العقلانية الأداتية للثورة الصناعية والثورة المعلوماتية (تحليل بنيوي وفكري)

تحليل: د. حسني أحمد مصطفى … يشكل فهم التحولات الكبرى التي عرفها العالم منذ القرن الثامن عشر أساساً ضرورياً لفهم البنى الفكرية والاقتصادية والاجتماعية التي تحكم المجتمعات المعاصرة، فقد جاءت الثورة الصناعية لتعيد تشكيل منظومات الإنتاج والعلاقات والقيم، بينما جاءت الثورة المعلوماتية لتحدث تحولاً نوعياً أعمق في بنية المعرفة والهوية والسلطة، وتمثل رؤية عبد الله أوجلان إطاراً نقدياً يكشف أن جوهر الثورتين ليس التطور التقني في ذاته، بل الكيفية التي وظفت بها الحداثة الرأسمالية هذه التحولات لتعميق السيطرة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.

1. مدخل فلسفي حول التحول نحو نظام فكري جديد:

لكي يسود أي اتجاه فكري لا بد من تقديم حزمة من المفاهيم تكون مقبولة ومتوافقة مع أحاسيس وفطرة البشر، منسجمة مع قيمهم ورغباتهم، وأن تكون متوافقة أيضا مع الإمكانات الكامنة في المجتمع الذي يعيشون فيه، فإذا كانت هذه الحزم المفاهيمية ناجحة تصبح متأصلة في فطرتهم السليمة، ويُسلم بها جدلا ولا تكون عرضة للشك.

أما إذا أردنا إدراك التوجه نحو نظام فكري جديد مستقبلا فعلينا النظر الي النقد الموجه للنظام الفكري في الحاضر، هذا النقد المشتمل على معاني تتسم بالإنسانية والمثل العليا لها، وأوقع هذه النظم تأثيرا هي التي تحاول أن تتمحور حول الإنسان الذات الفرد وحريته وكرامته ” كوحدة محورية للحضارة “، هذه المعاني المرتبطة بالفرد – المحور الحضاري – سرعان ما انتشرت بفردانيتها في هذا العصر الذي يجنح فيه الفرد الي التحرر والإبداع والوصول إلي اللامتناهي واللاما بعد.

    فكل هذه المترادفات التي شاعت في خضم الثقافة الحرة اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا كانت بمثابة مفتتح لاعتناق نمط فكري جديد، احاطه المنظرون والمفكرون هالة من القداسة، حتى حان أن تكشفت سوءاته واتضحت أغراضه اللاإنسانية، فتحول إبداع الفرد إلي فوضي وغوغاء، وتحولت معاني الحرية إلي نزوع لتحطيم الذات، وتجرد المجتمع الانساني من عقده الاجتماعي الذي جٌبل عليه، وصارت الانانية صفة تمايز بها في سياق عصر ” الانسان الالي ” و عصر ” الانساسوب “.

2-  التنمية في ظل التحولات الفكرية والاقتصادية:

     بين هذه السياقات المفاهيمية يتموضع مفهوم التنمية بطبيعة ارتباطه بمختلف النظم الاقتصادية منعكس علي المظاهر السياسية والاجتماعية؛ ولا تخلو كذلك الفنون والسينما وجميع المخرجات الادبية الأُخر، فبتنوع الركائز هذه أو تلك والمنطلقات الفلسفية والتي هي بمثابة المكون الأساس لهذه النظم التي استهدفت تحقيق هذه التنمية، وأصبحت قضية تشغل المجتمعات المتقدمة والمتخلفة علي حد سواء، حتي أعتدت التنمية أن تكون مجال علمي ومعرفي قائم بذاته.

   فالبعد الرئيسي للتنمية كان منطلقه يتمثل في البعد الاقتصادي والذي تنحاز اليه النظم الرأسمالية، فتمثل في التركيز علي إشباع الضروريات والكماليات للفرد بما أتيح له من حرية فردية منطلقة من المنظور الفلسفي الليبرالي، فله حرية التملك والبيع والشراء في سبيل تراكم الثروة الشخصية، وامتلاك الوسائل التي تمكنه من تحقيق ذلك، والذي يتعهد الفرد نفسه من خلال مهاراته وامكاناته وقدراته العقلية والفكرية في سبيل تحقيق الرفاه المادي والسعادة الشخصية، حتى صار يشتمل على الجوانب الاجتماعية والبيئية بنمطه المستدام.

    وفي هذا السياق الفرداني ليس للعقد الاجتماعي وازع في الحد من الطموح الشخصي، وبالتالي تنحصر العلاقة الاجتماعية في سياق المسئولية الفردية، وتتقلص التوجهات الرامية نحو المصلحة العامة.

3-  الثورة الصناعية والتحولات الاجتماعية:

    أحدثت الرأسمالية بمظاهرها الصناعية تحديد قيمة أجور العمال ترتيبا اجتماعيا جديدا، فلم تعد مكانة الفرد الاجتماعية آنذاك تحددها الأفدنة وقناطير القطن وأرادب القمح والذرة والشعير، لم تعد تحددها الألقاب ولا الامتدادات القبلية والعائلية للفرد، فمعيار المجتمع الرأسمالي في ذلك متوقف علي ما يستطيع الفرد أن يتحصل عليه من أموال وما يكدسه من ثروة.

   بلا شك المال قيمة اقتصادية تجريدية لا شأن لها بالأشخاص، فهي تعطي من يملكها قوة ونفوذا في المجتمع أيا كانت صفاته الأخرى، وحين لا يكون للعوامل الشخصية دور في تحديد طابع الملكية، أي حين تصبح الملكية ذات صفة لا شخصية محايدة، فإن الفوارق الجامدة بين الطبقات تبدأ في الزوال، ويصبح الانتقال من طبقة الي طبقة أخري أمرا ممكنا اذا توافر له المال اللازم والارصدة البنكية.

    ورغم عن النجاحات في العديد من المجالات وفي شتي الميادين التي أحدثتها الرأسمالية والصناعة، إلا أن الرأسمالية لم تتوقف حدود قدراتها السلطوية في توجيه مسارات الاقتصاد ورؤوس الاموال أو التحكم في مجريات (الديموقراطية)، بل إن اقتصاد الرفاهية الذي تشكلت به مظاهر حياة مواطنين الدول الغربية والولايات المتحدة الامريكية بمثابة توسع للسلطة السياسية للشركات الاقتصادية، فتضاعف رغبة المواطنين في الرفاهية مرتبط بتغيير مطرد لنمط سلوكهم والقواعد الاخلاقية الموجهة لهذا السلوك، فالدعاية المدفوعة من قبل الشركات الكبرى عنصر فاعل في إحداث هذا التغيير وذلك من أجل تصريف منتجاتها، فالشركات تؤثر في سلوك المواطنين وتوجههم الي كيف يكون نمط الرجل والمرأة في هذا القرن، تحدد لهم معايير جديدة للجمال وللخير وللشر، وما يزيد من بروز هذا الدور للشركات أن سلطة القوي الدينية والاخلاقية اصبحت موضع انتقاد واعتراض لدي الفلسفات الليبرالية، فبدت وكأنها آخذة في التضاؤل وليس لديها مقومات التكيف مع معايير مجتمع الحداثة وما بعد الحداثة.

    فقد تعددت اوجه التحولات المصاحبة للثورة الاجتماعية على نطاق يسع كل المستويات الجغرافية والنطاقات القيمية، وتشكلت مظاهر جديدة، متنقلة من سياقها الكلاسيكي الى سياقات اخرى، وتصاعد تيارات مقابل خفوت وانصهار اخرى:

    وليس هذا فحسب؛ بل بلغت نقطة ضعف النظم الرأسمالية الليبرالية أشدها في ارتباطها الوثيق بالصراعات والحروب، فليس يكفي أن يقال أن النظم الرأسمالية عاجزة عن منع الصراعات والحروب فحسب، بل إن الحروب والصراعات تنتمي الي صميم بنائها وتركيبها الباطن.

    فبين عقد من الزمن وآخر افتقدت كثير من الشعوب المشروعات الوطنية التي يمكن لها أن تعبئ الطاقات وتوجه الأفكار لتحقيق الآمال، فتصاعدت موجات متعددة التطرف الفكري والاخلاقي، وثمة تطرفا يصب لصالح المنفعة الفردية الرأسمالية وتمثل في تهريب المخدرات، لم تستطع الأنظمة الامنية بالقمع التصدي لهذا النوع من التطرف الذي يفتك بالعقول والأبدان فالمجتمعات الغنية ينعم شبابها في صيرورة الرفاهية، والشباب في المجتمعات البائسة لا مفر له من الواقع إلا الهروب الي تعاطي المخدرات، فأصبحت تجارة المخدرات ” الحشيش ” موردا للدول الفقيرة التي يقوم اقتصاد طبقة الايدي العاملة الفقيرة فيها علي زراعة الخشخاش والكوكايين، واصبح موردا وافر الربحية ينعش اقتصاد السوق الحر.!

    وفي الآونة الاخيرة تجلت مظاهر تقدم الرأسمالية والتي هي ذاتها عوامل فنائها، إذ أن هذا التقدم بلغ قمته في امتلاك أسلحة الدمار الشامل التي تتسابق الدول العظمي في تأجيج ترساناتها الحربية بمختلف القدرات النووية والتي باتت تهدد العالم في كل لحظة بالهلاك، فالارتباط الوثيق بين النظم الرأسمالية والحروب والاستعمار بصورها المباشرة وغير المباشرة أو التقليدية والجديدة يتضح في الاسواق العالمية المشروعة وغير المشروعة منها لتجارة الأسلحة.

4-  تبني النزعة التشاؤمية وتطورها الفكري:

    من مظاهر الحروب تلك وتداعياتها نستطيع أن نعلل كثيرا مظاهر الانحلال الفكري والمعنويات التي انتابت العالم جراء الصراع الرأسمالي منذ القرن التاسع عشر، والتي ظهرت واضحة بوجه خاص خلال القرن العشرين منذ انتشار فلسفات البؤس والتشاؤم والاتجاهات التي تؤكد المصير المحتوم للحضارة الغربية هو التدهور والانحلال.

    وقد شاعت بعد الحرب العالمية الثانية بوجه خاص اتجاهات الفكر والفن والادب التي اصطلح علي تسميتها” باللامعقول “، فقد زعمت أن كل ما في الحياة غير مفهوم، وأن العالم والتطور والتاريخ لا يسير نحو أية غاية معقولة، بل كل شيء يفتقر الي العقل ويستحيل فهم سببه أو الغاية منه، وترتب علي ذلك تزييف لطبيعة الحياة الانسانية في المجتمع الحديث، وقد تم تبني وجهة نظر – خاطئة بالأساس – تقول:

” ان تنمية الدول المتخلفة ومن ضمنها اكثر المناطق المحلية تخلفاً؛ يجب ان تنشط عن طريق رأس المال والمؤسسات والقيم.. الخ من قبل العواصم الرأسمالية الوطنية والعالمية، وتقترح النظرة التاريخية المبنية على الخبرة السابقة للدول المتخلفة أنه ” على العكس ذلك؛ بإمكانية التنمية الاقتصادية أن تتم داخل الدول المتخلفة دون الاعتماد على علاقات الانتشار هذه “.

    ولقد تم صياغة مبدأ النفعية والذي يراه الكثيرون معقولاً تماماً وهو: ينبغي ان نفعل كل شيء يهدف الى ضمان اعظم قدر من السعادة لأكبر عدد من الناس، وتم تقديم مع هذا المبدأ منهجاً هو كافيا ومقنعا لقياس السعادة بصورة واقعية، وما إن تم هذا حتى يظن أنه تم تحقيق ما يريده الفرد ابتغاء خلق البيئة الصالحة التي ستحل محل البيئة الفاسدة، وبذلك تم وضع بذلك المسودة الاولية لمهمة رائعة هي ” الهندسة الاجتماعية “.

5-  العقلانية الأداتية والهندسة الاجتماعية:

  تم صياغة مبدأ النفعية والذي يراه الكثيرون معقولاً تماماً وهو: ينبغي ان نفعل كل شيء يهدف الى ضمان اعظم قدر من السعادة لأكبر عدد من الناس، وتم تقديم مع هذا المبدأ منهجاً هو كافيا ومقنعا لقياس السعادة بصورة واقعية، وما إن تم هذا حتى يظن أنه تم تحقيق ما يريده الفرد ابتغاء خلق البيئة الصالحة التي ستحل محل البيئة الفاسدة، وبذلك تم وضع بذلك المسودة الاولية لمهمة رائعة هي ” الهندسة الاجتماعية “.

     والملاحظ أن الذين آمنوا بهذا النمط السلطوي الذي يكون فيه السلطة لرجال متمرسين على استخدام العقل المستنير، فإنها تكون ملائمة وسديدة تماماً، أو ضرورية في واقع الامر، وذهب أكثر هؤلاء السلطويين في مجال الاقتصاد الى ضرورة اطلاق يد رجال الاعمال ليكونوا احرارا في ادارة اعمالهم، متحررين من قيود سلطة الحكومة أو النقابات، وحقيقة الامر انهم لا يدافعون في مجال الاقتصاد عن حرية كل الافراد، بل فقط عن حرية المقاول الاقتصادي، أي رجل الصناعة.

6-  رؤية عبد الله أوجلان للثورة الصناعية:

    تُعدّ الثورة الصناعية عند عبد الله أوجلان حدثاً بنيوياً مفصلياً في مسار الحداثة الرأسمالية، لكنّه يرفض بشدة النظر إليها كما تُقدَّم في السرديات الكلاسيكية، أي باعتبارها ” ثمرة مباشرة للرأسمالية ” أو  “ثورة بورجوازية خالصة “، ويؤكد أنّ ما جرى هو تحول تاريخي أطول مدى، نتاج تراكم اجتماعي وثقافي وتقني ممتد عبر آلاف السنين، وليس طفرة أنتجتها الرأسمالية فجأة.

–  لأول مرة يتفوق الإنتاج المديني على الإنتاج الريفي.

 – يتحول مجتمع المدينة إلى مركز مهيمن يفرض قيمه وإنتاجه وأيديولوجيته على القرية.

 – ينشأ نوع جديد من ” الاستعمار الداخلي ” حيث تستعمر المدينة الريف اجتماعياً وثقافياً وإنتاجياً.

–  أنهت استقلال العلم وجعلته أداة خاضعة للإنتاج الصناعي والربح.

–  للمرة الأولى يتحد العلم مع آليات الإنتاج بشكل ممنهج.

 – يتحول العلم من غاية إلى أداة.

–  جهازاً احتكارياً شاملاً.

–  يستخدم التصنيع لدمج السكان في نمط إنتاج واحد.

 – يحوّل نصف المجتمع إلى موظفين لدى الدولة.

– جعلت الثورة الصناعية من الطبقات الصناعية والمالية الزمر الحاكمة الفعلية داخل الدول.

ثانيًا: الثورة المعلوماتية والمجتمعات الإنسانية:

    حلول الموجة الحضارية الثالثة ” المعلوماتية ” لم يؤد إلي أن يكون معدل سرعة التغيير غير مسبوق فحسب، وإنما أيضا إلي أن تتعايش الانسانية مع عملية تاريخية فريدة من نوعيتها جراء الانتشار العالمي لتأثيرها وشمولية تحدياتها وانفتاح نهايتها، وحيال مخرجات هذه العملية – تغير العالم – أدي تباين التطور الحضاري للمجتمعات الانسانية إلي تباين أنماط استجابتها للتحديات التي تفرزها هذه المخرجات.

    ساهمت كل هذه التحولات وما أنتجته من معارف علمية طبيعية واجتماعية انسانية، والتي استهدفت تقدم المجتمعات وتطوير امكاناتها ورأب الصدع الفكري والاقتصادي والسياسي والاجتماعي، ساهم مجمله في النظر الي تشكيل مغاير لمستقبل المجتمعات الانسانية، وكذلك كون هذه الادوات سلاح يمكن به سيطرة مجتمع علي مجتمع آخر أو سيطرة امة علي امة اخري؛ بل يمكن احكام وبسط نخب بعينها سيطرتها ونفوذها علي مجتمعات بأكملها، وذلك في سياق فلسفات الصراع التي تبلورت علي امتداد الثلاثة قرون الماضية والتي حاولت النخبة العالمية اقناع الانسانية أنه تم التغلب علي العديد من مظاهرها من خلال التأطير لفلسفات السلام العالمي والمواطنة وحقوق الانسان، وتشكيل الهيئات الدولية المعنية بتطبيق ذلك؛ استحدثت الافكار والاساليب في تتالي سيرورة التغيير متوالية التحديات الاقتصادية والاجتماعية بغية بلورت نظام عالمي جديد.

1-  السمات الأساسية للمجتمع المعاصر في ظل الثورة المعلوماتية:

    في خضم التغيرات الكبرى تأتي التقانة والمعلوماتية كاهم العوامل المؤثرة في تشكيل المجتمعات الانسانية في القرن الحالي، لدرجة ان الانسان ” المعتاد ” لم يعد هو الفاعل الوحيد بل اضحى لدينا ”  الانساسوب / الانسان الحاسوب ” والذي يشير الى مركب مبرمج آلياً في حالة التوازي والتماهي، والمتمظهر ايضاً في بنيته الخاصة من الارقام الثنائية، وبعبارة أخرى فالانساسوب هو مركب رقمي غامض لا جسد له، بل ذات- مجمع، قد يكون مجرد برنامج حاسوب أو فرعاً من برنامج، يتم تصميمه وفق منظومة متكاملة من الاهداف والاجراءات والمكونات وفي اتجاه يعزز النزعة الامبريالية للتقنية في الحياة المعاصرة، ستعمل الحواسيب على زيادة قدرتها وتفننها على ملاحقتنا في كل مكان وتلوين مقاطع حياتنا وفق مراد من يصنعها ويبدعها مع تزايد هوامش انصياعنا الاستهلاكي وغبائنا المجتمعي.

    مما يجعلنا نقر اننا امام حقيقة تغيرات مذهلة تجرنا اليها وسائل وأوضاع وقنوات جديدة تعمل على تشكيل المجتمعات وتلوين تفاعلاتها واحداث تغيرات بنيوية معمقة، من حيث الماهية والهوية والمجموعات الوظيفية والادوار والمراتب والهرمية والرموز الثقافية والسلطوية والعلامات الاجتماعية والانساق الثقافية والمواطنة ونحو ذلك.

    ومما لا شك فيه إن المجتمعات الانسانية المعاصر أصبحت أسيرة أغلال الثورتين المعرفية والتقنية الهائلتين، ومن ابرز التغيرات الجوهرية التي اسهمت في اربع سمات اساسية للعصر الحديث: التقادم السريع للمعارف والمنتجات، التخصص، الاحتمالية فيما يخص المعرفة الانسانية، والمعيارية ” التوحيد القياسي “.

    تسارع المعرفة والتقادم السريع، حيث استحدثت الثورة الرقمية وضعاً جديداً للمعرفة يعتمد على السرعة، والتخصص، والاحتمالية، لم تعد الحقيقة ثابتة، بل أصبحت ديناميكية، وتتغير مع تدفق البيانات، وقد أتاح هذا التقادم السريع قدرة غير مسبوقة على الابتكار، لكنه خلق أيضاً هشاشة معرفية.

    لم يعد الإنسان يتحرك فقط في العالم المادي، بل بات يعيش هوية مزدوجة، هوية واقعية وأخرى إلكترونية، ومع انتشار “الذات الافتراضية”، بدأ الإنسان يتشكل رقمياً عبر بياناته وصوره وتفاعلاته، وهذا ما يسميه البعض “الإنسان المنصّاتي”  أو ” الإنساسوب”  وهو ما يتوافق مع رؤية أوجلان حول تحول الإنسان إلى ” كيان رقمي مبرمج”.

    لم تعد الثورة الرقمية مجرد تطور معرفي، بل أصبحت أداة هيمنة جديدة عبر السيطرة على البيانات الضخمة، وببناء اقتصاد المنصات، والقدرة على التحكم بالرأي العام عبر الخوارزميات، وكذلك صعود الشركات الرقمية الكبرى كقوى سياسية، وهذا يمثل شكلاً جديداً من الامبريالية، “امبريالية رقمية”، قد تكون أشد خطراً من الامبريالية الصناعية.

    أدت الثورة الرقمية إلى تغييرات عميقة في تغير وتشكل العديد من المضامين القيمية التي ألفتها المجتمعات الانسانية بتنوعها الثقافي والبيئي، مثال قيم الجمال، المعايير الأخلاقية، أنماط الاستهلاك، الطقوس الاجتماعية، طرق تشكيل الرأي العام وأنماط التواصل التفاعلي.

6-  رؤية عبد الله أوجلان للثورة المعلوماتية:

    لعله يكفي أن نشير الى حتمية إعادة تشكيل الهويات في عصر الاعلام والتقانة والمعلوماتية والثقافة التغريبية المهيمنة، فنحن غذاء هويات جديدة ” هويات رقمية ” أو ” هويات آلية ” تحضر فيها الشخصية الالكترونية وتفرز مزيجاً جديداً من السمات والتفاعلات والتمظهرات الفردية والجماعية في فضاء سيبراني لا حد له ولا قيد عليه، بذلك يتبى اوجلان رؤيته للثورة المعلوماتية وما امتلكته من تقانة فائقة الذاكاء، حيث يرى:

–  جهاز احتكاري للمعرفة والتعليم والإعلام.

– مركزا صارما لإنتاج الايدولوجيا.

– بنية تفرض تعريفا واحدا للعلم والحقيقة.

    وتتيح التكنولوجبا الرقمية انتشار المعرفة وتفتيت مركزيتها، مما يضعف قدرة الدولة القومية على التحكم بالرأي العام وبالمجال العام، مما يجعل الثورة الرقمية ساحة صراع بين نموذجين:

–  النموذج الاحتكاري للدولة القومية وشركات التكنولوجيا.

–  النموذج المجتمعي الديموقراطي المفتوح للمعرفة.

    فالثورة الرقمية اذا تركت للرأسمالية تتحول الى مراقبة، تتبع مركزية فائقة، أمن رقمي، أما اذا انخرط فيها المجتمع فهي تفتح بابا لكونفدرالية ديموقراطية رقمية.

 – تمكين المجتمعات من التنظيم الذاتي.

–  بناء شبكات تواصل غير خاضعة لمركزية الدولة القومية.

–  نشر المعرفة خارج قنوات الاحتكار.

–  دعم الاقتصاد المجتمعي التعاوني.

– تطوير شبكات سياسية وثقافية تتيح التعددية.

هكذا تتحول الثورة الرقمية الى بنية تحتية للتحرر لا مجرد بنية تحتية للسوق.

مما سبق: يتضح أن الثورة الصناعية كتحول سيادي لصالح الاحتكارات – من منظور أوجلان – وليست الثورة الصناعية مجرد نقلة تقنية، بل تحوّل مفصلي في بنية السلطة:

–  صعود رأس المال إلى موقع القيادة التاريخية.

 – الانتقال من الاستعمار إلى الإمبريالية الصناعوية.

 – تأسيس الدولة القومية بوصفها جهازاً احتكارياً.

–  إخضاع العلم للربح.

 – تكريس هيمنة المدينة على الريف.

 – إعادة تشكيل المجتمع وفق منطق الصناعة والمال.

    بهذا، تعدّ الثورة الصناعية عند أوجلان لحظة تكثّفت فيها كل آليات الحداثة الرأسمالية: الربح، الاحتكار، الهيمنة، تفتيت المجتمع الطبيعي، وصياغة إنسان جديد محكوم بمنطق السوق.

   أما الثورة المعلوماتية ليست تقدما تقنيا فقط، بل هي معركة اجتماعية كبرى بين الاحتكار والحرية، وهي ستبقى رهينة التساؤل التالي:

هل ستصبح وسيلة لاحتكار اشد خطورة يقوم على السيطرة على المعلومات والعقول؟

ام ستتحول الى اداة لإطلاق امكانات المجتمعات وتمكينها من ممارسة ديموقراطية حقيقية لا مركزية؟

الثورة المعلوماتية معركة اجتماعية كبرى بين الاحتكار والحرية، وستبقى رهينة الإجابة عن سؤال: هل ستكون وسيلة للهيمنة على المعلومات والعقول، أم أداة لتحرير المجتمع وبناء ديمقراطية حقيقية لا مركزية؟

……………………………………………………………………………………

المراجع

Exit mobile version
التخطي إلى شريط الأدوات