متابعات

تصعيد حلب: تحليل الدلالات والمسارات المحتملة

تحليل: د. طه علي أحمد .. شهدت مدينة حلب السورية تصعيدًا أمنيا واشتباكات بين قوات تابعة للجيش السوري وقوات الأمن الداخلي أو الأسايش التابعة للإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، تخلله قصفٌ متبادل طال أحياء سكنية مأهولة، وأسفر عن سقوط قتلى وجرحى من المدنيين، وفق بيانات رسمية. غير أن التطور الأبرز قد تمثل في اتساع نطاق التأثير الإنساني، سواء عبر استهداف أحياء مختلفة أو عبر إصابة كوادر من فرق الإغاثة. وفي هذا السياق نفت قوات سوريا الديمقراطية مسؤوليتها عن قصف الأحياء السكنية وأنها سلمت مسؤولية حماية الحيين لقوات الأمن الداخلي للإدارة الذاتية، حيث أصدرت الإدارة الذاتية بيانًا حمّل فيه “قوات محسوبة على الحكومة السورية” مسؤولية قصف أحياء الشيخ مقصود والأشرفية، ما يعكس حالة من التضارب الحاد في الروايات، وتبادل الاتهامات بخرق اتفاقي 10 مارس و1 أبريل الموقعين بين الطرفين لضبط التوتر وحماية المدنيين.

الدلالات السياسية والأمنية للأحداث

  • انهيار منظومة ضبط التصعيد وتآكل الردع الأمني لسلطة دمشق

يكشف التصعيد الأخير في حلب عن انهيار فعلي لوظيفة الاتفاقات الأمنية السابقة، التي لم تعد تشكّل إطارًا رادعًا أو منظّمًا لسلوك الأطراف، بل باتت أقرب إلى تفاهمات شكلية عاجزة عن منع انزلاق الاشتباكات نحو الأحياء المدنية، وهو ما يعكس فشل آليات التنسيق وفضّ النزاعات في أداء دورها الأساسي، سواء لجهة احتواء الحوادث الطارئة أو منع تحوّلها إلى مواجهات مفتوحة منخفضة الوتيرة، إضافة إلى التدخلات الخارجية التي تخشى وحدة السوريين.

ولا يقتصر هذا الفشل على الحالة الراهنة، بل يمكن إدراجه كتراكم للانفلات الأمني الذي شهدته مناطق سورية متعددة خلال عام 2025، حيث أظهرت أحداث الساحل والسويداء، على فترات متقطعة، العجز ذاته عن ضبط التوترات المحلية أو احتوائها قبل تحولها إلى أزمات أمنية أوسع. ويشير هذا التكرار إلى أن الإخفاق لا يعود إلى خصوصية كل ساحة على حدة، بل إلى خلل بنيوي في منظومة الضبط الأمني لدى السلطة الحاكمة في دمشق.

وفي هذا السياق، فإن تآكل مصداقية التفاهمات الأمنية يضع الحكومة الانتقالية في دمشق أمام معضلة مزدوجة؛ فمن جهة، تسعى إلى الظهور بمظهر السلطة القادرة على بسط السيطرة وفرض النظام؛ ومن جهة أخرى، تكشف الوقائع الميدانية عن هشاشة القبضة الأمنية وعدم القدرة على فرض الالتزام بالاتفاقات أو ضمان احترام خطوط التماس. وبطبيعة الحال، يؤدي هذا التناقض إلى تقويض الثقة بهذه الآليات، ليس فقط لدى الأطراف المحلية، بل أيضًا لدى الفاعلين الإقليميين والدوليين الذين يراهنون عليها كوسيلة لتفادي التصعيد.

وعليه، يمكن تقدير أن انهيار آليات ضبط التصعيد لا يمثّل خللًا ظرفيًا قابلًا للمعالجة السريعة، بل مؤشرًا على تحوّل خطير في ديناميات الصراع، حيث بات العنف يُدار خارج الأطر المتفق عليها، وتتحول المناطق المدنية إلى ساحات اختبار لميزان القوة. ويُرجَّح أن يؤدي استمرار هذا المسار إلى تعميم نموذج “التصعيد غير المنضبط”، بما يرفع احتمالات الانفجار الأمني المتكرر، ويقوّض أي مساعٍ لبناء استقرار مستدام أو إعادة إنتاج سلطة مركزية فاعلة.

  • خطاب السيادة كغطاء لإدارة التصعيد العسكري

تصعيد الخطاب الرسمي الصادر عن الحكومة يتجاوز محاولة ضبط الأزمة أو احتواء تداعياتها، إذ يمكن تقديره بوصفه غطاءً سياديًا لعسكرة متدرّجة ومموَّهة للمشهد؛ فاقتران تبادل الاتهامات بسقوط ضحايا مدنيين لا يعكس فقط فشل أدوات التهدئة، بل يكشف عن إعادة تعريف متعمّدة لطبيعة العمليات العسكرية، من كونها تصعيدًا هجوميًا إلى إجراءات سيادية “مشروعة” تستهدف حفظ الأمن والاستقرار. وفي هذا الإطار، فإن إعلان وزارة الدفاع السورية للحكومة السورية المؤقتة، وقف استهداف مصادر النيران ينطوي على دلالة سياسية بالغة، إذ لا يُقصد به الإعلان عن نهاية العمليات بقدر ما يهدف إلى إعادة تسويق التصعيد باعتباره منجزًا أمنيًا مكتملًا، يندرج ضمن حق الدولة في بسط سيادتها، لا ضمن مسار تصعيدي قابل للتوسع. ويتعزز ذلك بخطاب وزارة الداخلية السورية المتعلق بالإجلاء والنشر الأمني من خلال تحويل الإجراءات العسكرية إلى مسألة إدارية–أمنية، تُقدَّم بوصفها تدابير وقائية لحماية المدنيين، بينما تشكّل فعليًا جزءًا من بنية السيطرة الميدانية وتوسيع الانتشار الأمني داخل مدينة استراتيجية.

غير أن التناقض بين الخطاب والسيطرة الفعلية على الأرض يفضح طبيعة هذا التصعيد المموَّه؛ فاستمرار الاشتباكات، وتعدد بؤر التوتر، وتكرار الإجراءات الاستثنائية، كلها تبدو كمؤشرات على أن ما يجري ليس احتواءً للأزمة، بل إدارة للتصعيد منخفض الوتيرة يجري ضبطه خطابيًا لا ميدانيًا، بهدف فرض وقائع جديدة تحت سقف “السيادة” ومن دون الإعلان عن انتقال صريح إلى مواجهة مفتوحة.

وعليه، يمكن التقدير أن الحكومة تعتمد مقاربة تقوم على العسكرة التدريجية المُقنَّعة، حيث يُستخدم خطاب “السيادة” لتجريد الخصوم من أي شرعية سياسية أو تفاوضية، وتحويل الصراع إلى مسألة أمن داخلي خاضعة لمنطق القوة. وبطبيعة الحال، ينعكس هذا النهج على تقويض ما تبقّى من فرص التهدئة، وتهيئة البيئة السياسية والإعلامية لجولات تصعيد لاحقة، يجري تمريرها باعتبارها استحقاقات سيادية لا خيارات سياسية قابلة للنقاش.

  • البعد الإقليمي للتصعيد

يتجاوز هذا التصعيد كونه نتاج تقاطعات سورية–تركية، ليعكس حسابات تركية أعمق تتصل بالسياق الداخلي، ولا سيما رغبة السلطة في أنقرة في إفشال مسار السلام الجاري مع حزب العمال الكردستاني أو تفريغه من مضمونه السياسي، عبر نقل المواجهة خارجيا إلى الساحة السورية بوصفها المجال الأنسب لإعادة تصدير الأزمة الكردية، وإعادة إنتاجها في قالب أمني–عسكري يخفف كلفتها السياسية داخل تركيا.

وفي هذا السياق، تأتي زيارة الوفد التركي إلى دمشق قبيل أحداث حلب بساعات، مترافقة مع تصريحات وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني حول غياب “إرادة جدية” لدى “قسد” لتنفيذ اتفاق 10 مارس، ومع الموقف العلني لوزير الخارجية التركي هاكان فيدان الداعي إلى دمج “قسد” في مؤسسات الدولة السورية، لتشكّل مجتمعةً مؤشرًا على بلورة مقاربة مشتركة بين أنقرة ودمشق، قوامها توظيف الضغط الميداني كوسيلة لإعادة هندسة المشهد في شمال وشرق سوريا.

هنا، لا يبدو استهداف قوات الإدارة الذاتية سواء الأمن الداخلي أو قوات سوريا الديمقراطية مُجرَّد مَسعى أمني محدود، بل جزءًا من استراتيجية أوسع تهدف إلى تضييق الخناق على الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، وضرب ركائزها العسكرية والسياسية، بما ينسجم مع هدف تركي مزدوج حيث تقويض أي نموذج حكم كردي، يمكن أن ينعكس على الداخل التركي من جهة، وإعادة تعزيز النفوذ التركي داخل سوريا عبر التنسيق والتضامن مع السلطة في دمشق من جهة أخرى.

ومن هذا المنظور، يمكن قراءة ما جرى في حلب بوصفه ترجمة ميدانية مباشرة لهذا التلاقي، حيث جرى استخدام التصعيد الأمني كأداة إكراه سياسي، لا فقط للضغط على “قسد” من أجل تنفيذ الاتفاق، بل لإيصال رسالة أوسع مفادها أن أي مسار سياسي لا يتقاطع مع أولويات أنقرة الأمنية سيُواجَه بتوسيع رقعة المواجهة. وبهذا المعنى، لا يُستخدم الميدان هنا كوسيلة ضغط عابرة، بل كآلية منهجية لنقل الصراع، وإعادة توطينه خارج تركيا، ولو كان ذلك على حساب تعقيد المشهد السوري ونسف فرص التهدئة أو الحلول التفاوضية المستدامة.

الدلالات الاجتماعية

تُظهر التحولات الاجتماعية الناجمة عن التصعيد الأخير في حلب قابلية عالية للتحول إلى آثار سياسية وأمنية أوسع، في ظل هشاشة التوازنات المحلية وغياب أفق تسوية مستدامة؛ فالتطورات الأخيرة التي شهدتها حلب تنطوي على العديد من مؤشرات الضغط الاجتماعي المعزز لعدم الاستقرار الأمني نتيجة لتصاعد الخسائر المدنية وما يرافقها من لإنهاك النفسي الجماعي، بما يخلق بيئة مواتية لاضطراب أمني مزمن. فحالات الخوف وفقدان الثقة تعزز من سلوكيات الانكفاء، وتضعف التعاون المجتمعي مع أي ترتيبات أمنية قائمة، بما يحدّ من فاعلية الضبط المحلي، ويزيد من احتمالات الانفلات أو الاحتكاكات الفردية، خصوصًا في المناطق القريبة من خطوط التماس.

ما سبق ينطوي على قدر كبير من تسييس الانقسام المجتمعي بما ينعكس على المشهد المحلي بشكل عام، ففي أحياء ذات حساسية ديموغرافية وسياسية، مثل الشيخ مقصود والأشرفية، يؤدي تراكم التوتر الاجتماعي إلى توفير أرضية خصبة لتوظيف الانقسام في الخطاب السياسي والأمني. وفي هذا السياق المضطرب يُلاحَظ كيف تُستثمر الحوادث الميدانية، عبر الإعلام أو الخطاب التعبوي، لإعادة إنتاج سرديات التخوين أو الحماية الذاتية، ما يبرر تشديد الإجراءات الأمنية أو إعادة انتشار القوى العسكرية، ويقوّض فرص بناء إدارة محلية جامعة أو ترتيبات تهدئة طويلة الأمد. بشكل عام، يساهم تدهور النسيج الاجتماعي في إضعاف أي مسعى لإعادة تثبيت الاستقرار، سواء عبر تفاهمات ميدانية أو ترتيبات أمنية مؤقتة؛ فالمجتمع المرهق والمنقسم يصبح أقل قابلية لتقبّل التسويات، وأكثر عرضة لإعادة الانجرار نحو العنف، ما يجعل من كل تصعيد محلي نقطة ارتكاز لاحتمالات تفجير أوسع في المشهد السوري المتداخل أصلًا مع حسابات إقليمية ودولية.

يمتد أثر التصعيد الأمني في حلب إلى المجال الاقتصادي والخدمي بوصفه أحد أكثر ميادين الاختبار حساسية لقدرة السلطة الحاكمة في دمشق على ممارسة وظائفها الأساسية؛ ففي سياق تشير فيه تقديرات أممية إلى أن أكثر من 90% من السوريين يعيشون تحت خط الفقر، وأن نِسَب البطالة تتجاوز 50%  في العديد من المناطق الحضرية المتضررة، يصبح أي اضطراب أمني عاملًا مضاعفًا للأزمة المعيشية، لا مجرد متغير ظرفي. ويؤدي تكرار التصعيد في مدينة مركزية مثل حلب إلى تعطّل الأسواق وسلاسل التوريد، وارتفاع أسعار السلع الأساسية التي سجلت زيادات تراكمية كبيرة خلال السنوات الأخيرة، ما يضغط مباشرة على الفئات المعتمدة على الدخل اليومي أو الاقتصاد غير المنظم، إضافة إلى الحصار المفروض على الحيين منذ شهور ومنع دخول المواد إليها.

غير أن الأثر الأعمق لا يكمن فقط في النتائج الاقتصادية المباشرة، بل في عجز السلطة الحاكمة عن تقديم استجابة اقتصادية فعالة قادرة على امتصاص الصدمات أو إعادة تشغيل الدورة الخدمية بشكل منتظم. هذا العجز يعكس محدودية القدرة المؤسسية للدولة على ضمان الاستقرار المعيشي، ويحوّل الأمن من كونه مدخلًا للاستقرار إلى عامل هشّ غير كافٍ بذاته. ومع تراكم الضغوط المعيشية، يتحوّل القلق الأمني إلى حالة استياء اجتماعي صامت، تتآكل معها الثقة بجدوى السلطة وقدرتها على الوفاء بوظيفتها الاقتصادية، ما يفضي تدريجيًا إلى تآكل الشرعية العملية القائمة على توفير الحد الأدنى من الخدمات والمعيشة. وفي هذا السياق، لا يعود الاستقرار في حلب – ولا في غيرها من المدن السورية – رهين وقف الاشتباكات فحسب، بل مرتبطًا بقدرة السلطة على استعادة دورها الاقتصادي والخدمي، إذ إن استمرار العجز في هذا المجال يحمل في طياته تهديدًا بنيويًا لمستقبل السلطة نفسها، عبر توسيع الفجوة بينها وبين المجتمع، وتعميق شروط عدم الاستقرار على المدى المتوسط والبعيد.

السيناريوهات المستقبلية المحتملة

أولًا: سيناريو الاحتواء المؤقت (التهدئة الهشّة)

يتجه الوضع في مدينة حلب نحو تهدئة نسبية عبر وقف إطلاق نار غير مُعلن، وإجراءات ميدانية تهدف إلى عزل بؤر الاشتباك عن الأحياء السكنية، مع استمرار قنوات اتصال أمنية محدودة بين الطرفين. غير أن هذا السيناريو يظل هشًّا، إذ يركّز على إدارة الأزمة بدل معالجة جذورها السياسية والأمنية، حيث لا تبدو لأي من الطرفين مصلحة راهنة في فتح معركة واسعة داخل مدينة ذات ثقل اقتصادي ورمزي، ما يدفعهما إلى القبول بتهدئة اضطرارية. لكن هذا السيناريو يعتريه غياب مسار سياسي موازٍ يجعل التهدئة مؤقتة وقابلة للانهيار عند أول احتكاك ميداني أو تطور إقليمي مفاجئ. لكن يبقى هذا السيناريو مرهونًا باستمرار ضبط الاشتباك ميدانيًا دون اختراقات كبرى، غير أن غياب إطار سياسي ضامن يجعل أي حادث أمني موضعي، أو ضغط إقليمي طارئ، كفيلًا بإعادة تفجير التوتر وإسقاط التهدئة في أي لحظة.

ثانيًا: سيناريو التوتر المتقطّع

يعني هذا السيناريو باستمرار حالة عدم الاستقرار، وتكرار جولات احتكاك المحدودة والمتقطعة بين القوات الحكومية وقوات سوريا الديمقراطية، دون الوصول إلى مواجهة شاملة، في ظل غياب إطار واضح ينظّم العلاقة بين الطرفين. ويتعزز هذا السيناريو بتضارب الروايات الرسمية، حيث أن تبادل الاتهامات بشأن المسؤولية عن قصف الأحياء السكنية يعكس انعدام آلية تحقيق أو تنسيق مشتركة، ما يجعل كل حادث أمني مرشحًا للتصعيد، فالاتهامات المتبادلة بخرق اتفاقي 10 مارس و1 أبريل تؤكد أن هذه التفاهمات لم تتحول إلى قواعد اشتباك مستقرة وملزمة، وهو ما ينطوي على استنزاف أمني مُزمن، وتحويل مدينة حلب وغيرها من المناطق السورية بمرور الوقت إلى ساحات دائمة لـ “ضبط أعصاب”، مع بقاء احتمالات التصعيد قائمة عند أي حادث عرضي. ويُرجَّح استمرار هذا السيناريو طالما استمر تضارب الروايات وغياب آليات تحقيق وتنسيق ملزمة، ما يجعل كل احتكاك ميداني نقطة اختبار جديدة لقواعد اشتباك غير مستقرة، ويُبقي التصعيد ضمن حلقة استنزاف أمني مفتوحة.

ثالثًا: سيناريو التآكل التدريجي للثقة

يؤدي استمرار الاشتباكات المتقطعة، مقرونًا بسقوط ضحايا مدنيين واستهداف العمل الإنساني، إلى تعميق فقدان الثقة بين الأطراف، بما يحوّل حلب تدريجيًا إلى ساحة ضغط سياسية وأمنية تُستخدم في سياق الصراع الأوسع. ويتعزز هذا السيناريو بارتفاع الكُلفة الإنسانية حيث أن سقوط قتلى وجرحى مدنيين، وإصابة كوادر إغاثية، يفاقم مشاعر الغضب والخوف، ويقوّض أي بيئة حاضنة للتهدئة، كما أن تصعيد الخطاب الرسمي والتصريحات السياسية، محليًا وإقليميًا، يعزز من توظيف ما يجري في حلب كورقة تفاوض وضغط، بما يعني تسييس الملف أمنيًا وإعلاميًا. بجانب ذلك فإن استمرار التوتر في أحياء التماس يهدد بتحويل الخلاف العسكري إلى انقسام اجتماعي طويل الأمد، يصعب احتواؤه أمنيًا فقط، مع تآكل الثقة المجتمعية الأمر الذي يؤدي لتراجع الاستقرار النسبي في المدينة، وتثبيت حالة “اللاحرب–اللاسلم”، بما ينعكس سلبًا على إعادة الإعمار والحياة الاقتصادية والاجتماعية. غير أنه في حال استمرار سقوط الضحايا المدنيين وتسييس التطورات الميدانية، يُرجَّح أن تتحول حلب تدريجيًا إلى ورقة ضغط سياسية وأمنية، تُدار ضمن منطق “اللاحرب–اللاسلم”، بما يرسّخ حالة عدم الاستقرار ويقوّض أي فرص لاستعادة الثقة أو إطلاق مسار تسوية مستدامة.

إجمالا، تشير مجمل السيناريوهات إلى أن مسار الأحداث في حلب سيبقى محكومًا بإدارة التوتر لا حله، ما لم يحدث تحول سياسي نوعي يعالج جذور الصراع بدل الاكتفاء بضبط انعكاساته الأمنية.

أخيرا، وبشكل عام، تؤكد المعطيات الميدانية والسياسية أن الاشتباكات في حلب تجاوزت كونها احتكاكًا أمنيًا عابرًا، لتغدو تعبيرًا عن أزمة سياسية غير محلولة، تتقاطع فيها إشكاليات السيادة، والتجاذبات الإقليمية، والكلفة الإنسانية المتصاعدة. وفي ظل تضارب الروايات وتآكل الاتفاقات الأمنية، يبقى استقرار المدينة، كنموذج مصغر لوضع السوري العام، هشًّا ومؤقتًا، ومرهونًا بوجود إرادة سياسية حقيقية للانتقال من إدارة التوتر وأدواته الأمنية إلى معالجة أسبابه البنيوية ومساراته السياسية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى