عملية السلام الكردية – التركية: الأهمية والصعوبات

تحليل: د. فرناز عطية .. شهدت الساحة الإقليمية والدولية في السنوات الأخيرة مقاربات مختلفة وملحوظة على المستوى الاستراتيجي، منها ما يتعلق بالقضية الكردية وصراع الدولة التركية مع الكرد نحو قطع خطى واضحة على طريق السلام والأخوة وتهدئة التوترات ما بين الكرد والدولة التركية، وذلك في إطار مبادرة ونداء السلام والمجتمع الديمقراطي للسيد “عبد الله أوجلان” الزعيم الكردي، بالتزامن مع مبادرة “دولت بهتشلي” رئيس حزب الحركة القومية (المشارك في الحكم مع حزب العدالة والتنمية) وحديثة عن حق الأمل للسيد أوجلان وارتباطه بشروط وخطوات معينة.
لقد أطلق “أوجلان” من محبسه مبادرة تاريخية للسلام في فبراير 2025، دعا فيها حزب العمال الكردستاني(PKK) إلى إنهاء الكفاح المسلح، وحلّ الحزب، والانتقال للعمل السياسي والسياسة الديمقراطية وفق بنية قانونية وسياسية يجب أن تتوفر بالاتفاق السياسي وعبر المفاوضات الديمقراطية، وذلك إثر لقاءات لوفد من حزب المساواة وديمقراطية الشعوب (DEM)، المؤلف من: “برفين بولدان” و”مدحت سنجار”، بالرئيس التركي، وبزعيم حزب العمال الكردستاني “عبد الله أوجلان” في سجن إمرالي، وبالعديد من القيادات والفعاليات التركية والكردية. وقد كان استجاب الحزب سريعًا لمطالب السيد “أوجلان” بوقف إطلاق النار وحل تنظيمه المسلح، وحرق مجموعة من أسلحته وقرار الانسحاب من مناطق التماس، مما يمهد لفتح فصلاً جديدًا في عملية السلام التركية–الكردية بمساندة ودعم من قيادات كردية في العراق وسوريا، لدعم عملية السلام وبهدف توطيد أواصر الأخوة بين الشعبين، وحل الخلاف بينهما القائم منذ تأسيس تركيا التي قامت على الأحادية القومية، والذي ترتب عليه العديد من السياسات المتشددة من الدولة التركية بحق الكرد من إنكار وتهميش وإقصاء، إضافة للخسائر والتداعيات السلبية الاقتصادية والسياسية لكلا الطرفين.
أهمية وأهداف عملية السلام:
تتعدد أهداف وأهمية عملية السلام سواءً في الداخل لدى تركيا والكرد، أو على المستوى الإقليمي أو الدولي، والتي كان من أبرزها:
على الصعيد الداخلي التركي والكردي:
· تحقيق السلم الاجتماعي: إنهاء عقود من الصراع المسلح وتوفير بيئة آمنة ومستقرة للمواطنين الأتراك والأكراد على حد سواء.
· تعزيز الديمقراطية: تقوية النسيج الوطني عبر الاعتراف بالخصوصيات الكردية واحترامها، بدلاً من قمعها أو إنكارها، مما يساهم في بناء دولة حديثة وعصرية وديمقراطية.
· التنمية الاقتصادية: إيقاف الإنفاق العسكري الهائل لكل من الترك والكرد على الصراع، وتوجيهه نحو التنمية، مما يعود بالنفع على جميع المناطق الكردية والتركية. وجدير بالذكر أن الصراع التركي مع الكرد كلّف الاقتصاد التركي ما يقرب من 1.8 تريليون دولار منذ عام 1984، لا سيما وسط أزمة اقتصادية حالية، تتضح في بلوغ عجز الموازنة التركية نحو 24.3 مليار دولار في النصف الأول من عام 2025، بما يمثل زيادة حادة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.
· الضرورة الانتخابية: يحتاج “أردوغان” لتأييد ودعم النواب الكرد داخل البرلمان التركي، البالغ عددهم 57 نائبًا؛ في حال رغب في تعديل الدستور لإلغاء تحديد مدة الرئاسة أو الدعوة لانتخابات مبكرة؛ وإذا قرر الترشح للرئاسة مرة أخرى في عام 2028؛ سيتطلب ذلك موافقة 360 عضوًا في البرلمان، وحاليًا، لا يضم حزب “العدالة والتنمية” الذي ينتمي له “أردوغان” وحزب “الحركة القومية” شريكه في الائتلاف البرلماني سوى 319 عضوًا.
· حماية الدولة من التدخلات الخارجية عبر تقوية الجبهة الداخلية من خلال حل القضية الكردية، وتغيير سلوكيات تركيا تجاه دول الجوار وحقوق المكون الكردي في هذه الدول.
على الصعيد الإقليمي:
· تحول الكرد إلى جسر للتواصل يربط تركيا ببقية دول الشرق الأوسط، فبعد انتهاء الخلافات بين الطرفين، يتوقع أن تتشكل وتنمو عدد من العلاقات السياسية والاقتصادية، خاصة مع تنامي نفوذ الكرد في العراق وسوريا.
· تحسين العلاقات بين تركيا وجيرانها واستقرارها بعد انتهاء التوترات على الحدود المتاخمة للجانب التركي، مع إقليم كردستان العراق وكرد سوريا، وتحويل التوتر إلى تعاون.
· الدفع بمسار التهدئة في الإقليم، والمساهمة في السلام الداخلي واستقرار المنطقة بشكل عام، وربما تهدئة التوترات في سوريا والعراق، وتقديم نموذج مستحدث لحل النزاعات الإقليمية.
على المستوى الدولي:
· إغلاق الباب أمام الاستغلال والمساومات الدولية التي يتم فيها استغلال الأزمات الداخلية في البلد.
· اختلال ميزان المنافسة بين القوى الإقليمية في إقليم المتوسط لصالح الاستقرار، في حال تحول تركيا إلى دولة ديمقراطية باعترافها بالهوية الكردية، وحال نجاحها في تقريب وجهات النظر واجتذاب الكرد وتصفير الخلافات معهم.
· عرقلة الطريق التوسعي أمام إسرائيل في سوريا، لا سيما مع إقدام الأولى على توسيع نفوذها على حساب الأراضي السورية، وتنفيذ طريق داوود، واستغلال الفوضى الأمنية في الداخل السوري لتنفيذ أطماعها التوسعية، خاصة بعدما أعلنت إسرائيل سيطرتها على الجولان السوري بالكامل.
· السلام التركي–الكردي يعد بمثابة قنص للفرص الآنية السانحة، حيث أعربت الأمم المتحدة ودول مهمة في الإقليم والعالم عن مساندتها لعملية السلام هذه بين الكرد والترك.
· مستقبل المصالحة الكردية–التركية وعلاقات تركيا مع الأكراد الإقليميين سوف يعيد تشكيل علاقات أنقرة مع الولايات المتحدة وروسيا وأوروبا، لا سيما مع التوترات التي شهدتها العلاقة بين واشنطن وأنقرة، خاصة بسبب شراكة الولايات المتحدة مع قوات سوريا الديمقراطية “قسد”، مما تسبب في حدوث خلخلة في العلاقات بين أنقرة وواشنطن. وعلى الجانب الآخر، فقد وصلت العلاقات بين تركيا وروسيا إلى نقطة متدنية في نوفمبر 2015 بعدما أسقطت تركيا طائرة حربية روسية انتهكت مجالها الجوي، وفي ذلك الوقت كانت روسيا اللاعب الخارجي الرئيسي في شمال غرب سوريا، ولم تتمكن موسكو وأنقرة من إطلاق عمليات عسكرية في هذه المنطقة إلا من خلال اتفاق “الأستانا” في نهاية عام 2016. وعن الاتحاد الأوروبي، لطالما كانت القضية الكردية تقف حائلاً في طريق علاقات أنقرة به، نظرًا لانتهاكات حقوق الإنسان التي تمارسها تركيا بحق الكرد.
الخطوات العملية الكردية نحو السلام:
لم تكن المبادرة التي دعا إليها الزعيم الكردي “عبد الله أوجلان” مجرد تصريحات شفهية حماسية، ولكنها ارتبطت بخطوات عملية حقيقية على أرض الواقع، وكان من أهم تطبيقاتها:
· حرق أسلحة من قبل مجموعة من عناصر حزب “العمال الكردستاني” في مدينة ريف السليمانية العراقية، حيث أقدم 30 عنصرًا من تنظيم “PKK” (15 رجلًا و15 امرأة) على إحراق أسلحتهم في خطوة رمزية للتأكيد على خيار السلم، وإنهاء النزاع المسلح، وبدء صفحة جديدة مع الدولة التركية، والانتقال إلى المرحلة القانونية والسياسية الديمقراطية.
· إعلان حزب “العمال الكردستاني” في 17 نوفمبر 2025، أنه في منطقة التماس بمنطقة الزاب، انسحب إلى مناطق أخرى أكثر ملاءمة، مما يعد تأكيدًا على نوايا الكرد الصادقة في القضاء على أي خطر قد يؤجج النزاع مع الجانب التركي أو يكون شرارة اندلاعه.
لكن الدولة التركية، بالرغم من المبادرة التي قام بها الكرد وعلى رأسهم “عبد الله أوجلان”، ورغم الخطوات التي تم اتخاذها على أرض الواقع والتي تؤكد السير في مسار السلم والأخوة بخطى حثيثة، إلا أنها لم تقدم حتى وقتنا هذا إلا إجراءات محدودة تمثلت في تشكيل لجنة برلمانية في مجلس البرلمان مؤخرًا تضطلع بالبت في خطوات المسار السياسي والقانوني لمعالجة الملف وفق الخطوات القانونية. وما زال الخطاب التركي الرسمي من كثير من القيادات، وكذلك الإعلام التركي، سلبياً ولا يرتقي للمستوى المطلوب، ورغم تأكيد بعض الأطراف في تركيا أن موضوع السلام مع الكرد سياسة للدولة، ما زالت بعض الجهات تحاول وضع العقبات أو تأجيل المرحلة الثانية، والأهم أن الشرط الحاسم لدى الكرد وحزب العمال الكردستاني لمتابعة العملية، وهو إطلاق سراح الزعيم أوجلان، لم يتم بعد.
كما أن اللجنة البرلمانية ورغم قيامها بزيارة السيد أوجلان للحديث معه والاستماع لوجهة نظره ولكن الزيارة لم يكن فيها حزب الشعب الجمهوري المعارض وتقارير حزبي العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية لم يكن بالشكل الذي يتعامل بمهنية وأمانة مع أهم حدث في تركيا لأن القضية الكردية هي قضية حقوق شعب ولا يمكن اختزالها للموضع الأمني أو العسكري فلا بد أن يكون هناك مقاربة صحيحة وشاملة.
تجربة متميزة:
ومن ينظر بإمعان إلى هذه التجربة الفريدة يجد أنها عملية سلام جديدة ومتميزة من نوعها، حيث إنها لا تضم عناصر خارجية أو أطراف ثالثة، وأنها – إضافة إلى ذلك – تبدأ بإنهاء الكفاح المسلح ولا تنتهي به. ورغم أن الكفاح المسلح قد انتهى، سوف تتطور القضية الكردية الآن وفق المرحلة والأدوات الجديدة إلى مسألة سياسية ومدنية وديمقراطية بشكل أعمق، مما يعني أن هناك بداية عملية جديدة وحسمها سوف يستغرق وقتًا، ولكن لابد من استثمار تلك الخطوات التي قطعت في سبيل تحقيق السلم والاقتراب من حل الخلاف الكردي–التركي. وإذا كللت هذه العملية بالنجاح، فإن تركيا والكرد سوف يتطورون إلى نموذج لحل الصراعات والتعامل مع العمل المسلح لمسألة هوية قائمة منذ فترة طويلة.
مؤرقات مستقبل عملية السلام:
هناك عدد من الأمور على الساحة لا تزال تفرض نفسها وتقف عائقًا أمام مستقبل عملية السلام والأخوة الكردية–التركية، ويمكن إرجاع ذلك إلى الخطوات المحدودة وذات الأثر الضعيف التي قابلت بها أنقرة الخطوات الكردية العريضة والهامة على مسار السلام، مما ولد مطالب ملحة لا يمكن التنازل عنها، وينبغي على تركيا التطبيق الآني لهذه المطالب لإثبات حسن نواياها، والتأكيد على أن عملية السلام حقيقية ومستمرة وليست مجرد وضع صوري مؤقت.
حتى الآن، بالرغم مما أنجزه الكرد في هذا المسار، إلا أن أنقرة ما زالت ترى أن ما يجري يتم في سياق “الإرهاب” ضد الدولة التركية، وهنا يمكن إثارة عدد من التساؤلات حول جدية الجانب التركي في استكمال هذا المسار ومستقبله، وعلى رأسها:
· ما هي الخطوات أو الضمانات التي يمنحها الجانب التركي للكرد؟ حيث بدأت عملية السلام بنزع السلاح “غير المشروط” كشرط مسبق لأي نقاش حول حقوق الأكراد. حاليًا، لا يوجد اتفاق سياسي رسمي للسلام، ولا توجد ضمانات قانونية أو دستورية محددة، كما تفتقر العملية لبرنامج محدد، ولم تقدم الحكومة التركية أي ضمانات رسمية مقابل إجراءات حزب “العمال الكردستاني”.
· هل تعتزم الدولة التركية بجدية عمل تعديلات دستورية للاعتراف بالهوية وبالحقوق الثقافية والسياسية للكرد والقيام بالإصلاحات الديمقراطية في الداخل التركي؟ هناك تباطؤ من جهة الدولة التركية في الاعتراف بالثقافة والخصوصية الكردية وحقوق الكرد في التعايش السلمي، كما أن الحكومة لم تتخذ خطوات جادة على أرض الواقع، وهناك جدل داخل الحكومة والشارع التركي بشأن هذه التعديلات.
· لماذا لم يتم الإفراج عن السيد “عبد الله أوجلان” حتى الآن، مع انتفاء الأسباب القانونية والسياسية والموضوعية لاعتقاله؟ لم يصدر أي تصريح في الحكومة التركية بشأن الإفراج عنه، حتى أن “أردوغان” وصف في تصريحات عمليات تخلي حزب “العمال الكردستاني” عن سلاحه وإعلانه حل نفسه بشكل طوعي بأنها مراحل “قضاء تركيا على الإرهاب”.
· ما موقف أنقرة من الأراضي الكردية السورية التي ما تزال تحتلها في عفرين وغيرها من المناطق الكردية؟ لم تصدر تركيا أي تصريح بشأن إنهاء سيطرتها على أراضي الكرد السوريين، مما يفرغ عملية السلام من محتواها ويجعلها مجرد عملية صورية.
ويظهر جليًا أن نوايا الحكومة التركية لا تزال غير واضحة تجاه الرد على مبادرة السلام والخطوات التي اتخذها الكرد، وبالتالي فإن مطالب الكرد، سواء بالاعتراف بحقوقهم الثقافية وحقهم في حياة ديمقراطية ومواطنة متساوية، أو بالإفراج عن “عبد الله أوجلان”، أو بإنهاء سيطرة تركيا على أراضي كرد سوريا والعراق وتمكينهم من مقدرات بلادهم، هي مطالب عادلة ولا تراجع عنها.
وعليه، وفق التطورات الحاصلة في المنطقة والتحديات الموجدة، تظل عملية السلام والمجتمع الديمقراطي فرصة مهمة لتركيا والكرد في إعادة العلاقات التاريخية بينهم وحل خلافاتهم، وإنجاز الدمج الديمقراطي للشعب الكردي كمجتمع ديمقراطي داخل الدولة وفق عقد اجتماعي جديد يجعل الجمهورية الحالية تتحول إلى جمهورية ديمقراطية للكرد والترك وكل مكونات البلد، وإلا ستكون تركيا مفتوحة على كل الاحتمالات والتدخلات.



