الأرشيف .. الذاكرة وعبور الصمت في الوجدان الكردي

تحليل: د. أحمد محمد إنبيوه .. حينما يتحول الأرشيف إلى فعل معرفي عابر للغريزة القومية الضيقة، يضحي فعلا بين الوجود والغياب، بين الصخب والصمت. وينحو إلى تركيب بنيوي مناهض للمفاهيم إقصائية. ففي قلب كل سردية جمعية، يوجد مكانٌ غامض يُعاد هندسته باستمرار؛ الأرشيف هنا ليس مكانا للثبات، بل كمنظومة كاملة لإنتاج الحقيقة، وإعادة توزيع المعنى، وصياغة ما يمكن أن يُقال وما يجب أن يُنسى. وفي الحالة الكردية، لا يتجسد الأرشيف في مؤسسة رسمية بقدر ما يتجسد في حياة الناس أنفسهم: في الوجوه، والأغاني، وصور القتلى، ومذكرات المسجونين، وحكايات أبناء المدينة والفلاحين وأبناء الجبل. هذا الضرب من الأرشفة البديلة لم يولد اختيارًا، بل نتج عن تاريخ طويل من القمع، ومحاولات محو الهوية، وتدمير الوثائق، وقطع شرايين الذاكرة الجمعية.

تشكّل الذاكرة، في التجربة الكردية، نقطة التقاء بين ثلاثة مستويات متشابكة: المحتوى التاريخي المقموع، البنية الشعورية للجماعة، والأرشيف بوصفه ممارسة سياسية قبل أن يكون ممارسة معرفية. فالكرد — عبر قرن كامل — وجدوا أنفسهم في مواجهة أنظمة متتابعة سعت إلى التحكم في سرديتهم، تارة عبر المحو المباشر، وتارة عبر إنتاج خطاب رسمي يضعهم في موقع «الخلل» داخل الخريطة السياسية للمنطقة. إن هذه العلاقة المضطربة بين الحقيقة والتاريخ، وبين السلطة والذاكرة، أنتجت ما يمكن تسميته بأرشيف الصمت؛ أرشيف لا يقوم على الوثيقة المكتملة بل على الفجوات، وعلى ما غاب أو غُيّب، وعلى ما بقي عالقًا في الوجدان الجماعي دون أن يجد لغة للتدوين. وتهدف هذه الدراسة إلى تقديم قراءة معمّقة لهذا الأرشيف، من حيث بنيته ومصادره، ووظائفه، ودوره في تشكيل الهوية الكردية، مع وضعه داخل سياق أوسع لدراسات ما بعد الكولونيالية، والسلطة، وسياسات الذاكرة.

 عندما يتحول التاريخ إلى منتج إنساني أكثر من كونه سياسي موجه تبرز الحاجة إلى بناء أرشيف أقل أدلجة وأكثر قدرة على النفاذ إلى التعبير عن تشكيلات إنسانية واسعة لا مجرد تمثيلات مصالحية نخبوية ضيقة. وإذا كان الأرشيف يمثل المحاولة الإنسانية الأكثر جدلية للإجابة علي السؤال الثقيل؛ “لماذا” و”ماذا” و”متى” و”كيف” و”لصالح من”، فإن المعرفة التي تخرج من أضابير الأرشيف بالأدوات المنهجية والمساعي الشخصية اللا أكاديمية، تعد سندا للوجود لا مجرد إرضاء للشغف فقط. ففي الحالة الكردية، على سبيل المثال، يمثل الأرشيف ودورة في المساهمة في بناء السردية الكردية، مأساة أحيانا ومأسسة حينا آخر. ومنذ بدايات القرن الحادي والعشرين، اكتسب استخدام الأرشيفات أهمية متزايدة في الدراسات كردية. نعني بـ «ىالمنعطف الأرشيفي» – الذي يزداد زخمه في العلوم الإنسانية – ظاهرة مزدوجة يُتوقع أن تؤدي إلى تجديد عميق في كتابة التاريخ الكردي، تتمثل في تنامي تأثير الأرشيفات وتنوعها وتزايدها خلال العقدين الماضيين.

لكن الاختبار والصعوبة الحقيقية تكمن مؤسسيا؛ ذلك أن تاريخ الأرشيف هو تاريخ الدولة، أو هكذا تقول المقاربات التقليدية للأرشيف. فحتى وقت قريب كان يُنظر إلى الأرشيف حصريًّا باعتباره موقعًا، أو بالأحرى مستودعًا، لسلطة الدولة الحديثة وتقنيات حكمها، ووسيطًا حاسمًا في صناعة الذاكرة الوطنية وحفظها منذ أواخر القرن التاسع عشر. وللمنظور الدولتي بعض الحقيقة: فقد جرى تصور الأرشيف بوصفه المكان الذي تحفظ فيه الحكومات سجلاتها؛ وغالبًا ما تحمل تسمياته كلمات مثل “الدولة” أو “الحكومة” أو “الوطني”؛ كما أنّه في العادة يموّل ويُدار من قبل جهة حكومية.

عبّر عدد من الباحثين الكرد عن أسفهم لفقدان جزء كبير من المخطوطات والوثائق الكردية، لا سيما خلال القرن العشرين في ظل ظروف القمع التي سادت تركيا وإيران والعراق وسوريا. تسود في السرديات التاريخية والسير الذاتية الكردية، وكذلك في الأدب، قصص كثيرة عن ضياع وتدمير المجموعات والمحفوظات الكردية. لكن إلى جانب هذه الروايات المأساوية عن الفقد، هناك أيضًا قصص غير مروية عن الإصرار والعزيمة في البحث عن السجلات الكردية وجمعها وحفظها. فعلى مدى العقود الأخيرة، تأسست مبادرات أرشيفية مهمة في كردستان وفي الشتات، تبشر بعصر جديد من إنتاج المعرفة الكردية، وتفتح آفاقًا جديدة للتفكير في الكرد وكردستان من خلال إلقاء الضوء على جوانب مجهولة من تاريخهم وسياساتهم وثقافتهم. وتوجد أرشيفات ومجموعات ووثائق في كردستان والمهجر تشهد على رؤية وإخلاص حرّاسٍ مجهولين للتراث والذاكرة الجمعية. ورغم أن بعض المبادرات الأرشيفية في كردستان العراق قد تلقت دعمًا عامًا محدودًا، فإن غياب مركز أرشيف وطني جعل معظمها يقوم على المبادرات الفردية.

ومع تفكيك التاريخ وإعادة تركيبه ابتداءً من ستينيات القرن الماضي، عبر مقاربات متعددة (ما بعد الاستعمار، النسوية، تاريخ العمل…)، تعرّضت الرؤية التي ترى الأرشيف مستودعًا لسلطة الدولة أو الهوية القومية للنقد والمراجعة. وبما أنّ الأرشيف يُعدّ مصدرًا أساسيًا لـ”الأمة”، يطرح مايك فيذرستون سؤالًا جوهريًا: “من يصنع التاريخ؟” وكذلك: من يحقّ له الوصول إليه؟ وعلى المنوال نفسه، يقارب أبّادوراي المفهوم الفوكويّ للأرشيف، معتبرًا أنّ الوظيفة البانوبتيقية التي ينسبها فوكو إليه هي رؤية “قاتمة للغاية”، مقترحًا استبدالها بفكرة الأرشيف بوصفه “مشروعًا جماعيًا”. فـ”صناعة الوثائق وتجميعها في أرشيف ليست شأنًا حكوميًا خالصًا”، بل هي أيضًا جزء من الحياة اليومية خارج نطاق الدولة.

وعليه، ينبغي فهم عملية الأرشفة بوصفها مشروعًا جمعيًا، وصناعة الأرشيف باعتبارها عملًا متنازعًا، صراعيًا، لكنه في النهاية جهد مشترك بين الفاعلين والمؤسسات في الدولة والمجتمع. ومن هذا المنظور، يتيح الأرشيف إمكانيات واسعة أمام الباحثين—مؤرخين كانوا أم أنثروبولوجيين تاريخيين—للبحث في تواريخ مضادة، وسرديات بديلة، وتجارب متعددة. كما يشير باتريس لادويغ وريكاردو روكي إلى أنّ “إثنوغرافيا الأرشيف” أو “الإثنوغرافيات الأرشيفية” يمكنها أن “تكشف العمليات التي صُهرت عبرها خطابات متباينة، بل متصارعة، في أيديولوجيا واحدة متماسكة”، وأن تميط اللثام عن “الإخفاقات، والقلق، والصمت، والغياب، والصراعات التي تنعكس في تاريخ المؤسسات الأرشيفية ووثائقها ذاتها”.

الأرشيف والذاكرة

تعد الأرشيفات بمثابة مصانع ومختبرات المؤرخ. وإلى جانب المكاتب الخاصة والمكتبات العامة، تُعدّ الأرشيفات المواقع التي يتدرّب فيها الباحثين والمخازن التي يحصلون منها على المواد اللازمة لبناء التاريخ الذي تتم كتابته. ومع ذلك، حتى وقت قريب، نادرًا ما توقف الباحثون للتفكير في كيفية نشوء هذه المستودعات ولماذا نشأت، رغم أن هذه العمليات شكّلت بعمق معرفتنا بالماضي ولونتها. كثيرًا ما يجري استخراج الوثائق التي تحتويها دون تمحيص القرارات المتعلقة بالاختيار والترتيب والحفظ والاستبقاء التي اتخذها أولئك المسؤولون عن رعاية محتوياتها عبر أجيال متعاقبة. ولا زال الوقوع في فخ التعامل مع هذه الأرشيفات وكأنها نافذة شفافة يمكننا من خلالها أن نرى مجتمعات بعيدة عنا في الزمن. إن الميل إلى اعتبار الأرشيفات خزانات محايدة وغير إشكالية للحقائق التاريخية هو إرث من تطورات الكتابة التاريخية في القرن التاسع عشر. فقد عكس هذا الميل أسلوب “التاريخ العلمي” المرتبط بجهود الباحث البروسي ليوبولد فون رانكه، الذي، من خلال رفع التحليل التجريبي للمصادر الأولية إلى مرتبة المنهج المقدّس، أسّس المبادئ المنهجية الأساسية للتاريخ بوصفه علماً. وقد كانت “عبادة الأرشيف” التي يجري توريثها، نتاجًا فرعيًا للوضعية السائدة في تلك الحقبة، التي جعلت من الموضوعية سمة فلسفية للعمل الأكاديمي المهني، وافترضت أن الباحث الدؤوب قادر على إعادة بناء ما حدث فعلاً بدقة ووضوح.

في اللحظة الإبستمولوجية ذاتها، ظهر مفهوم الأمين على الأرشيف كوصيٍّ سلبي ومحايد على بقايا الماضي. وقد شكّل هذا المبدأ، القائم على “الوصاية غير المرئية”، الأساس الذي قامت عليه المستودعات الرسمية بوصفها ذراعًا من أذرع الدولة البيروقراطية الحديثة، وولّد طبقة جديدة من الموظفين المدنيين. ووفقًا للدليل الهولندي الرائد في منهجية الأرشفة الصادر عام 1898، وكتاب هيلاري جنكنسون المؤثر دليل إدارة الأرشيف(1922)، فإن أمين الأرشيف هو “الخادم المطيع الصامت للمؤرخ”. وبحسب هذه العلاقة التبعية، كانت مهمته تقتصر على حفظ السجلات، دون أن يتعدى على مجال المؤرخ المتخصص أو يشارك في تفسيرها. بالنسبة لجنكنسون، فإن أمين الأرشيف الذي يقترب من عمله “دون تحيز أو أفكار مسبقة” يصبح “أكثر المتعبدين إخلاصًا للحقيقة التي ينتجها العالم الحديث”. لقد استمر تأثير هذه الافتراضات، وأدى إلى حجب الدور الحيوي الذي لعبه القائمون على حفظ السجلات في تحديد حدود الفهم التاريخي ومعاييره. وكما يشير تيري كوك في مقاله المهم “الأرشيف وطن غريب”، فقد أسهمت هذه التصورات في إقامة فاصل غير صحي بين المؤرخين وأمناء الأرشيف، وأخفت حقيقة أن كليهما شركاء في صناعة المعنى التاريخي.

وخلال العقدين الماضيين، بدأ المؤرخون والأنثروبولوجيون والنقاد الأدبيون وعلماء الأرشفة في إجراء حوارات بين تخصصية مثيرة. وبالانتقال من استخراج محتويات الأرشيفات إلى مساءلة إثنوغرافيا الأرشيف نفسها، بات عدد متزايد من الباحثين يدركون، على حد تعبير كاثرين بيرنز، أن الأرشيفات “أقرب إلى رقعة شطرنج منها إلى مرآة”. فهي ليست مخازن ساكنة للمعلومات، بل فضاءات تمارس فيها الذوات، المعاصرة واللاحقة، الفاعلية والهوية والسلطة. هذا التحول يعكس أيضًا نتائج الانعطافة اللغوية التي أعادت توجيه العلوم الإنسانية منذ ستينيات وسبعينيات القرن العشرين، وما تلاها من التشكيك ما بعد الحداثي في قدرة المؤرخ على تجاوز اللغة التي تفصلنا عن الماضي. وقد تأثر هذا المسار بأعمال هايدن وايت حول “مضمون الشكل”، وبتدخلات ميشيل فوكو حول أنظمة الفكر الغربي في نظام الأشياء وأركيولوجيا المعرفة، وكذلك بكتاب جاك دريدا حمى الأرشيف الذي قرأ الأرشفة كتعبير فرويدي عن الرغبة في الحفظ المصحوبة بكبت سرديات بديلة. لقد جعلت هذه المساهمات من الأرشيف مجازًا للبنية الفكرية المهيمنة، وموقعًا تُعاد فيه صياغة علاقات السلطة والمعرفة.

يشبه عمل الأرشيفي عمل المحقق، فهو يجمع الأدلة ليبني صورة متكاملة للأحداث. تخيّل أن تحاول كتابة تاريخ الولايات المتحدة من وجهة نظر البريطانيين فقط، وفكّر في مدى تغيّر فهمنا للتاريخ لو أن خطبة أبراهام لينكولن في غيتيسبيرغ، أو كتابات تشي غيفارا، أو خطب نيلسون مانديلا قد فُقدت. تكتسب القصة عمقها وسياقها من مساهمات مجتمعاتها المتعددة — من أساطير الخلق لدى السكان الأصليين الأوائل لأستراليا، إلى لوحات فريدا كاهلو، إلى موسيقى أريثا فرانكلين. وتملك معظم الدول المتقدمة أرشيفات ضخمة وممولة جيدًا، وحتى الدول النامية الصغيرة مثل غينيا بيساو وبالاو تحتفظ بأرشيفات وطنية متواضعة. لكن ماذا عن الجماعات مثل الكرد — تلك التي تعيش بين شقوق الخرائط السياسية، في أماكن مزّقتها الحروب، وثقافاتها وتواريخها مُستبعَدة من السرد السائد؟ غالبًا ما ينتهي تاريخهم في أكياس أو صناديق تُخبّأ في علّيات المنازل. وبالنسبة لكثيرين، تمثّل هذه الأشياء وسيلةً للحفاظ على هويتهم، حتى عندما لا يعترف بهم أحد رسميًا. وأحيانًا، يخاطر أناس عاديون، في ظروف استثنائية، بحياتهم من أجل إنقاذها. تقول آن غيليلاند، أستاذة بجامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس والمتخصصة في دور الأرشيف والذاكرة في مناطق الحروب والصراعات المجمدة والدول غير المعترف بها، إن القصص التي يتمسكون بها أو يحاولون إعادة تجميعها ليست ساكنة. “إنها حيّة، وفي الحروب تُصبح هدفًا، فمحو السجلات هو طريقة لمحو البشر أنفسهم”. وهذا ما يجعل الذين يكرّسون أنفسهم لإنقاذ هذه السجلات في طليعة معركة صامتة لكنها حاسمة — معركة تدور حول التاريخ والذاكرة، وعن حق الشعوب في أن تُروى قصتها بلسانها.

يُعَدّ الأرشيف الأساس الذي تتشكل عليه ذاكرتنا. فبحسب التعريف، تنطوي عملية الأرشفة على جمع، وحفظ، وتنظيم مختلف الوثائق والقطع الأثرية بهدف توثيق التاريخ وتفسيره. وتشير الذاكرة، في هذا السياق، إلى التذكر الفردي والجماعي للأحداث المؤرشفة. وعندما يجتمع الاثنان — الأرشفة والذاكرة — فهما اللذان يحددان كيف تفهم المجتمعات ماضيها وكيف تتعامل معه، مما يؤثر بدوره في هويتها الحاضرة والمستقبلية. إن تأثير الأرشيف هائل، إذ يجعله أداة لصياغة الذاكرة الجمعية والهويات المتعددة. لكن المعضلة تكمن في أن الدول القومية وحكوماتها، من خلال مأسسة الأرشيف على نحو رأسمالي، تقوم بتوثيق التاريخ انتقائيًا بما يخدم شرعنة رواياتها الرسمية، وتعزيز السرديات المهيمنة، وفي المقابل تتعمّد إسكات الأصوات المستعمَرة وتهميشها. وهكذا تحوّل الأرشيف إلى حيّز مغلقٍ ومُستبعَد. وفي كتابه “الأرشيف والعدالة: منظور من جنوب إفريقيا” (2007)، يكتب فيرن هاريس (Verne Harris) “الأرشيف هو عن السلطة. إنه عن المساءلة. عن الذاكرة. وعن اختيارات المجتمع بشأن ما يريد تذكّره أو نسيانه.” ويشدّد هاريس على أن الأرشيف يمكن أن يقمع الحقيقة أو يكشفها في آنٍ واحد، إلا أن ما ينتصر في نهاية المطاف هو الأرشيف غير الأصيل— حيث تُنتقى السجلات التاريخية انتقائيًا لتدعم بنى السلطة السائدة، ما يؤدي إلى محوٍ منهجي لتواريخ المقاومة الحقيقية، والتجارب الجماعية للعنف، والأيديولوجيات البديلة. وبالتالي، يمكن القول أن الدول القومية تتحكم في ما يُعدّ معرفة ضرورية أو خطِرة لمواطنيها، من خلال التحكم في تدفق المعلومات وتصنيف الأفكار بحسب ما يُعتبر ملائمًا لـ”الاستقرار الاجتماعي” أو “الأمن القومي”. وعلى الرغم من وفرة المعلومات المتاحة، فإن هذا النهج المنحاز يُبعدنا عن “الحقائق المحسوسة”، إذ تُشوَّه السجلات التاريخية لتتماهى مع السرديات الرسمية التي تُجيزها الدولة، وغالبًا ما تُمنح وثائق أو قصص أو آثار معينة الأولوية على حساب غيرها، لتُنتج في النهاية ذاكرةً رسمية تتماشى مع قيم المجتمع المتجانس أو أولويات المؤسسة الحاكمة.

وتميّز النظرية الأرشيفية الكلاسيكية بين مصطلحي السجلات والأرشيف بدقة. فالسجلات هي الوثائق التي تُنشأ وتُستقبل وتُحفظ من قبل المؤسسات أو الأفراد كأدلة على التزامات قانونية أو معاملات إدارية جارية. أما الأرشيفات، فهي مجموعات تُحفظ بصفة دائمة نظرًا لقيمة المعلومات التي تحتويها واستمرار أهميتها بعد انتهاء أغراضها الإجرائية. بمعنى آخر: السجل يخدم الحاضر، أما الأرشيف فيُخزَّن من أجل المستقبل. غير أن هذه التعريفات الصارمة — التي تعود إلى التحولات الإدارية في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين — لم تعد صالحة تمامًا في ظلّ التحولات الرقمية المعاصرة، إذ غيّرت التقنيات الجديدة طبيعة الوثيقة وحدودها. وهي أيضًا تعريفات إشكالية إذا ما أُسقطت على العصور الحديثة المبكرة، حيث كانت العلاقة بين “السجل” و”الأرشيف” أكثر سيولةً وتعقيدًا مما تتخيله النماذج البيروقراطية اللاحقة. في القرنَين السادس عشر والسابع عشر، استُخدم مصطلح أرشيف للإشارة إلى أماكن حفظ الوثائق القديمة والعهود والأدلة والسجلات الملكية — أي مؤسسات مادية كالدواوين والخزائن. وتُظهر معاجم تلك الفترة مثل Glossographia لتوماس بلونت (1661) والموسوعة لدِيدِرو ودالمبير (1751) أن الكلمة مشتقة من الجذر اليوناني arkheion، الذي كان يعني دار الحاكم أو مقرّ السلطة. أما كلمة سِجلّ فقد ارتبطت أكثر بالمجال القضائي والإداري، إذ كانت تعني الوثائق التي تُحفظ عمدًا لأغراض قانونية أو كأدلة رسمية لإثبات الوقائع. لكن كلا المصطلحين استُخدما أيضًا بمعانٍ أوسع وأغنى دلاليًا — فالأرشيف والسجل كانا يُشار بهما أحيانًا إلى أي مستودع للمعرفة أو الذاكرة: المكتبات، المتاحف، مجموعات المخطوطات والخرائط، وحتى مقتنيات الفضوليات (cabinets of curiosities).

وقد تكرّس الفصل بين “الأرشيف” و”المكتبة” مؤسسيًا بعد الثورة الفرنسية بإنشاء الأرشيفات الوطنية والمكتبة الوطنية، وتكرّر ذلك النموذج في بريطانيا عبر مكتب السجلات العامة والمتحف البريطاني. لكن هذا الفصل لا يعكس الواقع الديناميكي لحفظ السجلات بين القرنين السادس عشر والثامن عشر؛ فقد احتوت بعض الأرشيفات، لا سيّما العائلية منها، على مواد غير إدارية الطابع جُمعت بدافع الذاكرة والخلود، في حين ضمّت مكتبات كثيرة وثائق قانونية وأوراقًا خاصة بهدف الحفاظ على الماضي لدراسته وتحليله. على سبيل المثال، كانت مكتبة السير روبرت كوتون في إنجلترا مفتوحة أمام العلماء ورجال الدولة، واحتوت على وثائق حكومية (بل بعضها مأخوذ من الدولة نفسها!) واستخدمت كـ“ترسانة فكرية” لمعارضة الامتيازات السياسية، بما فيها السلطة الملكية المطلقة. أما في فرنسا، فقد جمع جان-باتيست كولبير، مهندس أرشيف النظام الملكي القديم، وثائق متنوعة شكلت أساس المؤسستين اللتين أُنشئتا بمرسوم 25 يونيو 1794. في ضوء هذا التاريخ، لم يعد ممكنًا الادعاء بأن الأرشفة اتسعت لتشمل الهوية الوطنية والثقافة فقط بعد عام 1800؛ فقد كانت تلك النزعة حاضرة قبل ذلك بقرون في المجالين المدني والخاص. لقد عملت السجلات والأرشيفات بوصفها وثائق وشواهد (muniments)، ولكن أيضًا نُصُبًا تذكارية (monuments) تدل على وعيٍ تاريخي ورغبة في حفظ الماضي من أجل المستقبل. ومن ثمّ، يجب النظر إليها ضمن طيف لغوي ومفاهيمي واحد يشمل الكنوز والخزائن والمتاحف وغرف العجائب، فهي جميعًا أماكن للذاكرة المادية والمعنى الرمزي.

الأرشيف كاستعارة للذاكرة والمعرفة والقدرة على إنتاج السردية.. تركيا نموذجا    

بقراءة عميقة، يمكن القول: لقد شكّل الأرشيف بنية رمزية تنظّم علاقة المجتمعات بذاتها وبمعرفتها وبماضيها. ففي الأزمنة الحديثة المبكرة، قبل قرون من أن يصوغ جاك دريدا قراءته الشهيرة للأرشيف كمجاز للسلطة المعرفية الشاملة، كان مفكّرون، لاهوتيون ورجال قانون وفلاسفة، يلتفتون بالفطرة إلى هذا البعد المجازي العميق. وقد درست فرانسيس ييتس وماري كاروذرز هذا الامتداد الدلالي، لتكشفا كيف أصبح «الأرشيف» استعارة للذاكرة نفسها، أو بتعبير آخر: تمثيلاً لبنية داخلية تحفظ المعنى وتعيد إنتاجه. ولذلك، لم يكن غريبًا أن تُوصَف الذاكرة في ترجمات أوائل القرن السابع عشر بوصفها «أرشيفًا كئيبًا وسجلًّا فظًا يحمله الإنسان معه»، أو أن يُنظر إليها كـ«خزانة الحقيقة». لقد تجاوز المفهوم حدوده الدنيوية ليصبح رمزًا للعناية الإلهية، ولما هو محفوظ في «أرشيف الأبدية» على حدّ تعبير نيكولاس كروس. وما إن نصل إلى اللاهوت البروتستانتي المتأخر حتى نجد آدم نفسه يُقدَّم باعتباره «أرشيف العقل والتقوى»، أي الحاوي الأول للمعرفة الإنسانية. هذه اللغة ليست مجرد زخرفة خطابية، بل تكشف عن جوهر الأرشيف بوصفه آلة لإنتاج النظام المعرفي: ما يُحفظ، ما يُستبعد، ما يُنسى، وما يُعاد إحياؤه. وبذلك يصبح الأرشيف — حتى قبل أن يتحقق تاريخيًا في مباني الدولة ومؤسساتها — أداة لإدارة الذاكرة، ولتحديد قيمة المعرفة وحدودها ومَن يملك سلطة اختيار ما يستحق أن يُسجَّل وما يحق له البقاء في الظل.

لكن الأرشيفات ليست متجانسة ولا تؤدي الوظيفة نفسها. فالأرشيفات الرسمية تنشئ سردًا مركزيًا، ينظر إلى العالم من بوابة الدولة: تهديدات أمنية، قضايا إدارة، ضبط اجتماعي. أما الأرشيفات الشخصية أو الشتاتية، فتفتح منفذًا لما يسميه والتر بنيامين «التاريخ المضاد» — أي تاريخ التفاصيل الصغيرة، الرسائل والمخطوطات والقصاصات والصور، والذكريات اليومية التي لا تعترف بها الدولة، لكنها تحفظ النبض العميق للمجتمع وحركته. وهنا تتجلّى الحاجة إلى منهج «القراءة المتقاطعة»؛ أي وصل الرسمي بالشفهي، المادي باللا-مادي، المُوثَّق بالمنسي، لإعادة تركيب سردية تتجاوز حدود الرواية السلطوية.

وعلى نحو أكثر تجريدا، يمكن الاقتراب من الذاكرة والأرشيف في الحالة التركية كنموذج لاختبار ممكنات بناء السردية بمنهجية تساءل الأرشيف وتعيد هندسة عمقه الدلالي. فعلى مدى العقدين الأخيرين، خضعت السرديات الرسمية للتاريخ في تركيا لمراجعات نقدية متزايدة، إذ أصبحت الذاكرات المسكوت عنها والماضي المنكَر مواضيع لنقاش عام واسع. ولم تعد السرديات السياسية الكبرى تجذب الاهتمام الشعبي بقدر ما تفعل الذكريات العائلية والتجارب المحلية والسير الذاتية. ومن الأفلام الوثائقية والمسرحيات والروايات إلى المذكرات والندوات، أصبح التاريخ جزءًا من الخيال العام في الحالة التركية على سبيل المثال، وأضحى يُستحضر بوصفه متعة ثقافية ووسيلة للمطالبة بالعدالة ورد الاعتبار. صحيح أن هذا التوجه أدى أحيانًا إلى تسليع التجربة التاريخية وتحويلها إلى حنين فردي، لكنه في الوقت نفسه أسهم في كشف الالتباسات المحيطة بالانتماء السياسي في تركيا المعاصرة — بلدٌ ما يزال فيه الانتماء مرتبطًا بالهوية العرقية والدينية (وخاصة التركية السنية)، وبالولاء للسرديات الرسمية التي تُدافع عنها الدولة بالعنف والإقصاء. فالسرديات الكبرى التي شيدتها الدولة — القومية الأحادية، المركزية الصارمة، الهوية التركية السنية بوصفها معيارًا للمواطنة — بدأت تفقد احتكارها للمعنى. في المقابل، أخذت الذاكرات الفردية والعائلية، التجارب المحلية، والأصوات المُسكت عنها تعود إلى المجال العام بقوة، سواء عبر الرواية والمسرح والأفلام الوثائقية، أو عبر المبادرات البحثية والندوات والأرشفة المجتمعية.

لكن هذا الانفتاح الجديد كشف، في الوقت ذاته، هشاشة البنية المعرفية التي شكّلت التاريخ الرسمي التركي. فالكتابة التاريخية العثمانية–التركية، خصوصًا فيما يتعلق بالولايات الشرقية، ظلت لعقود طويلة حكرًا على منظور دولة–مركزية لا ترى في الكرد والأرمن إلا إقفالًا لمعادلة «القطر الواحد». أما التاريخ الاجتماعي والثقافي لهذه الجماعات، فقد دُفع إلى الهامش، بل واعتُبر في كثير من الأحيان تهديدًا سياسيًا. ومن هنا يمكن فهم السبب وراء حظر ذكر الكرد في الكتب المدرسية حتى مطلع الألفية، أو وراء سجن إسماعيل بيشيكجي لسنوات فقط لأنه كتب عن الكرد بوصفهم جماعة تاريخية قائمة. فكان الكشف عن أصوات الجماعات المُهمَّشة يُعدّ أمرًا جديدًا نسبيًا في تاريخ الدولة العثمانية وتركيا الحديثة. ففي سياق الصراع طويل الأمد بين الكرد والدولة التركية، وفي ظل الجدل حول الإبادة الأرمنية، ظلّت الكتابة التاريخية العثمانية ـ التركية حول الولايات الشرقية دولة-مركزية وقومية في معظمها. كما بقيت أبواب الجامعات التركية مغلقة تمامًا أمام كل الموضوعات المتعلقة بالكرد أو أمام الباحثين الكرد الذين يجاهرون بهويتهم.

في ظل غياب الحرية الأكاديمية والفكرية، أحجم معظم الأكاديميين الأتراك عن إدراج أي مادة تخصّ الكرد أو الأرمن في أعمالهم البحثية. ونتيجة لذلك، تشكّلت تواريخ هاتين الجماعتين خارج المؤسسة الأكاديمية، على يد غير المتخصصين: ناشطين سياسيين، صحفيين، ومحامين. وقد شكّلت عملية تهميش الكرد والأرمن في الكتابة التاريخية العثمانية ـ التركية نبرة السرديات غير الأكاديمية بطريقتين أساسيتين. أولًا، صار دحض الرواية الرسمية الدافع الأكبر لكتابة التاريخ لدى كلتا الجماعتين. فبالنسبة للكرد تمثّل هذا في تبنّي مقاربات إثنو-قومية، بينما اتخذت لدى الأرمن شكل سردية تتمحور حول لحظة الإبادة. ويمكن تلخيص هذا الدافع في المقولة الشائعة: “الكرد حاولوا طويلًا إثبات أنهم يعيشون (أي موجودون)، بينما حاول الأرمن إثبات أنهم قُتلوا”. وثانيًا، اتسمت علاقة كلتا الجماعتين بالأرشيف بقدر من التوجس، وإن كان لأسباب مختلفة. فبالنسبة للمؤرخين الكرد، لم يكن الأرشيف سوى معين للرواية الرسمية، خضع لرقابة صارمة حجبت أي وثيقة يمكن أن تعارض هذه الرواية. ومن ثمّ، فلا ينتج عنه إلا تاريخ مُتحيّز ومشوّه. أما عند المؤرخين الأرمن، فقد صار الأرشيف رمزًا للبحث المضني عن “السلاح الدخاني”—الأمر المركزي الصريح بإبادة الأرمن في 1915. وهكذا، حافظت هاتان الأقليتان على مسافة حذرة من الأرشيف، إضافة إلى العراقيل العملية التي واجهتهما في الوصول إليه. وهكذا نشأ سرد مضاد، لكنه مشحون — بالضرورة — بحسّ إثبات الوجود: الكرد «يكتبون ليقولوا إنهم موجودون»، والأرمن يكتبون ليُثبتوا أنهم «قُتلوا». ومن ثم فقد حملت الكتابة غير الأكاديمية نبرة المواجهة، واستبطنت في الوقت نفسه علاقة متوترة بالأرشيف: بالنسبة للكرد، هو مكان للرقابة والحذف؛ وبالنسبة للأرمن، هو مكان للبحث المحموم عن الوثيقة القاطعة.

ومنذ أوائل الألفية، شهدت تركيا ما يمكن تسميته “يقظة المجتمع المدني”، وازدياد الاهتمام البحثي بتاريخ الأقليات التي طالما أُقصيت أصواتها من السرديات الرسمية. وارتبط ذلك أو تُوّج بظهور مشروعات التاريخ الشفوي التي أنجزتها في الأغلب منظمات غير حكومية. ووفقًا لليلى نيزّي، فإن ازدهار دراسات التاريخ الشفوي والذاكرة “يقدّم نقيضًا للتاريخ بوصفه تخصصًا راسخًا، مهيمنًا، ارتبط تاريخيًا بالدولة”. وقد ترسّخت قناعة واسعة بأن منهجيات التاريخ الشفوي (مقابل المناهج التقليدية مثل الأرشفة) أكثر قدرة على استعادة الأصوات المُقموعة في التاريخ العثماني ـ التركي، مما أسهم في إعادة إنتاج وجهة النظر التي ترى الأرشيف موقعًا لسلطة الدولة والهوية القومية.  إذن برز التاريخ الشفوي كبديل جذاب، ليس لأنه أكثر «صدقًا» من الأرشيف، بل لأنه يفتح الباب لعودة أصوات طال إقصاؤها. بيد أن هذا الميل، برغم ضرورته، خلق انطباعًا أن الأرشيف لا يمكن أن ينتج إلا سردية سلطوية، وهو انطباع تختبره الدراسة نقديًا. فالأرشيف ليس كتلة صمّاء، بل فضاء تتراكم فيه أصوات متعارضة تنتظر فقط أن تُقرأ خارج منطق الدولة.

يقول ديركس إن وصول المؤرخ إلى الأرشيف يشبه وصول الأنثروبولوجي إلى الميدان: كلاهما يمثل “طقس عبور” أو “لحظة سحرية”. لكن على خلاف قصص وصول الأنثروبولوجيين، فإن “قصة وصول المؤرخ تكاد تكون غير مروية، محجوبة بفكرة أنّ الأرشيف—على الرغم من طابعه العجائبي—لم يكن يومًا غريبًا أو استوائيًا”. أما وصولي أنا إلى الأرشيف فكان لحظة مشوبة بالقلق والأمل. فبعد تكويني كمؤرخ اجتماعي، كنت قد قرأت الكثير من الحكايات الأخّاذة لمؤرخين عملوا على مناطق مختلفة من العالم و”سمعوا” أصوات الفاعلين الاجتماعيين—أو على الأقل من اختاروا منهم أن يسمعوهم. ومع ذلك، كانت السرديات القليلة المتاحة حول التاريخ الكردي لا تقدّم سوى قصة لا تنتهي من الاستيعاب والتدمير، إلى جانب المقاومة. لقد بدا العنف المنهجي الذي مارسته الدولة شرطًا مسبقًا للاعتراف بالكرد بوصفهم فاعلين تاريخيين.

وفي هذا السياق، احتلت روايات التاريخ الكردي في القرن العشرين مكانة مركزية في النقاشات التي تتحدى أسس التأريخ الرسمي التركي. فالذكريات الشخصية والسرديات الشفهية المتداولة داخل المجتمعات الكردية لا توثّق فقط تاريخ العنف الممنهج الذي مارسته الدولة ضد مواطنيها الكرد، بل تحتفظ أيضًا بذاكرة الوجود الأرمني في الأناضول الشرقية والإبادة التي أنهته. بذلك، تكشف الذاكرة التاريخية الكردية عن الإقصاءات المؤسسة لقيام الدولة التركية الحديثة، وتتصادم مباشرة مع سردياتها الرسمية التي لا تزال تنكر الإبادة الأرمنية وتخفي عنف الدولة. لذا تعد التقاليد الشفهية الكردية مخزونًا بديلًا للمعرفة التاريخية قادرًا على تحدي السرديات السلطوية والكتابات التأريخية المهيمنة.

يشير كبیر تمبار إلى أن التاريخ أصبح اليوم «خطابًا مركزيًا للنقد الديمقراطي» في تركيا، لكن هذا المكسب يحمل تناقضًا داخليًا: فعندما يُنتقد الماضي بأدوات صاغتها الدولة نفسها، يصل النقد إلى لحظة مفارَقة، إذ يُعاد إنتاج منطق السلطة وإن كان بنيّة مقاومته. وتتقاطع هذه الفكرة مع أطروحة سبيفاك حول «استحالة أن يتكلم التابع»، فالتحدث باسم التابع — وفق منطقها — يعني إدخاله في فضاء الخطاب المُهيمن الذي نفى وجوده أصلًا. هذا التوتر المعرفي يضع المشاريع الكردية لبناء أرشيف بديل أمام سؤال صعب: كيف يمكن إنتاج سردية مضادة دون الوقوع في منطق الدولة نفسها؟ وكيف يمكن للأرشيف أن يكون مساحة للتحرر وليس امتدادًا آخر لهيمنة معرفية مختلفة في الشكل فقط؟ تكمن الإجابة — ربما — في إدراك أن الأرشيف ليس نصًا مُغلقًا، بل ساحة للتأثير والرنين، مكان يلتقي فيه الصوت والذاكرة والجسد، ويتجاور فيه المسكوت عنه مع المُعلن، ويتداخل فيه السياسي مع العاطفي. بهذا المعنى، يصبح الأرشيف الكردي فضاء تشكّل، لا مجرد مخزن للوثائق، ويصبح تاريخه تاريخًا للأجساد والأصوات والمشاعر، بقدر ما هو تاريخ للأحداث.

إن الفصل بين “التاريخ” و”الذاكرة” كما نظّر له بيير نورا يصل هنا إلى حدوده. ففي تركيا، إذا كان التاريخ أداة لصنع “المواطن النموذجي” وبناء الهوية الوطنية كما هو الحال في معظم البلدان، فإنه يُعدّ قبل كل شيء أداةً أورويلية للهيمنة على الأزمنة الثلاثة: الماضي والحاضر والمستقبل، ولتقديس السلطة. وعليه، يأتي دور الأرشيف بوصفه مساحة تعبير للذاكرة المضادّة لا تجدها في أي مكان آخر، إذ إن الدولة التركية تخنق منذ مئة عام كل خطاب يختلف عن “الأطروحة الرسمية”. .

عنف الأرشيف.. الحالة الكردية

من النادر أن نجد في تاريخ الشرق الأوسط كيانًا يحظى بقدر من التعقيد في تشكّله السياسي مثل كردستان. فهي منذ نهاية القرن التاسع عشر أشبه بخريطة معلّقة بين الإمبراطوريات، كلّ منها يقتطع جزءًا ويعيد رسمه وفق مصالحه. وفي ظلّ هذه الهيمنة المتعددة، شكّل التجريد السياسي وسيلة لطمس هوية الكرد عبر: التقسيم الحدودي القسري، المنع اللغوي، محو الأسماء الجغرافية، تذويب الثقافة في مركزيات قومية أخرى. ولأن الهوية القومية لا تكتمل إلا بذاكرة، فقد شكّلت هذه السياسات حربًا مباشرة على إمكانية تشكّل ذاكرة كردية متماسكة.. وتبعا لذلك يمكن القول أن الحالة الكردية تُمثّل مثالًا صارخًا على الكيفية التي يتحوّل بها الأرشيف من مخزون محايد للوثائق إلى ساحةِ صراعٍ سياسي وثقافي؛ إذ لا تقتصر عمليات التغييب هناك على العنف المادي فحسب، بل تتعدّاه إلى عنفٍ معرفي ومنهجي يستهدف إمكانية «التذكّر» ذاتها. إذا كان رسم الخرائط وتحديد الحدود أعمالًا بديهية في خطاب السيادة، فإن إعادة رسم الخرائط بالاسم والمسمّى واللغة تصبح ممارسةً للهيمنة الرمزية، ومجالًا للتعايش مع سلطة النسيان. بهذا المعنى، تحوّلَت أرض كردستان منذ أواخر القرن التاسع عشر إلى مساحة مُجزّأة جغرافيًا وسياسيًا، خضعت لتقاسيمٍ إمبراطورية ودولية أعادت إنتاجها حدودًا وطنية، فشتّتت بين أطر سلطوية متداخلة ومتناقضة.

تُعدّ اتفاقيّة سايكس–بيكو (1916) نقطةَ فاصِلة في هذه العملية: فلم يكن تقسيم النفوذ البريطاني–الفرنسية مجرد تقسيم سياسي للحدود، بل كانت أيضًا بداية فصلٍ منهجي لأطر الوجود الجماعي. بتجاهلها القسري للانتماءات العرقية والمجتمعية، أزاحت الاتفاقية إمكانية التوحّد الإقليمي للكرد عن مسار التاريخ السياسي، وطرحتهم أمام أنظمةٍ قوميةٍ جديدة وجدت في فرض سرديةٍ مركزيةٍ عن الأمة سببًا لشرعنة سياساتها. وهكذا لم تُقسّم كردستان على الخارطة فحسب؛ بل بدأت عمليةُ «تدوين الوجود» بدلالاتٍ معادية: تغيير الأسماء، طمس المعالم اللغوية، وتقييد ممارسات الذاكرة الجماعية.

أما النتيجة العملية لهذه العمليات فتمثلت في سياساتٍ ممنهجة قوامها إخراج لغةٍ وثقافةٍ كاملة من المجال العام. فقد ارتبطت برامج التحديث القومية في تركيا وإيران والعراق وسوريا بسياساتٍ تهدف إلى تهميش المكوّنات القومية الأخرى، عبر ما يمكن تسميته بحروب تشريعية وإدارية وثقافية: حظر اللغة، منع تسمياتٍ جغرافيةٍ، مصادرة المواد الثقافية، ومنع التعليم والتمثيل الرسمي. وفي ضوء ذلك، لم يعد الأرشيف مجرد مستودعٍ لتسلسل وثائق، بل صار حقلًا للممارسة السلطوية: ما يُسجّل داخل أرشيف الدولة هو الذي يُعتَدّ، وما يُستبعد منه يشيخ في متاهات النسيان.

في تحليلٍ موجز، يلتقط ديفيد مكدووال هذا المنعطف حين يشير إلى استبدال الأسماء الكردية بأخرى تركية في المواد الرسمية؛ إذ إن فعل استبدال الأسماء ليس تغييرًا رمزيًا فحسب، بل هو استيلاء على معنى المكان والذاكرة. ومن منظورٍ نظريةٍ ما بعد استعمارية، يذكر فرانز فانون أن السيطرة الاستعمارية لا تكتفي بسطوة عسكرية وسياسية، بل تمارس «تشويهاً معرفيًا» يستهدف تفريغ الشعوب من مضامينها الثقافية والأخلاقية؛ وهذا التشويه ينسجم تمامًا مع استراتيجيات محو الذاكرة المنهجية.

تلك الإجراءات لم تكن «خطأً إداريًا» أو تبعية عرضية؛ بل شكّلت سياسةً مركزية. لقد صُمِّمتَ إجراءاتٌ مترابطة — التعليم، الإدارة، التشريعات، الأرشفة — لتقويض إمكانيات التلاحم الثقافي. ومن هنا، يصبح العنف الأرشيفي عُنصراً تأسيسيًا في هندسة القهر: إذ حين تُحذف الروايات البديلة أو تُصوّر على أنها «خطر أمني»، يتحوّل الأرشيف إلى أداةٍ لإنتاج مواطنٍ «مألوف» ينسجم مع مشروع الدولة.

وقد أدّت هذه العمليات إلى تداعياتٍ عميقةٍ على شكل الوعي الجمعي والسلوك الاجتماعي: تكرّس الخوف كعاطفةٍ تاريخية، وظهرت ممارساتُ إخفاء المواد الثقافية في البيوت، ودفن المقتنيات في الحدائق، وانحراف السرديات الشفوية إلى سياقاتٍ آمنةٍ أو مغلقة. وهكذا صار الصمت استجابةً مزدوجة: دفاعًا وصيانةً ذاتيةً، وفي الوقت نفسه دليلًا على نفوذٍ أمني معرفي يحدِّد ما يقال وكيف يُقال.

يكشف تاريخُ المقاومة الكردية بعد منتصف القرن العشرين، عن تحولٍ في المناخ السياسي والثقافي. فالستينيات والسبعينيات شهدتا ولادةً ثقافيةً جديدة مستندة إلى فكرٍ يساريٍ ومناهضٍ للاستعمار، ما أدّى إلى تأسيس شبكاتٍ طلابية ونشاطٍ صحفي وفكري. وقد أسهم هذا المحرّك الفكري في بلورة حركاتٍ سياسيةٍ أكثر تنظيمًا، ومن بينها تأسيس حزب العمال الكردستاني (PKK) عام 1978، الذي أعاد طرح مسألة الهوية السياسية بوجهٍ مقاوم. غير أن ردّ الأنظمة الحاكمة على هذا التحدي لم يكن أقل قسوةً؛ إذ تصاعدت آليات العنف، وهنا أدخلت الدول مفهوم «الأمن» كغطاءٍ شرعي لإعادة إنتاج صورٍ أرشيفيةٍ تُجرّم الوجود المقاوم، وتُبرّر قمعه. في هذا الإطار، تُبيّن لاله خليلي كيف صارت تكنولوجيا الأرشفة جزءًا من منظومة «مكافحة التمرد»: التوثيق والتحكيم والتصنيف لم تعدا مجرد وسائلٍ علمية، بل أدواتٍ سياسية لإعادة تأطير السرديات. بتصنيف المقاومة على أنها «إرهاب»، تُشرعن الدولة استبعادها من الذاكرة الرسمية وإحلال سرديةٍ بديلةٍ تُبرر إجراءات القمع. وهكذا يتحوّل الأرشيف إلى جهازٍ ينتج الشرعية في خدمة الدولة ويشرعن النسيان.

الأبعاد الجنسوية لهذا العنف الأرشيفي تستدعي اهتمامًا خاصًا. اغتيالُ الناشطة الكردية سكينة جانسيز في باريس (2013) ليس حدثًا منفردًا؛ بل رمزٌ لأنماطٍ متكرّرةٍ من العنف الجسدي والرمزي الذي يطال النساء الكرديات اللواتي يتحدين الاختزالات الوطنية والأبوية. إن استهداف النساء القياديات ليس محاولةً فقط لقتل الشخص، بل لإلغاء أثرِ تمثيلٍ رمزي وظيفته توسيع فضاء الذاكرة والمقاومة. وبذلك يتمّ ضرب بنية الذاكرة الجماعية في مفاصلها الحية: قادة ومبدعون ورواة للسردية، فإذا ما أُزيلوا جسديًا أو رمزيًا، تضاءل صوت مجتمعٍ بأكمله. ومن ثمّ، لا يكفي النظرُ إلى العنف الأرشيفي بوصفه أفعالًا معزولة أو أخطاء تاريخية. إنه استراتيجيةٌ مستمرةٌ ومتعدّدةُ الوسائل؛ استراتيجيةٌ تتداخل فيها القوانين والتعليم والإدارة والأرشفة والإعلام لصياغة «تاريخٍ مشروع» يشرعن القوة، بينما تُدفع ذاكراتٌ كاملةٌ إلى هامش الوجود أو إلى صيغٍ بديلةٍ من المقاومة والحفظ. إن إعادة بناء ذاكرةٍ كردية متماسكة، في ظلّ هذه الإرث الموروث من العنف التوثيقي، لم تكن مجرّد عمل أكاديمي أو ثقافي، بل فعلًا سياسيًا وإنسانيًا، يتطلب التفهّم النقدي للآليات التي أفرغت الذاكرة من مضمونها، والعمل على استرجاعها بطرقٍ تراعي حيويتها الصوتية والوجدانية، لا كوثائقٍ جامدةٍ فحسب.

أرشيفات وتواريخ.. إنتاج المعرفة وأسئلة السردية الكردية 

يُظهر التأريخ الكردي للقرن العشرين، رغم اتساعه الظاهر، ميلًا طويل الأمد إلى الارتهان لأرشيفات القوى الإمبراطورية والإقليمية—البريطانية والفرنسية والعثمانية–التركية—التي شكّلت، بدءًا من النصف الأول من القرن المنصرم، البنية الأساسية للمصادر التي اعتمدت عليها كتابة التاريخ الكردي. وعلى الرغم من التقدّم النسبي في اعتماد التاريخ الشفهي خلال العقود الأخيرة، فإن هذه السردية ظلّت لفترة طويلة محكومة بإيقاع تلك الأرشيفات، وبمنطق الدول التي صنعتها، بما تحمله من منظورات سياسية واستعمارية وقومية تنعكس مباشرة على كيفية تمثيل الكرد بوصفهم “مسألة” أو “مشكلة حدودية” أو “أقليّة مضطربة”. إلا أنّ مطلع الألفية الجديدة شهد منعطفًا معرفيًا عميقًا، مع توسّع ملحوظ في جغرافيا المصادر، إثر فتح الأرشيفات الروسية والأرمنية والإيرانية، وما ترافق معه من رقمنة متسارعة لمجموعات أرشيفية متفرقة، ودمجٍ متزايد للشهادات الشخصية ووثائق المنظمات التي نشأت في أوساط الشتات الكردي. وقد سمح رفع السرية عن أرشيفات الحرب الباردة في الدول الأوروبية، وإتاحة الأرشيفات الشخصية للطلبة والمثقفين الكرد في ستينات القرن الماضي—وهم الجيل الأول من الشتات السياسي—بظهور كمّ من المواد غير المنشورة سابقًا كفيل بإعادة رسم خرائط الذاكرة الكردية الحديثة. وهكذا، لم يعد الأرشيف مجرد خزان معلومات، بل أصبح ساحة صراع معرفي يعاد عبرها التفكير في الأسئلة الكبرى: من يكتب التاريخ؟ ولأي غاية؟ وبأي أدوات؟

ومع تدفّق هذه المواد—من مراسلات رسمية ومسودات وملفات تنظيمية ومحاضر اجتماعات وتقارير داخلية ونشرات ومنشورات، إلى مكتبات شخصية ومقتنيات يومية محفوظة في بيوت الطلبة والناشطين—أخذت الكتابة التاريخية تتزحزح عن مركزية “السياسي–الدبلوماسي” لتكتسب أبعادًا اجتماعية وثقافية وجندرية. فتحوّل المنعطف الأرشيفي إلى منعطف معرفي يفحص الأدوات نفسها، ويعيد مأسسة علاقات القوة التي تنتج الأرشيف وتبنيه وتمنح حق الوصول إليه. وهنا تتبدّى ضرورة تطوير منهجيات نقدية وأخلاقية جديدة للتعامل مع هذه المواد، تتجاوز القراءة التوثيقية إلى مساءلة ما يخفيه الأرشيف بقدر ما يُظهِره.

لقد أتاح هذا الانفتاح البحثي الكشف عن شبكة واسعة من العلاقات العابرة للحدود، تظهر فيها تأثيرات الجغرافيا السياسية للحرب الباردة، ودور الحركة القومية الكردية في العراق، وأنشطة اتحاد الطلبة الكرد في أوروبا (KSSE)، ومساهمات المستشرقين والباحثين الكردولوجيين في الاتحاد السوفيتي وأوروبا، إلى جانب انخراط طيف متنوع من الحركات اليسارية والمناهضة للاستعمار والأقليات الأوروبية. وتكشف هذه الشبكات أن التاريخ الكردي ليس سردية محلية مغلقة، بل هو جزء من ديناميات التحرر العالمي، ومن اشتباكات الحرب الباردة، ومن تشكّل الشتات الكردي بوصفه فضاءً سياسيًا وثقافيًا ناشطًا، لا مجرد نتيجة لنزوح قسري. وتتضح أهمية هذه التحولات بشكل خاص عند العودة إلى الأرشيفات الدولية مثل تلك التابعة لعصبة الأمم، التي رغم محدوديتها، لم تُستثمر بعد بما يكفي في كتابة التاريخ السياسي والقانوني والاجتماعي للكرد. وفي ظل الصعوبات القانونية والسياسية التي تحدّ من الوصول إلى الأرشيفات التركية والعراقية والإيرانية والسورية، تُصبح هذه الأرشيفات الدولية بمثابة “ذاكرة بديلة” أو “ذاكرة ظل” تحفظ آثارًا مهمَّشة من تاريخ الكرد المعاصر، وتفتح ثغرات جديدة في دراسات الشرق الأوسط والعلاقات الدولية خلال فترة ما بين الحربين.

وعلى نحو موازٍ، تتيح الأرشيفات السوفيتية ما بعد 1991 هامشًا واسعًا لفهم علاقة الدولة السوفيتية بالأقليات القومية، ومنها الكرد، خصوصًا من خلال وثائق المؤسسات المتوسطة والدنيا. ويوفّر التركيز على هذه المستويات—كما تظهره دراسة “دورات الأقليات القومية” في الثلاثينيات—بُعدًا جديدًا لتفكيك علاقة الأرشيف بالسياسات الثقافية واللغوية، ويكشف البنية البيروقراطية التي صاغت، ثم أهملت، الأرشفة المرتبطة بالكرد. كما تمثّل أرشيف الجمهورية التركية مثالًا بالغ الدلالة على التوتر بين الدولة والمجتمع، وعلى كيفية إنتاج الوثيقة بوصفها أداة للسيطرة. فالأرشيف، الذي يغطي الفترة 1919–1980، لا يقدّم فقط وثائق حول الانتفاضات والعمليات العسكرية والبنى الأمنية، بل يعرض كيفية هندسة الدولة لحياة المجتمع في كردستان من التعليم والبنية التحتية والزراعة إلى إعادة تشكيل الهوية نفسها عبر سياسات الدمج والإقصاء. وبهذا، يصبح الأرشيف شاهداً على محاولة الدولة تنظيم “كل شيء”، وكاشفًا لمدى تعقّد العلاقة بين السيادة والذاكرة.

وتتضح إشكالات “صمت الأرشيف” في أعمال الباحثين المعاصرين حول الأرشيفات السمعية والبصرية، كما في دراسة أصلِي أوزغن التي تظهر كيف يتشكل الصمت على مستويات ما يُحفظ وما يُهمل، وكيفيات الوصف والفهرسة، ومن يملك حق الوصول. وتبرز أهمية هذا التحليل في إعادة بناء ذاكرة بصرية مضادة، مواجهة للتقطيع والمصادرة والمنفى، لا سيما في سياق حركة التحرر الكردية في شمال كردستان. ويمتد هذا الوعي النقدي إلى الأرشيفات المحلية، كما تكشفه مساهمة باربرا هينينغ حول متحف تربية أربيل، الذي يقدّم نموذجًا لأرشفة يختلط فيها الرسمي بالشفهي، والوثيقة بالأداء، وذاكرة النساء بذاكرة المؤسسات. وهنا يصبح الأرشيف مجالًا حيًا، تُعاد عبره صياغة الماضي بوصفه ممارسة اجتماعية، لا مجرد تجميع لوثائق. كما تكشف مبادرات التاريخ الشفهي مثل مشروع “ديرسم 1937–1938” عن قوة الشهادة في مواجهة طمس الدولة للوقائع. ورغم غياب الوثائق الرسمية، فإن جمع 350 مقابلة يفتح بابًا لكتابة تاريخ من منظور الضحية، تاريخ يتحدى الرواية الرسمية التي حاولت اختزال المجزرة في تفاصيل أمنية. وتقدّم أعمال فرانغيس غادري وهيذر هيوز وغيرهما إطارًا نقديًا للأرشفة الجندرية والنسوية داخل الفضاء الكردي. فغياب النساء عن السردية الأدبية والفكرية ليس مجرد نقص في المصادر، بل هو نتاج بنية معرفية ذكورية أعادت إنتاج نفسها عبر المختارات والترجمات والكانون الأدبي. لكن إعادة فحص المجلات والمنشورات المبكرة، وإتاحة الأرشيفات الخاصة، يكشفان عن طبقات من الإبداع النسائي المغيّب، وعن إمكانية بناء أرشيف مؤنث يعيد تعريف علاقة الأفراد—وخاصة النساء—بذاكرتهن وجسدهن ونفيهن.

أما الأرشيفات الرقمية، كما تبيّن دريا تشيا، فتمثل تحديًا جديدًا في ظل التشتت الجغرافي والسياسي للكرد. فالأرشيف الرقمي الكردي لا يمكن أن يُبنى على لغة واحدة أو معيار موحد، بل يتأسس على “الترجمة” بوصفها عملية مستمرة تربط بين منصات ومجتمعات مختلفة. وهنا يتحول الأرشيف إلى مساحة تفاوض مفتوحة بين الذاكرة والهوية. ويظهر البعد البصري بوضوح في أعمال الباحثين مثل عادل شيرواني، الذي يتتبع التحول من الصورة الاستعمارية—التي صاغت “الكرد” بوصفهم موضوعًا للنظر الأوروبي—إلى الصورة الذاتية التي تستعيدها الأسر الكردية اليوم عبر رقمنة أرشيفاتها. وهذا الانتقال يمثل في حد ذاته ثورة معرفية: ثورة على حق المستعمر في إنتاج الصورة، وعلى احتكار الدولة لتمثيل الجسد الكردي. وتكتمل هذه الصورة في دراسة دارا محمد حول أرشيفات الدولة العراقية، حيث تُمارس الوثيقة دور الجلاد: تحصي، وتراقب، وتخفي، وتعيد تعريف الوجود الكردي كـ”خطر”. لكن القراءة النقدية التي تقترحها الدراسة تحول هذه الوثائق إلى أدلة ضد السلطة نفسها، وتفتح إمكانية إعادة امتلاك التاريخ.

وأخيرًا، يقول مشوق كُرت إن الذاكرة السياسية للكرد في المنفى الألماني تعتمد على أرشفة ذاتية يمارسها الأفراد والجماعات، تُحوّل حياة اللجوء إلى مساحة مقاومة سياسية ضد محو الهوية. فالأرشفة هنا ليست تقنية، بل فعل بقاء: جمعٌ للصور والشهادات والوثائق بوصفه تأكيدًا على الوجود ورفضًا للنسيان.

الأرشيف كفعل مقاومة عمر شيخموس

يُعدّ أرشيف عمر شيخموس—المحفوظ اليوم في جامعة إكستر تحت الرمز (EUL MS 403)—واحدًا من أهم الأرشيفات الخاصة التي وثّقت المسار السياسي والفكري الكردي خلال النصف الثاني من القرن العشرين. فهو ليس مجرد مجموعة وثائق بلغ عددها أكثر من عشرة آلاف وثيقة؛ بل هو حقلٌ معرفيّ كامل، ومرآةٌ للشتات الكردي، وامتدادٌ لصراع الذاكرة ضد المحو. بهذا المعنى، يشكّل الأرشيف ليس سجلًا للأحداث فحسب، بل بنية مضادة للنسيان، ومختبرًا تُعاد فيه صياغة الذات الكردية ضمن فضاء معرفي مستقل، بعيدًا عن احتكار الدولة القومية للمرويات. وتتنوّع المواد التي يضمّها الأرشيف لتشمل وثائق نادرة، ونشرات حزبية، وتقارير سياسية، وخرائط، ومراسلات مع رموز سياسية وثقافية بارزة مثل جلال طالباني، كمال فؤاد، فؤاد معصوم، إلى جانب مراسلات مع أبرز الأكاديميين المتخصصين في شؤون كردستان مثل مارتن فان بروينيسن، ميريلا غاليتي، وأمير حسن‌بور. وكل هذا يجعل أرشيف عمر شيخموس منظومة معرفية عابرة للحدود، تحمل في طياتها سرديات متعددة لم تُكتب بعد في كتب التاريخ الكلاسيكية.

تكمن القيمة الجوهرية لأرشيف عمر شيخموس في أنه يكسر هيمنة “التاريخ من أعلى”، ويمنح مساحة واسعة لما يمكن تسميته بـ “التاريخ من الداخل”؛ أي تاريخ الحركات الكردية كما عاشها الفاعلون أنفسهم، لا كما صاغتها المؤسسات الرسمية. فهو يوثّق لحظة تشكّل بنية الأحزاب الكردية الأساسية—الاتحاد الوطني الكردستاني (PUK)، الحزب الديمقراطي الكردستاني (KDP)، الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني (KDPI)—إلى جانب منظمات طلابية وكيانات المنفى مثل “نادي القلم الكردي”، و”المؤتمر الوطني الكردي”. إنّ هذه الوثائق تُظهر التحولات الفكرية والتنظيمية للحركة الكردية عبر خمسين عامًا، وتتيح للباحثين تحليل ديناميات الخلافات الداخلية، وإعادة التشكل التنظيمي، والخطابات السياسية في سياق كردستان مجزأة على عدد من الدول. وهذا النوع من التوثيق لا يتوفّر في مصادر رسمية غالبًا ما تعيد إنتاج رواية الدولة وحدها.

تتداخل سيرة عمر شيخموس الذاتية مع تاريخ الأرشيف نفسه. فقد وُلد في عامودا عام 1942، في زمنٍ كان فيه الانتماء الثقافي الكردي محاصرًا داخل سوريا. تعكس ذكرياته المدرسية—حيث كان يُعاقب الطفل لأنه نطق بالكردية في الساحة—جوهر “الجرح الأرشيفي” الذي عاشه الكرد لعقود: قمع اللغة، ومحو الذاكرة، وتجريم الوثيقة. غير أنّ هذا القمع ولّد لديه شغفًا مضادًا: شغف التوثيق. يقول إنه بدأ القراءة المنهجية منذ مراهقته في كلية حلب الأميركية، حيث قرأ مكتبة كاملة تقريبًا بالترتيب الأبجدي لمؤلفيها. هذه التجربة المبكرة أسست لرحلته اللاحقة في جمع الوثائق وقراءتها بوصفها أدوات للوجود. وسيُسجن لاحقًا، بسبب نشاطه السياسي، ثم يُنفى إلى أوروبا. وفي المنفى سيجد أخيرًا الحرية التي جعلت من القراءة والتوثيق مشروعًا يوميًا. وفي لندن وستوكهولم، في مكتبات Senate House وUCL والـ LSE، بدأ يتشكّل ما سيصبح أحد أهم أرشيفات الشتات الكردي.

أحد أكثر عناصر أرشيف شيخموس إثارة للاهتمام هو كونه سجلًا لـ اللقاء الأول بين الكرد من مختلف أجزاء كردستان. فقد كان التواصل بين كرد سوريا والعراق وتركيا وإيران شبه مستحيل تحت أنظمة الحدود المغلقة. لكن في أوروبا، وللمرة الأولى، أصبح الشتات فضاءً مفتوحًا للتفاعل السياسي والفكري. يوثّق الأرشيف هذه اللحظة التاريخية: لحظة اكتشاف التقاطعات بين التجارب الكردية المختلفة، والتشابه بين الاضطهادات، وقرب اللهجات، وتشكل وعي قومي مشترك يتجاوز صيغته الرومانسية التقليدية. لقد تحوّل الشتات إلى مركز إنتاج سياسي وثقافي، كما توضح وثائق منظمات طلابية مثل KSSE وNUKSE، ولجان الدعم الأوروبي، ونشاطات التضامن مع سجناء الرأي الكرد.

لم تكن عملية جمع المواد سهلة، لا في سوريا ولا في المنفى. فالكثير من الكتب الكردية دُفن تحت الأرض خوفًا من الاعتقال، وبعضها فُقد للأبد. كما صودرت ملفات كاملة خلال ثمانينيات القرن الماضي من قبل السلطات الإيرانية. ومع ذلك استمر مشروع الأرشفة، ليصبح في النهاية نتاجًا لأربعين عامًا من المقاومة عبر التوثيق. ومن ثم تحول الأرشيف هنا إلى إستراتيجية سياسية مؤسسة على أهداف مركزية موزعة على: حماية الذاكرة من المحو، توفير مصادر أولية للحركة الكردية، تفكيك الرواية الرسمية للدول القومية، إنتاج سردية بديلة تُبرز الفاعل الكردي بدل اختزاله في صورة الضحية، إعادة بناء التاريخ من موقعٍ داخلي.

ومن خلال الحوار مع الباحثة فرنجيس غادري، يظهر أن أرشفة هذا الكم الضخم من المواد لم تكن مجرّد ممارسة فكرية، بل حياة كاملة مُسخَّرة لحماية الوثيقة. فالمواد كانت ترافقه في كل انتقال جغرافي: من لندن إلى برلين ومن السويد إلى الولايات المتحدة ثم العودة إلى أوروبا. وكانت غرفته، كما يصف، “غارقة بالكتب والملفات والصناديق”، وكأن مشروعه الأرشيفي أصبح مكانًا للسكن بقدر ما هو مادة للحفظ. ومع ذلك ظلّت الممارسة من دون دعم مؤسسي، باستثناء مشروع توثيق حملات الأنفال 1999–2000. هذه الجهود الفردية تمثل نموذجًا للكيفية التي تُبنى بها الذاكرة الكردية: ليس عبر الدول، بل عبر الأفراد الذين أصرّوا على ألا يضيع تاريخهم مرة أخرى. ويجري اليوم رقمنة الأرشيف ضمن مشروع “الأرشيف الرقمي الكردي”، لجعله متاحًا تدريجيًا للباحثين. وتفتح هذه الخطوة بابًا جديدًا لتحرير الأرشيف من الجغرافيا، وتحويله إلى مورد معرفي عالمي، يُعيد ربط الشتات بالجذور، ويوحّد الروايات المتناثرة عبر أربعة بلدان. حقيقة، إن رقمنة الأرشيف هي امتداد لنضالٍ طويل بدأ في لحظة دفن الكتب خوفًا من الاعتقال، وينتهي اليوم بجعل الوثيقة الكردية متاحة على خادمٍ رقميّ يمكن الوصول إليه من أي مكان في العالم. هذا التحول لا يعني فقط إنقاذ الوثيقة، بل يعني أيضًا إعادة صياغة مكانتها في بنية المعرفة العالمية.

في خلفية كل ما سبق، يبرز سؤالٌ حاسم: ما الذي يعنيه امتلاك الكرد لأرشيفهم؟ إنه يعني ببساطة القدرة على تحويل الذاكرة من عبءٍ على الوجدان إلى أداة سياسية ومعرفية. الأرشيف، بهذا المعنى، هو فعل عبور من الصمت إلى الكلام. فالصمت الذي فُرض على الكرد لعقود لم يكن مجرد غياب للنطق، بل كان بنية سياسية تنتج الخوف وتمنعه من التحول إلى خطاب. وعليه فإن إعادة بناء الأرشيف تعني ضمن ما تعني كثير من الأشياء منها علي سبيل المثال: تفكيك شروط الصمت، إعادة تموضع الذات الكردية داخل التاريخ، إحياء شظايا التجربة الجمعية، خلق سردية مقاومة تتجاوز موقع الضحية إلى موقع الفاعل. ويتحول الأرشيف هنا من كونه “ماضيًا محفوظًا”، بل أداة لتحرير المستقبل. إن مشروع عمر شيخموس الأرشيفي، بكل ما يحمله من تفاصيل شخصية وسياسية ومعرفية، يشكل نموذجًا للكيفية التي تتقاطع فيها الذاكرة والمقاومة في الوجدان الكردي. فالأرشيف ليس مجرد تجميع للوثائق؛ إنه عملية صياغة للهوية، وبناء للتاريخ، وانفتاح على المستقبل.

وحين يمتلك الكرد أرشيفهم، فإنهم لا يستعيدون الماضي فقط، بل يستعيدون القدرة على تخيّل ذاتهم وصنع سرديتهم وتحديد موقعهم في العالم. وهكذا يتحوّل الأرشيف من كونه وعاءً للوثيقة إلى كونه فعلًا تحرريًا يعيد للذاكرة صوتها، وللتاريخ تعدديته، وللشعب الكردي قدرته على كتابة نفسه بنفسه.

الأرشيف البصري.. رؤى بديلة

في سياق تتبعنا لمسألة الأرشيف والذاكرة الكرديتين، تحتل الصورة المتحركة موقعًا مزدوجًا: هي مصدر أرشيفي بحد ذاتها ومجال يشارك في بناء الذاكرة الجماعية، وفي الوقت نفسه فضاء مقاومة معرفية وسياسية يمحو أو يعيد تشكيل «الصمت» الذي أنتجته سياسات الدولة. إذ لا تملك الأمة الكردية دولةً موحّدةً ولا أرشيفًا وطنيًا يحمي موادها ويسوّقها، ويظلّ الجزء الأكبر من تاريخها المبكر في تركيا متاحًا ـ إن وُجد ـ عبر أرشيفات الجمهورية التركية التي غالبًا ما تمثّل الأحداث الشرقيّة بإفقار ووصف أحادي. في هذا الفراغ المؤسسي، تتحوّل السينما الكردية إلى أرشيف بديل: مادة سمعية-بصرية تحوي مشاهد ووجوهًا وحكايات لم تُدوَّن في دفاتر الدولة الرسمية، وتقدّم تراكمًا من الآثار القابلة للحفظ والقراءة والرقمنة وإعادة التداول.

السينما الكردية، بهذا المعنى، لا تكتفي برصد خبرات تاريخية هامشية؛ بل تصوغ «تواريخ» بديلة تربط بين البعد الشخصي والجماعي وتترجم التجربة الكردية إلى سرديات يمكن فهمها عبر رموز إنسانية مشتركة. هنا يُستعان بقراءة هايدن وايت للسرد بوصفه «آلية ترجمة المعرفة إلى حكاية»، أي كأداة تجعل تجربة ثقافة أخرى قابلة للاستيعاب خارج فلك الفاصلة الإثنية الضيقة. ومن ثم، لا يقتصر إنجاز الفيلم الكردي على «الإخبار» بما حدث، بل في جعله قابلاً للفهم والحوار عبر بنيات سردية تشترك فيها الحساسية الإنسانية العامة—وبذلك تُقارب السينما الفنيّة والوثائقية حدود التاريخ المكتوب وتثريه.

تاريخياً، واجهت السينما الكردية في تركيا شبكة من القيود: رقابة لغوية وسياسية، تهميش مؤسساتي، ووصمات أمنية جعلت من عرض البوح السينمائي فعلًا محفوفًا بالمخاطر. حالة يلماز غوني تكشف هذا التوتر بحدة؛ نيله السعفة الذهبية ثم سحب جنسيته واتهامه بالخيانة يوضّحان كيف تتحوّل الجوائز الدولية إلى ساحة صراع بين الحصانة الرمزية والكنس السياسي. ومن هذا المنظور، يصبح ما يسميه وايت «غياب القدرة السردية» ليس مجرد مشكلة جمالية بل خلاصة فعلية لسياسات طالت

حيازة المعنى، أو منعها: أي نوع من المعنى الذي تُمنع مخاطبته ومن هم المخوَّلون أن يرويه؟

علاوة على ذلك، تتحول السينما إلى أرشيف مرن يضم موادًا لم تأتِ بعد في دفاتر الدولة: صورًا للحياة اليومية، حواراتٍ باللهجات الممنوعة، أغنياتٍ محظورة، مشاهد للممارسات الطقسية والاجتماعية. بذلك تصبح الأفلام، إلى جانب الصوتيات والشهادات الشفهية، وثائق أولية قابلة للتحليل التاريخي والإثنوغرافي، وموارد يمكن للمؤرخين والأنثروبولوجيين استثمارها لإعادة تركيب سرديات مضادة. لكن هذا الاستثمار يطرح تساؤلات منهجية وأخلاقية: كيف نقرأ «التمثيل الفني» كمصدر تاريخي؟ ما حدود المطابقة بين ما هو متخيّل وما هو موثق؟ وكيف نحترم حق المجتمعات في ملكية ذاكراتها المرئية؟

إجابة مبدئية على هذه الأسئلة توفرها دراسات حالة مثل İki Dil Bir Bavul (لغتان وحقيبة واحدة): فيلم يلتقط تجربة التعليم في قرية «غير مرئية» على خريطة الدولة، ويحوّل لغة الغياب—غياب المكان، غياب اللغة، غياب التمثيل—إلى مادة سردية حية. هنا لا تعمل السينما كدليل ليقيني فحسب، بل كآلية للكشف: تُعرّي آليات النفي الرمزي والسياسي من خلال إبراز تفاصيل يومية تبدو بسيطة لكنها تشكل شواهد على تهميش طويل. وبطريقة تتقاطع مع أفكار دولوز عن «الحكي» والذاكرة باعتبارها «اختراع شعب»، لا تقتصر وظيفة الفيلم على إخبار الماضي بل في اختراع ذاكرة جماعية تمكّن من وجود سياسي-ثقافي جديد.

هكذا يمكن اختصار مرتكزات الأرشيف البصري الكردي في نقاط ثلاث: أولًا، كونه مادة أرشيفية بديلة تُخرج من ظلال النسيان أجزاءً من الوجود. ثانيًا، كونه فضاء سرديًا قادرًا على تحويل التجربة إلى معنى يُتصارع مع سرديات الدولة. ثالثًا، كونه ممارسة سياسية-أخلاقية تتطلب من الباحثين والفنانين نهجًا انتقائيًا وحساسًا في القراءة، واحدًا يحترم حق المجتمعات في امتلاك موادها ويفتح في الوقت نفسه آفاقًا لإعادة كتابة التاريخ من داخل التجربة نفسها. في خاتمة هذه الجزئية، يظلّ الأرشيف البصري أحد الأدوات الأكثر خصوبة في مشروع «عبور الصمت»: مشروع لا يهدف فقط إلى توثيق ما تبقّى، بل إلى استعادة القدرة على الكلام وصياغة سردية قائمة على تمثيل الكرد كفاعلين معرفيين لا مجرد موضوعات محفوظة في صناديق الأرشيف الآخرين.

الآخر الكردي.. بناء صورة استشراقية في المخيال البصري البريطاني

لم يتبلور الإدراك البريطاني للكرد وكردستان بوصفهما وحدتين معرفيتين واضحتين إلا متأخرًا، بل ظلّ فهمًا متقطعًا، بل وغير موثوق في كثير من الأحيان حتى العقود الأخيرة من القرن العشرين. ولعلّ ما كتبه الضابط البريطاني روبرت هاي سنة 1921، إبّان تولّيه مهمة إخضاع أربيل—التي أعيد تعريفها إداريًا بعد انهيار السلطنة العثمانية—يكشف بدقّة هذا الضباب الإدراكي. أشار هاي إلى أنّ معظم البريطانيين قبل الحرب العالمية الأولى «لم يسمعوا بالكرد قط، أو سمعوا عنهم على أنهم أخطر اللصوص». بهذا التوصيف المكثّف تتجلى جذور صورة نمطية متوارثة، رسّخت عبر قرون رؤية للكرد بوصفهم جماعات جَبَلية منفلتة من القانون، وهي صورة رصدتها دراسات حديثة (James, 2016) بوصفها جزءًا من إرث طويل الأمد.

غير أنّ هذا الانطباع العام لا يلغي حقيقة أن الاهتمام البريطاني بالكرد يعود إلى أواخر القرن الثامن عشر، حين بدأ موظّفو شركة الهند الشرقية وبعض الرحالة والضباط التجوال في مختلف مناطق كردستان العثمانية والقاجارية. يشير المؤرخ سعد إسكندر إلى أنّ الدافع وراء هذه الرحلات لم يكن مجرد الفضول الإثنوغرافي، بل انبنى على مصالح اقتصادية واستراتيجية معقّدة، لأن كردستان كانت تمثل الممرّ البري الأسرع نحو شمال الهند، وشكّلت في الوقت نفسه منطقة عازلة في مواجهة النفوذ الفرنسي ثم الروسي. وهذا ما جعل من جمع المعلومات عن «الكرد والأرض التي يقطنونها» جزءًا من جهد استخباراتي مبكر، ما تزال وثائقه ماثلة في الآلاف من صفحات الأرشيف البريطاني، وبصورة خاصة في سلسلة Records of the Kurds التي أُعيد إصدارها حديثًا.

ورغم هذا المخزون الوثائقي الهائل، ظلّ القارئ البريطاني في الداخل بعيدًا عن هذا العالم. كان يعتمد في معرفته على كتب رحّالة مغامرين يشقّون الطريق بين بريطانيا والهند، يصفون ما يرونه أو ما يخيّل لهم أنهم رأوه. بهذا المعنى، تفيض الكتابة البريطانية عن الكرد في القرنين السادس عشر والسابع عشر بقدر كبير من التخييل، وتمتزج فيها الملاحظة العينية مع إرادة التمثيل، لخلق «آخر كردي» يلبّي حاجات سرديات الإمبراطورية الناشئة. ومن هنا تأتي أهمية هذه الدراسة، إذ تعيد قراءة تلك التمثيلات المبكرة للكرد قبل تشكّل الجهاز الإمبراطوري المنظّم. كيف كان الرحّالة الأوائل يرون الكرد؟ وما الخيط الذي يصل وصفهم الإثنوغرافي المتسرّع بالسياق السياسي الأكبر؟ وكيف أسهمت كتابة «الكرد» في رفد الخيال الإمبراطوري البريطاني بمواد أولية لصياغة الذات مقابل الآخر؟ إنّ التراكم النصي الذي سبق عصر نابليون—عصر «الاستشراق الحديث» وفق إدوارد سعيد—يكشف أن الأوروبيين كانوا قد بدأوا بالفعل في صياغة أبنية فوقية للمعرفة، تمنحهم سلطة التفوّق وتبرّر لاحقًا تدخلاتهم السياسية والعسكرية. لذا فإنّ قراءة التمثيل المبكر للكرد ليست قراءة في الماضي فحسب، بل في لحظة التأسيس الأولى لصورة الآخر الكردي في الوعي الأوروبي.

حين أعلن صموئيل بيرتشاس في 1613 أنّ الكرد كانوا من «اكتشافات» الرحالة الحديثين، كان يعكس منطقًا يرى الرحلة كفعل امتلاك رمزي: فالشعوب تُكتشف، وتُعرَّف، وتُدرَج في سُلَّم المعارف الأوروبية. أول ذكر مباشر للكرد في الأدبيات البريطانية جاء على يد التاجر الرحالة رالف فيتش عام 1591 عند زيارته ماردين، حيث أشار إلى أنّ المدينة «في بلاد الأرمن، لكن يسكنها الآن قوم يسمون كُرد أو كوردي». هذه العبارة البسيطة تكشف عن ثلاثة مستويات معرفية:

  1. غياب تصور جغرافي واضح لمنطقة كردستان.
  2. تصنيف السكان عبر ثنائيات دينية أو لغوية (أرمن/مسلمون).
  3. استخدام اسم الكُرد كتسمية جديدة ومبهمة في آن معاً.

ولأنّ الوعي البريطاني حينها لم يسمح بتصوّر مستقلّ للكرد، ظهرت أسماؤهم بصيغ كثيرة ومتباينة—Cordyns, Curdi, Carduchi… إلخ—وهو تشتّت يعكس ارتباكًا مفهوميًا أكثر من تعدد لغوي. كذلك ربط بعض الكتّاب الكرد بالـ Carduchi، الذين ظهروا في كتاب زينوفون، وكأنّ الكرد المعاصرين مجرد امتداد لشعب كلاسيكي حربي. وبذلك، صار الكرد يُقرأون بعيون الأسطورة الإغريقية قبل أي معرفة واقعية. إنّ هذا التأسيس الكلاسيكي للكرد في المخيال الأوروبي منحهم هوية «موروثة» في الوعي البريطاني، ليست قائمة على الواقع بل على التخييل التاريخي. ولذا لم يكن مستغربًا أن يكتب ماركو بولو عنهم باعتبارهم «مختلطي الديانة»—وصف يتكرر لاحقًا في مئات النصوص، لأنه يُظهر الشرق كمجال «ضبابي» للأديان والهويات.

وجاءت أقدم إشارة إنجليزية مطبوعة للكرد، من ترجمة ريتشارد باينسون لتاريخ هَيتوم كوركوس (1307)، حيث وصف سكان ماردين بـ «قوم جيدو الرماية يُطلق عليهم اسم Cordyns». هذا التوصيف المبكر يحوّل الكرد إلى جماعة عسكرية بطبيعتها، تسكن الجبال، وتعيش خارج النظم الزراعية المستقرة. وفي هذا يرسّخ ثنائية «المديني/المتحضر» مقابل «الجبلي/المشاغب». وقد كان هذا النمط من القراءة الأخلاقية للشعوب شائعًا، حيث تُختزل الهويات إلى أخلاق منسوبة—شجاعة، قسوة، لُصوصية—في إطار يبرّر التفوق الأوروبي. غير أن المفارقة تكمن في أن الكتّاب لم يكونوا يعرفون حدود كردستان نفسها؛ لم يفهموا أن ذكر «كردستان» عند ماركو بولو يتعلق بقبائل شابانكارا الفارسية، ولا يميّزون بين جيوب كردية في سوريا والعراق وشرق الأناضول. وهكذا تتشكل جغرافيا خيالية للكرد، تسبق وتطغى على الواقع. وعلى الرغم من وجود مجتمع كردي قديم ونافذ حول حلب ودمشق منذ العصر الأيوبي، فإن معظم موظفي «شركة الشام» والتجار والقساوسة البريطانيين الذين عاشوا عقودًا في حلب لم يذكروا الكرد في كتاباتهم. هذا الصمت دالّ: فالإمبراطوريات ترى ما يخدم مصالحها فقط. كان الاستثناء الوحيد تقريبًا القس روبرت هنتنغتون الذي جمع مخطوطات منها نسخة شرفنامة. لكن بقية الرحّالة تجاهلوا ذكر الكرد، رغم مرورهم عبر كلس—المدينة ذات التراث الكردي البارز—ورغم مرافقة مرشدين كرد لهم عبر الطريق من إسكندرون. هذا الصمت لا يعني عدم رؤية الكرد؛ بل يعني أن حضورهم لم يكن مفيدًا للرواية الإمبراطورية.

يمثل وصف ويليام بيدولف عام 1599 إحدى المحطات الكاشفة في التأريخ البصري البريطاني؛ إذ صوّر الكرد بأنهم «من نسل الفرثيين، يعبدون الشيطان». هذا المزج بين النسب القديم والاتهام الديني يشكل لبنة أساسية في بناء صورة الكردي «الشيطاني» الذي يعادي المسيحيين. وفي الحقيقة، كان بيدولف قد مرّ على مناطق يزيدية محددة، فعمّمها على مجمل الكرد، في تكرار دائم لآلية استشراقية: رؤية الجزء ثم تحويله إلى الكل.

عندما نقرأ نص أنتوني شيرلي (1613)، نجد أن تمثيله للكرد مشحون بذاتية عالية، فهو يصفهم مرة بأنهم «أوساخ الأمم»، ومرة بأنهم قوة سياسية لا يُستهان بها. لقد استخدم شيرلي الكرد لإبراز دوره الشخصي في التحريض على الحرب بين العثمانيين والصفويين، واستثمر وجوده في كردستان لإضفاء بطولة على نفسه. وهكذا يتحول الكرد في كتابه إلى مجرد مسرح لتمجيد الذات الإمبراطورية لا أكثر. كان جون كارترايت أول من قدّم وصفًا بصريًا متكاملاً نسبيًا للكرد، إذ ركز على ملامحهم الجسدية وأسلحتهم، معيدًا وصلهم بالفرثيين القدماء. لكن هذا الوصف—الذي يبدو إثنوغرافيًا—لا ينفصل عن إرث نمطي ديني، إذ يكرر اتهامهم بـ «عبادة الشيطان» ويصف بلادهم بأنها Terra Diaboli.بهذا يخضع الكردي لثنائية: هيبة بدائية / شرّ ميثولوجي وهي الثنائية التي ستبقى تحكم النظر الأوروبي إليهم لاحقًا.

تظهر هذه المصادر المبكرة كيف تشكل «الآخر الكردي» في المخيال البريطاني عبر :الربط القسري بين الكرد وأقوام تاريخية منقرضة، تأويل ديني ينزع نحو شيطنة المختلف، تخيلات جغرافية تسبق فهم الواقع. استثمار سياسي للوجود في كردستان لخدمة السرديات الإمبراطورية. وهذا ما يجعل دراسة تلك النصوص ذات أهمية مضاعفة: فمن خلالها نفهم كيف بدأ تشكيل صورة الكردي في الأرشيف الغربي، وكيف استمر هذا التمثيل في الذاكرة البصرية الأوروبية حتى العصر الحديث، ضمن ما يمكن تسميته بـ أرشفة الصمت حول الكرد—حيث الحضور غائم، والتمثيل أكثر كثافة من الواقع نفسه.

للمزيد يمكن الرجوع إلى:

Alexandra Walsham’s : The Social History of the Archive: Record-Keeping in Early Modern Europe, Past and Present (2016), Supplement 11 

https://scispace.com/pdf/the-social-history-of-the-archive-record-keeping-in-early-j4qhjj2qsz.pdf

Adnan Çelik and Alice von Bieberstein ”International Workshop”: An “Archival Turn” in Kurdish Studies? New sources and approaches to Kurdish diasporas, transnational networks and social history, February 24-25, 2025 Humboldt-Universität zu Berlin

 Archiving Resistance A Conversation with Dr Omar Sheikhmous

https://brill.com/view/journals/ksj/2/1/article-p91_5.xml?srsltid=AfmBOoqObyfENUsksaOSGrVReh6miC5cBI8ClZWFeqA7k0Q-fVkBzHaI

Êvar Hussayni: Who Gets to Live? — On Archives and Kurdish Identity Formation

https://no-niin.com/issue-28/who-gets-to-live-on-archives-and-kurdish-identity-formation

Farangis Ghaderi: The Challenges of Writing Kurdish Literary History: Representation, Classification, Periodisation

https://brill.com/edcollchap-oa/book/9789004706576/BP000007.xml?srsltid=AfmBOoqFYU8e3lKcc2igtOh12QUkgU9sRQofFuAxw-KT-d1VLpv2Fk9m

Gerald Maclean: British Travellers, the Kurds, and Kurdistan: a brief literary history, c. 1520-1673, Kurdish studies, volume 7 no 2, October 2019, pp 113 – 134

Marlene schäfers: Comparative Studies in Society and History, APRIL 2019, Vol. 61, No. 2 (APRIL 2019), pp. 447-473

Nilay Özok-Gündoğan: International Journal of Middle East Studies, AUGUST 2017, Vol. 49, No. 3 (AUGUST 2017), pp. 529-533

Preface A Note on the Visual Culture in the Middle East Series

https://dokumen.pub/dissonant-archives-contemporary-visual-culture-and-contested-narratives-in-the-middle-east-9780755607419-9781784534110.html

Özgür Çiçek: The Fictive Archive: Kurdish Filmmaking in Turkey,  Alphaville: Journal of Film and Screen Media, issue 1, summer 2011, pp 1 -18

https://www.alphavillejournal.com/Issue%201/ArticlesPDF/ArticleCicek.pdf

When a people’s stories are at risk, who steps in to save them?

https://www.nationalgeographic.com/premium/article/kurdistan-somaliland-kosovo-history-archives
Exit mobile version
التخطي إلى شريط الأدوات