الطاقة ودورها في رسم ملامح الشرق الأوسط الجديد

تحليل: د. رائد المصري .. أستاذ محاضر في الفكر السياسي والعلاقات الدولية
توطئة
يتمتّع الشرق الأوسط بأهمية تاريخية وحضارية وإستراتيجية، بالنسبة لموقعه الجيوسياسي والإقتصادي، فهناك الكثير من المحلّلين يعتبرون، بل وطرحوا نظريات تتعلَّق بمفهوم العلاقات الدولية، وبأنّ مَن يريد أن يتحكَّم في العالم، عليه أن يتحكَّم في الشرق الأوسط، وعليه، فإن أول إستخدام لمصطلح الشرق الأوسط كان في خمسينات القرن التاسع عشر، حينها وُصفت بريطانيا بالإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس، وأصبح المصطلح معروفاً مع إستخدام الخبير الإستراتيجي في البحرية الأميريكية ألفريد ماهان في كتابه (مشكلة آسيا)، لتمييز المنطقة الجغرافية الواقعة بين شبه الجزيرة العربية والهند، نظراً لأهميتها الجغرافية والسياسية والإقتصادية، وفي عهد الإكتشافات الجغرافية، كان المكتشفون قد أطلقوا تسمية على المنطقة بالعالم القديم، كمهد الحضارات الإنسانية وجميع الديانات السماوية.
بدأ قادة دول الشرق الأوسط، ولا سيَّما في منطقة الخليج، القراءة السياسية والجيوسياسية بواقعية أكبر، وتحلُّوا بالنضج فيما يتعلق بالتحوُّلات الإقتصادية على مستوى العالم، وكذلك بالمسؤولية في تعاطيهم مع عملية التحوُّل في الطاقة، حيث تقرُّ الحكومات في إطار تطلُّعاتها إلى بناء المستقبل، بتنويع مصادر الطاقة والإسراع في تنفيذ مبادرات الإستدامة، وهو ما يحمل أيضاً فرصاً إقتصادية قوية، وتجدر الإشارة إلى أن منطقة الشرق الأوسط، تمتلك من الموارد والإستثمارات الإستراتيجية والرؤى الوطنية الطموحة، ما يمنحها مكانةً ومؤهلات فريدة تحفِّزها لقيادة هذا التحوُّل، إذ تُعيد الطاقة تشكيل الشرق الأوسط الجديد، عبر التحوُّل نحو الطاقة النظيفة، مثل الشمسية والهيدروجين، مما يعكس تغيُّراً جيوسياسياً من الهيمنة العسكرية إلى الكفاءة الإقتصادية.
فلم يعد الحوار الدائر على مستوى العالم والتحوُّل في مجال الطاقة، مجرَّد نقاش متعلق ٍ بالمستقبل البعيد، بل صار واقعاً مُلحاً معاشاً في الوقت الراهن، فمع تواصل إرتفاع الطلب العالمي على الطاقة عاماً بعد عام، أصبحت الحاجة إلى تنويع مصادرها، وضخّ إستثمارات في وسائل التخزين والبنية التحتية الذكية أكثر إلحاحاً، مقارنة بأي وقت مضى، في ظلّ وجود بعض العوامل التي أضافت مزيداً من الضغوط، على قدرة تحمُّل تكاليف الطاقة وتوفيرها، ومنها، النمو السريع في عدد السكان، والتوسُّع في إستخدام الذكاء الإصطناعي، وزيادة الطلب على مراكز البيانات، ولم يعُدْ الحديث عن تحوُّل الطاقة اليوم، يتعلَّق بنزع الكربون فقط، وإنما يتناول أمن الطاقة ومرونتها، وقدرتها على الصمود في مواجهة مختلف التحديات.
واليوم أصبح التركيز أكثر على مشاريع البنية التحتية والطاقة المتجددة لتأمين النمو الإقتصادي، بدلاً من الصراعات التقليدية، إذ تساهم هذه التحوُّلات في تعزيز مكانة المنطقة كمورِّد أساسي للطاقة النظيفة، وخلق ممرات تجارية جديدة، وتُشكِّل مصدراً للإستثمارات الضخمة، وتبرز أهمية التعاون الدولي والإقليمي في هذا المجال، من خلال فهم شكل الشرق الأوسط الجديد، عبر العدسة الإقتصادية لا الأمنية فقط، فالمنطقة التي عُرفت لعقود طويلة بوصفها منبعاً لصادرات الطاقة، ومسرحاً دائماً للحروب، باتت الآن تتصارع على موقعها في مستقبل الإقتصاد العالمي، وعلى سبيل المثال، السعودية التي كانت تعتمد على النفط بنسبة تتجاوز 90% من عائداتها العامة حتى 2015، نجحت عبر رؤية 2030 في خفض تلك النسبة تدريجياً بتنويع مصادر الدخل، وجذب إستثمارات غير نفطية تجاوزت 30 مليار دولار سنوياً، وإستحداث مشاريع مستقبلية كمدينة نيوم، التي تبلغ ميزانيتها التقديرية نحو 500 مليار دولار، لتكون مركزاً عالمياً لــ(1) الذكاء الإصطناعي، و(2)الطاقة المتجددة و(3) الإقتصاد الأخضر.
كذلك الإمارات بدورها قطعت شوطاً في هذا المضمار، فتحوَّلت إلى مركز مالي وتجاري عالمي، يضاهي بمؤشراته سنغافورة وهونغ كونغ، وأسَّست منظومة إقتصادية متكاملة، مبنية على الإبتكار والتكنولوجيا والخدمات اللوجستية، أما قطر، فقد إستخدمت فائضها المالي، في بناء شبكة نفوذ طاقوي وسياسي وإعلامي متكاملة، تمتد من أوروبا إلى آسيا، مستفيدة من مكانتها كونها أكبر مصدِّر للغاز الطبيعي المُسال في العالم، وفي مقابل هذا التحوُّل الإيجابي، هناك إقتصادات لا تزال تصارع من أجل البقاء وسط هذا الطوفان، وفي مقدمتها العراق، الذي يمتلك ثاني أكبر إحتياطي نفطي في المنطقة بعد السعودية، وثروات طبيعية وبشرية هائلة، وموقع إستراتيجي يمكن أن يجعله مركز تقاطع لوجستي يربط آسيا بأوروبا، ويربط الخليج بتركيا، وهو ما يعني أن العراق، رغم ما يملكه من أوراق، لا يزال يقف على حافة الفرصة، إما أن يدخل نادي الشرق الأوسط الجديد، عبر بوابة الإصلاح والإنفتاح، أو يُترك على الهامش كنقطة عبور بين صاعدين آخرين.
أيضاً هناك التحوّلات السورية الإستراتيجية الجارية في العلاقة مع الغرب، وإعادة التموضع مع الشرق كروسيا والصين، يمكن أن تصنع من هذا البلد، نقطة إرتكاز وتحوُّل كبيرين في الشرق، ويمكن لها أن تضع لبنان أمام إستحقاقات دقيقة، إذ إن قدرة دمشق على ضبط حدودها ومعابرها، وتغيير نمط إدارتها لعلاقاتها الدولية، تنعكس تلقائياً على ميزان القوى اللُّبناني الداخلي، وتحديداً على طبيعة الدور الذي كان يلعبه حزب الله في المعادلة الإقليمية، لذلك فإن المسارين السوري واللُّبناني، يسيران اليوم في خطين متوازيين، يتقاطعان عند كل منعطف إستراتيجي، وإن بدا أحدهما أكثر نشاطاً في هذه المرحلة، بحيث يمكن للبنان أن يستفيد من هذا التبدُّل، ولا يبقى رهينة التحوُّلات الجارية من حوله، إذ تفترض المعادلة الجديدة أن الإستقرار في سوريا ينعكس تهدئة في لبنان، على الرغم من أن التجارب السابقة، أثبتت أن غياب القرار الوطني المستقل، يجعل بيروت أول المتضرّرين من أي تبدُّل إقليمي، ولذلك تبدو المرحلة المقبلة إختباراً حقيقياً لقدرة الدولة اللبنانية، على إعادة تموضعها في الخريطة السياسية المتحركة، خصوصاً أن المجتمع الدولي بدأ يتعامل معها، بوصفها ملف إستقرار أكثر من كونها قضية سيادة.
المناخ والطاقة وعصر التعدد والأنثروبوسين
تتميَّز منطقة الشرق الأوسط، إلى جانب ريادتها في تصدير الوقود الأحفوري بأنواعه، بقدرتها على إنتاج الطاقة الشمسية، وطاقة الرياح بأقل التكاليف، وهو ما يمنح بلدان الخليج وباقي المشرق، المرونة اللازمة، للتعديل في مزيج مصادر الطاقة، التي تستخدمها في كل مرحلة من مراحل التحوُّل، بدءاً من إستخدام الهيدروكربونات، وصولاً إلى الطاقة النظيفة، بما يحقِّق إدارة الإنبعاثات، ويضمن في الوقت نفسه، تجنُّب النقص في الإمداد والصدمات السعرية، بالإضافة لإستمرارها بكثافة في وسائل تخزين الطاقة والصناعات الكيماوية، ما يدعم دورها المحوري، كمركز عالمي للطاقة، فمن واقع الإستثمارات الذكية التي شهدتها المنطقة، في مجالات الإبتكار والتقنيات الجديدة وخلق القيمة محلياً، يتبيَّن أن دول المنطقة توازن بدقة، بين عناصر ثلاثة لمشكلة الطاقة، تتمثل في الحفاظ على تقديم طاقة نظيفة يُعتَمد عليها بأسعار مقبولة، مع مواصلة الوفاء بالطلب العالمي على الطاقة، وتطوير عمليات أكثر مراعاةً للبيئة داخل البلاد.
كذلك، من المنتظر أن يُحدِث الذكاء الإصطناعي، ثورة في مجال كفاءة الطاقة، عبر التحوُّل في طريقة إنتاج الطاقة وإدارتها وإستهلاكها، فمن خلال تحليل كميات كبيرة من البيانات الواردة من محطات الطاقة المتجددة، وشبكات إمدادها والعمليات التشغيلية الصناعية، يستطيع الذكاء الإصطناعي توقُّع الطلب على الطاقة، وتحسين توليدها، والتقليل من ندرتها فيها، وهذا لا يُسهم في خفض التكاليف وتحسين الإعتمادية فحسب، إنما أيضاً في تسريع عملية نزع الكربون، من خلال ضمان إستخدام كل وحدة من وحدات الطاقة، بأكفأ طريقة ممكنة. وبدءاً من الطاقة المتجددة، ووصولاً إلى الصناعات الثقيلة، يفتح الذكاء الإصطناعي، الباب أمام إستخدام وسائل أذكى في رسم ملامح مستقبل الطاقة، بما يشمل التوسُّع في إستخدام مصادر الطاقة النظيفة، وتعزيز مستويات المرونة في إستخدامها.
أيضاً يعتمد نجاح التحوُّل في مجال الطاقة، على تنمية القدرات البشرية، إذ أنه وعلى المدى الطويل، يقوم بتجهيز كوادر على درجة عالية من المهارة والمعرفة، في مجالات مثل هندسة الطاقة المتجددة، وتحسين إستخدام الطاقة المدعوم بالذكاء الإصطناعي وإدارة الإستدامة، وهو ما يعني الإستثمار في التعليم والتدريب، والمؤسسات البحثية التي تُعِدُّ الشباب لقيادة التوجُّه نحو الإقتصاد الأخضر، وهذا الربط بين تنمية القدرات البشرية وتحوُّل الطاقة، يتجلَّى بوضوح في الهدف والرؤية الوطنية التي قادتها دول الخليج، مثل رؤية المملكة العربية السعودية 2030، وإستراتيجية الإمارات للحياد المناخي 2050، ورؤية قطر الوطنية 2030، فمن خلال تسليح الجيل القادم بالمهارات المناسبة، تضمَن المنطقة المساهمة في عملية التحوُّل، بحيث لا تصبح عملية مستوردة من الخارج، وإنما نتاج جهود من الداخل لأبناء البلد وللقيادة الوطنية.
واللاّفت أن توماس فريدمان، الكاتب والمحلّل السياسيّ الأميركيّ، يسأل في أيّ عصرٍ نعيش اليوم، محاولاً تفسير التحوّل التاريخيّ السريع الذي يشهده العالم اليوم، معتبراً أنه عصرَ التعدّد في كل المجالات، حيث تتشابك القوى، وتتقاطع المصالح، وتذوب الحدود بين الحقيقة والوهم، وبين الإنسان والآلة، وبين المحلّيّ والعالميّ، فبعد الحرب الباردة والعصر الأميركيّ الأحاديّ الذي تلاها، إنتهى ذلك النظام القديم، مع الإنسحاب الأميركي من أفغانستان، وغزو روسيا لأوكرانيا، وصعود الصين كمنافسٍ عالميٍّ إقتصاديٍّ وعسكريٍّ حقيقيٍّ، موازي للولايات المتّحدة، يرى فريدمان أنّنا ندخل مرحلةً جديدةً لا تشبه أيّ مرحلة سابقةٍ، عالماً متعدّدَ الأقطاب، ومعقّداً، ومترابطاً على مستوياتٍ غير مسبوقةٍ.(1)
فما يعيشه العالم الآن، لا يمكن تسميته ما بعد الحرب الباردة، فلقد تغيّر العالم جذريّاً وبسرعةٍ، ووصل إلى لحظةٍ تتجاوز بكثيرٍ عواقب تنافسٍ ثنائيّ القطب بين القوى العظمى، فالعالم أمام ولادةُ شيءٍ جديدٍ ومعقّدٍ للغاية، يجب التكيُّف مع سريعاً، وهنا يضيف فريدمان: أنه كما يسمِّيه العلماء عصر الأنثروبوسين، أي الحقبة التي بات فيها الإنسان، هو القوّة المهيمنة على المناخ، بينما يسمّيه خبراء التكنولوجيا عصر الذكاء الإصطناعي، ويُفضّل بعض الإستراتيجيّين تسميته بعودة الجغرافيا السياسيّة.
إنّ أي من هذه التسميات، لا يبدو أنها تُجسّد الإندماج الكامل، بين تغيّر المناخ المتسارع، والتحوّلات السريعة في التكنولوجيا، وعلم الأحياء والإدراك، والاتّصال وعلوم الموادّ والجغرافيا السياسيّة والجغرافيا الإقتصاديّة، فهو عصر التعدّد في كلّ شيءٍ، حيث العالم اليوم لم يَعُد ثنائيّاً بين شرق وغرب، يسار ويمين، غنيّ وفقير، بل صار متعدّدَ الأبعاد، يعيش اليوم مع نوعٍ جديدٍ من العقول، لا يضمّ العقل البشريّ فقط، بل العقول الإصطناعيّة، فهو عصر التعدّد بكلّ معنى الكلمة، تعدّد القوى (دول، شركات، أفراد، خوارزميّات، وتعدّد الأزمات، وتعدّد الهويّات، وتعدّد مسارات المستقبل).
هنا يبدو أنّ جوهر التحوّل، يكمن في الثورة المعرفيّة، ثورة الذكاء الإصطناعيّ المتعدّدة المواهب، التي تعلّم وتُبدع، والتي لم يكن ممكناً لولا تطوّر الرقاقات الدقيقة، من أنظمةٍ ثنائيّةٍ إلى أنظمةٍ متعدّدةِ المهامّ المتوازيةٍ، قادرةٍ على معالجة ملايين العمليّات في وقتٍ واحدٍ، هذه الثورة هي الأساس الذي يُبنى عليه عصر البوليسين، الذي يسود فيه عالم مترابط، تحكمه شبكاتٌ من أنواع متعددة من الذكاء، تتطوّر معاً ويتعلّم بعضها من بعض، فهناك مصطلح الأزمات المتعدّدة والمركبة وفيها:
– الأزمات البيئيّة والسياسيّة والإقتصاديّة لم تعد منفصلةً بل مترابطة.
– أزمةٌ واحدةٌ، مثل جائحة كورونا أو حرب أوكرانيا، يمكن أن تولّد سلسلةً من الأزمات المتداخلة عالميّاً.
– تغيّر المناخ الذي لم يعد مسألةَ إرتفاع الحرارة فقط، بل أصبح محرّكاً لأزماتِ الغذاء والهجرة والإقتصاد والصراعات.
فمثال الحرب في سوريا،أو في السودان،أو في لبنان، التي تحوّلت إلى نموذجٍ فريدٍ من تداخل القوى والأجندات والمصالح، في ساحةٍ صغيرةٍ نسبيّاً، تتقاطع جيوش دوليّة وإقليميّة ومحليّة، ومصالح إقتصاديّة متضاربة، وتحالفات متبدّلة، وحروب بالوكالة، وتكنولوجيا مراقبةٍ متطوّرة، ومنصّاتُ إعلامٍ ودعايةٍ رقميّة، تؤثّر في الرأي العامّ العالميّ لحظةً بلحظةٍ، فلم يَعُد الصراع يُشكِّل مواجهةً بين نظامٍ ومعارضةٍ، أو بين محورين إقليميَّين وحسب، بل صار ميداناً تتفاعل فيه عشراتُ القوى، دولٌ كبرى كروسيا والولايات المتّحدة، ودول إقليميّة مثل تركيا وإيران، وميليشيات محلّيّة، وشركات أمنٍ خاصّة، وجماعات عابرة للحدود، ومنظّمات إنسانيّة وحقوقيّة، إلى جانب الإعلام التقليديّ والجديد، وحتّى الخوارزميّات التي تتحكّم في إنتشار الروايات على الإنترنت، فهذا التداخل الكثيف، هو ما يجعل من هذه الدول مختبراً حقيقيّاً لفهم البوليسين، إذ لا يمكن لأيّ قوّةٍ أن تفرض سيطرةً كاملةً، ولا لأيّ طرفٍ أن ينعزل عن الآخر، الكلّ مرتبطٌ بالكلّ، في شبكةٍ من المصالح والمخاوف والتكنولوجيا والمعلومات.
كذلك هناك حياة جديدة مع نوعٍ جديدٍ من العقول، يٌضاف الى العقل البشريّ فقط، وهي العقول الإصطناعيّة، التي تصمَّم وتُدرَّب وتعمل جنباً إلى جنبٍ مع البشر، لم يعُد الذكاء الاصطناعيّ أداةً، بل شريك في التفكير والإبداع وإتّخاذ القرار، ففي عصر كهذا، تتضاعف هذه الخطورة لأنّ الذكاء بإختلافاته المتنوعة، بشريّةً وإصطناعيّةً، تتفاعل في بيئةٍ غير مستقرّةٍ مليئةٍ بالأزمات، من المناخ إلى الإقتصاد إلى السياسة، وأنّ التحدّي الأكبر في عصر كهذا هو القيادة، وقدرة قادة الدول، أو الشركات، أو المجتمعات، على إتخاذ قراراتٍ رشيدة في عالمٍ لا يمكن التنبّؤ به، حيث تتفاعل المتغيّرات بسرعةٍ تفوق قدرة أيّ مؤسّسةٍ أو نظامٍ تقليديٍّ على الإستيعاب، ففي هذا العصر الجديد، لم يعُد الإستقرار خياراً، بل أصبح التكيّف هو الإستقرار، من لا يتكيّف بسرعةٍ مع هذا الواقع المتعدّد والمتغيّر، سيُستبدل عاجلاً أم آجلاً، فالعالم لا يعيش مرحلةَ إنتقالٍ نحو نظامٍ جديدٍ، بل يعيش النظامَ الجديدَ نفسه، عصرَ التعدّد، عصرَ البوليسين، الذي تتشابك فيه القوى، وتتقاطع المصالح وتذوب الحدود بين الحقيقة والوهم، بين الإنسان والآلة، وبين المحلّي والعالمي.
من هنا، يمكننا إعتبار أن التحوُّل في مجال الطاقة، يمثِّل فرصة تاريخية لمنطقة الشرق الأوسط، حيث أعدَّت الحكومات مسارات واضحة، في إطار مجموعة من المشاريع الوطنية الطموحة، بهدف منح المستثمرين الثقة، وفتح الطريق أمام إستقرار الأسواق العالمية، وقد تُرجمت هذه الثقة في تزايد تدفقات رأس المال في مجالات الطاقة المتجددة، والبنية التحتية والتكنولوجيا، وعلى الرغم مما سبق، لا يُمكن أن تعتبر المنطقة محصَّنة ضد المخاطر الخارجية، لا سيَّما تقلبات بيئة التعريفات العالمية، التي قد تؤدي إلى إعادة رسم ملامح أنماط التجارة، وإحداث تأثير غير مباشر في أسعار الطاقة، وعلى الرغم من إمكانية كبح التأثير المباشر، لهذه المخاطر الخارجية على منطقة الشرق الأوسط، إلاَّ أن المخاطر غير المباشرة، مثل إنخفاض أسعار النفط، والتغيُّرات في تدفُّقات الإستثمار العالمي، يمكن أن تؤثر على النمو، حيث من المنتظر أن يحدد أسلوب التعاطي مع هذه المخاطر، مع الإستمرار في الوقت نفسه في الإصلاحات الجريئة، مدى قدرة منطقة الشرق الأوسط، على إعادة رسم ملامح مشهد الطاقة لديها، وإستثمار هذا التحول، في تحقيق المرونة والريادة الإقتصادية على المدى الطويل.
مشاريع عملاقة وسباق بين الجغرافيا السياسية والجغرافيا الإقتصادية
اليوم، نشهد بوضوح كيف أن مشاريع عملاقة تُصاغ، كمشروع طريق الهند الموصول بالشرق الأوسط الى أوروبا، وكذلك مبادرة الحزام والطريق الصينية، ومحور الربط التجاري بين الخليج وتركيا وأوروبا عبر العراق والأردن، كلّها ليست مجرَّد مشاريع بنى تحتية أو لوجستية، بل بمنزلة عقود تأسيس لشرق أوسط إقتصادي جديد، لم تعُد المعارك تدور فقط على خطوط النار، بل أيضاً على خطوط السكك الحديدية، وأسعار الغاز الطبيعي، ومواضع مراكز البيانات، وسلاسل التوريد.
ولفهم شكل الشرق الأوسط الجديد، لا بدَّ هنا من قراءة ذلك عبر العدَسة الإقتصادية، وليس الأمنية فقط، فالمنطقة التي عُرفت لعقود طويلة بوصفها منبعاً لصادرات الطاقة، ومسرحاً دائما للحروب، باتت الآن تتصارع على موقعها في مستقبل الإقتصاد العالمي، فالسعودية مثلًا، التي كانت تعتمد على النفط بنسبة تتجاوز 90% من عائداتها العامة حتى 2015، نجحت في خفض تلك النسبة تدريجياً بتنويع مصادر الدخل، وجذب إستثمارات غير نفطية، وإستحدثت مشاريع مستقبلية، لتكون مركزاً عالمياً للذكاء الإصطناعي والطاقة المتجددة والإقتصاد الأخضر.والإمارات بدورها سبقت في هذا المضمار، وتحوَّلت إلى مركز مالي وتجاري عالمي، وأسَّست منظومة إقتصادية متكاملة، مبنية وقائمة على الإبتكار والتكنولوجيا والخدمات اللوجستية، في حين أن قطر، إستخدمت فائضها المالي لبناء شبكة نفوذ طاقوي، تمتد من أوروبا إلى آسيا، مستفيدة من مكانتها، كأكبر مصدر للغاز الطبيعي المسال في العالم.
ويبدو أن التحوُّل الأبرز، الذي عجَّل في إعادة تشكيل المنطقة، كان العدوان الإسرائيلي على غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023، ذلك الحدث الذي ظنَّ كثيرون، أنه مجرَّد جولة جديدة في الصراع الدائر في فلسطين، ليتبيَّن لاحقاً أنه زلزال جيو_إقتصادي حقيقي، وهذه الحرب، أخرجت جماعة الحوثي في اليمن إلى واجهة التأثير العالمي، عبر إستهداف الملاحة في البحر الأحمر، ممَّا أدَّى إلى تراجع إيرادات قناة السويس بنسبة 17% في النصف الأول من عام 2024، وإضطراب سلاسل الإمداد العالمية، كما تسبَّب القصف الإسرائيلي المكثّف، والتوغُّل البري في غزة، بتدمير البنية التحتية بالكامل، ومعه تم عرقلة مشاريع التطبيع والربط الإقتصادي، بين إسرائيل ودول الخليج، التي كانت في طور التبلور، وإسرائيل نفسها، التي كانت تراهن على تحوُّلها إلى مركز إقتصادي وتكنولوجي إقليمي، تلقَّت ضربة إقتصادية عنيفة، من حيث تراجع الإستثمارات الأجنبية فيها بنسبة 60% خلال أقل من 9 أشهر، وتكبَّدت أكثر من 70 مليار دولار على شكل خسائر مباشرة وغير مباشرة، إضافة إلى إستنزاف الموازنة العامة، وخسائر في سوق العمل، وهذا الإنكشاف، أثْبت أن الإستقرار هو العمود الفقري لأي نهضة إقتصادية، وأن الحروب لم تَعُد مجرَّد معارك سياسية، بل تؤثر مباشرة على التموضع في النظام الإقتصادي العالمي.(2)
هنا لا بدَّمن التذكير، أنه بعد الحرب العالمية الأولى، أعادت القوى الكبرى رسم المنطقة، وفق توازناتها الإستعمارية، لكن الفرق أن تلك الخريطة، رسمت على الطاولة وقتذاك، أما خارطة اليوم فهي تُرسم على الأرض، عبر المشاريع والتحوُّلات التكنولوجية والتشابكات الإقتصادية، ففي السابق، كانت الجغرافيا السياسية هي الحاكمة، أما الآن فقد باتت الجغرافيا الإقتصادية هي البوصلة الجديدة، وفي ضوء كل هذه المعطيات، يمكننا رسم السقف الزمني المنطقي لظهورالملامح الكاملة للشرق الأوسط الجديد، فبحلول عام 2030، ربما ستكون معظم مشاريع الربط الإقتصادي، مثل ممر الهند مع الخليج الى أوروبا، وميناء الفاو الكبير في العراق، ومنصات نيوم الرقمية، قد بدأت فعلياً بالعمل، وسيتحدد حينها من هم اللاعبون الرئيسيون في المنطقة.
أما بين 2030 و2035، ربَّما ستكون مرحلة الإختبار الجدي للتماسك الإقتصادي، خاصة في ظل التحديات المناخية، والتحوُّل في الطلب العالمي على الطاقة، والضغط الديمغرافي، وإذا لم تستطع بعض الدول أن تقوم بتكييف إقتصاداتها مع هذه التحديات، فإنها ستكون مرشحة إما للفوضى، أو التبعية أو التهميش، حيث أنه وبحلول عام 2040، سيبرز شرق أوسط مختلف، تُقاس فيه القوة، ليس بعدد الجنود أو صفقات السلاح، بل بحجم البيانات المتداولة، وبقدرة الموانئ وبعدَد الشركات الناشئة، وبمؤشرات الإبتكار، وبحجم رؤوس الأموال العابرة، ومن سيفهم هذه اللُّغة الجديدة ويدخلها بذكاء، سيكون له مكان في هذا المستقبل، ومن يظل أسير لغة الماضي، لن يكون سوى متفرِّج على المسرح، فالشرق الأوسط الجديد ليس حتمياً وليس جاهزاً، بل هو مشروع قيد التشكيل، ويمكن لكل دولة أن تختار مكانتها فيه، والفرص لا تزال ممكنة، لكنها لا تنتظر طويلاً.
طريق التغيير وأنموذج الحل
إنّ المستجدات السياسية والأمنية الأخيرة في المنطقة، تفرض مجدّداً إعادة البحث في تشكيل النظام العالمي الجديد، والموقع المهم والإستراتيجي للشرق الأوسط، بعد مرور أكثر من قرن على إتفاقية لوزان، وكذلك البحث عن سياسات الحكومات القومية في المنطقة، والتطوّرات التي أوصلت الأمور إلى حال من البؤس والعدم، نتيجة بروز أزمات بنيوية مستعصية على الحل في جميع نواحي الحياة، ممّا أدّى إلى التدخّلات الخارجية الدائمة في المنطقة، عبر سياسة الحداثة الرأسمالية والنيوليبرالية، والحدّ من الأنظمة القومية المستبدّة، والتي أصبحت عائقاً أمام إستمرار مصالحها الحيوية والجيوستراتيجية، هنا لا بدَّ من تسليط الضوء على التطوّرات الحالية في المنطقة، في إحاطة عامة عن الوضع السياسي والأمني للشرق الأوسط، وتحديد أبرز أزماته والتطوّرات التي يشهدها، وإختيار موقع سوريا كأبرز قضايا الشرق الأوسط تأزّماً، نظراً لدورها، وكمفتاح في إعادة بناء النظام الإقليمي، من خلال تحليل الوضع السياسي والأمني فيها، منذ سقوط النظام فيها بعد حكم دام 55 عاما، وتحليل آثار التطوّرات الأمنية والسياسية الراهنة والمتوقّعة على دول الجوار، نتيجة ظهور تغييرات جذرية في الشرق الأوسط، والحلول المطروحة لتشكيل الشرق الأوسط من جديد، لحل أزماته المستفحلة والخروج منها، لتتم مقارنة هذه الحلول، مع الحل الذي يطرحه المفكّر الأممي عبد الله أوجالان، للنخلُّص من تلك الأزمات المستفحلة.
فالحرب الباردة التي إستمرّت عشرات السنوات، بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، بين الليبرالية الرأسمالية، والاشتراكية الشيوعية وحلفائهما، تميّزت بتنافس سياسي وإقتصادي غير مباشر، في مناطق مختلفة من العالم، وذلك من خلال الدعم العسكري والمالي والإيديولوجي، بما في ذلك سباق التسلّح والحروب بالوكالة والتجسّس، فقد عانت غالبية شعوب الشرق الأوسط الويلات، وعاشت أزمات عميقة نتيجة مآلات الحرب الباردة والصراعات الدائمة، ومن ثم بدأت الهيمنة الأمريكية على المنطقة بشكل قوي، بدعمها للأنظمة الإستبدادية والدكتاتورية، وجاءت حادثة 11/ أيلول/2001 ، كفرصة تُقدَّم على طبق من ذهب لأمريكا، من أجل الهيمنة على الشرق الأوسط الواسع، والسيطرة على منابع الطاقة والممرّات الهامة، بحجَّة مكافحة الإرهاب الإسلامي المتشدّد، لكن علينا النظر إليها بأنّها كانت نقطة إنعطاف، وكمرحلة إستراتيجية للحرب المبتدئة بعد الحرب الباردة، فالتحرّك الأمريكي من حينها تسيَّد العالم وأدخله في خضمّ الفوضى، والعديد من الدول القومية، ساورتها الريبة والمخاوف العميقة في هذه المرحلة، لأنّها شارفت نهايتها وزمانها قد صار من الماضي، وأصبحت عائقاً أمام العولمة ومشاريع الشرق الأوسط الكبير أو الجديد.(3)
تعمل أمريكا بمشروع الشرق الأوسط الكبير، لأنّها تعتبر نفسها سيّدة العالم ومتفرّدة به، ويعبر المفكّر والمناضل الأممي عبدالله أوجالان عن رؤية أمريكا في ذلك فيقول: “حيث ترى أنّ النظام الذي أنشأته فرنسا وإنكلترا بعد الحرب العالمية الأولى، خاطئ وناقص، كما ترى أخطاءها في ممارساتها التي طبّقتها بعد الحرب العالمية الثانية، والتي عزّزت من الإستبدادية بذريعة ترسيخ الأمن والإستقرار، فتتقرب منها بانتقاد للذات، وهي مدركة أيضاً لأضرار ومخاطر العَوَز والفاقة المفرطة لشعوب المنطقة… لهذا الغرض فهي تود تأمين التطور الإقتصادي والحريات الفردية والديمقراطية والأمن، بشكل متداخل. بالتالي فهي ترغب عبر هذا الأنموذج، في حل المشاكل المزمنة لكل من العرب في فلسطين، والكرد مع العرب، والترك مع إيران، لتعيق بذلك حدوث إنفجارات جديدة. أي، ثمة في الميدان ضرب من ضروب مخطّط مارشال الأوروبي والياباني الجديد، وبالمتأقلم حسب شروط المنطقة”.
يبدو المشهد الإقليمي كأنه يُعيد رسم حدوده السياسية والأمنية، إنطلاقاً من دمشق لا من بيروت، في ظلّ تحوّل سوريا مجدداً إلى ساحة إختبار لتوازنات القوى، بعد سنوات من العزلة والحرب، ومع أن لبنان يبقى في قلب الإهتمام الدولي، إلاَّ أنه لم يَعُد مركز الثِّقل في الحسابات الأميركية أو الإقليمية، بل جزءاً من منظومة مترابطة، تُدار ملفاتها ضمن رؤية موحدة، تتجاوز الحدود التقليدية بين البلدين، فالسياسات تجاه سوريا ولبنان، تُصاغ اليوم في سياق واحد، حيث يُنظر إلى دمشق بوصفها البوابة، التي يمكن من خلالها ضبط الإيقاع اللبناني، وليس العكس.
لذلك، برز هنا دور أمريكا الكبير مؤخّراً، في لحظة حرب إقليمية، تقاطعت مصالح الدول فيها بين واشنطن مع موسكو بنسبة أقل، وأنقرة وتل أبيب، في إسقاط نظام البعث في سوريا، وإبعاد نفوذ كل من إيران وروسيا عنها، ودورها في الصراع، والحرب بين روسيا وأوكرانيا وبين إسرائيل وإيران، لتبقى الصين همّها الأساس، والهاجس والمنافس الإقتصادي لها، فمشروع الشرق الأوسط الكبير، هو مشروع تقوده أمريكا، كإمبراطورية القرن منذ عقود، من أجل السيطرة على دول المنطقة، وبالأخص الشرق الأوسط، وقد أوضح السفير الأمريكي في تركيا، والمبعوث الخاص للرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى سوريا ولبنان طوم برّاك، بتاريخ 26/5/2025، بأن جزءاً كبيراً من معالم المشهد في الشرق الأوسط الجديد سيتغيَّر، وبهذا هو فسّر تصوّراً عاماً، ليس فقط لما تفكّر به الإدارة الأميركية الجديدة، بل لما تبدو أنّها ملامح النظام العالمي الجديد، وتطرّق أيضاً للقول:” قبل قرن من الزمان، فرض الغرب خرائط وإنتداباً، وحدوداً مرسومة، وحكمأً أجنبياً، قسّمت سايكس بيكو سوريا والمنطقة الأوسع، لتحقيق مكاسب إمبريالية لا لتحقيق السلام، كلّف هذا الخطأ أجيالاً، ولن نكرّره، وأنّ زمن التدخّل الغربي قد إنتهى، وأنّ المستقبل سيكون لحلول تنبع من داخل المنطقة، وعبر الشراكات القائمة على الإحترام المتبادل”. فهذا إن دلَّ فهو على إعتراف واضح بأنّهم ظلموا الشعوب، وقسّموها حسب مصالح الغرب الرأسمالي، وهنا نسأل:هل حقاً إنتهى عصر التدخّل الغربي كما يشرح السفير الأمريكي؟ فقد كانت السياسة الأميركية قبل تسلّم إدارة ترامب، متأرجحة وغير واضحة، فيما يخصّ المنطقة العربية والشرق الأوسط عموماً، وموجّهة بشكل رئيسي ضدّ الصين والروس، القطبَين المنافسَين لها في السيطرة الإقتصادية على العالم، وخلق مشاكل وأزمات لهما، لكن تغيّرت أساليب تلك السياسة قليلاً مع تسلّم ترامب ولايته الثانية، والقائمة أساساً على الصفقات.(4)
أما فيما يخصّ سوريا، كانت السياسة الأميركية تركّز على إحتواء إيران، وتقاسم النفوذ مع الروس فيها، في حين تُركّز واشنطن حالياً على المِلف النووي الإيراني، وحتى ضرب مواقعها النووية ومساندة إسرائيل بشكل غير مباشر، في حربها على إيران في حزيران 2025، والتي دامت إثني عشر يوماً، وتعمل على تحجبم دور إيران في المنطقة، كما تعمل على مكافحة الإرهاب الداعشي، ومكافحة أذرع إيران المتبقّية في المنطقة كالحوثيين في اليمن، والحشد الشعبي في العراق، للقضاء على محور المقاومة والممانعة بشكل نهائي، كما جرى مع كلّ من حماس وحزب الله والنظام السوري من قبل، ورغم أنّ الولايات المتّحدة لن تتخلّى عن حماية إسرائيل، إلاَّ أنّها لن تنظر للمنطقة بعيون تل أبيب، بل من خلال منظور المصالح الأميركية قبل كل شيء، والآن تقوم واشنطن خلال رئاسة ترامب اليوم، بتعويم الرئيس السوري المؤقّت أحمد الشرع، وحتى اللقاء به في الرياض، ثم في واشنطن وضمِّه الى التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب، بعد أن كان مطلوباً مقابل عشرة ملايين دولار، وتسعى لرفع العقوبات عنه، وكذلك رفع إسم جبهة النصرة من لائحة الإرهاب مؤخّراً، ولا ينفكّ ترامب عن إبداء علامات الإعجاب بشخصية الشرع، في سابقة فريدة للسياسة الأمريكية.
كذلك وفي لحظة إقليمية بالغة الحساسية، يتصدّر لبنان مجدّداً دائرة الضوء الدولية والعربية، على نحو لم يشهده منذ سنوات طويلة، حيث هذا البلد الصغير بمساحت،ه له رمزية كبيرة جداً، فهو يجد نفسه اليوم في قلب تحوّلات سياسية، تُعيد رسم ملامح الشرق الأوسط، فثمة إشارات متراكمة، تؤكد أن الولايات المتحدة تولي لبنان إهتماماً متزايداً، وأنّ دولاً عربية أساسية، عادت إلى مقاربة مِلفه بجدّية لافتة، وفي خضم هذه الحركة الدبلوماسية النشِطة، يمتلك لبنان فرصة تاريخية ليُعيد تعريف موقعه ودوره، شرط أن يُحسن قراءة هذه اللَّحظة والتصرّف بواقعية ومسؤولية، فلبنان ما زال، رغم كل ما مرّض ويمرُّ به، يشكّل مساحة رمزية للحرية والإنفتاح الثقافي والفكري، ولذلك، فإن إعادة دمجه في الحاضنة العربية، والعودة العربية إلى بيروت، تحمل في طياتها بُعداً يتجاوز الإقتصاد أو الدعم الإنساني، لتلامس عمق الهوية والموقع، وتُعيد طرح السؤال حول دور لبنان بوصفه جسراً حضارياً لا ساحة للتناحر، لكن كل إهتمام خارجي، مهما بلغ حجمه، سيبقى بلا أثر، إذا لم يترافق مع إرادة لبنانية صادقة في الإصلاح والإنقاذ، فالمجتمع الدولي والعربي باتا يدركان أنَّ أزمات لبنان، ليست ناتجة فقط عن عوامل خارجية، بل عن خللٍ بُنيوي في الإدارة والحوكمة، وإنقسام سياسي مزمن يَحوْل دون بناء أي مشروع وطني جامع، فقد يختلف المراقبون حول دوافع الإهتمام الأميركي والعربي بلبنان، فمنهم من يراه مصلحة إستراتيجية، ومنهم من يراه تعاطفاً ثقافياً، أو حتى محاولة لإعادة النفوذ، لكن المؤكَّد أن هذه اللَّحظة، تشكّل تقاطعاً نادراً لمصالح القوى الكبرى والإقليمية، حول ضرورة بقاء لبنان مستقراً، وهذا وحده كافٍ ليُعيد لهذا البلد، وزناً كان قد فقده في السنوات الماضية.
فالإشكالية المطروحة بشدّة في هذه الأثناء، تتعلق بالسياسة التي ستنتهج لمستقبل المنطقة وشعوبها، في حلِّ الأزمة السورية واللُّبنانية، وكذلك في حلّ القضيتَين الكردية والفلسطينية المتأزّمتَين منذ عقود، فبدون حلّهما حلّاً عادلاً، لن تستقرّ المنطقة بتاتاً، كما أنّ السعودية، ومن أجل إنضمامها للإتفاقات الإبراهيمية، تشترط الإعتراف بدولة فلسطينية في إجتماعات الأمم المتحدة ومعها فرنسا، فلم يكن إستقبال الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب للرئيس السوريّ أحمد الشرع في البيت الأبيض، حدثاً عابراً في سياق العلاقات الدوليّة، بل محطّة سياسيّة تستحقّ التوقّف عندها طويلاً، يتجاوز المشهد حدود البروتوكول الدبلوماسيّ ليصبح لحظة سياسيّة رمزيّة، أعادت خلط الأوراق في ملفّ ظلّ لسنوات من أكثر الملفّات حساسيّة في المنطقة، فقد حمل اللِّقاء في مضامينه رسائل متعدّدة الاتّجاهات، وعلى المستوى الإقليميّ بعثت واشنطن برسالة مزدوجة،الأولى لحلفائها العرب بأنّها منفتحة على إعادة التفكير في الملفّات المعقّدة من دون إلتزامات مسبقة، والثانية لخصومها بأنّها لا تزال تُمسك بمفاتيح التواصل، حتّى مع من تعتبرهم خصوماً (5)، وهذا يدل على أنها تعتمد سياسة إدارة المسافات، حيث لا قطعيّة في التحالف، ولا قطيعة في الحوار، وبداية فصل جديد في لغة واشنطن تجاه دمشق، فصل لا يقوم على الودّ، ولا على العداء المطلق، وهنا يمكن القول إنّ لقاء ترامب والشرع، أعاد إلى الواجهة النقاش في معنى الإعتراف والشرعية في عالم متغيّر، حيث المصافحة التي نقلتها الشاشات، لم تكن لقطة عابرة فقط، بل لحظة سياسيّة للإنتقال، من منطق القطيعة إلى منطق الرمزيّة المحسوبة.
ناهيك عن دور السياسة الأمريكية المحوري في مبادرة السلام الكردية _ التركية الأخيرة، لأجل إستقرار وبناء المشاريع الإنمائية في المنطقة، كونها حاجة تركية ضرورية، في ظل تحوُّلات الإقليم، وكذلك دور أوروبا في الشرق الأوسط كألمانيا، وفرنسا، وبريطانيا، والذي يبدأ، حين تصل السياسة الأمريكية لطريق مسدود وتصل لذروة التأزّم، وحسب دورها المرسوم لها، وكي لا تخسر الأصوات المعتدلة في المنطقة، تسمّي إلمانيا هذا النهج بسياسة الإحتياطي الدبلوماسي، فتتدخّل حين تنزاح أمريكا عن الإهتمام، لتقوم بدور إدارة الأزمات وإحتوائها، بأسلوب أكثر مرونة وإنفتاحاً، يساعد في تخفيف التوتّر وتأخير الإنفجار، لتهيئة المناخ المناسب لمبادرات جديدة في الشرق الأوسط، تشبه بالونات إختبار، لكن بما يخدم الخط الأمريكي، فقد تقوم الدول الأوروبية بسياسة مختلفة، إلّا أنّها لا تستطيع الخروج عن المخطّط الأمريكي، ورأينا ذلك خلال القضية الفلسطينية، وفي حروب الخليج والسودان وأفغانستان، وخلال أزمات دول الربيع العربي، والحرب الروسية الأوكرانية، والصراع الإسرائيلي _الإيراني، والذي لا يزال جمراً تحت الرماد.
حرب غزة والإفلاس الإقليمي
لكن يبدو أنّ حرب غزة، أثَّرت بشكل كبير على الشرق الأوسط، فوضْعه سيكون مختلفاً عمّا كان عليه قبل الحرب، مثلما صرّح به نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي، فبعد الحرب على حماس في غزة، وحزب الله في لبنان، والدور المباشر لإسرائيل في تغيير النظام في سوريا، قال نتنياهو في آذار/2025/: “إنّ إسرائيل وصلت إلى قمّة جبل الشيخ، ولقد غيّرنا وجه الشرق الأوسط”، كذلك قال أمام الكنيست الإسرائيلي: “إنّ تل أبيب غيّرت وجه الشرق الأوسط، وأجبرت حزب الله على الركوع، وأسقطت نظام الأسد، ولا تزال أمامها مهمّة كبيرة”، وردّدها أثناء قيامه بضربات على إيران، وكان قد كشف من على منبر الأمم المتحدة في سبتمبر أيلول/2024، عن خريطتَين، الأولى تصوَّر فيها مشروعاً لوجستياً يربط الهند بجنوب أوروبا، عبر الشرق الأوسط والخليج وإسرائيل منها، والثانية سمَّاها خريطة اللّعنة باللون الأسود، تُظهر أذرع إيران في المنطقة.
الآن، وبعد أن وصلت غالبية أنظمة الشرق الأوسط إلى حافة الإفلاس التام، طرح السيد عبد الله أوجلان مشروع الشرق الأوسط الديمقراطي، لأنّ إيران الإسلامية التي تمثِّل القومية الشيعية، تعيش في أزمة داخلية وخارجية، وتركيا المتأرجحة بين الشرق والغرب، وبين وإسرائيل وحماس الفلسطينية، والمتدخّلة في الشأن السوري حتى النُّخاع، أوقعت نفسها وصارت وسط مساحات كبيرة من الأزمات داخلياً وخارجياً، حتى قامت بمبادرة سعت فيها لحلّ وقبول صيغة التفاهم للقضية الكردية في تركيا، لأنّها ترى أنّ رياح التغيير ستطالها أيضاً، وبما أنّ إسرائيل تأسّست على أساس دولة قومية، ولديها مشروع توسّعي، فإنّها تشهد صراعاً وتناقضاً كبيراً في غزة، ما بين إستعادة الأسرى وإنهاء حماس، ومجابهة حكومة نتنياهو الإستياء الشعبي داخل إسرائيل لإنهاء الأزمة، وقضايا تدخّلاتها في لبنان وسوريا، وكذلك حالة العراق غير مستقرّة، وتعيش وضعاً غير متوازن في سياستها الداخلية والخارجية، ولبنان، البلد الذي ما تزال الطائفية وأحزابها تدين بمعظم ولاءاتها للخارج، تتحكَّم فيه، عبر دعم حليفتها حزب الله وتهدّده بحرب أهلية، بعد أن أصبح سلاح حزب الله مشكلة كبيرة فيها، وفي سوريا إمتدّت أزمتها لأكثر من عقدٍ ونيّف وباتت أعمق بكثير، نتيجة التدخّلات الخارجية المتعدّدة، لتصبح بؤرة للإسلام المتطرّف، بمعنى أنّ كل دول الشرق الأوسط، تعيش في أزمة عميقة.
هنا إبتكر أوجالان نظريته في الأمة الديمقراطية، ووجدها عنصراً فعالاً في الحداثة الديمقراطية، وفي مواجهة أنظمة الحداثة الرأسمالية، والتي تُفاقِم الأزمات التي خلقتها خدمة لمصالحها بدلاً من حلِّها، فهو يرى أنّ الرأسمالية لم تكتفِ تاريخياً بتقسيم العالم العربي، إلى أكثر من عشرين دولة قومية فقط، بل قسّمته إلى عشرات العقليات، ومئات التنظيمات والقبائل والمذاهب المتنافرة فيما بينها، وهي هدف الفلسفة اللِّيبرالية بالمعنى الإستعماري، ويرى كذلك أنّه لا حلّ يجمع كافة المكوّنات، وتجاوز الحدود المصطنعة، إلاَّ عبر تطبيق نظرية الأمة الديمقراطية، وبهذا يمكن الحدّ من إنقسام الكرد والأتراك وإيران أيضاً، وحتى القضايا العالقة بين أفغانستان، والهند، وباكستان كذلك، ويجب حلّ الأزمة بنيوياً، ويرى أنّه لا يمكن العودة إلى حياة الحرية والديمقراطية، إلّا بتوحيد الشعوب والمجتمعات ضمن الإختلاف والثقافات المتميِّزة بالغنى الكبير، والممتدّة من آسيا الوسطى حتى بلاد الهند، والتي عاشت سويّة على مرّ التاريخ، في كنف إمبراطوريات سياسية مشتركة من النوع الكونفدرالي، وبمشاركة كافة الشعوب ودون إقصاء أو تهميش، ويرى أيضاً، أنّه ما دامت ذهنية الدولة القومية قائمة، سواء بطرازها الديني، أو القومي العَلماني، فهي تعرض الإسلام على أنّه أيديولوجية إرهاب ووعيد، مضفية المساوئ القصوى على هذه الشريعة أيضاً، لذا يتحتّم تطوير الإتحادات الإقليمية أولاً، والإتحادات الوطنية الديمقراطية على مستوى الشرق الأوسط ثانياً، حتى أنّ السيد أوجالان، طرح حلّاً أمام إسرائيل والشعب اليهودي، من أجل الخروج من الطوق المحاصر بها، يقضي بالإنضمام إلى مشروع إتحاد الأمم الديمقراطية في الشرق الأوسط، وإستلام زمام المبادرة الإيجابية، لتحقيق الإنطلاقة، حيث أنه بمقدور رأس المال الفكري والمادي الذي تستند إليه إسرائيل، أنّ يؤدّي دوراً بالغ الأهمية، من أجل مشروع إتحاد الأمم الديمقراطية على صعيد الشرق الأوسط، فيتحقق الأمن ويستتب السلام المستدام، الذي هي في أمسّ الحاجة إليه، بحسب تعبير المفكر أوجالان.
التنافس على الطاقة.. وملامح ما بعد الحرب
بغضّ النظر عن الصراعات التاريخية القديمة وبأشكالها المتعدّدة، ومعها التحالف الحديث النشأة، بين الصيني والروسي والإيراني، ومعها تركيا التي عملت لسنوات على إستخدام الممرّات في القوقاز أي أوراسيا، وفي سوريا وغيرها، وبسبب المصالح المتشابكة والمتضاربة، وبسبب الأحداث الأخيرة التي شهدتها المنطقة، فقد تراجع هذا النفوذ، ولم تستطع كل من إيران وتركيا، الوصول لمشاريعهما المتناقضة، علماً أنّ تركيا تحاول ملء الفراغ الذي تركته إيران في المنطقة، بعد إسقاط نظام الأسد البعثي، في حين أنّ الولايات المتحدة الأمريكية، تعمل على إغلاق المعابر، التي يمكن لروسيا أن تمدّ نفوذها على خطوط أنابيب الغاز إلى تركيا بما يسمَّى التيار الأزرق وأوروبا، وكسبت أمريكا كلّاً من أرمينيا وأذربيجان إلى جانبها، وحصلت على مكافأة، بفتح وإستثمار ممرّ زنغزور المهمّ بينهما، كمعبر إستراتيجي إقتصادي وسياسي، والذي سُمّي بممرّ ترامب، لتدفّق الغاز والطاقة، من الدول الغنية بالثروات الباطنية، ولا سيّما من كازاخستان، ممّا يتيح لأوروبا التحرّر من الإعتماد الطاقوي على روسيا، حيث أن نجاح هذا الإتفاق، يعود الفضل فيه للرئيس ترامب، الذي أنجزه بين باكو ويريفان، ملحِقاً ضرراً كبيراً بمشاريع الصين وروسيا وإيران، بل وتمَّ من خلال الإتفاق، فرض طوق من الحصار على إيران، وأمَّن التواصل بين باكو وأنقرة، معزّزاً مكانة تركيا، الساعية إلى إستعادة العثمانية الجديدة، وفرض دورها كقوة موازنة لروسيا والصين، ومتفوّقة على إيران.
بينما تشهد منطقة الشرق الأوسط وخاصة الخليج، وإيران، والعراق، وليبيا، والسودان، وسوريا، صراعاً شديد التعقيد، صراع لا يدور في الميدان العسكري فحسب، بل يتجاوز ذلك إلى التنافس على المعابر الإقتصادية، وخطوط الغاز، ومواقع النفوذ السياسي، تتقاطع فيها مصالح القوى الإقليمية والدولية، وتنعكس آثارها المباشرة على الصراع الإسرائيلي _ الفلسطيني، وعلى تركيبة السلطة خاصة في بغداد ودمشق ولبنان، وعلى مستقبل القوى المحلية في سوريا، فهناك من المراقبين مَن يعتبر، أن إحدى الأهداف الأساسية لشنّ حماس الحرب على إسرائيل في 7/ أكتوبر /2023 ، هو خدمة مصالح كل من إيران وتركيا، لعرقلة المشروع التجاري للخط الهندي مع الخليج وإسرائيل، والمعنيّ بتصدير الغاز والنفط الخليجي إلى أوربا بأقلّ تكلُفة، وكذلك لعرقلة إتفاقات السلام الإبراهيمية مع الدول العربية، لأنّها تقطع الطريق أمام طريق الحرير القديم، وخط التنمية الصيني إلى خليج البصرة وتركيا، والحدّ من إستثمار إيران وتركيا في القضية الفلسطينية.
سوريا تملك موقعاً جغرافياً إستراتيجياً في قلب كل هذه الصراعات، فهي النافذة البحرية التي تربط آسيا بأوروبا، وكذلك الجسر البرّي بين الشرق والغرب، ولهذا السَّبب، تَركّزَ كل القوى الكبرى والإقليمية ثقلها على أراضيها، فالكل يسعى للهيمنة على مفاصل القرار فيها، وعلى ثرواتها والممرّات الإقتصادية المهمّة، التي تَعبُر من خلالها، فحلم روسيا القديم، هو الوصول إلى المياه الدافئة على المتوسط، وما تزال تسعى لبسط النفوذ على المنطقة، فموسكو، ورغم فقدانها لحليفها نظام حكم الأسدين في سوريا، لا تزال تحاول الإبقاء على نفوذها بقاعدتَين عسكريتَين، ربّما من أجل إستخدامها، لإسترداد ديونها المترتّبة على دمشق، كشرط لدعم الحكومة الجديدة، والعودة إليها وإستثمارها كنوع من الضغط الدولي، بينما تحاول تركيا الوصول إلى السوق الخليجي عبر الأراضي السورية، والسيطرة على إقليم كردستان العراق، بزرع قواعد عسكرية فيها، وحتى للتحكّم بالنفوذ التجاري والعسكري السياسي في المنطقة، ولكنّ إسرائيل قصفت القواعد العسكرية كإنذار مبكِّر، وعندما فشلت تركيا في السيطرة على الساحل السوري، عبر أذرعها من فصائل عسكرية، وبعض العشائر المرتبطة بها، أندلعت فوراً أحداث السويداء.
فمن خلال المتابعة لكل هذه التطوّرات والأحداث، برز بوضوح الصراع التركي _ الإسرائيلي في سوريا، فأنقرة بعد أن ساعدت وساهمت في إيصال أحمد الشرع الى السلطة في دمشق، تعمل منذ اليوم الأول، على عقد صفقات للبحث في نفط وغاز البحر السوري، وتفرض وجودها على الشرع، وعلى مفاصل الحكم في الدولة، وعملت كذلك على تعويم الشرع، من خلال تقديم دعم إعلامي وسياسي له، أمّا محاولاتها لتقويض الإدارة الذاتية الديمقراطية، وحلّ قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، ضمن الجيش السوري، وكذلك محاولاتها توسيع النفوذ في الساحل، فقد إصطدمت بتدخّلات إقليمية ودولية معقّدة، أوّلها التحالف الدولي وإسرائيل، التي فرضت شروطاً قاسية، على أي إتفاق سلام مع سوريا، تمنع بموجبها أيّ وجود تركيّ على الأراضي السورية، فإسرائيل تطمح لأن تكون نقطة الإلتقاء والوصل، لكل المعابر الإقتصادية التي تربط المنطقة بالعالم، وتريد لهذه المشاريع القادمة، أن تمرّ من مناطق سيطرتها، وتسعى إلى إنشاء ما تُسمِّيه بممر داوود وتحقيق حلمها التاريخي، وهذا الهدف لو تحقّق، تكون إسرائيل قد قطعت الطريق، أمام إيران والنفوذ التركي، وتكون فرضت بذلك سيطرتها على المعابر التجارية المؤدّية إلى أوروبا، وتحويلها إلى الساحل الإسرائيلي، في حين تسعى تركيا، لأن تكون لاعباً رئيسياً في هذه المشاريع، وتحويلها إلى موانئها، والعودة إلى العثمانية الجديدة، وضمّ مناطق الميثاق الملّي إليها.
لا شكّ أنّ هناك تنافساً كبيراً، بين الدول المتدخّلة في المنطقة للحصول على المكاسب، من خلال رسم مساراتها، وتكوين توسيع نفوذها الجديد، والهيمنة على مقدّراتها من طاقة وممرّات تجارية، برية وبحرية، فخلال الأزمة السورية برز تكتّلان رئيسيّان، المحور الأول تقوده روسيا والصين وإيران، وتترنّح تركيا بينهما، إذ أنه بعد سقوط نظام الأسد في سوريا، وخسارة كلّ من روسيا وإيران لحليفهما، تعمل الأخيرتان على عدم الإبتعاد عن الصين ودول البريكس، في مواجهة المدّ الغربي، المتمثّل في حلف الناتو، لكنّه حلف ضعيف يتلقّى ضربات موجِعة، كما شاهدناها خلال إسقاط حكم الأسد في سوريا، وخلال الضربات المؤثّرة لتل أبيب وواشنطن ضدّ إيران، كذلك يمكن القول أنّ روسيا خسرت حليفتها أرمينيا، عندما لم تساعدها في حربها على منطقة قرة باغ مع أذربيجان بالشكل الكافي، ولم تدعم إيران في حربها الأخيرة مع إسرائيل، وإستنفذت طاقتها في حربها مع أوكرانيا، حيث تسعى أمريكا للتضييق عليها أكثر، من خلال قيامها بدور المصالحة بين أرمينيا وأذربيجان، وشيئاً فشيئاً، تخسر روسيا نفوذها حتى لدى جوارها في دول القوقاز، إذ تحاول تركيا نيل المكاسب وإستغلال الوضع السوري الضعيف، من خلال الزيارات المكوكية بين الطرفين، وهي تسعى للإستئثار بحصَّة الأسد من الإستثمارات، وتسعى لفرض أجنداتها داخل سوريا، بحجّة مساعدتها على النهوض، وتوقيع إتفاقات غاز ومواصلات، لكن يبقى همّها الأساسي، وشغلها الشاغل إضعاف تجربة الإدارة الذاتية الديمقراطية في شمال وشرق سوريا، وحلّ قوات سوريا الديمقراطية ضمن الجيش السوري، لأنّ ما يكسبه الكرد في سوريا سوف ينعكس، وربما أضعافاً على القضية الكردية، وفي مفاوضاتها الجارية بمشروع السلام في تركيا، لذلك تحاول تركيا الإستقواء بالعودة إلى التدخّل الروسي، ودفع الحكومة السورية المؤقّتة للتوجّه نحوها، لكن تبيّن أنّ لروسيا أيضاً شروطاً تتعلَّق بإستعادة ديونها، وعودتها إلى الإستثمار في سوريا، وتعيين ضباط وكبار الموظفين من النظام السابق، وهو أمر يصعب على حكومة الشرع تنفيذه، لأنه سيقع في تناقض مع الأجندة الأمريكية، وهناك الشروط الإسرائيلية أيضاً، المتعلِّقة بإخلاء الجنوب السوري من القوى الإسلامية الراديكالية والأسلحة الثقيلة، والإعتراف بالإدارة الذاتية في السويداء، وإلاً فستتلقّى القصف الجوي، وفي أي مكان وزمان، وكذلك التدخّل لقضم جغرافية محافظات الجنوب.
وبالنسبة لدول الجوار السوري، تركيا التي تعمل للإستحواذ على المنطقة سياسياً وإقتصادياً، وتسعى لأن تكون لها اليد الطولى في مستقبل المنطقة، وخاصة بعد خروج منافستها إيران منها، لكنّها تخشى من مشروع الشرق الأوسط الكبير والجديد، وخاصة بعد الإطاحة بنظام الأسد في سوريا، وحرب الإثني عشر يوماً مع إيران، وتصريح المبعوث الأمريكي إلى سوريا طوماس برّاك، الذي تنبأ بنهاية سايكس بيكو، وهذا يدلّ على قلق تركي، من إنْصاف الكرد ومنحهم ربَّما حقوقهم العادلة، ولذلك يتباطأ أردوغان في حلّ القضية الكردية، ليُعيق حصول الإدارة الذاتية الديمقراطية على مكاسب، وليُعيق الإعتراف بها كذلك، كما يرتاب العراق من الحكومة الجديدة في سوريا، والتي يسيطر عليها أشخاص من ذوي خلفية تابعة لتنظيم القاعدة، والتي كانت قد فتكت بالشعب العراقي، بالإضافة إلى إنشغالها بشؤونها مع الفدرالية الكردية، والضغط الأمريكي بحلّ الحشد الشعبي الموالي لإيران، ومعه والأردن، الذي مازال يعاني من مشكلة تجارة حبوب الكبتاغون، ومن حدودها مع المنطقة السورية الساخنة، يحاول لعب دور الوسيط في الأزمة السورية، وكذلك لبنان مهدّد بتمدّد تطورّات الأزمة السورية الجديدة إلى حدوده الشمالية والشرقية، وهو منشغل بالتخلّص من الإرث السوري، ونزع سلاح حزب الله، للحدّ من الضربات الإسرائيلية عليها، وفي النتيجة، يُلاحَظ أنّ مهمّة الرئيس المؤقّت أحمد الشرع في سوريا، صعبة في التوافق مع العديد من الأجندات، الأميركية، والإسرائيلية، والتركية، والأوروبية، والعربية، والروسية، والطلبات المشروطة عليه، لتعويم شرعيته، لذلك، تتصادم حتى مع عناصرها المتشدّدة، ومع مكوّنات سوريا المتنوّعة، حين تخطّط لبناء سوريا الجديدة بالإملاءات التركية.
يريد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أن يجعل من الشرق الأوسط عظيماً، من دون أن يعرف أحد الآليات المتّبعة لذلك.. فالمنطقة والعالم كله يترقب ماهية السياسة القادمة له، وكيفية التوافق والتناغم بين المشروعَين الأمريكي والإسرائيلي في الشرق الأوسط الكبير أو الجديد، فكلّ منهما لديه نظرته لمستقبل المنطقة، وسوريا في قلبها، والشرق الأوسط يتأرجح، بين توسيع الدول والإمتيازات والنفوذ، وبين العمل على فدرلة المنطقة، وتعميم نظام ديمقراطي لامركزي يكسب منه الجميع، وكذلك القضية الفلسطينية والصراع مع إسرائيل، فحتى لو تمَّ الإعلان والإعتراف، فإنّ الدولة الفلسطينية المتقطعة الأوصال، غير قابلة للحياة موضوعياً وواقعياً، فبالرغم من الحرب التي أظهرت الدمار والمجاعة في غزة، إلّا أنّه لم يتمّ القضاء على حماس بالكامل، ولا زالت تظهر مجدّداً سرايا القدس والجناح العسكري للجهاد الإسلامي، وتقوم ببعض العمليات والنشاطات.
أخيراً، في ضوء ما تقدّم، نستنتج أنّ جميع الحلول المطروحة لمشاكل وقضايا وأزمات المنطقة، تتطلّب في البدء التعاون بين حكومات دول المنطقة نفسها، وذلك من خلال حوارات وتفاهمات على الجغرافيا الطبيعية، وإستغلال الموارد والممرّات الهامّة لصالح الجميع، دون إستئثار أحد على حساب الآخر من دول المنطقة، لكن ونتيجة الأطماع وصراعات النفوذ، تحصل أزمات يصعب الخروج منها، وعلى الشعوب والمجتمعات الضغط على حكامها لإختيار الحلول السلمية، بدلاً من الحروب، وكذلك العمل على تغيير الذهنية، ونبذ خطاب الطائفية والكراهية والتمييز الطبقي، ونشر فكرة قبول الآخر المختلف، وتطبيق الديمقراطية الحقّة، بإحياء المجتمعات الديمقراطية، ولن تتحقّق سوى بتشكيل الإدارات الذاتية الديمقراطية الموسَّعة، والإلتفات إلى التنمية الإقتصادية، والتوزيع العادل للثروات، وجعلها في خدمة الشعوب، بدل الإنفاق العسكري، وعلى سبيل المثال، تركيا تصرّح أنّها أنفقت ترليونَي دولار في حربها على الكُرد، ولتحقيق السلام المستدام، كان من الأفضل أن يتمّ العمل على نشر الوعْي والتعايش السلمي، وإنعاش الإقتصاد البيئي والمجتمعي، والتحصين الداخلي في الدول، وترسيخ قيم الديمقراطية الحقّة، بدءاً من تركيا ولبنان، إلى سوريا فالعراق وفلسطين والأردن ومصر والسودان، التي أنهكتها الحرب الأهلية، فهذه الدول بحاجة لإعادة ضبط سياساتها وتوازناتها، والكفّ عن الصراع على السلطة، والخروجٍ الآمن من الأزمات، فهذا هو البناء من جديد، لأجل نهضة وتطوير ورفاهية المجتمعات، ولا ينحصر في الأجهزة العسكرية والقبضة الأمنية، بل في جوهر العلاقة التكاملية بين كافة المكوّنات، وبينها وبين حكوماتها.
الكل يدرك إن أمنيات وغايات الشعوب، هي تحقيق الأمن والأمان في أوطانها، وأن تكون كرامة الإنسان فيها هي الأسمى، وهي الجوهر والغاية والهدف، ولتعيش الشعوب والمجتمعات وكافة المكوّنات بسلام مع بعضها، ينبغي عليها التكاتف والقيام بمسؤوليتها التاريخية لمواكبة التطوّرات في العالم المتغيّر، وبناء الشرق الأوسط الجديد القائم على التفاهم بين الأمم الديمقراطية، وإزالة كافة الحدود الجغرافية والذهنية المصطنعة بينها، لتسود العدالة الإجتماعية في المنطقة عامة، دون إقصاء وتهميش الآخر المختلف، حتى يكون الحوار والتفاهم سيد الموقف، فالحروب دائما مكلفة للجميع، ولا بدّ لها من أن تنتهي بسلام مستدام، حيث أن موزاييك وتنوّع الشرق الأوسط، والعلاقات الأخوية التاريخية بين الجميع، هي مصدر للغنى والتطوّر الحضاري، كما كان عبر تاريخها المديد.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المراجع والدوريات:
1_https://asasmedia.com/100078/
2- د. نوار السعدي: https://www.aljazeera.net/ebusiness/2025/7/8/%D8%B4%D8%B1%D9%82-%D8%A3%D9%88%D8%B3%D8%B7-%D8%AC%D8%AF%D9%8A%D8%AF
3-وليد محمد بكر: https://www.nrls.net/?p=6147
5-فراس النعسان: https://asasmedia.com/100090/
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ



