغرب.

وفي كتمان وخفاء، قرَّر زرياب الرحيل إلى القيروان، وكان حلمه الاستقرار في قرطبة. ولما كانت بغداد زهرة المشرق، فقد غدت قرطبة زهرة المغرب. ولا غرو إذ كانت نموذجًا مثاليًا للتعايش المجتمعي، وحسب الأدبيات المتواترة، تُمثل بلاد الأندلس – وحاضرتها قرطبة – خير الأقاليم؛ إذ إنها “شامية في طيبها وهوائها، يمانية في اعتدالها وإستوائها، هندية في عطرها وذكائها، أهوازية في عظم جبايتها، صينية في جواهر معادتها، عدنية في منافع سواحلها، فيها آثار عظيمة لليونانيين أهل الحكمة وحاملي الفلسفة”.

الحــي الزريابـــي

في صيف عام 822 م، ارتحل زرياب سرًا مع أسرته ونسائه الجميلات وأولاده الصغار من بغداد إلى الشام، ومنها إلى مصر، ومنها إلى برقة، ثم إلى القيروان. إنها رحلة شاقة برًا وبحرًا. ومنذ وطأت قدما زرياب القيروان، ذاع صيته عند ملوك الأغالبة (800-909م) على امتداد ولاية أفريقية، ولذا، آثر الإقامة بها. وبعد فترة قصيرة، شجع زرياب أهالي القيروان على الاهتمام بالموسيقى والغناء والرقص، وخُصصت لهذه الفنون دور ومحال” الحي الزريابي”. وصار هذا الحي بمثابة مجمع الفنانين والمغنيين، وغدا زرياب راعيهم الأول.

وقد عاش زرياب وأهله في القيروان عيشًا رغدًا وحياة مطمئنة. بيد أن ثمة أغنية أنشدها في حضرة الملك الأغلبي أبو محمد زيادة الله (788-838 م) قد أنهت هذه الحقبة بشكل مأسوي. ففى مجلس الملك، أنشد أغنية امتدح فيها السواد واستلهم كلماتها من عنترة بن شداد. ورغم أن الأغالبة من ذوي البشرة السمراء، فقد غضب الملك بشدة، وصب على زرياب جام نقمته، وأمر بضربه وإبعاده من القيروان وسائر ولايته.

وكما ترك بغداد مغضوبًا عليه من أستاذة الموصلي، غادر القيروان منقومًا عليه من حاكمها. وبذا، انتهت إقامة زرياب في القيروان إلى هذه الخاتمة القاتمة. ومن المفارقات الغريبة، بينما كانت القيروان تغلق بابها وراء زرياب، فقد فتحت قرطبة – حاضرة الأندلس – بواباتها على مصارعها أمام زرياب. ففي هذه الأوقات اليائسة البائسة، أرسل الحاكم الأموي الحكم الأول (771-822 م) المغني اليهودي منصور إلى القيروان لتوجيه الدعوة إلى زرياب للحضور إلى بلاط قرطبة.      

درة المـغـــــرب

وهكذا، إذا كان قمر زرياب قد هلَّ هلاله في بغداد، وبزغ محاقه في القيروان، فقد اكتمل بدره في قرطبة. وبينما استوى عود زرياب في بغداد واشتد في القيروان، فقد أينع ونضج وأزهر وأثمر في قرطبة حاضرة بلاد الأندلس.

وفي ديسمبر – كانون الأول 822 م، امتطى زرياب وآله وأطفاله سفينة حملته من سبتة عبر مضيق جبل طارق إلى الأندلس. وعلى متن السفينة، اندهش المسافرون من شكل زرياب “الغريب اللطيف”، وجمال نسائه وصراخ وصخب عياله. وكان زرياب يرتدي قبعة فروية فوق شعره المقصوص بشكل دائري، تُغطى جبهته حتى الحواجب، ولا تترك من وجهه ظاهرًا سوى أذنيه. وقد أعجبهم أيضًا لحيته المدببة المائلة إلى الحمرة، وكذا، نظرات عيونه الوضاءة ورائحة طيبه النفاذة الذكية.

وما كادت قدما زرياب تطأ أرض الجزيرة الخضراء (الأندلس) حتى  بلغه خبر وفاة الحكم. ولذا، اغتم وعزم على العودة إلى شمال أفريقية. بيد أن رسول عبد الرحمن الثاني (792-852 م) ولقبه عبد الرحمن الأوسط قدم إليه يدعوه لمقابلة الخليفة الأموي. وخرج الأخير بنفسه لاستقباله في مدخل مدينة قرطبة، وأنزله في دار من أحسن الدور فيها كل وسائل الراحة، وكل ما يحتاج إليه.

خصَّص عبد الرحمن الأوسط مائتي دينار راتبًا شهريًا لزرياب، وكذا خصَّص عشرين دينارًا شهريًا لكل ولد من أولاده: عبد الرحمن وجعفر وعبد الله ويحيى. وبجانب هذه الرواتب، قرَّر الخليفة منح الموسيقار ألف دينار كل عيد، وخمسمائة دينار لكل مهرجان ونوروز علاوة على مواد عينية مثل القمح والشعير والفواكه.

وفي مجلس بلاط قرطبة، غنى زرياب، وسُر الخليفة سرورًا عظيمًا حتى صار له مكانة عالية. ورويدًا رويدًا، تحوَّل مجلس عبد الرحمن الثاني إلى صالون ثقافي يروي فيه زرياب أحوال الملوك وسير الخلفاء ونوادر العلماء. وامتلك زرياب ذخيرة من علوم الفلك والجغرافيا، وسحر سامعيه بما يحكيه عن البلدان وعادات وتقاليد سكانها. واندهش أهالي قرطبة بقدرة زرياب الفائقة على الفكاهة. وكذا، انبهروا بأناقته حتى صار مثلاً يُحتذى به، فما يرتديه اليوم يُقلِّده الناس غدًا لاسيما تنويع الملابس حسب فصول السنة. ليس هذا فحسب، أحدث زرياب نقلة نوعية في الأطعمة والمشروبات، وانتشرت وصفات جديدة من ابتكاره. وفي كلمة موجزة، غدا زرياب نجمًا ساطعًا في سماء قرطبة.

النجــم الساطـــع

وفي عالم الموسيقى والغناء، طوَّر زرياب عشرة آلاف أغنية وألحانها كان قد اختزنها في ذاكرته ووجدانه منذ نعومة أظفاره في الموصل وبزوغه في بغداد ونضوجه في القيروان. وعطفًا على إجادته الغناء والعزف والتلحين، فقد زاد الوتر الخامس في آلة العود اختراعًا منه، وكانت قبلاً أربعة وفقًا لمقتضيات التلحين القديم. وقد رأى زرياب ضرورة إضافة وتر إلى أوتار العود الأربعة القديمة، فزاد عليها وترًا خامسًا باللون الأحمر، وجعله متوسطًا في موضعه بين الأوتار الأربعة. وقد اختار اللون الأحمر لوتره الخامس ليكون بمثابة الدم في جسد العود، وأسماه الوتر الأوسط الدموي.

ووصلاً لاختراعات زرياب في الأندلس، اخترع مضراب العود (ريشة) من قوادم النسر، وكانت حتذاك تُصنع من الخشب. وبجانب العود، أدخل زرياب الآلات الموسيقية المعروفة في المشرق إلى الأندلس بدءًا من الآلات الوترية مرورًا بالآلات النفخية وانتهاءً بالآلات النقرية. ولذا، فإن أوربا مدينة لزرياب بمعرفة الكثير من الآلات الموسيقية لاسيما الماندولا والماندولينا والبندورا (وترية) والربابة والربك والربيبة (وترية ذات أقواس) والناي بأنواعه والنفير والتنبول والبوق والهورن (نفخ) والطبل والطبلة والصنوج والنقارة (نقر).

واستكمالاً لإنجازات زرياب في الأندلس، أسس له الحاكم الأموي مدرسة موسيقية لتعليم أبناء العالم المتحضر فنون الغناء والعزف واستعمال الآلات الموسيقية نظريًا وعمليًا، أسماها “دار المدنيات”. وتُعد هذه الدار أول معهد للموسيقى في الأندلس، عميدها زرياب، واتخذ من أبنائه وجواريه أساتذة لمساعدته على تطوير فن هؤلاء المدنيات بما يُحقق نهضة جديدة تُناسب حياة الأندلس.

وقد تضمن المنهج الدراسي لمعهد الموسيقى تعليم مختلف أنواع العزف والغناء والتلحين والشعر والرقص. وبينما كان عازفو أوربا يعزفون على الهارب والسيتار والسنطور معتمدين على السماعي فقط، كان تلاميذ زرياب يعزفون بإتقان على العود والجيتار بالعفق على الدساتين لتحديد درجة كل نغمة. ولذا، فلاغرو أن راجت الموسيقى الشرقية في أوربا التي عرفت الموسيقى المتعدِّدة الأصوات (هارموني) بالعزف على أكثر من وتر. وقبل زرياب، كان المغنون يُكررُّون اللحن وراء المعلم حتى يحفظوه. أما زرياب، فقد استن ثلاث قواعد جديدة لتلقين الألحان. أولها: تعليم الإيقاع في قراءة الشعر باستخدام الدف، ثانيها: دراسة اللحن في شكله التقليدي، ثالثها: ترجيع الصوت مع حلية الغناء وإظهار العواطف.

وبعد اختيار زرياب لتلاميذه الموهوبين بعناية فائقة، أخذ يُلقنهم أصول الصنعة بطرق فنية، تختلف كل فئة منهم تبعًا لاختلاف طبيعة الأصوات. وجدير بالتسجيل، انفرد زرياب بأسلوب خاص، صار نموذجًا يُحتذى به من معاصريه ولاحقيه. وحسب التقليد الزريابي، يُفتتح الغناء بأي نقر كان (مقدمة موسيقية)، ويأتي أثره بالبسيط، ويُختم بالمحركات والأهازيج.

وفي تلك الأجواء، نهض زرياب بفنون الموسيقى والغناء والشعر بالأندلس. وسرعان ما انتشرت مجالس الغناء في قرطبة، على غرار بغداد، وكثرت مجالس الغناء والطرب والرقص مع مجالس الأدب. وثمة ندوات لاجتماعات أدبية شعرية غنائية، تشدو فيها الجواري المغنيات بمصاحبة مختلف الآلات. وكانت النسوة تحضرن تلك المجالس. وتحوَّل بلاط عبد الرحمن الأوسط إلى منارة ثقافية وفنية بفضل ما أشاعه زرياب من فنون الذوق وأساليب الظرف حتى صار يُسمى “فيصل الأناقة في بلاط عبد الرحمن”. وتألقت الموسيقى بفضل ألحان زرياب وغناء مطربة قصر قُرطبة الأولى؛ طروب. وبإيجاز، أشاع زرياب في الأندلس روح الظرف وألوان الترف والتجديد في كل شئ. وفي خط متواز مع النهضة الموسيقية، سطع نجم الشعراء في بلاط قرطبة لاسيما يحيى بن الحكم البكري الذي يُعد أقوى خصوم وغرماء زرياب في الأندلس.

صــراع الغــزال والبلبـل

مرة ثالثة، اصطدم زرياب في قرطبة بالحاسدين والحاقدين والناقمين. وإذا كان آل الموصلي حاسديه وحاقديه في بغداد وآل الأغلبي في القيروان، فقد كان شاعر قصر قرطبة يحيى بن الحكم الشهير بالغزال لجماله على رأس الناقمين على  زرياب إثر المكانة المرموقة التي أحرزها في بلاط قرطبة. وكان الغزال شاعرًا مجيدًا، ومحدثًا لبقًا، وأديبًا أريبًا، حتى وصفوه بحكيم الأندلس وشاعرها وعرافها.

وقد استاء الغزال بشدة من حضور البلبل زرياب إلى قرطبة، وتقلُّده مكانة رفيعة سامية في بلاط الحكم الأموي بالأندلس. ولذا، تزعم حركة لمناوأة زرياب، وهجاه هجاءً لاذعًا، واحتدم النزاع بين الغزال والبلبل مما دعا الخليفة الأموي إلى نفي شاعر البلاط إلى بغداد. بيد أن الغزال لم يستطع منافسة فحول شعراء بغداد، وارتحل إلى القسطنطينية حيث نال الغزال الأنيق اللبق حظوته بين رجال البلاط وسيداته. ورغم النجاح في عاصمة الإمبراطورية البيزنطية، عاد الغزال إلى قرطبة ليدخل في نزاع ثان مع خصمه زرياب. ولذا، أرسله عبد الرحمن الأوسط مبعوثًا لدى ملك النورمان. وهناك، وجد الغزال الشارد متنفسًا لشعره في حضرة ملكة النورمان. وبعد أن احتدم الصراع للمرة الثالثة بين الغزال والبلبل، اضطر الغزال أن يُنهي شروده ويستقر ببغداد رغم أن أهاليها لا يُرحبون بالقادمين من الأندلس. ولم يعد الغزال إلى قرطبة إلا بعد وفاة زرياب في حوالي عام 852 م.

وهكذا، ثمة إجماع على أن فتح المسلمين للأندلس يُعد أهم حدث حضاري اجتماعي وقع إبان العصور الوسطى، ونجم عنه شيوع حضارة، فاضت على جميع شعوب أوربا بمختلف ألوان المعارف من علوم وفنون وآداب. وهنا، قام زرياب بدور محوري لاسيما في تعليم الأوربيين أصول الموسيقى والعزف والغناء بمختلف الآلات في معهد قرطبة الموسيقى آنف الذكر. ومن ثم، عرفت أوربا لأول مرة مظهر الموسيقيين المتجولين في الطرقات، مردِّدين ملاحم البطولة وما نقلوه عن المسلمين في الأندلس من قصص ألف ليلة وليلة وغيرها . وظهرت جماعات “الطروبادور” في جنوب بلاد الغال (فرنسا) والإمبراطورية الرومانية المقدسة (ألمانيا). وأنشدت ألوانًا مستوحاه من الموشحات والأزجال الأندلسية، وألحان زرياب ومدرسته وتلاميذه.

عند هذا الحد، استطاع زرياب الكردي العربي المسلم أن يتجاوز الصعاب، من مكائد بغداد إلى محن القيروان حتى تحديات قرطبة. وقد شق لنفسه طريق المجد وسبيل الخلود؛ إذ اخترع للموسيقى وآلآتها، وابتكر الألحان ونظرياتها، وجدَّد في كل نواحي الحياة. ولذا، كان نجمًا في سماء الموسيقى، ومصلحًا اجتماعيًا، ورسولاً من رسل المدنية والتجديد.

مصادر الدراسة

  1. د. محمود أحمد الحفني: زرياب، أبو الحسن على بن نافع موسيقار الأندلس، سلسلة أعلام العرب، رقم 54، الدار المصرية للتأليف والترجمة، القاهرة، بدون تاريخ.
  2. سيجريد هونكه: شمس العرب تسطع على الغرب، دار الآفاق الجديدة، بيروت، 1986م.
  3. لويس يونغ: العرب وأوروبا، ترجمة: ميشيل أزرق، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت، 1979.
  4. ولتر جيمس تيرنر: الموسيقى، تاريخ موجز، ترجمة: محمد النوني وأ. شكيب، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، بدون تاريخ.
  5. عبد الحميد العبادي: المجمل في تاريخ الأندلس، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، 1958م.
  6. جوستاف لوبون: حضارة العرب، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2021م.
  7. محمد كرد علي: غابر الأندلس وحاضرها، المكتبة الأهلية بمصر، القاهرة، 1923م.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى