ثقافة

كاميران بدرخان .. التأثير والمكانة والإرث

تحليل: هدير مسعد عطية .. مكانة مهمة في الفضاء الثقافي الكردي، دور متنامي لا ينتهي بمرور الوقت، تأثير هائل يتعاظم كلما زادت ممكنات إعادة الاكتشاف لإنتاجه وكتاباته وأفكاره.. هذا هو كاميران بدرخان الكاتب واللغوي والمثقف والسياسي الكردي. فلماذا العودة بين الفينة والأخرى لاستطلاع وجه من وجوه بناء السردية وصائغي الهوية الكردية. 

كان القرن المنصرم بالنسبة إلى الكرد قرنًا فاصلا. ففي تلك الهوّة الممتدة بين إرث الإمبراطورية العثمانية وبين الخرائط الاستعمارية التي فرضتها الحرب العالمية الأولي والثانية، برزت أسماء قليلة حملت فوق أكتافها عبء ولادة خطاب قومي جديد. وفي قلب هذا المشهد، يمكن النظر إلى كاميران بدرخان بوصفه شاهدًا وصانعًا، ابن عائلةٍ عريقة في القيادة والإدارة، لكنه لم يتخذ من السيف وسيلة، بل من اللغة والصحافة والفكر أدواتٍ لانتزاع مكانٍ للكرد في عالمٍ يتشكل من جديد. كانت حياة كاميران تشبه إلى حد بعيد ذلك البرزخ الذي عاش فيه الشعب الكردي، معلق ما بين الجغرافيا بين جبال شاهقة ودولٍ ناشئة ذات أطماع، وبين المنفى والسعي باتجاه وطنٍ منشود وحاضرٍ مفروض. ولأنه وُلد – على الأرجح – في إسطنبول لا في قريةٍ ريفية كما ادّعى لاحقًا، فإن مسألة المكان لم تكن بالنسبة إليه تفصيلًا بيولوجيًا، بل خيارًا أيديولوجيًا. وُجد في مدينة تجمع الشرق بالغرب، في بيتٍ امتلأ بذكريات التمرد القديم لعائلة بدرخان في القرن التاسع عشر، لكنه تحوّل إلى رجل يبحث عن وطن بطريقة مختلفة: وطن يُبنى بالكلمة، ويُصان بالمعرفة، ويُستعاد بالذاكرة الجماعية.

لكنّ فهم كاميران يحتاج إلى استيعاب السياق، أي محاولة الاقتراب من التحوّلات العميقة التي شهدها الكرد بين تلاشي الإمبراطورية العثمانية وصعود الدول القومية في الشرق الأوسط. وما بين هاتين الحركتين، يتشكل نصّ طويل يشبه مسيرة أناس عاشوا على حافة التاريخ، ولكنهم كانوا أضحوا بقراءة ما من أهم مفاتيح قراءة الخريطة الجيوسياسية للتفاعلات التي غمرت الفضاء ما بعد العثماني.

مرّت كردستان في القرن التاسع عشر بعدة مراحل سياسية متعاقبة. فمن جهة، حاول الكيان السياسي الكردي التكيّف مع التحولات الجديدة في المنطقة، بينما كانت الدولة العثمانية تخوض عملية تحديث وإصلاح إداري. وعلى الرغم من جهود الدولة المستمرة لإنشاء إدارة مركزية موحدة، فإن الزعماء الكرد المحليين سارعوا إلى تأسيس هياكل إدارية بديلة خاصة بهم. ولم تتجاهل الدولة هذه البُنى بالكامل، بل سعت إلى توظيفها لخدمة مصالحها السياسية عند الحاجة. في نهاية المطاف، أصبح كلٌّ من السلطة العثمانية والكيانات الكردية يعتمد على الآخر — أحيانًا بالتعاون والتفاهم، وأحيانًا أخرى بالمواجهة والصراع. ومع تحوّل الدولة والمجتمع خلال القرن، حاول الطرفان تحقيق توازن دقيق بين المكاسب والتنازلات. وخلال هذه المرحلة، استخدم الكرد جميع أنماط القيادة السياسية الممكنة للحفاظ على استقلاليتهم الذاتية، بينما سعت الدولة إلى توظيف تلك الأنماط لمصلحتها الخاصة. أما من حيث تراتبية القوة السياسية، فقد كان الأمراء (المير) في قمة الهرم، يليهم الزعماء الدينيون (الشيوخ)، ثم الآغوات القبليون في القاعدة. لقد تحوّل القرن التاسع عشر في كردستان إلى خشبة مسرح سياسي تعاقب عليها هؤلاء القادة الثلاثة — الأمراء أولاً، ثم الشيوخ، وأخيرًا الآغوات — حيث أدّى كلٌّ منهم دوره السياسي في زمانه، ثم غادر المسرح مع إسدال الستار الأخير.

بدرخان .. ميلاد جديد

من يدرس التاريخ الكردي الحديث، سرعان ما يلحظ المكانة الخاصة لعائلة بدرخان الأميرية في الذاكرة القومية الكردية. فقد كانت الأسرة الحاكمة لآخر إمارة كردية كبرى، إمارة بوطان، حتى تم قمعها من قبل الحكومة المركزية العثمانية عام 1847. وقد خُلِّد تمرد الأمير بدرخان ضد الدولة العثمانية في الذاكرة الجمعية الكردية، وانتقل عبر الأدب الشفهي الكردي جيلاً بعد جيل. حاز أبناء بدرخان على تقدير كبير بين الكرد، إذ لعبوا أدوارًا بارزة في النهضة الثقافية الكردية، ولاحقًا في الحركة القومية الكردية خلال أواخر العهد العثماني وما بعده. ومع سياسات مركزية الدولة العثمانية في القرن التاسع عشر، عادت إمارة بوطان إلى الضوء التاريخي. ففي 1834 بدأ العثمانيون تحت قيادة محمد رشيد باشا حملة لإعادة إدماج كردستان، تمهيدًا لاستعادة سوريا من محمد علي باشا، لكن النفوذ العثماني في تلك المنطقة تعرض لضرر عميق. ومن ثم تمكن بدرخان بك من إقامة ملكية قبلية كردية حقيقية في جنوب شرق الأناضول. ورغم تصوير إمارة بوطان لاحقًا كبذرة كيان قومي كردي، فإن سبب تقليصها في 1847 كان توازنًا بين الاستقلالية الذاتية لبدرخان مقابل الإدارة المركزية والضغط السياسي الغربي. ونُفي لاحقًا إلى كريت، ثم عاد إلى إسطنبول برتبة ميرميران في 1858، قبل أن ينتقل مع أسرته إلى دمشق في 1865، حيث توفي بعد سنوات.

بعد ثورة الاتحاد والترقي عام 1908، برزت عائلة بدرخان — إلى جانب عائلات كردية بارزة مثل البابانيين والشمدينانيين — في الحياة الثقافية بإسطنبول. وكان المثال الأبرز هو أمين علي بدرخان (١٨٥١–١٩٢٦)، ابن بدرخان باشا ووالد جلادت وكاميران. وُلد في كريت حيث نُفي والده، ثم عاد إلى إسطنبول ليدرس القانون، وتولى مناصب مهمة كوكيل نيابة ومفتش قضائي وقاضٍ في أنحاء مختلفة من الإمبراطورية. وقد لعب أمين علي دورًا محوريًا في النشاط الثقافي الكردي خلال الأجواء الليبرالية التي سبقت الحرب العالمية الأولى. فقد تولى ابنه الأكبر تحرير جريدة كردستان بعد عودتها إلى إسطنبول عام 1908. وفي تلك الفترة ظهرت منظمات كردية عديدة وصحف متنوعة، منها:كرد تعاوُن وترقّي، هتاوێ كرد (شمس الكردجين (الحياةرۆژی كورد (يوم الكرد). وكما تشير جانيت كلاين، فإن هذه الصحف أُنجزت بأقلام مثقفين كرد عثمانيين، وينبغي فهمها ضمن السياق الاجتماعي والثقافي العثماني الأشمل. فقد كان هؤلاء المثقفون قوميين ثقافيًا يرون أنفسهم كردا عثمانيين، يخاطبون جمهورًا كرديًا داخل إطار الدولة العثمانية الإسلامية. غير أنّ هذا الوضع لم يدم طويلًا؛ فقبل نهاية الحرب العالمية الأولى، بدأت نبرة الصحافة الكردية تتحول نحو القومية السياسية الصريحة. وقد عكَس محتوى الدوريات الكردية التحولات التي شهدتها رؤى النخب الكردية العثمانية في إسطنبول بعد الحرب العالمية الأولى. فقد انقسمت هذه النخب بين من طالبوا بالحكم الذاتي تحت سلطة الخلافة، ومن نادوا بالاستقلال التام. وقد تصدّر البدرخانيون، وعلى وجه الخصوص أمين علي بدرخان، الجناح الانفصالي. وبُعيد توقيع الحكومة العثمانية هدنة مودروس، ظهرت في إسطنبول أول صحيفة كردية بعد الحرب، وهي مجلة جين (الحياة). ومع تزايد وضوح نية الحلفاء المنتصرين تقسيم الدولة العثمانية، دعا كاميران بدرخان عبر صفحات جين إلى تطبيق مبدأ ويلسون في حق تقرير المصير على الشعب الكردي. وهكذا، وبالنظر إلى ارتباط أسرة بدرخان السابق بالدولة العثمانية، شكّل ذلك تحوّلًا جذريًا. وقد جسّد كل واحد من أبناء أمين علي الثلاثة هذا التحوّل على نحوٍ مختلف.  

ظل الوجهاء الكرد أوفياء للإمبراطورية العثمانية، التي كانت تواجه تحديات وجودية خلال حروب البلقان (1912–1913) والحرب العالمية الأولى (1914–1918). شارك حفيدا بدرخان، جلادت وكاميران بدرخان، في حروب البلقان الأولى عام 1913 كضابطين عثمانيين، ونشرا معًا كتابًا يشرح أسباب سقوط أدرنة بيد البلغار. واستشهدا في الكتاب برباعية للشاعر الكردي الكبير أحمد خاني، صاحب مم وزين، لتأكيد أن ما تحتاجه الإمبراطورية هو الشجاعة والإصرار لحماية الوطن. ومن المفارقات التاريخية أن البيتين اللذين استخدماهما للدفاع عن وحدة الإمبراطورية سيُعاد توظيفهما بعد الحرب لدعم فكرة استقلال كردي حين بدا أن هزيمة العثمانيين مؤكدة. وأثناء الحرب، كتب البدرخانيون، شأنهم شأن غيرهم من الأعيان الكرد العثمانيين، قصائد ونصوصًا نثرية لرفع معنويات الجنود، مُمجّدين أولئك الذين ضحّوا بحياتهم “في سبيل الخلافة العثمانية”. واستجابوا لنداء الجهاد والتعبئة العامة الصادر عن السلطان-الخليفة، وخدم عدد منهم في الجيش العثماني، بل قُتل بعضهم دفاعًا عن الإمبراطورية. وقد أدت هزيمة الإمبراطورية العثمانية في الحرب العالمية الأولى إلى مرحلة جديدة من النشاط السياسي الكردي حين بات الاستقلال الكردي يبدو خيارًا ممكنًا. فقد أقنع اتفاق الهدنة في مودروس (30 أكتوبر 1918) والاحتلال البريطاني لإسطنبول (13 نوفمبر 1918) بعض النخب الكردية بأن تفكك الإمبراطورية بات وشيكًا. كما أن مبدأ تقرير المصير الذي طرحه الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون شجعهم أكثر على التفكير في استقلال كردستان.

ومع ذلك، ورغم الهزيمة، بقيت الإمبراطورية قائمة رسميًا، وكان السلطان ما يزال الخليفة الروحي والسياسي للمسلمين كافة، بمن فيهم الكرد، لذا رأى كثير من الزعماء الكرد أن مصيرهم لا يزال مرتبطًا بالخلافة العثمانية، وأن الحكم الذاتي داخلها قد يكون كافيًا. غير أن بعض أفراد أسرة بدرخان كانوا من أوائل المتحمسين لفكرة الاستقلال الكردي. ففي إسطنبول أسس أمين علي بدرخان مع شخصيات كردية بارزة أخرى جمعية تعالي كردستان في ديسمبر 1918. كما أسس ابنه سريّا بدرخان في القاهرة لجنة الاستقلال الكردي، ووجّه عام 1919 مع اثنين من أبناء عمومته عريضة إلى رئيس الوزراء البريطاني للمطالبة باستعادة أراضي جده بدرخان في كردستان التي صادرتها الحكومة العثمانية عام 1847. وفي العام نفسه، رافق جلادت وكاميران بدرخان الضابط البريطاني الميجر نويل في بعثته الفاشلة لتقصي إمكانية قيام دولة كردية مستقلة.

سعت النخبة الكردية لإثبات أن للكرد حق تقرير المصير كأمة قائمة بذاتها، في مواجهة الدعاية العثمانية الرسمية التي أنكرت وجود “قيم أو تاريخ أو أدب قومي كردي مميز”. ومن أبرز الأمثلة على هذا الخطاب المضاد، كتاب تركي صدر عام 1918 بعنوان الكرد: دراسات تاريخية واجتماعية (Kürdler: Tarihi ve İçtimai Tedkikat) ، نُسب إلى مؤلف ألماني باسم الدكتور فرتز، وزُعم أنه ترجمة عن الألمانية. لكن الكتاب كان في الحقيقة من تأليف موظف عثماني استخدم اسمًا مستعارًا ألمانيًا ليُضفي مصداقية على أطروحاته. زعم “فرتز” أن الشعر الكردي مشتق من تأثير الأدب العربي والتركي والفارسي، ما أثار غضب المثقفين الكرد الذين سارعوا للرد عليه لتأكيد خصوصية الأمة الكردية وتفردها.

في خضم هذا الجدل حول الهوية الكردية، لم يكن هناك نص أكثر ملاءمة من مم وزين ليُعاد تقديمه بوصفه وثيقة قومية بعد الحرب العالمية الأولى. عام 1919، قامت جمعية نشر التعليم الكردي بنشر مم وزين لأول مرة في كتاب كامل على يد الناشط الكردي حمزة الموكوسي (مكوسلي حمزة)، الذي كتب في مقدمته أن التراث الأدبي هو أساس وجود الأمة وسيادتها واعتراف العالم بها. وضرب مثالًا باليونانيين الذين نالوا استقلالهم بعد قرون من الحكم العثماني بفضل انتشار الآداب اليونانية في أوروبا. اتهم حمزة الإمبراطوريتين الفارسية والعثمانية بتقسيم كردستان وإضعاف وحدة الكرد ومنع لغتهم من أن تكون لغة رسمية، واستشهد بكلمات أحمد خاني التي كتبها بالكردية الكرمانجية: “لكي لا يقول الناس إن الكرد بلا أصل أو علم أو أساس / لكل أمة كتبها الخاصة / ما عدا الكرد وحدهم”.  وهكذا، أصبحت مم وزين مانيفستو قوميًا بارزًا في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى، تجسد الوعي الذاتي والهوية المميزة للكرد في مواجهة الأتراك والعرب والفرس والجورجيين.

لكن النضال السياسي والدبلوماسي والفكري الذي خاضه القوميون الكرد لنيل استقلالهم من الإمبراطورية المهزومة انتهى بالفشل. فقد نصت معاهدة سيفر (10 أغسطس 1920) على قيام كردستان ذات حكم ذاتي ثم دولة مستقلة لاحقًا، لكن الخلافات بين النخب الكردية ونجاح الدعاية التركية العثمانية التي روّجت لأخوة الإسلام بين الأتراك والكرد لتوحيد الصفوف من أجل “إنقاذ الخلافة”، أدّيا إلى تراجع المطالب القومية الكردية. كما أن الخوف من استيلاء الأرمن على أراضي كردية دفع كثيرًا من الزعماء الكرد الدينيين والقبليين إلى التحالف مع الأتراك في الدفاع عن “الوطن العثماني والخلافة” ضد الأطماع اليونانية والأرمنية. كان تعاون الكرد في الحرب اليونانية-التركية (1919–1923) حاسمًا في نصر حرب الاستقلال بقيادة مصطفى كمال باشا. ومع أن كمال كان قلقًا من أنشطة قوميين كرد مثل جلادت وكاميران بدرخان، فإنه نجح في كسب دعم جماهيري واسع في كردستان. وجسدت معاهدة لوزان (24 يوليو 1923) انتصار الكماليين الذين أسسوا الجمهورية التركية بوصفها الوريث الرئيسي للإمبراطورية العثمانية. ألغت هذه المعاهدة معاهدة سيفر وبددت آمال القوميين الكرد في دولة مستقلة.

خلافًا لتوقعات القادة الكرد الذين تعاونوا مع مصطفى كمال خلال حرب الاستقلال، تحولت الجمهورية الجديدة إلى دولة قومية تركية علمانية لا تعترف بالهوية الكردية. وكان الكماليون قد ألغوا السلطنة في نوفمبر 1922، وتبع ذلك إلغاء الخلافة في مارس 1924 — آخر رمز للوحدة الروحية والسياسية بين الأتراك والكرد. في أعقاب الحرب العالمية الأولى، طغى الخطاب العثماني التركي الذي شدّد على الأخوّة الإسلامية بين الأتراك والكرد — والذي كان قد صيغ أساسًا لإنقاذ الإمبراطورية والخلافة — على الدعوات الكردية لتقرير المصير. كما أن الخوف من استيلاء الأرمن على المناطق الكردية دفع كثيرًا من الزعماء الكرد الدينيين والقبليين والحضريين إلى التحالف مع الأتراك دفاعًا عن “الوطن العثماني والخلافة” ضد الادعاءات الإقليمية لليونانيين والأرمن المسيحيين. كان تعاون الكرد في الحرب اليونانية–التركية (1919–1923) حاسمًا في انتصار حرب الاستقلال الأناضولية بقيادة مصطفى كمال باشا، الضابط العثماني السابق. وبرغم قلقه من أنشطة القوميين الكرد مثل جلادت وكاميران بدرخان، فقد تمكن مصطفى كمال من الاحتفاظ بدعم جماهيري واسع في كردستان. وقد جسدت معاهدة لوزان (24 يوليو 1923) انتصار الكماليين الذين أسسوا الجمهورية التركية باعتبارها الوريثة الرئيسة للإمبراطورية العثمانية. ألغت هذه المعاهدة معاهدة سيفر وبددت آمال القوميين الكرد في دولة كردية مستقلة. وعلى خلاف توقعات القادة الكرد الذين تعاونوا مع مصطفى كمال خلال حرب الاستقلال، تحولت الجمهورية الجديدة إلى كيان قومي تركي علماني لا يعترف بالهوية الكردية. كان الكماليون قد ألغوا السلطنة في نوفمبر 1922، وتبع ذلك إلغاء الخلافة في مارس 1924، وهو الرمز الأخير لوحدة الأتراك والكرد تحت مظلة الإسلام.

استمر نفوذ البدرخانيين في المشرق بعد سقوط الدولة العثمانية، واستمر الاهتمام بنسبهم المتصل بخالد بن الوليد. وبعد انهيار الإمبراطورية، أصبحت أراضي الكرد موزعة بين تركيا والعراق وسوريا. في تركيا، حيث يعيش معظم الكرد، فرض النظام الكمالي سياسة التتريك القسري كما حدّدها مصطفى كمال (الذي اتخذ رسميًا اسم “أتاتورك” عام 1934)، وأنكر وجود هوية كردية مستقلة. وأدى ذلك، مع تأكيد النظام على العلمانية الصارمة، إلى اندلاع ثورة الشيخ سعيد عام 1925. كثير من الزعماء القوميين الكرد الذين رفضوا الخضوع للنظام الجديد نُفوا إلى سوريا منذ أوائل العشرينيات، خصوصًا بعد فشل ثورة 1925. وتحت الانتداب الفرنسي، أصبحت سوريا ولبنان مركزين رئيسيين للقومية الكردية المنبثقة من تركيا. وفي عام 1927، تأسست في لبنان منظمة قومية جديدة باسم خويبون (Xoybûn)، قادت ثورة آرارات (1928–1931) ضد الجمهورية التركية. وكان جلادت وكاميران بدرخان من أبرز أعضائها، بينما تولّى أخوهما غير الشقيق سريّا بدرخان تمثيل الحركة الكردية في الخارج حتى وفاته عام 1938.

خلال ثورة آرارات، كتب سريّا بدرخان، ممثل خويبون، منشورات دعائية بالإنجليزية والفرنسية والعربية والتركية تفضح سياسات الكماليين تجاه الكرد بعد قمع ثورة الشيخ سعيد. وفي عام 1928 نشر في الولايات المتحدة كتيبًا بعنوان قضية كردستان ضد تركيا، قدّمه الصحفي الأمريكي هربرت آدامز غيبونز، مراسل نيويورك هيرالد. وصف غيبونز سريّا بأنه أمير مسلم صالح ليؤكد أن الكفاح الكردي ضد النظام الكمالي لم يكن بدافع كراهية عرقية، فـ“كلا الشعبين مسلمان”. وعرّفه في حاشية تحريرية بأنه الأمير سريّا بدرخان، سليل خالد بن الوليد — مما يدل على أن البدرخانيين استمروا في الاعتماد على نسبهم العربي حتى عام 1928. بعد قمع ثورة آرارات، غادر كاميران وجلادت منظمة خويبون وكرّسا جهودهما لـ نهضة ثقافية كردية شملت إصدار مجلات وصحف. أصدر جلادت مجلة هاوار” (النداء/صرخة الاستغاثة) بين 1932–1935 و1941–1943، وملحقها المصوّر روناهي” (الأنوار) بين 1942–1945 في دمشق، بينما أصدر كاميران في بيروت جريدة روژا نو / Le Jour Nouveau (اليوم الجديد)  بين 1943–1946 وملحقها ستير” (النجم) بين 1943–1945. دعمت سلطات الانتداب الفرنسي هذه الأنشطة، وساهم المستشرقون الفرنسيون في تحرير هذه المجلات. كان هدف هذه الحركة الثقافية التي قادها الأخوان بدرخان هو ترسيخ هوية قومية كردية مشتركة تركز على اللغة والتراث الشعبي.

تُظهر قراءة دقيقة لإصدارات البدرخانيين في الثلاثينيات والأربعينيات سعيهم إلى بناء هوية قومية كردية جديدة منفصلة عن الماضي العثماني المتعدد القوميات. فقد تأثر جلادت وكاميران خلال دراستهما العليا في ألمانيا (1920–1923) بأفكار القومية الثقافية الألمانية التي تعتبر الأمة جماعة عضوية تُعرَّف بالولادة والدم. كتب جلادت عام 1932 في هاوار: “إن أبناء الوطن هم إخوة وأبناء عم بعضهم لبعض”. ركز الأخوان على أصول الكرد، مستفيدين من توجه فكري ظهر منذ الحرب العالمية الأولى بين المثقفين الكرد لتأكيد أن الكرد شعب عريق يستحق تقرير مصيره، وردًا على الادعاءات العثمانية–التركية بأن سكان شرقي الأناضول “أتراك بالأصل”.

قدمت المطبوعات الكردية التي حررها البدرخانيان في الثلاثينيات والأربعينيات تصورًا متطورًا للهوية العرقية الكردية بوصفها إيرانية–آرية–هندو–أوروبية، ووسّعت النقاش ليشمل أبناء العمومة العرقيين مثل الفرس والأوروبيين الغربيين. بل ذهب جلادت بدرخان إلى الاعتقاد بأن الكرد هم أنقى الشعوب الآرية، ودعا إلى الحفاظ على “نقاء الدم الكردي” وعدم اختلاطه بـ“الدماء غير الآرية”. هذا التركيز على الأصل العرقي لم يكن استثناءً؛ ففي الثلاثينيات، روّجت تركيا الكمالية لنظرية “العرق التركي الأبيض الآري” في مواجهة التصورات القديمة التي ربطت الأتراك بـ“العرق المنغولي الأصفر”. وردًّا على ذلك، كتب جلادت عام 1933 رسالة مفتوحة إلى مصطفى كمال مليئة بالسخرية، قال فيها إن كمال “يحاول فصل الأتراك عن أصولهم المغولية لربطهم بالعرق الآري”.

لماذا العودة إلى كاميران  

من ناحية أخرى، تركزت الكثير من الإنتاجات المعرفية موخرًا، بشكل مفهوم، على رموز بناء الهوية الوطنية الكردية في العصر الحديث، من الكتاب والنشطاء والقادة السياسيين الذين جسدوا السعي الملحّ للحصول على حقوق واعتراف لشعب كامل. وفي هذا السياق، لعبت سوريا دورًا بارزًا في تاريخ السردية الكردية، إذ احتضنت تحت الحكم الفرنسي الانتدابي الحركة الأدبية والفكرية التي قامت بتوحيد لغة الكرمانجية الكردية وجعلت النضال من أجل تقرير المصير الكردي قضية رئيسية في السياسة بين الدول في المنطقة. على وجه الخصوص، تبرز الأنشطة الصحفية الرائدة للإخوة بدرخان في دمشق وبيروت، والبرامج التعليمية والاجتماعية التي أُطلقت بالتعاون مع قادة كرد آخرين تحت رعاية لجنة خيبوَن، لتجعل من سوريا ولبنان مهدًا ليس فقط للنهضة الأدبية العربية في القرن التاسع عشر، بل أيضًا للحركة المهمة التي يمكن اعتبارها بحق النهضة الكردية في القرن العشرين.

نشأت البدايات الأولى للقومية الكردية، شأنها شأن نظيرتيها العربية والتركية، في سياق أواخر العهد العثماني. فقد ظهرت حركة ثقافية نُخبوية كردية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر ضمن الأجواء الكوزموبوليتية لعاصمة الدولة العثمانية، إسطنبول. كان نخب الكرد العثمانيين في إسطنبول يعربون عن قلقهم على مستقبل دولتهم وإمبراطوريتهم، وفي الوقت نفسه يعملون على تعزيز الثقافة الكردية ومعالجة القضايا الاجتماعية والاقتصادية في كردستان العثمانية وفي مناطق أخرى من الإمبراطورية. وقد أدّى تأسيس الجمعيات الكردية عقب ثورة تركيا الفتاة عام 1908 إلى تنشيط الوعي القومي الكردي في العاصمة العثمانية وفي كردستان. ومثلما كانت العربية والتركية في الحقبة ذاتها حركات اجتماعية-ثقافية تقودها نخب متعلّمة، كانت “الكردية” حركة مماثلة يقودها مثقفون كرد يعتزون بانتمائهم إلى الجماعة العثمانية الأكبر. ولهذا، خدم العديد من النخب الكردية في الجيش العثماني خلال الحرب العالمية الأولى.

ومع اقتراب هزيمة الإمبراطورية في أواخر عام 1918، تبنّى بعض هؤلاء النخب فكرة الاستقلال الكردي. فعملوا بفعالية في إسطنبول وأوروبا والمناطق الكردية لحشد الكرد وإقناع القوى الأوروبية بأنهم مستعدون للاستقلال. وفي الواقع، اعترف “معاهدة سيفر” التي وُقّعت في أغسطس/آب 1920 دولياً بالمطالب الكردية، ونصّت رسمياً على إقامة منطقة كردستانية صغيرة تتمتع بالحكم الذاتي، مع إمكانية المطالبة بالاستقلال لاحقاً. غير أنّ النخب الكردية الساعية إلى الاستقلال شعرت بخيبة أمل بعد أن اختار معظم الكرد التعاون مع أبناء دينهم من الأتراك للدفاع عن السلطان–الخليفة العثماني خلال حرب الاستقلال بين 1918 و1923. وقد تبيّن لاحقاً أن الجمهورية التركية التي أسسها مصطفى كمال أتاتورك عام 1923 جمهورية علمانية متشددة وقومية تركية حصرية. وأدرك الكرد أنهم لا مكان لهم في الجمهورية الكمالية إلا إذا قبلوا الاندماج في “التركية” كما يعرّفها الكماليون. وقد قُمعت ثورة الشيخ سعيد عام 1925، وهي أول رد كردي كبير على النظام الكمالي الناشئ، بالقوة. وهرب الكثير من الكرد، من مختلف الشرائح، ممن شعروا أن نمط حياتهم الديني والقومي مهدّد بسياسات النظام الكمالي الفوقية، إلى سوريا التي وضعتها عصبة الأمم تحت الانتداب الفرنسي عام 1920.

وعلى الرغم من أن سوريا تحت الانتداب الفرنسي احتضنت القوميين الكرد الفارين من تركيا بعد استقرار الحكم الكمالي، فإن الكرد لم يكونوا غرباء عن سوريا. فقد كانت الجيوب الكردية المنتشرة في شمال البلاد موطناً لكثير من الكرد الذين انفصلوا عن أقاربهم في الجانب التركي بعد ترسيم الحدود السورية–التركية. كما ضمّت مراكز حضرية مثل دمشق وحلب وحماة وبيروت أحياءً كردية. إلا أن وصول نخبة كردية متعلمة تعليماً غربياً وقيادات تقليدية من تركيا عزز النشاط القومي الكردي بين كرد سوريا ولبنان. وقد استفاد القوميون الكرد من سياسة الانتداب الفرنسي في تمكين الأقليات الدينية والإثنية في سوريا في مواجهة التيار القومي العربي السني الغالب. في تلك الفترة، تمحورت جهود القوميين الكرد أولاً حول تحرير المناطق الكردية في تركيا من الحكم التركي. ولهذا السبب تأسست منظمة “خويبون” (كن نفسك) في بيروت عام 1927. وقادت “خويبون” ثاني أكبر انتفاضة كردية ضد الجمهورية التركية، وهي ثورة آرارات (1928–1931) التي زلزلت مرة أخرى النظام الكمالي. ولم يعنِ فشل ثورة آرارات نهاية الحركة القومية الكردية في سوريا ولبنان. فقد كرّس عدد من المثقفين الكرد جهودهم لإيقاظ الوعي القومي الكردي في المشرق وما وراءه، عبر نهضة ثقافية كردية بدعم وتشجيع من سلطات الانتداب، وبالتعاون النشط من مستشرقين فرنسيين (أو “كردولوجيين”) مثل توماس بوا (1900–1975)، وروجيه ليسكو (1914–1975)، وبيار روندو (1904–2000). وقد قاد هذه الحركة جلادت علي بدرخان (1893–1951) المنتمي إلى الأسرة الأميرية البدرخانية، وانضم إليه شقيقه الأصغر كاميران علي بدرخان (1895–1978) وغيره من النخب الكردية ذات التعليم الغربي والقيادات التقليدية.

وكانت المجلات والصحف الكردية التي حررها الأخوان بدرخان من أبرز أدوات هذه النهضة الثقافية. فقد أصدر جلادت مجلة هاوار (الاستغاثة؛ 57 عدداً بين 1932 و1943) وملحقها روناهي (الاستنارة؛ 28 عدداً بين 1942 و1945) في دمشق. أما كاميران فحرر في بيروت جريدة روجانو (اليوم الجديد) ونسختها الفرنسية Le Jour Nouveau   بين 1943 و1946، إضافة إلى الملحق ستير (النجم؛ 3 أعداد بين 1943 و1945). وقد مثّلت هذه الدوريات مدرسة لتكوين جيل جديد من الكتّاب مثل: جگرخوين (1903–1984)، عثمان صبري (1905–1993)، قدري جان (1911–1972)، ونورالدين ظاظا (1919–1988). وعموماً، هدفت الحركة الثقافية الكردية إلى ابتكار ونشر أبجدية لاتينية للّغة الكرمانجية، وجمع الأدب الكردي الشعبي والكلاسيكي، ومعالجة القضايا الاجتماعية مثل التشرذم، والفقر، والأمية بين الكرد، وتعليمهم القيم والمفاهيم القومية، والتعريف بالقضية الكردية في الغرب عبر مقالات مكتوبة باللغة الفرنسية.

شكلت الأنشطة السياسية والثقافية التي قام بها جلادت وكاميران بدرخان في سوريا ولبنان خلال ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين محطة مهمة في تاريخ الحركة الوطنية الكردية. وقد أدى تمرد جدّهما بدرخان بك عام 1847، الذي قُمِع بقوة، إلى اقتلاع عائلة بدرخان من كردستان العثمانية ودمجها تدريجيًا في النظام العثماني. وقد لعب أبناء بدرخان بك وأحفاده أدوارًا بارزة في الحياة السياسية والاجتماعية العثمانية المتأخرة. وقد أثرت التحولات الكبرى قبل الحرب العالمية الأولى وبعدها في مواقف الأسرة؛ فكان أفرادها في البداية من أنصار الدستورية ومعارضين للاستبداد العثماني، ثم أصبحوا لاحقًا من دعاة استقلال كردستان ومعارضين للسلطة الكمالية. ورغم أنّ الإرث الغني للعائلة وأدوار جلادت وكاميران وسوريايَا غالبًا ما دُرِست في سياق القومية الكردية، فإن تحليل انتقالهم من “كُرد من أجل الإمبراطورية العثمانية” إلى قوميين كرد خالصين يضفي على قصتهم أهمية خاصة، ويكشف الكثير عن تحوّلات الهوية في الشرق الأوسط مطلع القرن العشرين.

لقد اختلف ما كتبه جلادت وكاميران وما فعلاه ونشراه قبل نهاية الحرب العالمية الأولى اختلافًا جذريًا عمّا صدر عنهما بعد هزيمة الدولة العثمانية وتأسيس الجمهورية التركية. وتُعدّ الصحافة الكردية في أواخر العهد العثماني وما تلاها مثالًا بارزًا على ما يسميه أنطوني سميث بـ التعبئة العامية (vernacular mobilization) لـ «إثنية عمودية» (vertical ethnie)، أي جماعة خاضعة تحركها النخبة المثقفة، مقابل «الإثنية الأفقية» (lateral ethnie) التي تعبّئها النخب البيروقراطية الحاكمة..

عندما أصدر الأخوان بدرخان صحفهما الكردية في سوريا ولبنان خلال ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين، كانت الصحافة الكردية قد امتلكت أصلًا تاريخًا معتبرًا. فقد بدأت الصحافة الكردية كجزء من المعارضة لحكم السلطان عبد الحميد. الثاني. وكان أحد أعمام جلادت وكاميران، مِقداد مدحت بدرخان، قد نشر أول صحيفة كردية، كردستان، عام 1898 في القاهرة، التي كانت مركزًا مهمًا للمعارضة العثمانية. ولم تكن القاهرة بعيدة عن العاصمة العثمانية فحسب، وبالتالي أقل خضوعًا للرقابة، بل كانت أيضًا من أهم مراكز الطباعة والصحافة في الشرق الأوسط منذ القرن التاسع عشر، إلى جانب لبنان وإسطنبول. كانت كردستان صحيفة ثنائية اللغة (الكردية الكرمانجية والتركية العثمانية)، وكغيرها من صحف معارضي السلطان، دعمت جمعية الاتحاد والترقي، ودعت إلى إحياء الدستور العثماني، وانتقدت الحكم الاستبدادي لعبد الحميد الثاني. كما أولت الجريدة، بصفتها صحيفة كردية عثمانية، اهتمامًا بمشكلات الكُرد داخل الإمبراطورية. وبضغط الحكومة العثمانية تنقّلت الصحيفة من القاهرة إلى جنيف ثم إلى لندن وفولكستون، وهي مراكز لنشاط الاتحاد والترقي في الخارج. وبعد انتقال الجريدة إلى جنيف، تولى شقيق مقداد، عبد الرحمن بدرخان، رئاسة التحرير. وكان الأخير عضوًا فاعلًا في المعارضة «التركية الفتاة» هناك، على صلة وثيقة بـ عبد الله جودت وإسحاق سوقوتي، وهما من أبرز المؤسسين الكرد للاتحاد والترقي. وقد نشروا معًا صحيفة عثماني في جنيف. كما قام مثقفون كرد عثمانيون آخرون في إسطنبول والأناضول بإصدار صحف وكتب لتعزيز الهوية الكردية داخل الإمبراطورية، غير أنّ الدور الريادي لعائلة بدرخان في الصحافة الكردية ظلّ دائمًا موضع اعتراف. وكان جلادت وكاميران شديدَي الوعي بهذا الإرث؛ إذ نشر جلادت مثلًا قصيدة لوالده أمين علي بدرخان كان قد بعث بها إلى جريدة كردستان عام 1898، يقول فيها مخاطِبًا المحرر: “لقد أرشدتَ بها الكرمانج [أي عامة الكرد]”.

كانت حركة النهضة الثقافية الكردية في بلاد الشام خلال ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين مشروعاً ذكورياً بامتياز، وهو أمر يتناقض بصورة لافتة مع المشاركة النسائية النشطة نسبياً في الأنشطة الكردية خلال العقود السابقة في أواخر العهد العثماني. فعلى الرغم من أنّ الرجال من النخبة الكردية كانوا يتولّون إدارة الجمعيات الثقافية الكردية والمجلات والصحف الكردية في إسطنبول العثمانية، إلا أنّ صوت المرأة الكردية كان مسموعاً، مثلاً عبر جمعية ترقي نساء الكرد التي تأسست عام 1919، أو من خلال مقالات في مجلة عالم النساء التي انطلقت عام 1913. وفي حقبة ما بعد العثمانيين، استمر النظر إلى تحرير المرأة الكردية بوصفه شرطاً ضرورياً لتحرير المجتمع الكردي بأكمله. لكن، وعلى خلاف الدور الحيوي الذي لعبته نساء المدن في النشاط الكردي خلال أواخر العهد العثماني، أصبحت الشخصيات النسائية الحقيقية أقل حضوراً في مرحلة ما بعد العثمانيين. ولم يكن هذا الأمر خاصاً بالحركة القومية الكردية وحدها؛ فقد أغلق الأتراك الكماليون المنظمات النسائية التي لعبت دوراً مهماً في المرحلة العثمانية المتأخرة. وطلب مصطفى كمال أتاتورك إغلاق هذه المنظمات باسم “وحدة الأمة” وترسيخ الدولة. وهكذا، اعتقد القوميون الأتراك في تركيا ونظراؤهم الكرد المنفيون في المشرق أنّ تحرير المرأة جزء من مشروعات التحديث التي يهيمن عليها الرجال القوميون.

من هو كاميران

كان العام 1895 عامًا مشبعًا بالتوترات في قلب السلطنة العثمانية، لكنه كان أيضًا العام الذي شهد ولادة كاميران بدرخان – وفق روايةٍ قد لا تكون دقيقة. فقد زعم كاميران أنه وُلد في قرية ماقتلا في سوريا، لكن الأرجح أنه وُلد في إسطنبول شأنه شأن أخوته. تلك المفارقة ليست مجرد تفصيلٍ جغرافي، بل مفتاحٌ لفهم شيء أعمق: محاولة إعادة اختراع الذات. فالكثير من المثقفين الكرد في النصف الأول من القرن العشرين حاولوا ربط أنفسهم مباشرةً بالتربة القبلية الكردية، لأن إسطنبول – رغم مجدها – كانت رمز “الحداثة المنزوعة الجذور” التي قادت إلى المركزية الكمالية لاحقًا. وهكذا، لم يكن ادعاء كاميران عن مكان ولادته كذبة بقدر ما كان حيلة رمزية تضعه داخل سردية قومية أكثر نقاءً.

نشأ كاميران في بيتٍ مُثقل بتاريخ المقاومة. كان الجد بدرخان باشا أحد أبرز الزعماء الكرد في القرن التاسع عشر، خاض صراعًا ضد المركز العثماني من أجل الحفاظ على استقلال إمارة بوطان. وعندما انهزم وسُحقت الإمارة، بدأ جرح التاريخ الكردي الحديث يتشكل: جرح الانكسار والبحث عن بديل. نَشأ الأبناء والأحفاد وهم يحملون ذاكرة الإمارة المفقودة، وهذا ما جعل العائلة البدرخانية على مدى نصف قرن “مختبرًا فكريًا” لإعادة تعريف الهوية الكردية. دخل كاميران إلى مدرسة غلطة سراي؛ تلك المدرسة التي كانت تصنع الإداريين والدبلوماسيين ورجال القانون في السلطنة. وفي غلطة سراي تحديدًا تشكلت لديه تلك الازدواجية التي سترافقه لاحقًا: شعور بالانتماء إلى ثقافة عثمانية راقية، وشعور مضاد بأن الهوية الكردية يجب أن تجد لنفسها مكانًا مستقلًا داخل هذا العالم الآخذ في الانهيار. وحين نُفيت العائلة إلى خارج إسطنبول عام 1906، كان كاميران طفلًا، لكنه أدرك معنى أن تُعاقب جماعة كاملة بسبب أصلها السياسي. ثم عادت العائلة عام 1908 مع “ثورة تركيا الفتاة”، ليشاهد بعينيه كيف يمكن للتحولات الدستورية أن تُعيد من نُفي بالأمس. بهذا، دخل كاميران مبكرًا إلى مدرسة أخرى: مدرسة التاريخ الحي.

التحق بعد الثانوية بـ دار الفنون لدراسة القانون مع أخيه جلاَدَت، وكان ذلك القرار أكثر من مجرد اختيار مهني، بل كان إعلانًا عن رغبة في فهم آليات الدولة الحديثة وكيف تُبنى السلطة. غير أنّ اندلاع حروب البلقان غيّر مساره لحين، فالتَحق بالجيش العثماني، وقاتل في بلغاريا عام 1913. وحين وقعت الحرب العالمية الأولى، وجد نفسه مجددًا على الجبهة، شاهدًا على انهيار عالمٍ كامل. لقد تعلم كاميران خلال الحرب أنّ الهويات القومية ليست مجرد خطابات عاطفية، بل صراع على القوة، وأن الدول لا تبنى بالحنين وإنما بالمؤسسات واللغة والخيال السياسي. وفي تلك السنوات كان يعيش ما يمكن تسميته بـ زمن التكوين العنيف؛ حيث يُعاد تشكيل الفرد عبر التجارب القصوى.

بعد الحرب، وفي لحظة ضعف عثمانية، وصل الضابط البريطاني الشهير نويل إلى الأناضول في مهمة غامضة: استطلاع الحالة الكردية، وربما التمهيد لكيان كردي محتمل. التحق كاميران وجلاَدَت بنويل، وجابوا الجبال والبلدات. كانت تلك الرحلات بالنسبة إلى كاميران أشبه بمسحٍ عاطفي للعالم الكردي: مواجهة مباشرة مع القرى، مع العشائر، مع الشعر الشفهي، مع التاريخ. وفي تلك اللحظة بالذات بدأ يدرك أن الكرد لا ينقصهم الشجاعة، ولا ينقصهم الثوار، بل ينقصهم شيء آخر: اللغة المكتوبة، الصحافة، الذاكرة، الخطاب، القدرة على قول “نحن” بصوت واحد. وسترافقه تلك الفكرة مدى الحياة. لكنّ مشاركته في مهمة نويل جعلته مطلوبًا من قبل الجمهورية التركية الحديثة. وهكذا دخل كاميران الفصل الطويل من المنفى. وفي ألمانيا، في ميونخ ولايبزيغ خصوصًا، عاش تجربة تُشبه إعادة الصياغة. كان يدرس القانون بجدية، ويكتب أطروحته عن الزواج في الإسلام، ويقرأ الأدب والفلسفة، ويكتشف أوروبا. في لايبزيغ درس على يد ألفرد شولتزه، المؤرخ القانوني المعروف. لعلّ هذا التكوين القانوني المقارن جعل كاميران أكثر قدرة على فهم الفروق بين الأنظمة القانونية الشرقية والغربية، وبين الأنثروبولوجيا القبلية والقانون المدني. وكانت ألمانيا بالنسبة إليه معملًا فكريًا كبيرًا، يتيح له أن يرى نفسه من الخارج. لكنه قرر ألا يبقى. فحين غادر أشقاؤه ألمانيا عام 1925، بقي عامًا إضافيًا ليُنهي أطروحته، ثم لحق بهم إلى بيروت.

في بيروت، وجد كاميران نفسه في مدينة تحمل تناقضات شبيهة بتناقضاته الداخلية: مدينةٌ تجمع البدايات والنهايات، الشرق والغرب، المنفيين والحالمين، الصحف والكتب، واللغات التي تتقاطع من دون أن تلغي بعضها. في شارع، يمكن أن تجد الأرمن يتحدثون عن مذابح الأمس، وفي آخر يتحدث العرب عن الاستقلال، وفي ثالث يتحدث السوريون عن الوحدة، وبين هؤلاء جميعًا يتحرك الكرد، يبحثون عن موقع في عالم جديد. لقد عزّز الخلاف الذي نشأ بين جلالت بدرخان والسلطات الفرنسية عام 1930 من مكانة كاميران، سواء في المجتمع الكردي أو لدى الفرنسيين. وخلال الثلاثينيات، انصبّ تركيز كاميران على السياسات التعليمية، نظرًا لحظر السلطات الفرنسية أي نشاط سياسي علني للقوميين الكرد في سوريا. فقام بتدريس دروس مسائية في اللغة الكردية في بيروت، ووضع خططًا لإنشاء مدرسة زراعية نموذجية (ferme-école) للطلاب الكرد في عكار، وهي قرية شمال طرابلس. وقد دعم المجتمع الكردي المحلي في عكار هذا المشروع، لكن نقص التمويل حال دون تنفيذه. وأسّس كاميران مع جلاَدَت والجيل الثاني من البدرخانيين ما سيصبح لاحقًا مدرسة النهضة الكردية الحديثة. لم تكن المدرسة مؤسسة رسمية، بل شبكة من العقول والجهود الفردية، تتجمع حول فكرة: أن الأمة من دون لغة مكتوبة ليست أمة، وأن الذاكرة من دون أرشيف لا تُقاوم المحو. ومن هنا بدأ الدور المركزي للصحافة. وبالتوازي مع نشاطه في الصحافة الكردية خلال ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين، تولّى إدارة البث الإذاعي الكردي في بيروت الذي كان تحت إشراف سلطات الانتداب الفرنسي.

بين عامي ١٩٣٣ و1938، سافر كاميران إلى باريس عدة مرات، حيث كان شقيقه الأكبر سريايا يعيش في المنفى. إلا أن مركز نشاطه الأساسي ظلّ في سوريا ولبنان، حيث واصل اهتمامه باللغة والثقافة الكرديتين. وكان من المساهمين المنتظمين في مجلة هاوار. وفي عام ١٩٤٠، قدّم في دمشق ترجمته للقرآن الكريم إلى اللغة الكردية، والتي نُشرت أيضًا في مجلة هاوار على شكل سلسلة، ثم أُعيد نشرها لاحقًا في كتاب مستقل. وخلال الأربعينيات، قام كاميران أيضًا بتحرير مجلته الخاصة روجا نو (Roja Nû)، وعمل مذيعًا في إذاعة ليفونت (Radio Levant) حيث قدّم برنامجًا دوريًا باللغة الكردية. وقد عاد كاميران إلى فرنسا في مناسبات متعددة حتى بعد وفاة شقيقه سريايا، وذلك خلال أوائل الأربعينيات. وكان يستكشف حينها إمكانية اتخاذ الإقامة الدائمة في باريس بعد الحرب، ليتمكن من الدعوة بشكل أكثر فاعلية إلى قضية الحكم الذاتي الكردي من هناك، لقرب باريس من موقع مؤتمر السلام.

وبعد الحرب العالمية الثانية، انتقل كاميران إلى باريس، حيث درّس اللغة الكردية في معهد اللغات الشرقية، وأسّس مركزًا للدراسات الكردية. وقد تمثّل هدفه في تعريف الغرب بالقضية الكردية. سافر إلى الولايات المتحدة وقدّم عرائض إلى الأمم المتحدة طالب فيها بتطبيق مبادئ ميثاق الأطلسي وميثاق الأمم المتحدة على الكرد المقيمين في تركيا وإيران والعراق. وتولّى في ستينيات وسبعينيات القرن العشرين دور ممثل الزعيم الكردي العراقي الملا مصطفى البارزاني، وتنسيق العلاقات بين الإسرائيليين والكرد العراقيين. توفي كاميران في باريس عام 1978.

ابتداءً من الأربعينيات، كتب كاميران ووزّع منشورات سياسية يوضح فيها المطالب الكردية موجّهة إلى الدبلوماسيين والصحفيين الدوليين. وفي عام ١٩٤٦، بينما كان لا يزال في سوريا، ناقش كاميران مع بيير روندوت إمكانية تولّيه منصب محاضر للّغة الكردية في المعهد الوطني للغات والحضارات الشرقية (INALCO) في باريس، وهو منصب مرموق. وكما اقترح بيير روندوت قبل عامين، تولّى كاميران بالفعل منصب محاضر اللغة الكردية في  INALCO، خلفًا لـ روجيه ليسكو الذي كان قد أنشأ المنصب بمبادرة منه عام 1945، ثم نُقل لاحقًا إلى السفارة الفرنسية في القاهرة بعد الحرب بسبب عمله الدبلوماسي. من عام 1948 حتى تقاعده في عام 1970، قام كاميران بدرخان بتدريس مقررات في اللغة الكرمانجية والحضارة والثقافة الكردية في المعهد الوطني للغات والحضارات الشرقي  (INALCO)، وذلك على ما يبدو دون أن يتقاضى أي أجر أو راتب منتظم. وخلال سنواته في المعهد، صاغ كاميران بمفرده برنامج الدراسات الكردية، مركزًا اهتمامه بشكل كبير على اللغة الكرمانجية على حساب اللهجات الكردية الأخرى. ولم تُدرج مقررات عن اللغة السورانية إلا في سبعينيات القرن العشرين تحت إشراف خلفه جوس بلو. بالإضافة إلى نشاطه الأكاديمي، واصل كاميران نشاطه السياسي من أجل القضية الكردية. ففي يونيو 1948، أسس مركز الدراسات الكردية في باريس، واستمر في نشر المواد وإجراء تدخلات في الأمم المتحدة ومؤسسات أخرى لدعم الحكم الذاتي الكردي. وقد راقبت السلطات الفرنسية أنشطته عن كثب طوال خمسينيات القرن العشرين، إلا أن سجلات الشرطة لم تجد أي خلل في نشاطه غير العنيف والدعاية الوطنية.

ومن باريس، سافر كاميران بدرخان على نطاق واسع في أوروبا، وألقى محاضرات، مثل محاضرته في الجمعية الملكية لآسيا الوسطى في لندن في أغسطس 1949.1176 كما سافر عدة مرات إلى سويسرا وألمانيا، للقاء أفراد العائلة والنشطاء الكرد، وزار إيطاليا لأغراض تجارية. وفي خريف 1949، بدأ رحلته الأولى إلى الولايات المتحدة الأمريكية، حيث التقى بصانعي السياسات والصحفيين على أمل إثارة اهتمامهم بقضية استقلال الكرد. وتشير سجلات الشرطة إلى أنه رغم عدم حصوله على دخل من منصبه التدريسي في المعهد، كان لدى كاميران موارد مالية شخصية وفيرة في عام 1950. ومع ذلك، توقفت نشرة مركز الدراسات الكردية في نفس العام بعد ثلاثة عشر عددًا، إذ لم تحقق الأثر المرجو ولم تعد تستحق الاستثمار الكبير من الوقت والمال. ومع ذلك، استمر نشاطه السياسي؛ فقد تحدث لصالح استقلال الكرد في الأمم المتحدة للمرة الثانية في يناير 1952. وفي باريس، أصبح كاميران حلقة وصل رئيسية للطلاب الكرد والمهجرين القادمين إلى فرنسا أو المستعدين للإقامة فيها، مستخدمًا علاقاته لتسهيل منح دراسية للطلاب الكرد القادمين من أوروبا.

وفي أوائل يونيو 1954، تزوج من ناتالي دُوسوفيتسكي، مواطنة فرنسية ولاجئة روسية سابقة. كانت ناتالي، المعروفة باسم ناتاشا، طالبة له، وسكرتيرته ورفيقة مقربة، حيث عاش الزوجان معًا في شقتها الصغيرة في باريس. ساعدت ناتاشا كاميران في تحرير وإعداد كتاباته ومحاضراته، وحلت محله أثناء سفره، أو رافقته في رحلاته. توفيت ناتاشا في فبراير 1975 في باريس. ودام كاميران بدرخان ثلاث سنوات بعد وفاة زوجته قبل أن يتوفى هو نفسه في ديسمبر 1978 في باريس عن عمر يناهز الثلاثة والثمانين عامًا. بينما أصبح قبر شقيقه جلال الدين في دمشق مكانًا للحج والدعم للقومية الكردية،تم تأسيس موقع ذاكرة مختلف لكاميران بدرخان في باريس: حيث تُحفظ أوراقه الشخصية في المعهد الكردي في باريس الذي تأسس عام 1983 على نهج مركز الدراسات الكردية الذي أسسه كاميران سابقًا. في قاعة القراءة بالمكتبة البحثية، تطل صورة كاميران بدرخان على المشهد لتذكير الزائرين بإرثه العلمي. وطوال حياته، كان كاميران باحثًا وكاتبًا غزير الإنتاج، إذ كتب أكثر من مئة عمل، معظمها عن اللغة الكردية، التاريخ، الفلكلور والسياسة. وبفضل عمله من باريس وارتباطه بالقادة والنشطاء الكرد في جميع أنحاء العالم، يُذكر كاميران بدرخان كشخصية موحدة وكممثل بارز للشتات الكردي في أوروبا.

كاميران بدرخان.. الصحافة وصناعة للذات الكردية

عندما انهارت الدولة العثمانية، لم يسقط معها نظام سياسي فحسب، بل انهار أيضًا الوعاء الأوسع الذي عاش فيه الكرد بوصفهم جزءًا من كيان فوق–قومي. كانت تلك اللحظة التاريخية فاصلة: فجأةً بات الكرد موزعين بين دول قومية ناشئة، تتبنى خطابًا مركزيًا للتجانس العرقي والثقافي، وتتعامل مع الكرد باعتبارهم “إشكالًا يجب تسويته”. في هذا المشهد المضطرب، لم يكن لدى الكرد دولة، ولا حكومة، ولا مؤسسات تعليمية. ما كان لديهم هو المنفى، واللغة المهددة بالاندثار، وبقايا الذاكرة الشعبية، والنُخب التي وُلدت في إسطنبول وعادت إلى العالم بوصفها مهمشة، فائضة عن الحاجة في الدولة الجمهورية الجديدة. هنا تمامًا يبدأ الدور التاريخي لكاميران بدرخان. ليس لأنّه فقط أحد أبناء العائلة الأميرية التي حكمت بوطان، ولا لأنّه تابع خطى أخيه جلادت في مشاريع الطباعة، بل لأنّه — أكثر من أي شخصية كردية في القرن العشرين — حوّل الصحافة إلى مؤسسة قومية، وإلى وسيلة لبناء سردية حديثة تعوّض غياب الدولة. كان كاميران الرجل الذي أدرك أن الشعب الذي لا يملك وطنًا يمكنه أن يصنعه من اللغة أولًا، ثم من الكتابة، ثم من الوعي الجماعي.

بعد إغلاق المجال العام في تركيا الكمالية، انتقلت الصحافة الكردية إلى: بغداد، السليمانية، أربيل، كركوك، مهاباد، تبريز، دمشق، بيروت، ويريفان. لكن المركز النوعي — الفكري، اللغوي، السردي — لم يكن العراق أو إيران رغم غنى الحركة هناك، بل دمشق وبيروت. هنا، في هذا الهامش الجغرافي، بدأ كاميران — مع أخيه — أعمق مشروع لغوي–صحفي–هوياتي في تاريخ الكرد. بينما اعتمدت صحف العراق على السورانية، وتنوّعت منشورات إيران بين الفصائل المسلحة، كانت صحافة سوريا ولبنان — تحت الانتداب الفرنسي — تُبنى بمنهجية مختلفة مؤسسة على : اعتماد الأبجدية اللاتينية، خطاب ثقافي أكثر منه سياسي، تركيز على الأدب الشعبي، التحرر من رقابة الدولة التركية، الاعتماد على المستشرقين الفرنسيين، إنتاج خطاب قابل للتدويل.  ومع أن جلادت هو الاسم الأكثر حضورًا في هذه المرحلة، فإن كاميران كان العقل السياسي–اللغوي الذي منح هذا المشروع “ملامحه القومية الحديثة”. كان كاميران — كما يظهر في الوثائق البريطانية — لا يجيد الكردية عام 1919، وكان جزءًا من طبقة عثمانية حضرية متمكنة من التركية. ولكن انهيار الدولة، وصعود الكمالية، وقمع ثورة الشيخ سعيد، دفعه إلى التحول من “مثقف عثماني كردي” إلى “مثقف قومي كردي”. هذا التحول لم يكن لغويًا فقط، بل سرديًا. إذ تحوّل كاميران من الكتابة دفاعًا عن الخلافة (كما في 1913) إلى الكتابة دفاعًا عن “الأمة الكردية” ضد الخطاب الطوراني الذي حاول إنكار وجودها. كانت هذه النقلة الجوهرية — من العثمانية إلى الكردية، ومن الدين إلى العرق، ومن خطاب الولاء إلى خطاب الحق — هي الأساس الذي قامت عليه سردية هاوار وروجا نو.

أُطلقت هاوار في دمشق عام 1932، ثم روناخي لاحقًا، كأول مشروع صحفي يعتمد الأبجدية اللاتينية في الكتابة بالكردية. وفي ظاهر الأمر، تبدو هاوار مشروع جلادت بدرخان. لكن كان من جانب أخر كان كاميران هو الذي بنى المنهج اللغوي، كما أنه وضع الخطاب السوسيولوجي للتحديث، وأسّس لخطاب “القومية اللغوية”، وقدم تصورًا لأهمية قطع العلاقة مع تركيا، وعمل مع المستشرقين الفرنسيين على بناء المعايير اللغوية، ووسّع دائرة المجلة لتصبح مؤسسة تعليمية أكثر من كونها صحيفة. حقيقة، كان كاميران يشدد على أن اللغة الكردية ليست أداة للتواصل فقط، بل هي “شرط الوجود القومي”. وكتب عام 1932 أن اللغات تتصارع “مثل الكائنات الحية”، وأن اللغة التي لا يكتب أهلها بها ستموت. وهذا التصور الدارويني للغة لم يكن فنيًا فقط، بل كان برنامجًا سياسيًا مكتمل الأركان. وما بين 1943–1946، وفي بيروت، أسس كاميران صحيفة Roja Nû / Le Jour Nouveau، مع ملحقها Stêr، هنا لم يكن المشروع لغويًا فقط، بل سياسيًا دوليًا. وفي روجا نو حوّل كاميران القضية الكردية إلى قضية عالمية، وعمل على النشر بالفرنسية ليصل إلى الدبلوماسيين والصحافة العالمية، وأدخل مصطلحات القانون الدولي. ومن خلال روجا نو كتب لأول مرة عن: حق تقرير المصير، حقوق الأقليات، القمع الثقافي، الشرعية التاريخية، وحجم المظلومية الكردية بالأرقام والوثائق.

قدّم سردية مضادة للخطاب الكمالي؛ ردّ على “نظرية التاريخ التركي” التي نُشرت عام 1932. ركّز على الجذور الإيرانية–الآرية للكرد، وعلى إرث بوطان، والفولكلور، واللغة. وعمل على تثبيت النسخة “المعيارية” من الكرمانجية، باعتبارها العمود الفقري لوحدة الشعب الكردي. وعمل كاميران علي ربط الثقافة بالسياسة دون صدام مباشر مع الفرنسيين فالمحتوى ظل “ثقافيًا”، لكنه كان — من الداخل — سياسيًّا بالكامل. لقد كانت روجا نو، عمليًا، وزارة إعلام بديلة لشعب محروم من الدولة. أسس كاميران في الدرب الطويل لتأسيس “السردية الكردية الحديثة” عن اللغة أولا؛ إذ كان يعتقد أن الشعب لا يُولد إلا عندما تولد لغته، وهكذا حاول الانتقال من توصيف الكرد ب: كورمانج”  كتصنيف قبليإلىكُرد” كهوية قومية موحدة، ومن “لهجات”إلى لغة معيارية. ومن لغة شفوية إلى لغة مكتوبة. وعمل كاميران — مع جلادت — على تحويل الأدب الشعبي إلى خزان للذاكرة القومية. ومحاولة اللجوء إلى الأسطورة، الأغاني، الملاحم، الأمثال، القصص، بوصفها  دليل للتاريخ ومرآة الجماعة وذخيرة السردية. وقد قال كاميران: “نكتب بما غنّته الأمهات، وبما حكاه الآباء”. وهذا التحول جعل من الفولكلور مؤسسة قومية، لا مجرد تراث. وردًا على الكمالية التي ادّعت أن “الكرد أتراك الجبل”، عمل كاميران على بناء سردية عرقية واضحة: عن طريق البحث الأصول والجذور الإيرانية–الآرية، والذهاب بعيدًا في البحث عنها في أزمنة ما قبل الإسلام، وإعادة قراءة ملحمة مم وزين، وكانت هذه النقطة بالذات مهمة إشكالية، جزءًا من معركة فكرية فرضها سياق ثلاثينيات القرن العشرين.

كان كاميران يرى، مثل بقية النخب العثمانية الحديثة، أن الكرد “شعبٌ نبيل لكنه غير متعلم”. وكتبت الدوريات الكردية مئات المقالات التي تُعالج: الفقر، النظافة، التربية، تعليم الأطفال، سلوك الزعماء، موقع المرأة، القرى والمدن. كتب كاميران مرةً درسًا في الآداب والسلوك للكرد، يبدأ بمدح صفاتهم وينتهي بانتقادهم لترك عادات الأسلاف. وفي Stêr كتب: حياة فلاحك مرآتك. إن كانوا نظيفين فاضلين، فأنت جيد. وإن كانوا فقراء جياعًا، فأنت رديء”. كان ذلك بداية نشوء طبقة وسطى ثقافية كردية، قادرة على أن تنتج ذاتها خارج سلطة القبيلة.

عندما انتقل كاميران إلى باريس، وبدأ التدريس في INALCO، لم يتخلّ عن الصحافة. بل نقلها معه إلى الجامعة. وتحوّل من محرر صحفي إلى صانع حقل أكاديمي كامل اسمه “الدراسات الكردية”، وهناك: درّس الكردية دون تقاضٍ منتظم، وبني  منهاجًا للكردولوجيا، وحاول على الدوام دعم الطلاب والمبعوثين، وأسفر عمله محاولات لأنتاج خطاب لغوي موحد.  وعمل في الأثناء على تنظيم أرشيفه الشخصي؛ إذ كتب بين 100–120 عملًا لغويًا وثقافيًا وسياسيًا. بهذا المعنى، كان كاميران جسرًا بين الصحافة والأكاديمية، بين المنفى والهوية، بين الذاكرة واللغة. إذا أردنا تلخيص دور كاميران بدرخان في الصحافة الكردية، فليس علينا أن نعدّ المقالات أو المطبوعات، بل أن نفهم ما يلي أن كاميران تعامل مع الصحافة بوصفها وطنًا، وتعاطي مع اللغة باعتبارها مؤسسة قومية، وعندما التقى بالفولكلور كان بالنسبة إليه ذاكرة جماعية. من هنا كان المنفى له إجمالًا بنية لإنتاج محتوى ثقافي يدعم في المنتهي ما يمكن تسميته السردية الكردية. فكاميران لم يكن صحفيًا فقط، ولا قوميًا تقليديًا، ولا ابن عائلة أمراء وحسب. كان، ببساطة، المهندس الأكبر للسردية الكردية الحديثة؛ سردية لا تزال تشكّل — حتى اليوم — الأساس الذي يتحدث الكرد من خلاله عن أنفسهم، وعن تاريخهم، وعن حقهم في الوجود. لقد صنع كاميران من الورق والحبر الطازج ما يمكن تسمته بوطن افتراضي. ولأن الدول قد تسقط، لكن الكلمات لا تسقط — بقي وطنه قائمًا في كل صفحة، وفي كل لغة، وفي كل قارئ كردي يتعلم، للمرة الأولى، أن لغته ليست مجرد أداة، بل هويّة كاملة.

وفي النهاية، حين نقرأ سيرة كاميران بدرخان، ندرك أنّ التاريخ لا يكتب دائمًا بلغة الملوك، بل كثيرًا ما يُصاغ بحبر المنفيّين، وبأحلام الذين لم يُتح لهم أن يعيشوا داخل حدود وطنهم بل اضطروا إلى اختراعه من جديد عبر اللغة والكتابة. كان كاميران واحدًا من هؤلاء: ابنًا لسلالة أرستقراطية كردية عريقة، وحفيدًا لأسرة وضعت بصمتها في الوجدان الكردي منذ القرن التاسع عشر، لكنه في الوقت ذاته ابن عصر مضطرب تشكّلت فيه الهويات تحت ضغط الدولة القومية الناشئة في الشرق الأوسط. ولم يكن كاميران مجرد مثقف مهاجر، بل كان مؤسسًا لنمط جديد من الخطاب الكردي، خطاب يجمع بين التراث والحداثة، بين الهوية والانفتاح، بين الحسّ السياسي والحسّ الأدبي. لقد تحوّلت تجربته في المنفى — من إسطنبول إلى القاهرة، ومن سوريا إلى أوروبا — إلى بنية تأسيسية لوعي كردي حديث يبحث عن ذاته في مواجهة عالم يتغير بعنف.

للمزيد يمكن الرجوع إلى :

Ammann, Birgit: Prinz Kamuran Aali Bedirkhan, Wegbereiter Der Kurdischen Diaspora in Europa. 2003.

Ahmet Serdar Aktürk: Family, Empire, and Nation: Kurdish Bedirkhanis and the Politics of Origins in a Changing Era, Journal of Global South Studies, volume 35, number 2, fall 2018, pp  390-423

Ahmet Serdar Akturk: agining Kurdish Identity in Mandatory Syria: Finding a Nation in

Imagining Kurdish Identity in Mandatory Syria: Finding a Nation in Exile, Graduate

Theses and Dissertations Retrieved from https://scholarworks.uark.edu/etd/866

Aktürk, A. S. (2015). Female Cousins and Wounded Masculinity: Kurdish Nationalist Discourse in the Post-Ottoman Middle East. Middle Eastern Studies, 52(1), 46–59.

https://doi.org/10.1080/00263206.2015.1078793

Barbara Henning: Narratives of the History of the Ottoman-Kurdish Bedirhani Family in Imperial and Post-Imperial Contexts Continuities and Changes, university of bamberg press, 2018  

Metin Atmaca: Three Stages of Political Transformation in the 19th century Ottoman Kurdistan,

https://journals.openedition.org/anatoli/602

Nilay Özok-Gündoğan: THE KURDISH NOBILITY IN THE OTTOMAN EMPIRE LOYALTY, AUTONOMY AND PRIVILEGE, Edinburgh University Press, 2022

Stefan Winter: The Other “Nahḍah”: The Bedirxans, The Millîs And The Tribal Roots Of Kurdish Nationalism In Syria, Oriente Moderno, 2006, Nuova Serie, Anno 25 (86), Nr. 3 (2006), Pp. 461-474

خديجة مسعود كتاني: البدرخانيون والصدارة الإعلامية 

حسينة العلي: كاميران بدرخان أيقونة الأدب الكردي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى