تحليل: د. حسني أحمد مصطفى … يشكل فهم التحولات الكبرى التي عرفها العالم منذ القرن الثامن عشر أساساً ضرورياً لفهم البنى الفكرية والاقتصادية والاجتماعية التي تحكم المجتمعات المعاصرة، فقد جاءت الثورة الصناعية لتعيد تشكيل منظومات الإنتاج والعلاقات والقيم، بينما جاءت الثورة المعلوماتية لتحدث تحولاً نوعياً أعمق في بنية المعرفة والهوية والسلطة، وتمثل رؤية عبد الله أوجلان إطاراً نقدياً يكشف أن جوهر الثورتين ليس التطور التقني في ذاته، بل الكيفية التي وظفت بها الحداثة الرأسمالية هذه التحولات لتعميق السيطرة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.
1. مدخل فلسفي حول التحول نحو نظام فكري جديد:
لكي يسود أي اتجاه فكري لا بد من تقديم حزمة من المفاهيم تكون مقبولة ومتوافقة مع أحاسيس وفطرة البشر، منسجمة مع قيمهم ورغباتهم، وأن تكون متوافقة أيضا مع الإمكانات الكامنة في المجتمع الذي يعيشون فيه، فإذا كانت هذه الحزم المفاهيمية ناجحة تصبح متأصلة في فطرتهم السليمة، ويُسلم بها جدلا ولا تكون عرضة للشك.
أما إذا أردنا إدراك التوجه نحو نظام فكري جديد مستقبلا فعلينا النظر الي النقد الموجه للنظام الفكري في الحاضر، هذا النقد المشتمل على معاني تتسم بالإنسانية والمثل العليا لها، وأوقع هذه النظم تأثيرا هي التي تحاول أن تتمحور حول الإنسان الذات الفرد وحريته وكرامته ” كوحدة محورية للحضارة “، هذه المعاني المرتبطة بالفرد – المحور الحضاري – سرعان ما انتشرت بفردانيتها في هذا العصر الذي يجنح فيه الفرد الي التحرر والإبداع والوصول إلي اللامتناهي واللاما بعد.
فكل هذه المترادفات التي شاعت في خضم الثقافة الحرة اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا كانت بمثابة مفتتح لاعتناق نمط فكري جديد، احاطه المنظرون والمفكرون هالة من القداسة، حتى حان أن تكشفت سوءاته واتضحت أغراضه اللاإنسانية، فتحول إبداع الفرد إلي فوضي وغوغاء، وتحولت معاني الحرية إلي نزوع لتحطيم الذات، وتجرد المجتمع الانساني من عقده الاجتماعي الذي جٌبل عليه، وصارت الانانية صفة تمايز بها في سياق عصر ” الانسان الالي ” و عصر ” الانساسوب “.
2- التنمية في ظل التحولات الفكرية والاقتصادية:
بين هذه السياقات المفاهيمية يتموضع مفهوم التنمية بطبيعة ارتباطه بمختلف النظم الاقتصادية منعكس علي المظاهر السياسية والاجتماعية؛ ولا تخلو كذلك الفنون والسينما وجميع المخرجات الادبية الأُخر، فبتنوع الركائز هذه أو تلك والمنطلقات الفلسفية والتي هي بمثابة المكون الأساس لهذه النظم التي استهدفت تحقيق هذه التنمية، وأصبحت قضية تشغل المجتمعات المتقدمة والمتخلفة علي حد سواء، حتي أعتدت التنمية أن تكون مجال علمي ومعرفي قائم بذاته.
فالبعد الرئيسي للتنمية كان منطلقه يتمثل في البعد الاقتصادي والذي تنحاز اليه النظم الرأسمالية، فتمثل في التركيز علي إشباع الضروريات والكماليات للفرد بما أتيح له من حرية فردية منطلقة من المنظور الفلسفي الليبرالي، فله حرية التملك والبيع والشراء في سبيل تراكم الثروة الشخصية، وامتلاك الوسائل التي تمكنه من تحقيق ذلك، والذي يتعهد الفرد نفسه من خلال مهاراته وامكاناته وقدراته العقلية والفكرية في سبيل تحقيق الرفاه المادي والسعادة الشخصية، حتى صار يشتمل على الجوانب الاجتماعية والبيئية بنمطه المستدام.
وفي هذا السياق الفرداني ليس للعقد الاجتماعي وازع في الحد من الطموح الشخصي، وبالتالي تنحصر العلاقة الاجتماعية في سياق المسئولية الفردية، وتتقلص التوجهات الرامية نحو المصلحة العامة.
3- الثورة الصناعية والتحولات الاجتماعية:
أحدثت الرأسمالية بمظاهرها الصناعية تحديد قيمة أجور العمال ترتيبا اجتماعيا جديدا، فلم تعد مكانة الفرد الاجتماعية آنذاك تحددها الأفدنة وقناطير القطن وأرادب القمح والذرة والشعير، لم تعد تحددها الألقاب ولا الامتدادات القبلية والعائلية للفرد، فمعيار المجتمع الرأسمالي في ذلك متوقف علي ما يستطيع الفرد أن يتحصل عليه من أموال وما يكدسه من ثروة.
بلا شك المال قيمة اقتصادية تجريدية لا شأن لها بالأشخاص، فهي تعطي من يملكها قوة ونفوذا في المجتمع أيا كانت صفاته الأخرى، وحين لا يكون للعوامل الشخصية دور في تحديد طابع الملكية، أي حين تصبح الملكية ذات صفة لا شخصية محايدة، فإن الفوارق الجامدة بين الطبقات تبدأ في الزوال، ويصبح الانتقال من طبقة الي طبقة أخري أمرا ممكنا اذا توافر له المال اللازم والارصدة البنكية.
ورغم عن النجاحات في العديد من المجالات وفي شتي الميادين التي أحدثتها الرأسمالية والصناعة، إلا أن الرأسمالية لم تتوقف حدود قدراتها السلطوية في توجيه مسارات الاقتصاد ورؤوس الاموال أو التحكم في مجريات (الديموقراطية)، بل إن اقتصاد الرفاهية الذي تشكلت به مظاهر حياة مواطنين الدول الغربية والولايات المتحدة الامريكية بمثابة توسع للسلطة السياسية للشركات الاقتصادية، فتضاعف رغبة المواطنين في الرفاهية مرتبط بتغيير مطرد لنمط سلوكهم والقواعد الاخلاقية الموجهة لهذا السلوك، فالدعاية المدفوعة من قبل الشركات الكبرى عنصر فاعل في إحداث هذا التغيير وذلك من أجل تصريف منتجاتها، فالشركات تؤثر في سلوك المواطنين وتوجههم الي كيف يكون نمط الرجل والمرأة في هذا القرن، تحدد لهم معايير جديدة للجمال وللخير وللشر، وما يزيد من بروز هذا الدور للشركات أن سلطة القوي الدينية والاخلاقية اصبحت موضع انتقاد واعتراض لدي الفلسفات الليبرالية، فبدت وكأنها آخذة في التضاؤل وليس لديها مقومات التكيف مع معايير مجتمع الحداثة وما بعد الحداثة.
فقد تعددت اوجه التحولات المصاحبة للثورة الاجتماعية على نطاق يسع كل المستويات الجغرافية والنطاقات القيمية، وتشكلت مظاهر جديدة، متنقلة من سياقها الكلاسيكي الى سياقات اخرى، وتصاعد تيارات مقابل خفوت وانصهار اخرى:
- الانتقال من الزراعة إلى الصناعة: أطلقت الثورة الصناعية عملية تحول جذري نقلت المجتمعات من نمط الإنتاج الزراعي إلى نمط الإنتاج الصناعي، مما أدى إلى:
- هجرة واسعة من الريف إلى المدن.
- صعود المدن كمراكز للقوة الاقتصادية.
- ظهور طبقات جديدة أبرزها البرجوازية.
- تراجع البنى التقليدية وأشكال القرابة والزعامات القَبَلية.
- صعود العقلانية الأداتية: أصبحت الآلة محور الإنتاج، فحلّت المقاييس الكمية محل القيم الإنسانية، وتم تحويل الإنسان إلى أداة داخل المنظومة الإنتاجية، وتحوّل العمل من غاية إنسانية إلى وسيلة للربح، وانفصل العامل عن نتاج عمله، ما خلق ما يسميه ماركس “الاغتراب”.
- تشكل الدولة القومية والامبريالية: رافقت الثورة الصناعية نشوء الدولة القومية الحديثة باعتبارها أداة تنظيمية للرأسمالية، وبرزت الامبريالية بوصفها شكلاً عالمياً للهيمنة، حيث تم دمج البلدان الضعيفة في شبكة اقتصادية غير متكافئة، مواد خام مقابل سلع صناعية، وأنتجت هذه البنية حروباً وصراعات لتأمين تدفق الثروة إلى المركز الرأسمالي.
- الآثار النفسية والثقافية والاجتماعية: أدت الثورة الصناعية إلى:
- ظهور الفرد الصناعي الذي يُقاس بقيمته الاقتصادية لا بروابطه الاجتماعية.
- تفكك الروابط التقليدية كالقبيلة والعائلة الممتدة.
- انطلاق موجة من الاغتراب وفقدان المعنى الروحي والوجودي.
- إعادة تشكيل علاقات النوع الاجتماعي – الجندر- بفعل دخول النساء سوق العمل.
وليس هذا فحسب؛ بل بلغت نقطة ضعف النظم الرأسمالية الليبرالية أشدها في ارتباطها الوثيق بالصراعات والحروب، فليس يكفي أن يقال أن النظم الرأسمالية عاجزة عن منع الصراعات والحروب فحسب، بل إن الحروب والصراعات تنتمي الي صميم بنائها وتركيبها الباطن.
فبين عقد من الزمن وآخر افتقدت كثير من الشعوب المشروعات الوطنية التي يمكن لها أن تعبئ الطاقات وتوجه الأفكار لتحقيق الآمال، فتصاعدت موجات متعددة التطرف الفكري والاخلاقي، وثمة تطرفا يصب لصالح المنفعة الفردية الرأسمالية وتمثل في تهريب المخدرات، لم تستطع الأنظمة الامنية بالقمع التصدي لهذا النوع من التطرف الذي يفتك بالعقول والأبدان فالمجتمعات الغنية ينعم شبابها في صيرورة الرفاهية، والشباب في المجتمعات البائسة لا مفر له من الواقع إلا الهروب الي تعاطي المخدرات، فأصبحت تجارة المخدرات ” الحشيش ” موردا للدول الفقيرة التي يقوم اقتصاد طبقة الايدي العاملة الفقيرة فيها علي زراعة الخشخاش والكوكايين، واصبح موردا وافر الربحية ينعش اقتصاد السوق الحر.!
وفي الآونة الاخيرة تجلت مظاهر تقدم الرأسمالية والتي هي ذاتها عوامل فنائها، إذ أن هذا التقدم بلغ قمته في امتلاك أسلحة الدمار الشامل التي تتسابق الدول العظمي في تأجيج ترساناتها الحربية بمختلف القدرات النووية والتي باتت تهدد العالم في كل لحظة بالهلاك، فالارتباط الوثيق بين النظم الرأسمالية والحروب والاستعمار بصورها المباشرة وغير المباشرة أو التقليدية والجديدة يتضح في الاسواق العالمية المشروعة وغير المشروعة منها لتجارة الأسلحة.
4- تبني النزعة التشاؤمية وتطورها الفكري:
من مظاهر الحروب تلك وتداعياتها نستطيع أن نعلل كثيرا مظاهر الانحلال الفكري والمعنويات التي انتابت العالم جراء الصراع الرأسمالي منذ القرن التاسع عشر، والتي ظهرت واضحة بوجه خاص خلال القرن العشرين منذ انتشار فلسفات البؤس والتشاؤم والاتجاهات التي تؤكد المصير المحتوم للحضارة الغربية هو التدهور والانحلال.
وقد شاعت بعد الحرب العالمية الثانية بوجه خاص اتجاهات الفكر والفن والادب التي اصطلح علي تسميتها” باللامعقول “، فقد زعمت أن كل ما في الحياة غير مفهوم، وأن العالم والتطور والتاريخ لا يسير نحو أية غاية معقولة، بل كل شيء يفتقر الي العقل ويستحيل فهم سببه أو الغاية منه، وترتب علي ذلك تزييف لطبيعة الحياة الانسانية في المجتمع الحديث، وقد تم تبني وجهة نظر – خاطئة بالأساس – تقول:
” ان تنمية الدول المتخلفة ومن ضمنها اكثر المناطق المحلية تخلفاً؛ يجب ان تنشط عن طريق رأس المال والمؤسسات والقيم.. الخ من قبل العواصم الرأسمالية الوطنية والعالمية، وتقترح النظرة التاريخية المبنية على الخبرة السابقة للدول المتخلفة أنه ” على العكس ذلك؛ بإمكانية التنمية الاقتصادية أن تتم داخل الدول المتخلفة دون الاعتماد على علاقات الانتشار هذه “.
- يتضح من ذلك ان الربح الامبريالي مبنياً على تجارة غير متكافئة واستغلال مالي، ويمكن قياس الاستغلال المالي بالمديونية المتزايدة للاقتصاديات الواقعة تحت الاستغلال لمصلحة الاقتصاديات المركزية، أما التجارة غير المتكافئة؛ فكان شاهدها الطرق المختلفة لتبادل المنتجات، أي مواد خام مقابل بضائع مصنعة، لقدد اكدت عملية استغلال اليد العاملة المحلية عدم تساوي نموذجي الاقتصاديات عليهما، علاوة على ذلك، فلقد اعطى التقدم التكنولوجي في القطاعات الصناعية لدى الاقتصاديات المركزية مستوى عالياً من الاستغلال، وزاد قيمة الفائض النسبي المستخدم من خلال تكنولوجيا انتاج متقدم باستمرار، تقوم بدورها الى عدم تساو في نسبة التكوين العضوي لرأس المال، بينما في الاقتصاديات المسيطر عليها ينتشر الاستغلال الزائد المباشر للعمالة في النظام الانتاجي.
- ان نتاج الامبريالية فيما يخص الاقتصاديات والدول التابعة – المستعمرات – كان دمج المستعمرات في السوق العالمي وعدم المساواة بين الدول والاقتصاديات، وذلك يتضح في استيراد المواد الخام وتصدير البضائع المصنعة هو اساس العلاقة بين الامبريالية والمستعمرات، فقد تطورت عملية اعادة الانتاج وتضخمت عدم المساواة بين الاقتصاديات المتقدمة والاقتصاديات التابعة كنتائج جانبية لعملية النمو الرأسمالي بالذات.
- سياسياً يدعم هذا النوع من التوسع الاقتصادي الروابط الاستعمارية، من خلال الحروب والقمع واخضاع الشعوب التي لم تكن فقط هوامش للسوق العالمي فحسب؛ بل كانت ايضاً مستغلة سياسياً، ولم تكن لها روابط بنيوية مع العالم الغربي، هكذا كانت المناطق الافريقية والاسيوية حيث بقيت الشعوب على الرغم من التوسع التجاري الرأسمالي السابق لم تمس فيما يخص انظمتها الانتاجية.
- فقد حصرت القوى الامبريالية النمو الاقتصادي للدول المتخلفة في قطاعين هما التعدين والزراعة، لكي تؤمن المواد الخام للدول الرأسمالية المتقدمة في توجهها الى تصنيع اكبر، وللأسباب نفسها ابقت مستويات الاجور والرواتب لليد العاملة المحلية منخفضة، وبهذه الطريقة امكن تزويد الاقتصاديات المركزية السيطرة على مواد خام رخيصة الاسعار، ونتيجة لذلك لم يكن للأسواق الداخلية في الدول المستعمرة والتابعة أي أهمية استراتيجية.
ولقد تم صياغة مبدأ النفعية والذي يراه الكثيرون معقولاً تماماً وهو: ينبغي ان نفعل كل شيء يهدف الى ضمان اعظم قدر من السعادة لأكبر عدد من الناس، وتم تقديم مع هذا المبدأ منهجاً هو كافيا ومقنعا لقياس السعادة بصورة واقعية، وما إن تم هذا حتى يظن أنه تم تحقيق ما يريده الفرد ابتغاء خلق البيئة الصالحة التي ستحل محل البيئة الفاسدة، وبذلك تم وضع بذلك المسودة الاولية لمهمة رائعة هي ” الهندسة الاجتماعية “.
5- العقلانية الأداتية والهندسة الاجتماعية:
تم صياغة مبدأ النفعية والذي يراه الكثيرون معقولاً تماماً وهو: ينبغي ان نفعل كل شيء يهدف الى ضمان اعظم قدر من السعادة لأكبر عدد من الناس، وتم تقديم مع هذا المبدأ منهجاً هو كافيا ومقنعا لقياس السعادة بصورة واقعية، وما إن تم هذا حتى يظن أنه تم تحقيق ما يريده الفرد ابتغاء خلق البيئة الصالحة التي ستحل محل البيئة الفاسدة، وبذلك تم وضع بذلك المسودة الاولية لمهمة رائعة هي ” الهندسة الاجتماعية “.
والملاحظ أن الذين آمنوا بهذا النمط السلطوي الذي يكون فيه السلطة لرجال متمرسين على استخدام العقل المستنير، فإنها تكون ملائمة وسديدة تماماً، أو ضرورية في واقع الامر، وذهب أكثر هؤلاء السلطويين في مجال الاقتصاد الى ضرورة اطلاق يد رجال الاعمال ليكونوا احرارا في ادارة اعمالهم، متحررين من قيود سلطة الحكومة أو النقابات، وحقيقة الامر انهم لا يدافعون في مجال الاقتصاد عن حرية كل الافراد، بل فقط عن حرية المقاول الاقتصادي، أي رجل الصناعة.
6- رؤية عبد الله أوجلان للثورة الصناعية:
تُعدّ الثورة الصناعية عند عبد الله أوجلان حدثاً بنيوياً مفصلياً في مسار الحداثة الرأسمالية، لكنّه يرفض بشدة النظر إليها كما تُقدَّم في السرديات الكلاسيكية، أي باعتبارها ” ثمرة مباشرة للرأسمالية ” أو “ثورة بورجوازية خالصة “، ويؤكد أنّ ما جرى هو تحول تاريخي أطول مدى، نتاج تراكم اجتماعي وثقافي وتقني ممتد عبر آلاف السنين، وليس طفرة أنتجتها الرأسمالية فجأة.
- الثورة الصناعية ليست ابنة الرأسمالية بل ” ثمرة تراكم تاريخي”: يؤكد أوجلان: ” أنّ الخلط بين الرأسمالية والثورة الصناعية هو واحدة من أكبر الخرافات الفكرية التي روّجتها الحداثة الرأسمالية، فالصناعة، بمعناها الواسع، موجودة منذ الإنسان الأول، والزراعة نفسها كانت ثورة صناعية ضمن نطاقها، وبالتالي، فالثورة الصناعية ليست ” طفرة “، بل تتويج لخبرة إنسانية ممتدة “.
- جوهر الثورة الصناعية “ الربح والهيمنة ” وليس الإنتاج :لا يوافق أوجلان على أنّ جوهر الثورة الصناعية هو التصنيع أو إنتاج الآلات، فالإنتاج موجود على مر التاريخ، إنّ ما يميز الثورة الصناعية هو تحول الربح إلى مركز الظاهرة، وتحوّل رأس المال إلى قوة قادرة على السيطرة على الإنتاج وتوجيهه وفق منطق الاحتكار.
- التحول الأكبر نحو صعود المدينة وسيطرتها على الريف: من أهم نتائج الثورة الصناعية في نظر أوجلان هو انقلاب العلاقة التاريخية بين المدينة والريف:
– لأول مرة يتفوق الإنتاج المديني على الإنتاج الريفي.
– يتحول مجتمع المدينة إلى مركز مهيمن يفرض قيمه وإنتاجه وأيديولوجيته على القرية.
– ينشأ نوع جديد من ” الاستعمار الداخلي ” حيث تستعمر المدينة الريف اجتماعياً وثقافياً وإنتاجياً.
- الثورة الصناعية وتحوّل البنية الطبقية: يعتبر أوجلان أنّ الثورة الصناعية جعلت من البورجوازية طبقة قادرة على إعلان تفوقها التاريخي، بعد أن حولت الطبقة العاملة إلى قوة احتياطية، وأسست خطاباً جديداً تدّعي عبره أنها تمثل الأمة والمجتمع والتاريخ برمّتهم.
- توظيف العلم داخل آلة الربح: من النتائج العميقة التي يبرزها أوجلان هو أنّ الثورة الصناعية:
– أنهت استقلال العلم وجعلته أداة خاضعة للإنتاج الصناعي والربح.
– للمرة الأولى يتحد العلم مع آليات الإنتاج بشكل ممنهج.
– يتحول العلم من غاية إلى أداة.
- الثورة الصناعية كمنصة للهيمنة الإمبريالية: يرى أوجلان أن الثورة الصناعية لم تكن مجرد تحوّل اقتصادي، بل كانت منصة انطلاق الإمبريالية الحديثة، التي تختلف عن الاستعمار القديم، فالاستعمار التقليدي واجه محدودية في قدرته على التحكم، بينما أتاحت الثورة الصناعية بروز إمبريالية أكثر منهجية وقدرة على التغلغل العالمي.
- الثورة الصناعية والدولة القومية: يجادل أوجلان أن الثورة الصناعية كانت الشرط المادي الذي سمح بنشوء الدولة القومية بوصفها:
– جهازاً احتكارياً شاملاً.
– يستخدم التصنيع لدمج السكان في نمط إنتاج واحد.
– يحوّل نصف المجتمع إلى موظفين لدى الدولة.
– جعلت الثورة الصناعية من الطبقات الصناعية والمالية الزمر الحاكمة الفعلية داخل الدول.
ثانيًا: الثورة المعلوماتية والمجتمعات الإنسانية:
حلول الموجة الحضارية الثالثة ” المعلوماتية ” لم يؤد إلي أن يكون معدل سرعة التغيير غير مسبوق فحسب، وإنما أيضا إلي أن تتعايش الانسانية مع عملية تاريخية فريدة من نوعيتها جراء الانتشار العالمي لتأثيرها وشمولية تحدياتها وانفتاح نهايتها، وحيال مخرجات هذه العملية – تغير العالم – أدي تباين التطور الحضاري للمجتمعات الانسانية إلي تباين أنماط استجابتها للتحديات التي تفرزها هذه المخرجات.
ساهمت كل هذه التحولات وما أنتجته من معارف علمية طبيعية واجتماعية انسانية، والتي استهدفت تقدم المجتمعات وتطوير امكاناتها ورأب الصدع الفكري والاقتصادي والسياسي والاجتماعي، ساهم مجمله في النظر الي تشكيل مغاير لمستقبل المجتمعات الانسانية، وكذلك كون هذه الادوات سلاح يمكن به سيطرة مجتمع علي مجتمع آخر أو سيطرة امة علي امة اخري؛ بل يمكن احكام وبسط نخب بعينها سيطرتها ونفوذها علي مجتمعات بأكملها، وذلك في سياق فلسفات الصراع التي تبلورت علي امتداد الثلاثة قرون الماضية والتي حاولت النخبة العالمية اقناع الانسانية أنه تم التغلب علي العديد من مظاهرها من خلال التأطير لفلسفات السلام العالمي والمواطنة وحقوق الانسان، وتشكيل الهيئات الدولية المعنية بتطبيق ذلك؛ استحدثت الافكار والاساليب في تتالي سيرورة التغيير متوالية التحديات الاقتصادية والاجتماعية بغية بلورت نظام عالمي جديد.
1- السمات الأساسية للمجتمع المعاصر في ظل الثورة المعلوماتية:
في خضم التغيرات الكبرى تأتي التقانة والمعلوماتية كاهم العوامل المؤثرة في تشكيل المجتمعات الانسانية في القرن الحالي، لدرجة ان الانسان ” المعتاد ” لم يعد هو الفاعل الوحيد بل اضحى لدينا ” الانساسوب / الانسان الحاسوب ” والذي يشير الى مركب مبرمج آلياً في حالة التوازي والتماهي، والمتمظهر ايضاً في بنيته الخاصة من الارقام الثنائية، وبعبارة أخرى فالانساسوب هو مركب رقمي غامض لا جسد له، بل ذات- مجمع، قد يكون مجرد برنامج حاسوب أو فرعاً من برنامج، يتم تصميمه وفق منظومة متكاملة من الاهداف والاجراءات والمكونات وفي اتجاه يعزز النزعة الامبريالية للتقنية في الحياة المعاصرة، ستعمل الحواسيب على زيادة قدرتها وتفننها على ملاحقتنا في كل مكان وتلوين مقاطع حياتنا وفق مراد من يصنعها ويبدعها مع تزايد هوامش انصياعنا الاستهلاكي وغبائنا المجتمعي.
مما يجعلنا نقر اننا امام حقيقة تغيرات مذهلة تجرنا اليها وسائل وأوضاع وقنوات جديدة تعمل على تشكيل المجتمعات وتلوين تفاعلاتها واحداث تغيرات بنيوية معمقة، من حيث الماهية والهوية والمجموعات الوظيفية والادوار والمراتب والهرمية والرموز الثقافية والسلطوية والعلامات الاجتماعية والانساق الثقافية والمواطنة ونحو ذلك.
ومما لا شك فيه إن المجتمعات الانسانية المعاصر أصبحت أسيرة أغلال الثورتين المعرفية والتقنية الهائلتين، ومن ابرز التغيرات الجوهرية التي اسهمت في اربع سمات اساسية للعصر الحديث: التقادم السريع للمعارف والمنتجات، التخصص، الاحتمالية فيما يخص المعرفة الانسانية، والمعيارية ” التوحيد القياسي “.
- الثورة المعلوماتية والتقنية وتحولات المعرفة والهوية:
تسارع المعرفة والتقادم السريع، حيث استحدثت الثورة الرقمية وضعاً جديداً للمعرفة يعتمد على السرعة، والتخصص، والاحتمالية، لم تعد الحقيقة ثابتة، بل أصبحت ديناميكية، وتتغير مع تدفق البيانات، وقد أتاح هذا التقادم السريع قدرة غير مسبوقة على الابتكار، لكنه خلق أيضاً هشاشة معرفية.
- تشكل الهويات الرقمية:
لم يعد الإنسان يتحرك فقط في العالم المادي، بل بات يعيش هوية مزدوجة، هوية واقعية وأخرى إلكترونية، ومع انتشار “الذات الافتراضية”، بدأ الإنسان يتشكل رقمياً عبر بياناته وصوره وتفاعلاته، وهذا ما يسميه البعض “الإنسان المنصّاتي” أو ” الإنساسوب” وهو ما يتوافق مع رؤية أوجلان حول تحول الإنسان إلى ” كيان رقمي مبرمج”.
- السيطرة الرقمية والاحتكار التكنولوجي:
لم تعد الثورة الرقمية مجرد تطور معرفي، بل أصبحت أداة هيمنة جديدة عبر السيطرة على البيانات الضخمة، وببناء اقتصاد المنصات، والقدرة على التحكم بالرأي العام عبر الخوارزميات، وكذلك صعود الشركات الرقمية الكبرى كقوى سياسية، وهذا يمثل شكلاً جديداً من الامبريالية، “امبريالية رقمية”، قد تكون أشد خطراً من الامبريالية الصناعية.
- تأثيرات الثورة الرقمية على البنى الاجتماعية والرمزية:
أدت الثورة الرقمية إلى تغييرات عميقة في تغير وتشكل العديد من المضامين القيمية التي ألفتها المجتمعات الانسانية بتنوعها الثقافي والبيئي، مثال قيم الجمال، المعايير الأخلاقية، أنماط الاستهلاك، الطقوس الاجتماعية، طرق تشكيل الرأي العام وأنماط التواصل التفاعلي.
6- رؤية عبد الله أوجلان للثورة المعلوماتية:
لعله يكفي أن نشير الى حتمية إعادة تشكيل الهويات في عصر الاعلام والتقانة والمعلوماتية والثقافة التغريبية المهيمنة، فنحن غذاء هويات جديدة ” هويات رقمية ” أو ” هويات آلية ” تحضر فيها الشخصية الالكترونية وتفرز مزيجاً جديداً من السمات والتفاعلات والتمظهرات الفردية والجماعية في فضاء سيبراني لا حد له ولا قيد عليه، بذلك يتبى اوجلان رؤيته للثورة المعلوماتية وما امتلكته من تقانة فائقة الذاكاء، حيث يرى:
- الثورة المعلوماتية امتداد للثورة الذهنية لا للرأسمالية: يؤكد أوجلان أن الثورة الفكرية التي تفجرت في أوروبا كانت ثورة إنسانية واسعة قادها مفكرون وفلاسفة أحرار لا علاقة لهم بالنظام الرأسمالي أو براديغم الدولة القومية، وليست من إنتاج الرأسمالية، بناء على ذلك فإن الثورة الرقمية بوصفها ثورة في انتاج المعرفة وتنظيمها وبنيتها، ليست ثمرة للرأسمالية بقدر أنها امتداد لمسار طويل من التحرر الذهني، بينما تقوم الرأسمالية وفق هذا المنطق فقط باستثمارها لا بصناعتها، وتوجيه مسارها السلطوي.
- الرأسمالية تختلس التكنولوجيا كما تختلس فائض الإنتاج: يرى أوجلان أن الرأسمالية تجيد الاستلاء على فائض الإنتاج الذهني والفكري، تماما كما تستولي على فائض القيمة الاقتصادي، وبالتالي فإن التكنولوجيا الرقمية الانترنت والذكاء الاصطناعي والاتصالات، تصبح في عهدها أدوات للهيمنة والسيطرة لا لتحرر المجتمع، إنها تحويل للمعرفة الى السلطة، وللبيانات الى الاحتكار وللابتكار الى ملكية خاصة.
- الثورة المعلوماتية تعمّق أزمة الدولة القومية: ينظر أوجلان الى الدولة القومية بوصفها:
– جهاز احتكاري للمعرفة والتعليم والإعلام.
– مركزا صارما لإنتاج الايدولوجيا.
– بنية تفرض تعريفا واحدا للعلم والحقيقة.
وتتيح التكنولوجبا الرقمية انتشار المعرفة وتفتيت مركزيتها، مما يضعف قدرة الدولة القومية على التحكم بالرأي العام وبالمجال العام، مما يجعل الثورة الرقمية ساحة صراع بين نموذجين:
– النموذج الاحتكاري للدولة القومية وشركات التكنولوجيا.
– النموذج المجتمعي الديموقراطي المفتوح للمعرفة.
فالثورة الرقمية اذا تركت للرأسمالية تتحول الى مراقبة، تتبع مركزية فائقة، أمن رقمي، أما اذا انخرط فيها المجتمع فهي تفتح بابا لكونفدرالية ديموقراطية رقمية.
- التكنولوجيا الرقمية بين تحرير الإنسان وإعادة استعباده: من خلال نقده للعقلانية الاداتية يوضح اوجلان أن التكنولوجيا ليست محايدة؛ فهي تعكس فلسفة منتجيها وبنية القوى المسيطرة عليها. لذلك يمكن للثورة الرقمية المعلوماتية أن تتحول الى:
- أداة للتحرر، إذا كانت في خدمة المجتمع، المعرفة الحرة، التعليم المفتوح، المشاركة الديموقراطية، وتنظيم المجتمع ذاتياً.
- أو أداة عبودية حديثة، إذا ظلت في يد الدولة القومية وشركات الاحتكار المعولم، حيث تتحول البيانات الى وسيلة لضبط المجتمع وتطويعه – مراقبته.
- الثورة المعلوماتية فرصة لتجاوز الحداثة الرأسمالية: حين يتحدث أوجلان عن الحضارة الديموقراطية فإنه يجعل المعرفة والتكنولوجيا جزءا من مشروع تحرري، ومن هذا المنطلق يمكن للثورة الرقمية أن تستخدم في أن تتحول إلى بنية تحتية للحضارة الديمقراطية:
– تمكين المجتمعات من التنظيم الذاتي.
– بناء شبكات تواصل غير خاضعة لمركزية الدولة القومية.
– نشر المعرفة خارج قنوات الاحتكار.
– دعم الاقتصاد المجتمعي التعاوني.
– تطوير شبكات سياسية وثقافية تتيح التعددية.
هكذا تتحول الثورة الرقمية الى بنية تحتية للتحرر لا مجرد بنية تحتية للسوق.
- الثورة المعلوماتية كمرحلة جديدة في تاريخ احتكار المعرفة: امتداداً لتحليل أوجلان لتاريخ المدن والدولة والمدينة منذ سومر يمكن القول أن الثورة الرقمية تمثل: “انتقال الاحتكار من المعبد والدولة والصناعة، إلى الشبكات الرقمية والتكنولوجيا الكبرى، ولكن جوهر الاحتكار واحد: السيطرة على المعرفة = السيطرة على المجتمع “، لذلك فإن اوجلان يدعو الى تحرير المعرفة من كل احتكار، سواء تجسد في الدولة، أو في الشركات الاحتكارية العابرة للحدود.
مما سبق: يتضح أن الثورة الصناعية كتحول سيادي لصالح الاحتكارات – من منظور أوجلان – وليست الثورة الصناعية مجرد نقلة تقنية، بل تحوّل مفصلي في بنية السلطة:
– صعود رأس المال إلى موقع القيادة التاريخية.
– الانتقال من الاستعمار إلى الإمبريالية الصناعوية.
– تأسيس الدولة القومية بوصفها جهازاً احتكارياً.
– إخضاع العلم للربح.
– تكريس هيمنة المدينة على الريف.
– إعادة تشكيل المجتمع وفق منطق الصناعة والمال.
بهذا، تعدّ الثورة الصناعية عند أوجلان لحظة تكثّفت فيها كل آليات الحداثة الرأسمالية: الربح، الاحتكار، الهيمنة، تفتيت المجتمع الطبيعي، وصياغة إنسان جديد محكوم بمنطق السوق.
أما الثورة المعلوماتية ليست تقدما تقنيا فقط، بل هي معركة اجتماعية كبرى بين الاحتكار والحرية، وهي ستبقى رهينة التساؤل التالي:
هل ستصبح وسيلة لاحتكار اشد خطورة يقوم على السيطرة على المعلومات والعقول؟
ام ستتحول الى اداة لإطلاق امكانات المجتمعات وتمكينها من ممارسة ديموقراطية حقيقية لا مركزية؟
الثورة المعلوماتية معركة اجتماعية كبرى بين الاحتكار والحرية، وستبقى رهينة الإجابة عن سؤال: هل ستكون وسيلة للهيمنة على المعلومات والعقول، أم أداة لتحرير المجتمع وبناء ديمقراطية حقيقية لا مركزية؟
……………………………………………………………………………………
المراجع
- أوجلان، عبد الله (2018): مانيفستو الحضارة الديمقراطية ” المدنية الرأسمالية ، العصرانية الديمقراطية وقضايا تجاوز الحداثة الرأسمالية – عصر الآلهة غير المقَنَعة والملوك الغزاة “، ترجمة: زاخو شيار، المجلد الثالث، ط (3)، مطبعة داتا سكرين، لبنان.
- مصطفى، حسني أحمد (2025): الهندسة الاجتماعية للنظم الفكرية، أكوان للنشر والترجمة والتوزيع، القاهرة.
- زكريا، فؤاد (1972): الجوانب الفكرية لمختلف النظم الاجتماعية، مؤسسة هنداوي.
- مراد، علي عباس(2017): الهندسة الاجتماعية صناعة الانسان المواطن، دار الروافد الثقافية – ناشرون، بيروت.
- أرتو، باتريك وفيرار، ماري بول (2008): الرأسمالية في طريق تدمير نفسها، ترجمة: سعد الطويل، المركز القومي للترجمة، العدد 1229، مكتبة الشروق الدولية، القاهرة.
