مستورة أردلان … سيدة التاريخ والقصيدة

بقلم: د. عزة محمود علي … في التاريخ تُولد أحيانًا امرأة لا تشبه عصرها، ولا تتقيد بالحدود المرسومة للنساء من حولها، بل تتجاوز إطار الزمن لتصير هي نفسها زمنًا جديدًا. هكذا كانت “مستورة أردلان”؛ امرأة انبثقت من تخوم كُردستان لتصبح صوتًا يكتب التاريخ بحدس الشاعرة، ودقة المؤرخة وحكمة العارفة، لم تكن مستورة مجرّد اسم يتردد في سجلات إمارة “أردلان”، بل كانت حضورًا فكريًا وروحيًا يصوغ المعنى من بين تلافيف الحياة، ويحوّل التجربة الإنسانية إلى كتابة ذات صدى يتجاوز المكان والقرن الذي عاشت فيه.
وُلِدت مستورة في عالمٍ تتقاطع فيه السلطة مع القبيلة، والسياسة مع الأسطورة، والفكر مع القيود الاجتماعية. غير أنها لم تخضع لأي من هذه القُوى، بل أعادت تشكيل وجودها عبر الكلمة؛ فصارت الكلمة عندها وطنًا يتسع لما ضاق عنه الواقع، وصار الشعر حريتها الداخلية حين كانت الحرية الخارجية حلمًا بعيدًا، وبموهبتها الفطرية وقدرتها النادرة على تطويع اللغات — الفارسية والكُردية والكرمانجية — صاغت خطابًا أدبيًا يتجاوز الانتماء اللغوي ليؤسس لوعي جديد بالذات الكُردية، ولرؤية امرأة ترى العالم من نافذة المعرفة لا من حدود الدور الاجتماعي.
كانت حياتها امتدادًا لشعرها، وشعرها صدى لرحلتها: زوجةً لزعيم، نعم، لكنها لم تكن ظلًا لرجل، بل ندًّا يشاركه الفكر والنهضة، وامرأة تجتمع حولها النخبة من الشعراء والعلماء، في مقامٍ كانت فيه هي القلب المفكّر للمجلس، وصاحبة المكان الأرفع بفضل حضورها وعمقها الثقافي، وفي الوقت الذي كان الشرق يبحث فيه عن مؤرخ يقرأ تحولات إماراته وهزائمها ونهوضها، ظهرت مستورة لتكتب تاريخ “أردلان”، مُسجِّلةً بذلك سابقة لم تعرفها المنطقة؛ أول امرأة تُدون تاريخًا سياسيًا واجتماعيًا بمنهج المُؤرخ ورؤية الفيلسوفة.
إن التأمل في حياة مستورة هو تأمل في طبيعة المعرفة نفسها: كيف تستطيع امرأة أن تجعل الكتابة فعل بقاء؟ كيف يُصبح الشعر وسيلة لإنقاذ الذاكرة من النسيان؟ كيف تتحول السيرة الذاتية إلى مرآة لروح أمة؟ لقد أنجزت “مستورة” ما يتجاوز حدود الإنتاج الأدبي؛ فقد صنعت وعيًا جديدًا بالحضور النسوي في الثقافة الكُردية، وجعلت من الأدب مشروعًا للتحرر، ومن التاريخ وثيقةً للهُوية، ومن الشعر مساحةً لمكاشفة الذات والعالم.
وهكذا، حين نقرأ “مستورة أردلان”، لا نقرأ امرأةً من القرن التاسع عشر فحسب؛ بل نقرأ جذورًا عميقة من التمرُد الهادئ، ونبرةً مبكرة لنهضة المرأة في الشرق، ولغةً تمشي فيها الفلسفة جنبًا إلى جنب مع الوجدان، وصوتًا ظل حيًا رغم سقوط الإمارة ورحيل الجسد، لأن الحقيقة البسيطة تقول: ثمة من يموتون وتبقى آثار خطاهم تُعلّم الأرض كيف تتذكر.
مستورة أردلان… تاريخ أمة يُكتب بصوت شاعرة:
في تاريخ الشعوب لحظات تتجسّد فيها الروح الإنسانية بأبهى صورها، وتغدو الكتابة فعلَ خلودٍ لا يضيع مع تعاقب الأزمنة، وفي سجلّ الذاكرة الكُردية، لمعت شخصية “مستورة أردلان” بوصفها أول شاعرة ومؤرخة كُردية، وامرأة كسرت قيود عصرها، فجمعت بين رهافة الشعر وصلابة المؤرخ، وبين صفاء الروح واتساع المعرفة، ليست مجرد سيدة من سلالة الأمراء، بل وعيٌ نهض من قلب الجبال ليكتب تاريخ أمة كاملة بصوت امرأة.
مولدٌ يتفتّح على المعرفة
وُلدت مستورة أردلان في مدينة “سنه”[2]، ذلك الموطن الذي ظلّ يسكن قصائدها حتى آخر أنفاسها، لم تكن الطفولة لديها مرحلة عابرة؛ بل كانت الشرارة الأولى لرحلة معرفية تجاوزت حدود المألوف للنساء في ذلك العصر، تلقت علومًا عديدة؛ حتى قيل إنها أكملت اثنى عشر علمًا بين الفلسفة، والدين، والأدب، واللغة، والمنطق، والرياضيات. هذا الاتساع المعرفي لم يكن ترفًا فكريًا؛ بل الأساس الذي قامت عليه تجربتها الإنسانية والأدبية.
امرأة في بلاط الشعراء
حين تزوجت من “خسرو خان[3]” حاكم إمارة أردلان، تحول بلاطه إلى مُلتقى للشعراء والفقهاء والعلماء. كانوا يتحاورون في الفلسفة والمنطق والشعر والتاريخ، لكن “مستورة” كانت مركز الدائرة، لا مجرد مُتلقية. حضورها كان لامعًا، وذكاؤها نافذًا، وثقافتها موضع إجلال.
في مجتمع يُحجم صوت النساء، كانت هي الاستثناء: امرأة تتحدث في حضرة الرجال بثقة العارف، وتكتب في زمان لم يُعهد فيه للنساء أن يدوّنَّ التاريخ أو أن يتجاوزن حدود القصور.
شاعرة تتجاوز حدود اللغة
كتبت مستورة بلغات متعددة: بالكُردية (اللهجة الكرمانجية)، والفارسية، وأحيانًا بالعربية. يقول بعض الباحثين إن نتاجها الشعري تجاوز عشرين ألف بيت، ضاع معظمها مع تقلبات
الأزمنة. وما بقي منها يكفي ليكشف أسلوبها:
لغةٌ مفعمة بالرمزية والحنين، ورؤيةٌ تجمع بين الحس الصوفي والانتماء الوطني، وشعرٌ يلتقط لحظات الضعف الإنساني كما يلتقط صلابة الروح.
في بعض قصائدها تكتب عن حبها لزوجها “خسرو خان”، وفي أخرى تشكو من غدر الزمن، وتفيض صفحاتها بحنين لا يهدأ إلى مسقط رأسها “سنه”. كانت قصيدتها رسالة قلب، وخريطة وطن، وتعبيرًا عن روح امرأة تعيش بين واجبات السلطة ونداءات الشعر.
ومن أشهر ما كتبته، تلك القصيدة التي وجهتها إلى الشاعر الكبير “نالي”[4]، والتي أصبحت علامة في الأدب الكُردي لما فيها من رقة وجدانية وعمق فلسفي في النظر إلى الحب والغياب.
المرأة التي كتبت التاريخ:
لكن الشعر لم يكن رسالتها الوحيدة؛ كانت مستورة أول امرأة في الشرق الأوسط تكتب تاريخًا كاملًا بيدها، كتابها “تاريخ أردلان” لم يكن مجرد تدوين لأحداث سياسية، بل قراءة فلسفية للتاريخ، تتأمل فيه معنى السلطة، وصراع الإمارات، وتحوّلات الزمن.
في هذا الكتاب تتجلى قدرتها على التفكير المنهجي وعلى الربط بين الوقائع، كما يُظهر أثر معارفها الدينية في رؤيتها لسير الأحداث.
إلى جانب ذلك كتبت:
عقيدة الإسلام ورسالة العبادة بالفارسية، ديوان مستورة كوردستاني، كتابًا دينيًا عن الشريعة، وغير ذلك من المصنفات التي تكشف عمقها الروحي واتساع مداركها.
سقوط الإمارة… وغياب السيدة:
بعد وفاة زوجها عام 1836م وسقوط إمارة “أردلان”، انتقلت مستورة إلى “السليمانية”[5] كان الرحيل بداية غُربة داخلية، إذ ابتعدت عن مدينتها “سنه” التي ظلّت تسكنها في الأحلام والأشعار، وفي السليمانية اشتد عليها المرض، ومعه اشتدّ الحنين. وفي عام 1848 أغمضت عينيها في هدوء، ودُفنت في مقبرة “تلة سيوان”، لكنها لم تُدفن في الذاكرة، بقي اسمُها مشعًّا بوصفه رمزًا لامرأة سبقت عصرها بأجيال.
ونُشر كتاب مستورة المسمى “تاريخ أردلان” في موسكو عام 1990 م باللغة الروسية، وبحسب بعض المصادر فإن قصائد مستورة تزيد عن 20 ألف بيت، وقد كتبت العديد من قصائدها باللهجة الكرمانجية، لكن لم يعثر على هذه الأشعار في يومنا هذا.
كانت مستورة شخصية عظيمة وشاعرة اشتهرت بشعرها وفنها، وتدوين وكتابة التاريخ، خلال وجود زوجها “خسرو خان”، حيث اجتمع العديد من الشعراء والعلماء في بلاطه، وأجروا مناقشات أدبية وفلسفية وعلمية، كان لمستورة المكان الأبرز بينهم بسبب شخصيتها القوية وثقافتها، وتحدث العديد من الشعراء والكتاب عن هذه الأسطورة في كتاباتهم وأشعارهم، وهي لا تعد مؤرخة لكردستان فحسب، بل هي أول مؤرخة في الشرق الأوسط كله.
كتبت “مستورة” ديوانين بالفارسية والكُردية، ولها العديد من الأشعار باللغة الفارسية، ولها طريقة وأسلوب فريد في استخدام المفردات في أشعارها، ومن نتاجها الفكري:
عقيدة الإسلام ورسالة العبادة – بالفارسية.
ديوان (ديوان مستورة كوردستاني) – فارسية وكُردية.
تاريخ أردلان (خرونيكا دوما أردلان: تاريخ أردلان).
كما قامت بإعداد كتاب ديني عن “الشريعة الإسلامية”، تُظهر كتبها معرفتها العميقة بالدين والتاريخ؛ حيث تعمقت في العديد من العلوم “فأكملت 12 علمًا”.
وفي بعض قصائدها تتحدث عن حبها ومشاعرها لزوجها “خسرو خان”، وفي الكثير من قصائدها تشكو من الزمن والوضع التي تعيش فيها وتتحدث في قصائدها بشكل خاص عن مسقط رأسها “سنه” التي تتوق إليها كما سبق القول، ومن أبرز قصائدها والتي كان لها أثر كبير في مجال الأدب، القصيدة التي كتبتها للشاعر نالي.
مستورة ليست شاعرة وكاتبة عظيمة فحسب بل هي أول مؤرخة كُردية كتبت تاريخ “أردلان” كاملًا في الشرق الأوسط، بعد موت زوجها خسرو خان وسقوط الإمارة عام 1836، انتقلت مستورة من مدينة سنه إلى السلمانية، توفيت مستورة أردلان عام 1848 بسبب مرضها في السليمانية ودُفنت في مقبرة “تلة سيوان”.
إرث امرأة تتقدّم الزمن:
مستورة أردلان ليست فقط أول شاعرة كردية، بل أول مؤرخة في الشرق الأوسط، امرأة استطاعت أن تكتب تاريخها بنفسها، وأن تدافع عن حُضورها في عالم صُمّم ليُقصي أصوات النساء، وفي شعرها يتجلى الوجع الإنساني والأمل معًا: وجع امرأة تُكابد قيود العصر، وأمل شاعرة تعرف أن الكلمة قادرة على كسر الحجر.
إرثها ليس مجرد دواوين وكتب، بل هو معنى: أن المرأة تستطيع أن تكون شاعرة ومفكرة ومؤرخة، مهما حاول الزمن أن يحدّ من أجنحتها.
تحليل نقدي مفصّل لأسلوب مستورة أردلان في الكتابة:
يجمع التحليل بين القراءة البلاغية والفلسفية والنقد الأدبي والتاريخي، ويُظهر خصوصية صوتها داخل الأدب الكردي والفارسي في القرن التاسع عشر:
وفيما يلي نصوص تعريفية أدبية تحليلية عن أهم مؤلفات وقصائد مستورة أردلان، ويقدّم قراءة لكل عمل منسوب إليها:
أولًا: ديوان مستورة كوردستاني (بالفارسية والكُردية)
يمثّل هذا الديوان الواجهة الشعرية الأبرز لـ”مستورة أردلان”، وفيه تتجلى شخصية الشاعرة كما تتجلى شخصية المرأة؛ التي تحمل وجدان شعب بالكامل. تتوزع قصائد الديوان بين الغزل الصُوفي، وشعر الحكمة، والمشاعر الوطنية، ووصف الحال الإنساني في مواجهة الزمن.
تميّزت مستورة بأسلوبٍ يتداخل فيه الرمز مع الحسّ، والحنين مع الفلسفة، فتكتب عن الحب كطاقة روحية، وعن الفراق كقدرٍ لا ينجو منه أحد، وفي القصائد الكُردية، يظهر تعلقها بالأرض واللغة والهُوية، بينما تميل في القصائد الفارسية إلى التعمق في المعاني الوجودية.
هذا الديوان، رغم ضياع أجزاء كبيرة منه، يكشف شاعرةً تمتلك قدرة عالية على تطويع المفردة، وعلى خلق موسيقى داخلية لا تعتمد على الوزن وحده، بل على انفعالات الروح وصورتها في اللغة.
ثانيًا: قصائدها باللهجة الكرمانجية (الضائعة)
رغم أن معظم هذه القصائد لم يصل إلينا، إلا أن ما ورد عن وصفها يجعلها إحدى أبرز التجارب في الشعر الكُردي المبكر. كانت مستورة تكتب الكرمانجية بوصفها لغة القلب، لغة الطفولة، والأم، والبيت، والمسقط.
وتُجمع الروايات على أن قصائدها بالكرمانجية كانت تعبّر عن: الشوق إلى مدينة “سنه”، لوعة الغربة بعد سقوط الإمارة، ألم فقدان الزوج، الإحساس بالظلم التاريخي الواقع على الشعب الكُردي.
كما تذكر بعض المصادر أنها استخدمت في هذه القصائد صورًا جديدة على الشعر الكُردي في عصرها، مما جعل فقدانها خسارة كبيرة في ذاكرة الأدب.
ثالثًا: القصيدة التي كتبتها للشاعر نالي :
تعد هذه القصيدة من أشهر ما بقي من أشعارها، وقد كُتبت شعر كردّي أدبي على شاعر كُردي كبير هو “نالي”.
في هذه القصيدة تتجلى شخصية مستورة بصوتٍ أنثوي قوي، يوازن بين الاحترام المتبادل والحوار الشعري الرفيع.
تتضمن القصيدة نبرة وجدانية عميقة، فيها نوع من العتب الرقيق، وكأنها تحاور نالي بوصفه رمزًا للشعر مثلما تحاور الزمن بوصفه قوة لا تُقهر.
تكشف هذه القصيدة عن قدرة مستورة على مخاطبة الشعراء الكبار بلغتهم ومستواهم، وهو ما مهد لاحقًا لمكانتها في تاريخ الأدب الكُردي.
رابعًا: قصائدها في رثاء زوجها خسرو خان:
كتبت مستورة عددًا من القصائد العاطفية التي تعبّر فيها عن وفائها لزوجها خسرو خان، وهي قصائد تحمل نبرة وجدانية مكثفة، تجمع بين الألم والصبر.
لا تتعامل مستورة مع الفقد بوصفه حدثًا عائليًا، بل تحول موت زوجها إلى تأمل في مصير الإنسان، وتكتب عنه كاتحاد بين الحب والغياب، وكحقيقة تُعيد تشكيل الوعي.
في هذه القصائد تظهر صورة المرأة الحكيمة، لا المرأة الضعيفة، امرأة تقف أمام مصيرها بشجاعة، لكنها لا تنكر انكسار قلبها. كانت هذه القصائد بدايات تشكل فلسفتها الخاصة في معنى الفقد والزمن.
خامسًا: “عقيدة الإسلام ورسالة العبادة” (بالفارسية):
هذا الكتاب يعكس الوجه الروحي والفكري لمستورة أردلان، ويُظهر مدى عمقها في العلوم الدينية التي أتقنتها.
لا تقدم فيه مجرد شروح تقليدية، بل تميل إلى فهم فلسفي لمفاهيم العبادة والإخلاص والنية.
يظهر في الكتاب تأثرها بمدارس التصوف، خاصة في تفسير العلاقة بين الإنسان وخالقه، وفي دعوتها إلى الجمع بين العلم والروح، بين العبادة والمعرفة.
هذا العمل يُعد من أهم ما يوضح أن مستورة لم تكن مجرد شاعرة، بل مفكرة تمتلك رؤية دينية واضحة.
سادسًا: الديوان الفارسي المنسوب إليها:
كتبت مستورة عددًا كبيرًا من القصائد الفارسية، تميزت بأسلوب لغوي منمّق، وصور شعرية تعتمد على الرمز والاستعارة، وفي الشعر الفارسي تبدو أكثر ميلًا إلى التأمل الفلسفي، الحكمة
الوجودية، الحديث عن مصائر البشر، نقد الزمان وأدواره المتقلبة.
ويتضح من هذه القصائد تأثرها العميق بالتراث الشعري الفارسي، خاصة روح “حافظ الشيرازي” وجلال الدين الرومي، مع بقاء صوتها الأنثوي الخاص واضحًا ومتمايزًا.
سابعًا: كتاب “تاريخ أردلان” (خرونيكا دوما أردلان):
هذا أهم أعمال “مستورة” وأجرؤها على الإطلاق. فهو أول كتاب تاريخي تكتبه امرأة في الشرق الأوسط. لا تكتفي فيه بسرد الوقائع، بل تقدّم رؤية فلسفية للتاريخ؛ فتناقش علاقة السلطة بالأخلاق، وتصف تحولات الزمان، وتعطي للأحداث بُعدًا إنسانيًا يتجاوز السياسة.
يمتاز الكتاب بأنه يعكس وعيًا عميقًا بالواقع الاجتماعي والثقافي، ويكشف عن قدرة نادرة لدى امرأة في القرن التاسع عشر على كتابة تاريخ إمارة كاملة بلغة منهجية رصينة.
وقد نُشر الكتاب باللغة الروسية في موسكو عام 1990، ليعيد إحياء تراثها بعد عقود طويلة.
ثامنًا: كتابها الديني عن”الشريعة الإسلامية”:
هذا الكتاب يعكس معرفة مستورة الواسعة بالنصوص الشرعية وتفسيرها، وقد كتبته بأسلوب يجمع بين الشرح المبسّط والتحليل العميق. تتناول فيه: مقاصد الشريعة، الأخلاق، العبادات، القواعد الفقهية، ويظهر من خلاله اهتمامها بربط الشريعة بالحياة اليومية، وبإبراز الجانب الرحيم في الدين، بعيدًا عن التعصب أو التشدّد.
تاسعًا: قصائد الحنين إلى مدينة سنه:
هذه القصائد تعد من أجمل ما كتبت مستورة، لأنها تعبّر عن الجرح الأعمق في حياتها: فراق الوطن، فيها تتحدث عن طفولتها، وعن جبال “سنه” ونسيمها، وعن الأزقة التي حفظت خطواتها. وترتقي هذه القصائد من الحنين الشخصي إلى حب وطني فلسفي، ترى فيه أن الأرض ليست مكانًا فقط، بل جزءً لا يتجزأ من الروح. لذلك صارت صور “سنه” في شعرها رمزًا لكل وطن مفقود.
عاشرًا: قصائد الشكوى من الزمن وتقلّباته:
في هذا اللون تبدو مستورة حكيمةً مجروحة، تكتب عن قسوة الأيام وخيانة اللحظات الجميلة.
لا تكتب شكوى سطحية، بل تتعامل مع الزمن كقوة فلسفية، كمطرقة تصنع الإنسان من جهة، وتهدم أحلامه من جهة أخرى.
هذه القصائد تمنحها مكانة فريدة في الأدب الكُردي لأنها تكشف وعيًا وجوديًا مبكرًا عند امرأة عاشت بين السلطة والضياع.—
تحليل نقدي مفصّل لأسلوب مستورة أردلان في الكتابة:
أولًا: ازدواجية الهُوية اللغوية بوصفها أداة للتعبير:
تمتلك مستورة أردلان تركيبًا لغويًا مزدوجًا، إذ كتبت بالفارسية والكُردية (الكرمانجية والسورانية)، ويُعد هذا التعدد اللغوي من أبرز خصائص أسلوبها.
فاللغة الفارسية لديها هي لغة الفكرة المجردة، بينما اللغة الكُردية هي لغة الشعور.لذلك يميل شعرها الفارسي إلى الحكمة والتأمل، في حين يتميّز شعرها الكُردي بالحنين والوجدان والانتماء.
هذه الثنائية تكشف عن قدرة عالية على تشكيل المعنى عبر أكثر من جهاز لغوي، وهو أمر نادر بين كتاب عصرها، خصوصًا النساء.
ثانيًا: الحسّ الفلسفي في بناء القصيدة:
تمتلك مستورة قدرة على تحويل التجربة الإنسانية إلى سؤال فلسفي، حتى إن كانت المناسبة عاطفية؛ فهي حين تكتب عن الحب، تتحدث عنه كقوة كونية، لا كمشاعر شخصية، وحين تكتب عن الزمن، تجعله كائنًا يجادل الإنسان ويتصارع معه، لا مجرد سياق للأحداث.
وتعتمد في رؤيتها الفلسفية على عناصر واضحة:
1. التأمل الصوفي: حيث الذات تبحث عن اكتمالها في الحب والغياب.
2. النبرة الوجودية المبكرة: تطرح أسئلة عن المصير والقدر قبل ظهور التيارات الوجودية الحديثة.
3. فلسفة الحنين: إذ يتحول الحنين إلى مدينة سنه إلى مفهوم يتجاوز المكان نحو معنى الجذور والهوية.
هذه العناصر جعلت من قصائدها نصوصًا تتجاوز حدود الغزل والرثاء إلى فضاء الفكر
ثالثًا: البنية العاطفية الحادة وعمق الانفعال:
تكتب مستورة بوجدان مكثف، وغالبًا ما يظهر في شعرها الطابع الانفعالي العميق؛ فالحزن يتحول عندها إلى نبرة مهيبة، والفراق يتخذ شكلًا قدريًا يكشف هشاشة الإنسان، والحب يتجاوز العاطفة ليصبح قوة شفائية، والشكوى من الزمن ترتقي إلى مستوى التأمل في طبيعة
الوجود. هذا العمق جعل من صوتها صوتًا أنثويًا قويًا لا يستدرّ الشفقة، بل يفرض الاحترام؛ فهي لا تكتب بوصفها امرأة مكسورة، بل بوصفها ذاتًا تقف في مواجهة عالم غير عادل.
رابعًا: التشكيل الرمزي والاشتغال على الصور:
تمتاز لغة مستورة بكثافة رمزية لافتة، تستخدم رموزًا مستمدة من الطبيعة: كالجبال، الينابيع، الرياح، المطر، ومن الزمن: كالليل، الفجر، الدوران، الانكسار، ومن الروح: كالنور، السر، الوجد، الغياب، ولا تستخدم الرمز لإخفاء المعنى، بل لرفع المعنى إلى مستوى حدسي؛ فالرمز عندها ليس زينة بل طريقة في التفكير.
نلاحظ مثلًا في وصفها للحنين أنها لا تقول “أحن إلى سنه” وإنما ترسم المدينة من خلال صور صغيرة: كظلّ جبل، أغنية راعٍ، طريق قديم…وبذلك تصبح الصورة القصيرة لغة كاملة بحد ذاتها
خامسًا: أسلوبها في التاريخ… بين السرد والتحليل:
في كتاب تاريخ أردلان تظهر شخصية مختلفة عن الشاعرة، لكنها مكملة لها، فأسلوبها التاريخي يمتاز بـ:
1. اللغة المنهجية: فهي لا تكتفي بالوصف بل تربط الأحداث بأسبابها ونتائجها.
2. التحليل الأخلاقي: تعرض الوقائع بميزان قيمي، وتوازن بين الرواية التاريخية والحكمة.
3. النبرة الإنسانية: تكتب عن شخصيات الحكماء والجنود والنساء لا بوصفهم أرقامًا، بل بوصفهم ذواتًا.
4. الرؤية الشاملة: تقرأ التاريخ من موقع فوق الحدث، لا من داخله فقط.
هذه الطريقة تكشف عن عقلية واعية، متجاوزة لزمنها، خاصة أن التدوين التاريخي في الشرق الأوسط كان ذكوريًا بالكامل.
سادسًا: توظيف العاطفة في الكتابة التاريخية:
من أهم ملامح أسلوبها أنها لا تفصل بين العقل والعاطفة؛ فبينما يكتب المؤرخون الرجال التاريخ ببرود، كانت مستورة تمنح الأحداث حرارة إنسانية، دون أن تفرّط في الموضوعية. وهو أسلوب نادر يجعل نصوصها التاريخية أقرب إلى أدب التاريخ لا مجرد تسجيل للأحداث.
سابعًا: الوعي الأنثوي المتقدم:
أسلوب مستورة يحمل وعيًا أنثويًا متقدمًا للغاية، لكنه غير صدامي، فلا تعتمد خطاب الشكوى، بل خطاب إثبات الوجود؛ حيث تُظهر أن المرأة قادرة على قيادة الحوار الفكري، كتابة التاريخ، إنتاج المعرفة، صوغ اللغة الشعرية، ومخاطبة الشعراء الكبار بندية.
وهي تُثبت ذلك بالفعل لا بالقول، ولهذا يندر أن نجد عندها خطابًا مباشرًا عن ظلم المجتمع، بل نجد صوتًا مكتملًا يشهد على ذاته.
ثامنًا: الموسيقى الداخلية للغة:
تعتمد مستورة على موسيقى ناعمة داخل الجملة، خصوصًا في الشعر الفارسي: فنجد لديها تكرار صوتي مقصود، إيقاع الهمس والحزن، جمل منحنية تتباطأ عند الألم وتتسارع عند الفرح، صور تتتابع بطيئة كأنها شريط ذاكرة.
هذه الموسيقى الداخلية تجعل نصوصها قابلة للحفظ، وتمنحها قوة تأثير عاطفية كبيرة.
تاسعًا: الميل إلى العمق الروحي:
كل كتابات مستورة، شعرًا ونثرًا، تحمل ملامح الروحانية العميقة، حضور الله يتكرر في القصة اليومية، والقدر يظهر كقانون يحكم العالم، والنفس تُرى بوصفها ميدانًا للصراع، والحب يصبح وسيلة تطهير لا مجرد علاقة عاطفية
هذه الروحانية ناضجة وغير مباشرة، مرتبطة بالتصوف السنّي المؤثر في ثقافة أردلان.
عاشرًا: أسلوب متجاوز لزمنه:
أكبر ما يميز أسلوب مستورة أنه سابق لزمانه في رؤيته الفلسفية، في لغته المتعددة، في موضوعاته الإنسانية، وفي تجاوزها حدود “القصيدة النسائية” إلى الأدب الكوني.
لذلك يُعد أسلوبها منبّهًا تاريخيًا على أن المرأة الكُردية شاركت في تكوين السرد الثقافي قبل أن تُتاح لها حقوقها الاجتماعية بسنوات طويلة.
وفيما يلي تحليل نقدي مفصّل للصور الشعرية عند مستورة أردلان، يركّز على أنواع الصورة، آليات إنتاجها، وارتباطها بثقافتها وحياتها وتجربتها الوجدانية.
أولًا: طبيعة الصورة الشعرية عند مستورة أردلان:
تمتاز صور مستورة أردلان بأنها صور شعورية قبل أن تكون بصرية؛ فهي لا ترسم الأشياء كما تظهر في الواقع، بل كما تُحسّ بها الروح.
إنها صور تعتمد على الانفعال الداخلي، وعلى تحويل التجربة إلى رمز وإيحاء، مما يجعلها أقرب لصور الشعر الصوفي منها إلى الصور الوصفية التقليدية.
وتتشكل الصورة عند مستورة من ثلاثة منابع رئيسية:
1. الذاكرة (سنه، الطفولة، البيت، رائحة الأمكنة)
2. الفلسفة الوجدانية (الزمن، الموت، الحب، القدر)
3. الطبيعة الجبلية (الجبال، الرياح، الينابيع، الأشجار)
هذه المنابع تخلق معًا صورًا ذات أبعاد متعددة: حسية، وروحية، وتاريخية.
ثانيًا: الصورة الطبيعية بوصفها استعارة للهوية:
الطبيعة في شعر مستورة ليست خلفية محايدة، بل هي امتداد للذات؛ فهي توظف رموز الطبيعة الكردستانية كالجبال، الوديان، الثلج، المطر، بوصفها أجزاء من جسدها الروحي.
1. الجبل: الجبل في شعرها رمز للثبات، للعزّة الكردية، للحب العالي الذي لا يصل إليه أحد
وغالبًا ما تُسقط عليه مشاعرها الخاصة؛ فتبدو صلابته مرآة لصلابتها.
2. الريح: الريح عندها ليست مجرد حركة طبيعية، بل رسول يحمل الأخبار، ويقف شاهدًا على غياب الأحبة، الريح تُستخدم لتجسيد الفراق، المسافة، والتغيير القاسي.
3. الماء والينابيع:الماء رمز شفائي في صورها، إذ تراه مرادفًا للراحة الروحية، وللحب الطاهر الذي ينعش القلب بعد الضيق.
4. الليل والفجر:الليل عندها ليس زمنًا بل حالة نفسية، بينما الفجر وعدٌ بالخلاص، وتستخدم الليل لتجسيد إحساسها بالوحدة والحنين، وتستخدم الفجر كإشارة لليقين والأمل.
ثالثًا: الصورة الزمنية… الزمن ككائن حيّ:
أكثر ما يلفت الانتباه أن مستورة تتعامل مع الزمن بوصفه شخصية لا مجرد إطارح حيث تصوره كقوة تُعاند الإنسان، أو كشيخٍ حكيم، أو كقاضٍ قاسٍ، وفي إحدى صورها النموذجية، ينحدر الزمن من مجرد ظرف إلى عدو يسلب الأحبة، رفيق يقدّم الحكمة، قميص رقيق يتجعد مع التجربة، باب نطرقه دون أن يُفتح.
هذه الصور تجعل الزمن قوة درامية كاملة، وهو توجه نادر في شعر القرن التاسع عشر النسائي.
رابعًا: الصورة الوجدانية… تحويل الألم إلى نور:
من أهم خصائص صور مستورة أنها تجعل الألم مضيئًا؛ فهي لا تستسلم للشكوى، بل تحولها إلى معنى شعري متسامٍ، أمثلة على ذلك:
الفراق يتحول إلى “نارٍ تطهر القلب”، الشوق يصبح “طريقًا نحو معرفة الذات”، الوجع يُرى “نافذة يمرّ منها النور”.
هذه قدرة صوفية في جوهرها، لكنها مطعّمة بالحسّ النسائي الخاص الذي يجعل الحزن طاقة وليست انكسارًا.
خامسًا: الصورة العاطفية في شعر الحب:
حين تكتب مستورة عن الحب، تنسجه عبر صور تجمع بين النعومة والقوة؛ حيث تشبه المحبوب بـ”ظلٍّ يرافق الروح لا الجسد”، وتصف الغياب بأنه “جدارٌ شفاف يُرى من خلاله القلب” وتستعير من الطبيعة رموزًا للثبات: الشجرة، الجبل، الثلج.
وتتميّز صورها العاطفية بثلاث سمات:
1. التجريد العاطفي: الحب ليس شخصًا فقط، بل فكرة.
2. النقاء: لا توجد صور جسدية مباشرة؛ الحب عندها روح أكثر من جسد.
3. الاحتواء: تُظهر في صورها علاقة حب ناضجة، لا علاقة خضوع أو تبعية.
سادسًا: الصورة التاريخية في”تاريخ أردلان”:
حتى في كتاب التاريخ، لا تتخلى مستورة عن الصور الفنية؛ فعند حديثها عن صراع الأمراء، تصفه عبر صور مثل: “الزمان يفتح فمَه ليبتلع حكمًا ويُخرج آخر”، “الغبار الذي يعلو السيوف يشبه غبار الأيام على القلوب”.
هذه الصور تحوّل التاريخ من جفاف الوقائع إلى مسرح حيّ، وتحوّل القارئ من متلقٍ إلى مشارك في رؤيتها.
سابعًا: الصورة الأنثوية… حضور يكتب ذاته:
تحمل صور مستورة بصمة أنثوية رقيقة، لكنها غير خاضعة، إنها لا تُقدم الأنثى ككائن ضعيف، بل ككائن حساس يتقن الإصغاء لروحه، وتتجلى أنوثتها في استعارات مرتبطة بالخصب والنور، وصور تُبرز الحنان دون أن تُنقص من القوة، وبناء صور عن الذات لا تذوب فيها في المحبوب، بل تتجاوره، فالأنثى في صور مستورة ذات كاملة، لا نصفًا باحثًا عن اكتماله.
ثامنًا: آليات بناء الصورة:
تعتمد مستورة في صياغة صورها على عناصر نقدية واضحة:
1. التشبيه الممتد:
تطيل أحيانًا في التشبيه، فتنسج حوله طبقات من التوضيح، لتخلق صورة متعددة الأبعاد
2. الاستعارة الكثيفة:
تستخدم الاستعارة لتوليد المعنى لا للزينة، فتتحول المفردة الواحدة إلى حقلٍ من الدلالات.
3. المزج بين الحسّ والفكر:
تبدأ الصورة غالبًا من إحساسٍ داخلي، ثم تتحول إلى فكرة، ثم تجسدها بشيء من الطبيعة.
4. الانزياح اللغوي:
تستخدم كلمات مألوفة في تراكيب جديدة، مما يعطي الصورة طابعًا شخصيًا مميزًا.
تاسعًا: وظائف الصورة عند مستورة:
تلعب الصورة الشعرية عندها عدة وظائف؛ كالكشف عن باطن التجربة، إيصال الفكرة عبر الحسّ، بناء النبرة العاطفية، تجسيد الوعي الأنثوي، خلق وحدة بين الذات والطبيعة، وبهذا تصبح الصورة عندها ليست وسيلة جمالية فقط، بل أداة للفهم والوجود.
عاشرًا: فرادة صور مستورة:
تقوم فرادة الصور الشعرية عند مستورة أردلان على أنها صور ناضجة روحيًا، مزيج بين الكردي والفارسي، تحمل أثر الجبال والغياب والحنين، بها توازن بين العقل والعاطفة، تمنح المرأة صوتًا كاملًا في الشعر، كما أنها صور غير مكتوبة بيد واحدة: فيها يد الشاعرة، ويد المرأة، ويد المؤرخة، ويد الكُردية التي تحمل تاريخًا طويلًا خلف كلماتها.
خــاتــمــة:
في ختام الحديث عن الأديبة والمؤرخة والشاعرة مستورة أردلان، تبدو إنجازاتها مثل خيط متصل، يربط الماضي بالحاضر، ويمنح الهُوية الكُردية بعدًا أعمق من مجرد امرأة عاشت في القرن التاسع عشر، فهي اليوم رمز ثقافي، وحضور أدبي وإرثُ سياسي غير مباشر في مسار القضية الكُردية، كثيرون ينظرون إلى كتاباتها بوصفها أكثر من نتاج فكري؛ بل باعتبارها محاولة مبكرة لتأسيس الوعي القومي الكُردي، قبل أن تتشكل الحركات السياسية المعاصرة بزمنٍ طويل. وبما أنها أول امرأة كُردية؛ بل أول امرأة في الشرق الأوسط تكتب التاريخ بأسلوب منهجي، فقد قدمت نموذجًا نادرًا للقيادة الفكرية النسوية، في مرحلة لم تكن المرأة فيها تُسمع، فكيف بمن تُدون، وتؤرخ، وتنتقد، وتفكر؟
لقد أمسكت المؤرخة والأديبة والشاعرة مستورة أردلان بخيوطٍ متعددة، الشعر، التاريخ، الفقه، الفلسفة، والعلوم الشرعية، وصاغتها كلها في هُوية فكرية واحدة، لم تُفرق فيها بين جماليات الشعر، وصرامة التاريخ، ومن خلال هذا المزيج غير المألوف، تركت إرثًا يشعر المرء أنه أوسع من حجم حياتها القصيرة، فـ “تاريخ أردلان” ليس كتابًا سياسيًا وحسب؛ بل ذاكرة جمعية مكتوبة بلغة امرأة عاشت الأحداث وشهدت صعود الإمار وسقوطها، ثم ذابت روحها في دراما التحولات، ولهذا بات الكتاب مصدرًا يُرجع إليه الباحثون في التاريخ الكُردي، وفي الوقت نفسه نصًا يعكس رؤية امرأة تُعطي للحياة معنى عبر الكتابة.
أما ديوانها الشعري، على الرغم من ضياع الكثير من نصوصه، فما بقي منه يكفي لتأكيد مكانتها كصوت شكل البنية الأولى للشعر النسوي الكُردي، لم تكتب مستورة أردلان عن الحب بوصفه حالة رومانسية منفصلة عن واقعها؛ بل كتبته بوصفه تجربة وجودية تختبر فيها المرأة هشاشتها وقوتها، وحنينها وتمردها، وانتماءها لجدران الزمان والمكان، وفي شكواها من الزمن ونوائب الحياة، وفي تعلقها بمدينة “سنه” نجد أن الشعر عندها تحول إلى سجل عاطفي يحفظ تاريخ المشاعر بنفس دقة الكُتب التي تحفظ تاريخ الملوك.
إن تأثير مستورة أردلان على الواقع الكُردي اليوم لا يكمن فقط في إرثها الثقافي والتاريخي المكتوب، بل في القيمة الرمزية لشخصيتها؛ فقد أصبحت علامة تُستحضر عند الحديث عن حضور المرأة الكُردية، في الثقافة والسياسة والفن والتاريخ، ودليلًا على أن المرأة الكُردية ليست مجرد تابع في تاريخ شعبها؛ بل فاعل ومؤسس.
وهذا البُعد الرمزي يُعيد إنتاج حضورها في الخطاب الكُردي المعاصر، وفي الندوات، وفي بحوث الأدب، في التاريخ، وحتى في حوارت الهُوية والحقوق، فلقد باتت مستورة أردلان جزءً من الرواية الكُردية الكُبرى، التي تبحث عن جذورها وتتمسك بكل امرأة ورجل أسهموا في بنائها.
على مستوى القضية الكُردية تمنح كتابات مستورة أردلان بعدًا آخر للهُوية الكُردية، بُعدًا يتصل بالمعرفة واللغة والتاريخ، لا بالسياسة وحدها، فالقضية الكُردية ليست – كما تظهر في الإعلام – مجرد صراع حدود أو كفاح سياسي، بل هي أيضًا معركة سرديات: من يكتب التاريخ؟ من يصيغ ويرسم الصورة؟ من يحفظ الذاكرة؟ وهنا يتجلى دور مستورة أردلان، لأنها كانت أول من فهمت ووعيت أن كتابة التاريخ هي أيضًا شكل من أشكال المقاومة.
لقد قاومت مستورة أردلان بالنص، وبالوعي، وباختيارها أن تُخلد حدثًا وتوثق زمنًا كان من الممكن أن يضيع ويتلاشى تحت ركام التحولات.
وبينما تواجه كُردستان اليوم تحديات سياسية وثقافية متعددة ومعقدة، نجد أن سيرة “مستورة أردلان” تعود لتؤكد أن الذاكرة الحقيقية لا تموت أبدًا، وأن الأمم التي تمتلك كاتبات، ومؤرخات، و شاعرات مثلها لا تخشى النسيان، فمستورة لم تكن مجرد امرأة تكتب، بل كانت امرأة تبني جسرًا بين أمة وروايتها، وحين تتجدد ذكراها، فإنما تتجدد قدرة الكُرد على قراءة تاريخهم من عيونهم أنفسهم لا من مرايا الآخرين، وهكذا تظل مستورة أردلان، بعد أكثر من قرن ونصف، شاهدة على أن الكلمة أقوى من السيف، وأن التاريخ يحفظ من يكتبونه بحبٍ، لا من يمرون فيه مرور العابرين.
[1] مستورة أردلان هي ماه شرف خاثم الكردستاني أو “ماه ستووره نه رده لان” ولدت عام 1805م في سنندج كردستان بإيران وتوفيت بالسليمانية – العراق عام 1848م
[2] هي سنندج بالكُردية سنه Sine هي عاصمة كُردستان، إيران، وتعتبر ثالث أكبر عشرين مدينة بإيران وثاني أكبر مدينة كُردية.
[3] خسرو خان أردلان زوج مستورة أردلان وحاكم إمارة أردلان الكُردية ويعتبر قصره خسرو آباد من الآثار الكردية الفريدة واليوم هو من أملاك عائلة صادق وزيري.
[4] نالي الشهرزوري: هو الملا خضر أحمد الميكائيلي وبالكردية “مه لا خدر كوري نه حمه دي شاوه يسي نالي به كي ميكايلي 1800– 1856م شاعر موسوعي ولغوي ومترجم وعالم رياضيات من شهروز كردستان
[5] مدينة عراقية ومركز محافظة السليمانية شرق إقليم كُردستان العراق، قرب الحدود مع إيران كانت مركزًا لكبار الشعراء والمؤرخين والسياسيين والعلماء والمطربين مثل نالي ومحوي والشهرزوري وغيرهم.



