مقالات

الديمقراطية والعنف ضد المرأة: متى تصبح المواطنة كاملة؟

تحليل: أ.د. سوزان القليني
أستاذ الإعلام وعضو المجلس القومي للمرأة

في كل عام، ما بين ٢٥ نوفمبر و١٠ ديسمبر، تحتفي دول العالم بـ حملة “١٦ يومًا من النشاط لمناهضة العنف ضد المرأة”، فتتكثف الندوات والبيانات والمواد الإعلامية التي تتحدث عن حق المرأة في الأمان الجسدي والنفسي. غير أن السؤال الأعمق الذي يفرض نفسه في هذا السياق هو: هل يمكن الحديث عن ديمقراطية حقيقية في أي مجتمع، بينما تتعرض نساؤه لأشكال متعددة من العنف داخل الأسرة وفي الشارع، وفي العمل، وحتى في الفضاء الرقمي؟

الديمقراطية الناقصة… حين تُقصى المرأة عن الأمان

الديمقراطية ليست مجرد آلية لاختيار الحكّام عبر صناديق الاقتراع، ولا تُقاس فقط بعدد الأحزاب أو حجم الحرية الممنوحة لوسائل الإعلام.

جوهر الديمقراطية الحقيقي هو احترام كرامة الإنسان، وضمان حقوقه الأساسية دون تمييز، وعلى رأس هذه الحقوق: الحق في الحياة الخالية من العنف والخوف.

عندما تتعرض امرأة للضرب، أو الإهانة، أو التهديد، أو الابتزاز، أو الحرمان من التعليم والعمل، فنحن لا نكون أمام “مشكلة فردية” أو “خلاف أسري”، بل أمام انتهاك مباشر لمبدأ المواطنة المتساوية.

فالمواطنة لا تعني فقط أن تحمل المرأة بطاقة رقم قومي وتصوّت في الانتخابات، بل أن تشعر أن جسدها وكرامتها وقرارها الإنساني محترم ومحمي بقوة القانون والمجتمع.

من هنا يمكن القول إن أي مجتمع يتساهل مع العنف ضد المرأة، أو يبرّره، أو يراه شأنًا خاصًا لا يستدعي تدخل الدولة، هو في الحقيقة مجتمع يعيش ديمقراطية منقوصة مهما كانت مؤسساته تبدو حديثة أو متقدمة.

من البيت إلى البرلمان: العنف كحاجز أمام المشاركة

كثيرًا ما نتحدث عن “تمكين المرأة سياسيًا”، وعن ضرورة زيادة نسبة تمثيلها في البرلمانات والمجالس المحلية والهيئات القيادية. لكننا نادراً ما نسأل:

كيف لامرأة تخشى العنف داخل بيتها أن تخوض بثقة معركة الترشح في المجال العام؟

العنف ضد المرأة لا يقتصر على لحظة اعتداء جسدي، بل يخلق مناخًا من الخوف والصمت وانعدام الأمان. المرأة التي تُهدَّد بالعنف إذا رفعت صوتها، أو إذا طالبت بحقوقها، أو إذا انتقدت سلوكًا ظالمًا، ستكون أقل استعدادًا للمشاركة في الشأن العام، أو قيادة مبادرة، أو خوض تجربة نقاش سياسي.

وهكذا يصبح العنف أداة غير مرئية لـ إقصاء المرأة عن المجال العام، فيتحول من مجرد حالة فردية إلى عامل سياسي يحدّ من التعددية الحقيقية داخل المجتمع.

فحين يغيب صوت النساء أو يضعف، تتراجع قدرة المجتمع على طرح أسئلة العدالة والإنصاف وتوزيع الفرص، وتظل الديمقراطية “ذكورية” في بنيتها ومخرجاتها.

العنف كأداة للسيطرة… وليس مجرد انفعال

ينظر البعض إلى العنف ضد المرأة باعتباره “سلوكًا فرديًا منحرفًا”، أو “نتيجة انفعال وغضب”، لكن القراءة الأعمق تكشف أنه جزء من منظومة سلطة غير متوازنة بين الرجل والمرأة.

فالعنف – بجميع أشكاله – يُستخدم كثيرًا كوسيلة لـ”ضبط” سلوك النساء وإعادة تذكيرهن بحدود ما يُسمح لهن به.

عندما يُستخدم العنف لمنع فتاة من استكمال تعليمها.

أو لإجبار سيدة على ترك وظيفتها.

أو لإسكات زوجة تُبدي رأيًا مختلفًا.

أو لابتزاز امرأة على وسائل التواصل الاجتماعي لإخضاعها.

فهذا يعني أننا أمام توظيف للعنف كأداة سياسية واجتماعية، وليس مجرد حالة غضب عابر.

هنا تحديدًا يتقاطع العنف مع الديمقراطية:

كلما استمر العنف كأداة للسيطرة، كلما بقيت علاقات القوة في المجتمع أبعد ما تكون عن المساواة والشراكة.

ديمقراطية شكلية… ومواطنة على الورق

من السهل أن تنشر دولة ما أرقامًا عن نسب مشاركة المرأة في البرلمان، أو عدد الوزيرات والسفيرات والقاضيات، أو أن تستعرض نصوصًا دستورية رفيعة المستوى تؤكد المساواة وعدم التمييز.

لكن السؤال الذي يهم المرأة العادية هو:

هل أشعر بالأمان في منزلي وعملي وشارعي؟

هل أمتلك القدرة على أن أقول “لا” دون أن أتعرض للعقاب أو الإيذاء؟

إذا كانت الإجابة بالنفي، فكل تلك المؤشرات تظل جزئية.

التحدي الحقيقي هو الانتقال من الديمقراطية الشكلية إلى الديمقراطية الجوهرية التي تُقاس فيها قوة الدولة بقدرتها على حماية المواطن أي كان نوعه، وبمدى احترامها لحقوق النساء والفتيات في الحياة اليومية، بعيدًا عن المنصات الرسمية والبيانات الاحتفالية.

الإعلام بين تعزيز الديمقراطية وتطبيع العنف

في زمن الصورة والشاشة، أصبح الإعلام عاملا رئيسيًا في تشكيل الوعي بقضايا العنف ضد المرأة.

يمكن للإعلام أن يكون:

جزءًا من المشكلة: عندما يُقدّم العنف ضد المرأة في الدراما كأمر عادي أو “حق للرجل”، أو عندما تُستخدم المرأة كسلعة إعلانية، أو تظهر دائمًا في صورة الكائن الضعيف أو السطحي أو التابع.

أو أن يكون جزءًا من الحل: عندما يفتح مساحات حقيقية للنقاش، ويقدم نماذج نسائية ملهمة، ويكشف عن ثغرات القوانين والإجراءات، ويعطي الضحايا فرصة للحديث في إطار يحترم كرامتهن ويحمي خصوصيتهن.

في سياق “١٦ يومًا لمناهضة العنف ضد المرأة”، يمكن للإعلام أن يلعب دورًا ديمقراطيًا أصيلًا من خلال:

نقل قصص حقيقية لمواجهة ثقافة الصمت.

استضافة خبراء قانونيين واجتماعيين ونفسيين لتبسيط الحقوق وطرق الإبلاغ.

تقديم أعمال درامية وبرامج حوارية تُعيد تعريف صورة المرأة من “موضوع للعنف” إلى “شريكة في اتخاذ القرار”.

مسؤوليات الدولة والمجتمع المدني… وتحالف من أجل الكرامة

لا يمكن تحميل المرأة وحدها مسؤولية مواجهة العنف الواقع عليها، كما لا يمكن الاكتفاء بتثقيفها قانونيًا أو اجتماعيًا دون النظر إلى منظومة الحماية بأكملها.

هنا تظهر أهمية الدور الذي تلعبه:

الدولة: عبر التشريعات الرادعة، وإنشاء وحدات شرطية متخصصة، وتوفير خطوط ساخنة، وضمان السرعة في التعامل مع البلاغات.

المؤسسات الوطنية (مثل المجالس القومية المعنية بالمرأة والطفولة وحقوق الإنسان): عبر رصد الانتهاكات، وإطلاق الحملات، والتنسيق بين الجهات المختلفة.

منظمات المجتمع المدني: في الدعم النفسي والقانوني، وتوفير المأوى، وتنظيم برامج التوعية والتأهيل.

المؤسسات التعليمية والإعلامية: في بناء ثقافة تحترم النوع والاختلاف وحرية الاختيار.

هذا التحالف بين الأطراف المختلفة لا يحمي النساء فقط، بل يحمي فكرة الدولة الديمقراطية نفسها، لأن استمرار العنف والإفلات من العقاب يوجّه رسالة خطيرة مفادها أن القانون لا يعامل الجميع على قدم المساواة.

نحو ديمقراطية حسّاسة للنوع الاجتماعي

إذا أردنا بالفعل بناء ديمقراطية حقيقية في مجتمعاتنا العربية، فعلينا أن نتبنى مفهومًا أوسع لـ”الديمقراطية الحسّاسة للنوع الاجتماعي”.

هذا المفهوم يعني الاعتراف بأن النساء لا يدخلن المجال العام من نقطة انطلاق مساوية للرجال؛ بل يحملن على أكتافهن ميراثًا من التمييز والعنف والصمت.

ومن ثمّ، فإن تصحيح هذا الوضع يتطلب:

تعليمًا يعيد صياغة صورة المرأة والرجل منذ الطفولة، بعيدًا عن التنميط

مناهج ترفض العنف وتربط بين الاحترام المتبادل وكرامة الإنسان.

سياسات إعلامية واضحة تتبنى لغة عادلة ومسؤولة في تناول قضايا المرأة.

برامج موجهة للشباب تُعرّفهم بالحقوق والواجبات، وتُعلّمهم أن الرجولة لا تُختزل في السيطرة، وأن القوة لا تعني القسوة.

16 يوما… أم مشروع تغيير دائم؟

الاحتفال بـ ١٦ يومًا لمناهضة العنف ضد المرأة فرصة ذهبية لإطلاق الحملات والرسائل، لكنها لا تكفي وحدها.

لا بد أن تتحول هذه الأيام من مجرد مناسبة سنوية إلى مشروع دائم لتغيير الثقافة والقانون والممارسة.

فالعنف ضد المرأة ليس حدثًا موسميًا، بل واقعًا يتكرر في صمت داخل البيوت والشوارع وأماكن العمل وعلى الشاشات.

في النهاية، يمكن تلخيص العلاقة بين الديمقراطية والعنف ضد المرأة في جملة واحدة:

لا ديمقراطية حقيقية في مجتمع يخشى نصف مواطنيه الكلام أو المشي بأمان.

إن حماية المرأة من العنف ليست مجاملة ولا ترفًا حقوقيًا، بل هي شرط أساسي لقيام مجتمع عادل يحترم نفسه قبل أن يحترمه العالم.

وفي كل خطوة تُتخذ لمناهضة العنف، نقترب خطوة من ديمقراطية أكثر نضجًا وإنسانية… ومن مستقبل تُعامل فيه المرأة لا كاستثناء، بل كمواطنة كاملة الحقوق والكرامة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى