تحليل: فتحي محمود .. شهدت الأسابيع الأخيرة تصعيداً حاداً للصراع في جنوب اليمن، يُعد الأكثر خطورة منذ سنوات، حيث شن المجلس الانتقالي الجنوبي (المدعوم من الإمارات) هجوماً عسكرياً واسعاً في حضرموت – أكبر محافظة في اليمن وغنية بالنفط (تنتج حوالي 40-80% من إنتاج اليمن النفطي حسب التقديرات) – ونجح في السيطرة على مدينة سيئون ومنشآت عسكرية وحكومية ونفطية في المناطق الوسطى والشمالية، وطرد قوات تحالف قبائل حضرموت (المدعوم من السعودية)، مما استدعى استنفاراً سعودياً كبيراً لمواجهة الموقف، بما في ذلك غارات جوية تحذيرية في أواخر ديسمبر.
يُعد الصراع في جنوب اليمن جزءاً من الصراع الأوسع في اليمن، الذي تعود جذوره إلى عوامل تاريخية وسياسية متراكمة على مدى عقود، بدأت الحرب الأهلية الحالية رسمياً في عام 2014، عندما سيطر مقاتلو الحوثيين (جماعة شيعية زيدية مدعومة من إيران) على العاصمة صنعاء، مما أدى إلى سقوط حكومة الرئيس عبد ربه منصور هادي وتدخل تحالف عربي بقيادة السعودية في عام 2015 لدعم الحكومة المعترف بها دولياً.
لكن جذور الصراع أعمق من ذلك؛ فقبل توحيد اليمن في عام 1990، كان الجنوب دولة اشتراكية مستقلة (جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية) مدعومة من الاتحاد السوفيتي، بينما كان الشمال جمهورية عربية يمنية مدعومة من السعودية.
وبعد توحيد الجمهوريتين، اندلعت حرب أهلية قصيرة في عام 1994، حيث حاول الجنوب الانفصال لكنه فشل، مما أدى إلى شعور بالغبن لدى سكانه بسبب التهميش الاقتصادي والسياسي من قبل الحكومة المركزية في صنعاء، وهذا الغبن أدى إلى ظهور حركة جنوبية انفصالية في عام 2007، تعرف باسم «الحراك الجنوبي»، الذي طالب بالاستقلال أو الحكم الذاتي.
انهيار النظام
في عام 2011، أدت الاحتجاجات الشعبية ضد الرئيس علي عبد الله صالح (الذي حكم ثلاثاً وثلاثين عاماً) إلى تنحيه في عام 2012، وتولي عبد ربه منصور هادي السلطة، لكن هذا الانتقال لم يحل المشكلات الأساسية مثل الفساد والفقر والبطالة، خاصة في الجنوب حيث يتركز معظم الثروة النفطية والغازية، واستغل الحوثيون (المدعومون من إيران) الفراغ السياسي للسيطرة على الشمال، مما دفع الجنوبيين إلى تشكيل ميليشيات محلية للدفاع عن أنفسهم.
ولأن اليمن مجتمع قبلي معقد، حيث تلعب التحالفات القبلية دوراً كبيراً، يوجد في الجنوب تنافس بين قبائل مختلفة، بالإضافة إلى وجود تنظيمات إرهابية مثل القاعدة في شبه الجزيرة العربية وداعش، التي استغلت الفوضى للسيطرة على مناطق مثل حضرموت، كما أن التوترات الطائفية بين السنة (غالبية الجنوب) والشيعة (الحوثيين في الشمال) أضافت بعداً إقليمياً، وتحول الصراع إلى حرب بالوكالة بين قوى إقليمية، حيث تدعم إيران الحوثيين بالأسلحة والتدريب، بينما يرى التحالف العربي (بقيادة السعودية) في ذلك تهديداً لأمنه. وفي الجنوب، أدى التنافس بين السعودية والإمارات إلى تفاقم الوضع، حيث أصبح الجنوب ساحة للصراع على النفوذ والموارد.
الدور السعودي
الأطراف العربية الرئيسية المتورطة في الصراع الجنوبي هي تلك التي تشكل جزءاً من التحالف العربي ضد الحوثيين، لكنها تتنافس فيما بينها على النفوذ في الجنوب، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية التي تقود التحالف منذ 2015، وتدعم الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً برئاسة رشاد العليمي، وتركز على منع تقدم الحوثيين جنوباً، وتدعم قوات قبلية مثل تحالف قبائل حضرموت للحفاظ على وحدة اليمن تحت حكومة مركزية، أهدافها تشمل تأمين حدودها الجنوبية ومنع نفوذ إيران.
بدأ التدخل السعودي الرسمي في مارس 2015، عندما قادت تحالفاً عربياً (عملية «عاصفة الحزم» ثم «إعادة الأمل») استجابة لطلب الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي، بعد سيطرة الحوثيين على صنعاء، بهدف استعادة الشرعية ومنع تقدم الحوثيين جنوباً وحماية الأمن القومي السعودي، خاصة الحدود الجنوبية الممتدة لأكثر من 1700 كم، ومواجهة النفوذ الإيراني. وساهمت السعودية بغارات جوية مكثفة ودعم لوجستي وتدريب قوات يمنية، مما ساعد في تحرير عدن والمحافظات الجنوبية. وبحلول عام 2025، قلصت السعودية وجودها العسكري المباشر، مع التركيز على الدعم الاقتصادي والسياسي، حيث تدعم مجلس القيادة الرئاسي (برئاسة رشاد العليمي) كبديل عن هادي، وترعى اتفاقات مثل اتفاق الرياض (2019) لتوحيد القوى ضد الحوثيين.
وترى السعودية «القضية الجنوبية» عادلة، لكن حلها يجب أن يكون سياسياً عبر حوار شامل، لا عسكرياً أو انفصالياً، وشهد ديسمبر 2025 تصعيداً حاداً بعد سيطرة المجلس الانتقالي الجنوبي (مدعوم إماراتياً) على حضرموت والمهرة، مما هدد وحدة اليمن ومصالح السعودية (حقول نفطية وحماية الحدود)، ودانت التحركات «الأحادية» للمجلس، معتبرة إياها تصعيداً غير مبرر يضر بالشعب اليمني، وضغطت لترتيب انسحابه إلى عدن وتسليم المعسكرات لقوات «درع الوطن»، وبث وزير الدفاع السعودي خالد بن سلمان رسالة إلى اليمنيين، مؤكداً أن التضحيات السعودية كانت لاستعادة الدولة لا لصراعات جديدة، ودعا المجلس الانتقالي للانسحاب سلمياً، ورفض المجلس معتبراً سيطرته ضرورية للأمن، مما اعتبره المراقبون انعكاساً للتنافس السعودي-الإماراتي على النفوذ في الجنوب.
وتسعى السعودية إلى حل الأزمة اليمنية سلمياً عبر محادثات مباشرة مع الحوثيين (مع سلطنة عُمان كوسيط) لدعم خارطة طريق أممية تشمل وقفاً للنار وإصلاحات اقتصادية وحواراً يمنياً-يمنياً، وخفض التصعيد جنوباً لتجنب استغلال الحوثيين للانقسامات، وحصلت جهودها على دعم دولي (أمريكي وأوروبي) وإقليمي، ولذلك يبقى الدور السعودي محورياً لأي حل، مع التركيز على وحدة اليمن وحل سياسي شامل يشمل القضية الجنوبية دون انفصال، ويختبر التصعيد الأخير في حضرموت قدرتها على التوفيق بين مصالحها والاستقرار الإقليمي.
الدور الإماراتي
انضمت الإمارات إلى التحالف العربي في مارس 2015، مساهمة بقوات برية وجوية، خاصة في تحرير عدن والساحل الغربي. وكانت أهدافها الأولية: مواجهة النفوذ الإيراني عبر الحوثيين، ومكافحة الإرهاب (القاعدة وداعش) في الجنوب، والسيطرة على الموانئ الاستراتيجية مثل عدن والمكلا وسقطرى، لأغراض أمنية واقتصادية (مثل مضيق باب المندب). وفي 2019-2020، سحبت الإمارات معظم قواتها البرية (حوالي 5000 جندي)، معلنة انتقالاً إلى «استراتيجية سلام»، لكنها حافظت على نفوذ عبر تدريب وتسليح ميليشيات محلية مثل قوات الحزام الأمني في عدن، وقوات النخبة الحضرمية والشبوانية، والمجلس الانتقالي الجنوبي الذي أسس بدعم إماراتي في 2017 لتمثيل المطالب الجنوبية بالانفصال أو الحكم الذاتي. وهذا الدعم شمل أسلحة متقدمة مما مكنه من السيطرة على معظم الجنوب.
وتدعم الإمارات فكرة «القضية الجنوبية» كحق مشروع، لكن ضمن إطار اتحادي لا يهدد الاستقرار الإقليمي. وشارك المجلس الانتقالي في مجلس القيادة الرئاسي (2022) بثلاثة أعضاء، بما في ذلك عيدروس الزبيدي كنائب رئيس. كما قدمت الإمارات تمويلاً كبيراً للجنوب كمساعدات اقتصادية وإنسانية، وترى في الجنوب فرصة لنفوذ استراتيجي دون تكاليف عسكرية مباشرة، مع التركيز على مكافحة الإخوان المسلمين (حزب الإصلاح) الذين تعتبرهم تهديداً. وخلال التصعيد في حضرموت والجنوب، استخدمت قوات المجلس الانتقالي معدات إماراتية، مما يشير إلى دعم غير مباشر.
كما أصدرت الإمارات بياناً رسمياً (حوالي 26 ديسمبر) ترحب بـ«الجهود الأخوية السعودية» للاستقرار، وتؤكد التزامها بدعم التنمية، دون الإشارة إلى الانسحاب من حضرموت أو إدانة ما حدث.
وهذا التصعيد يكشف تنافساً سعودياً-إماراتياً، فالسعودية تدعم وحدة اليمن تحت حكومة مركزية، بينما الإمارات تفضل جنوباً قوياً مستقلاً جزئياً لأغراض أمنية وبحرية، وأدى الدعم الإماراتي إلى تعزيز المجلس الانتقالي، لكنه أضعف التحالف ضد الحوثيين وأثار مخاوف من تقسيم اليمن.
الصراع في حضرموت
حضرموت، أكبر محافظة في اليمن وغنية بالنفط، يُعد التصعيد الحالي الأكثر خطورة منذ سنوات. ففي بداية شهر ديسمبر، سيطرت قوات النخبة الحضرمية (مدعومة من الإمارات) على سيئون، وطردت تحالف قبائل حضرموت (مدعوم من السعودية)، ووقعت اشتباكات عنيفة في الجبال الشمالية، مع استخدام مدرعات إماراتية، وسيطر المجلس الانتقالي على منشآت نفطية رئيسية، مما أثار مخاوف من تفاقم الانهيار الاقتصادي، مع استدعاء زعيم تحالف القبائل عمرو بن حبريش إلى الرياض، والسبب الرئيسي لهذه الاشتباكات هو التنافس السعودي-الإماراتي، حيث يرى المجلس الانتقالي في حضرموت فرصة لتعزيز سيطرته على الجنوب، بينما تحاول السعودية الحفاظ على وحدة اليمن تحت حكومتها، فالإمارات تريد السيطرة على الموارد النفطية والموانئ لأغراض استراتيجية، بينما السعودية تخشى أن يؤدي الانفصال إلى تقوية الحوثيين، ويساهم في ذلك الفراغ السياسي حيث فشل اتفاق الرياض (2019) في توحيد القوى الجنوبية، مما أدى إلى تراكم التوترات، والدوافع الاقتصادية لأن حضرموت تحتوي على حقول نفطية مهمة، كما أن هجمات الحوثيين على السفن في البحر الأحمر أضعفت التركيز على الجنوب، مما سمح للمجلس الانتقالي بالتحرك، مستغلاً الانقسام بين قبائل حضرموت.
سيناريوهات العام الجديد
يمكن توقع عدة سيناريوهات للأوضاع في اليمن خلال عام 2026، على ضوء التطورات المختلفة وخاصة في الجنوب خلال الأشهر الأخيرة، حيث توجد خمسة سيناريوهات متوقعة:
أولاً: الحرب المباشرة بين الوكلاء
في حال عدم الانسحاب من قبل قوات المجلس الانتقالي من حضرموت والمهرة، قد يؤدي الضغط السعودي إلى مواجهات واسعة النطاق، وقد يتدخل التحالف السعودي عسكرياً لدعم القبائل الحضرمية والحكومة اليمنية، مما يعيد إشعال الصراع الأهلي ويوسع الخلاف السعودي-الإماراتي إلى صراع إقليمي أوسع، خاصة مع سيطرة الانتقالي على المناطق النفطية الغنية التي تشكل نسبة كبيرة من احتياطيات اليمن، وهذا السيناريو يزيد من خطر تدخل الحوثيين لاستغلال الفوضى، وقد يؤدي إلى انقسام اليمن إلى مناطق نفوذ متعددة، مع تأثير على أمن البحر الأحمر واستقرار الخليج.
ثانياً: التسوية الإقليمية
إذا نجحت الجهود السعودية-الإماراتية في الوساطة، كما دعا إليها التحالف في بياناته الأخيرة، قد ينسحب الانتقالي جزئياً أو كلياً من حضرموت مقابل تنازلات سياسية، مثل إعادة هيكلة قوات النخبة الحضرمية أو تعزيز الدعم الإنساني، وهذا يمكن أن يؤدي إلى إحياء خارطة الطريق الأممية بصيغة جديدة تأخذ في الاعتبار المخاوف السعودية من التمدد الإماراتي، مما يمهد لمفاوضات شاملة تشمل الحوثيين وتقلل من التوترات، كما أن الضغط الأمريكي أو الأوروبي قد يدعم هذا السيناريو، خاصة إذا اعتبرت الولايات المتحدة أن التصعيد يهدد مصالحها في مكافحة الحوثيين.
ثالثاً: التقسيم الفعلي
مع سيطرة الانتقالي على المناطق الشرقية، قد يتحول الصراع إلى تقسيم دائم لليمن، حيث يعلن الجنوب استقلاله الفعلي تحت رعاية إماراتية، مع التركيز على السيطرة على النفط في حضرموت، وهذا السيناريو يعزز من الفراغ الأمني في الشرق، مما يجعل 2026 عاماً لتعزيز الكيانات المستقلة، لكنه يزيد من مخاطر الانهيار الاقتصادي في الشمال ويفتح الباب لتدخلات خارجية أكبر.
رابعاً: الفوضى الممتدة
إذا استمر التصعيد دون حلول، قد يصبح اليمن ساحة لصراع إقليمي مفتوح، مع تدخل سعودي مباشر أو إماراتي، مما يؤدي إلى انهيار الهيكل السياسي والاقتصادي الكامل في 2026، ويشمل زيادة النزاعات القبلية في حضرموت، انتشار الجماعات المتطرفة، وتداعيات على المنطقة الخليجية، مثل تعطيل التجارة عبر باب المندب أو تصعيد هجمات الحوثيين، ويشير إلى أن هذا السيناريو الأكثر خطراً إذا لم يتم احتواء الخلاف السعودي-الإماراتي.
خامساً: الاستقرار النسبي
مع الرؤية الأمريكية والأوروبية التي ترى في التصعيد تهديداً للاستقرار الإقليمي، قد يؤدي ضغط دولي – بما في ذلك من الأمم المتحدة – إلى تجميد الوضع في حضرموت وإعادة ترتيب التحالفات، وهذا يمكن أن يشمل إعادة نشر قوات يمنية موحدة أو اتفاقيات اقتصادية لتقاسم الثروات النفطية، مما يجعل 2026 عاماً للبناء التدريجي نحو سلام هش، خاصة إذا انخرطت عُمان في الوساطة بسبب قربها من المهرة.
هذه السيناريوهات غير حتمية، وتعتمد على عوامل مثل الدبلوماسية بين الرياض وأبوظبي، موقف الحوثيين، والضغوط الدولية، والتصعيد في حضرموت يغير طبيعة الصراع من نزاع شرعية إلى صراع نفوذ إقليمي، مما يجعل 2026 عاماً حاسماً لمستقبل اليمن.
