تحليل يكتبه: سعيد محمد أحمد .. في ظل الصراع الدائر دولياً وإقليمياً بحكم منطق القوة والبلطجة السائدة فى فض النزاعات الداخلية للعديد من دول المنطقة بالطرق السلمية عوضا عن استخدام القوة الجبرية للسيطرة على مقدرات الشعوب عبر استخدام العديد من العملاء للحفاظ على مصالح بعض القوى الاقليمية والعظمى في المنطقة.
فيما يطرح العديد من المراقبين اسئلة جادة وربما صادمة للبعض عن فائدة ومدى جدوى تأهيل حكومة ارهابية جرى توظيفها ويقودها زعيم تنظيم القاعدة ابو محمد الجولاني ” الشرع ” المؤقت برغم العديد من التقارير الدولية والغربية تؤكد تدهور الأوضاع في سوريا بعد مرور عام من قبل سلطة إقصائية نصبت نفسها دون ان تحقق ابسط درجات الامن والاستقرار بل وتسعى للتمكين من مفاصل الدولة وفق عقيدة فقة الدم ومنطلق من ” يحرر يقرر”.
ووفقا لما أبدته منسقة الاتحاد الأوربي خلال زيارتها إلى سوريا مؤخرا وفريقها الكثير من الهواجس في إصرار عصابات الجولاني وهيئة تحرير الشام بالدفع باتجاه حرب أهلية بين مختلف مكونات المجتمع السوري وتبنيها نشر الفتنة والكراهية والانتقام منذ استيلائها على السلطة عبر مجزرتي العلويين والدروز منتصف عام ٢٠٢٥ ووصولاً إلى التنكيل بالأكراد والاعتداء عليهم ومحاصرتهم أكثر من مرة لأحداث مجزرة جديده بحق أكراد الشيخ مقصود والأشرفية في أعقاب تدهور الأوضاع في حلب.
والمؤكد أن سوريا لن تتمكن من الخروج من أزمتها الدموية الطاحنة التي تضرب كل مكان فيها وبعنف شديد طالما ظلت رهينة للوالي العثماني المحتل لأراضيها ويدير شؤونها الجولاني وعصاباته ومحافظا على مصالحها بتنفيذ تعليمات وزير الخارجية التركي “هاكان فيدان ” مهندس افشال اتفاق العاشر من أزار ” مارس”.
وبرغم الدعم الإعلامي العربي والخليجي والتركي واصراره في التغطية والتعتيم على كل جرائم هيئة تحرير الشام وزعيمها لن يستقيم الوضع فى سوريا سوى بالقبول بالتشاركيةً والتعددية واقرار دستور يحظى بموافقة كل الشعب السوري دون تمييز او تفرقة وأن تذهب قوى الإرهاب والتطرف بما فيها الجولاني والشيشاني والتركمانستاني والألباني في مهب الريح.
وتبقى عمليات التجييش من قبل عصابات الجولاني والعمشات من العملاء التابعين لأنقرة بإطلاق النفير العام باتجاه “دير حافر”، بريف حلب لفرض الإرادة السياسية بتعليمات تركية وبالقوة الجبرية مبررة اعتدائها المتكرر على المناطق الكردية وفق دعاوى كاذبة كما جرى مع العلويين والدروز.. واليوم يجرى مع المكون الكردي السوري بهدف نسف كل اتفاق مع دمشق تنفيذا لرغبة الوالي العثماني.
فحلب كانت ولازالت حلما عثمانيا وسبباً في فشل المفاوضات السورية التركية إبان حكم نظام بشار الهارب الرافض آنذاك الجلوس مع الجانب التركي لإصرار أنقرة على الاستحواذ على مدينة حلب عنوه وبقوة الاحتلال العسكري التركي للشمال السوري ليسلمها الجولاني اليوم الى تركيا مثلما سلم هضبة الجولان رسميا والجنوب السوري بأكمله الى إسرائيل.
ومع استمرار عملية التحشيد العسكري باتجاه دير حافر واصرار الجولاني على المضي قدما في الاعتداء السافر على المدنيين الأكراد ظنا منه أن نجاحه في تجاوز مدينة حلب ستمكنه من الخلاص من قوات سوريا الديموقراطية ” قسد” واهم … وأمر بالغ الخطورة… أكده الناطق العسكري باسم قوات قسد ” محمود حبيب” في لقاء مع قناة الحدث العربية، بأنه سيتم التعامل مع الحشد العسكري لما يسمى بالجيش السوري التركي بقوة السلاح وان قوات سوريا الديمقراطية لديها أكثر من ٧٠ ألف مقاتل ولا حاجة لها للاستعانة بمقاتلين أجانب على حد قوله ومؤكدا أن دمشق هي من تقوم بالاعتداء المتكرر على الأكراد .
وبرغم حملات التضليل الإعلامي الخليجي والتركي بشكل غير مسبوق واعتبار قوات سوريا الديمقراطية تنظيم “إرهابي” يجب قتاله في تزوير فاضح للحقائق وللواقع الدموي الذي تعرض لهّ المدنيين الأكراد، حيث وصف مدير التحالف الأمريكي الشرق أوسطي للديمقراطية ” توم حرب” بما وقع من أحداث في حيي الأشرفية والشيخ مقصود بـ”المجازر” وسط توقعات بتعديل الإدارة الأمريكية المنشغلة بإيران لموقفها تجاه ما يسمى بوزارة دفاع الجولاني ” الشرع” الجديد.
وفى لقاء مع فوكس نيوز وردا على سؤال هل من الخطأ أن يثق ترامب فى الرئيس المؤقت لسوريا؟ رأى نتنياهو أن على ترامب إعطاء الجولاني منحه وفرصة أخرى … مضيفا بقوله: لكن ما يحدث من تصرفات الجولاني والتجييش يؤكد أن نصف قواته من الجهاديين …بما يؤشر لبوادر انعدام الثقة في قدرة الجولاني على فرض الامن والاستقرار وعدم القدرة على تنفيذ الشروط الأمريكية الثمان للانتقال بسوريا الى دوله تتمتع بحكم رشيد تقبل بالتشاركية وقبول الآخر واحترام كافة حقوق الأقليات من علويين واكراد ودروز.. ولكن هيهات هيهات هيهات.
امًا عن زيارة منسقة الاتحاد الأوربي لدمشق ولقائها بالجولاني فقد انتبه الاتحاد الأوروبي إلى الهجوم الذى تشنه عناصر الجولاني على الأكراد واعتبرته يشكل خطرا حقيقيا على سلامة وأمن المدنيين، وينبئ بنوبه نزوح جديدة عقب فشل الحكومة الانتقالية في ضم قوات سوريا الديمقراطية إلى الجيش السوري وفق إرادة الجولانى وبما يؤشر إلى مرحلة جديدة من الصراع مع قوات سوريا الديمقراطية التي لها الفضل ففي تحجيم تنظيم داعش بسوريا وربما قد يكون الصراع الداخلي المرحلة الأخيرة في حياة الجولانى إذا ما كتب النصر لقوات قسد وسيطرتها على الأوضاع بشكل تام في شرق الفرات .
ويبدو أن القضية الأساسية التي تقف امام السوريين ليست الوقوف امام هذا النظام الإقصائي وانما في غياب دولة المؤسسات العسكرية والوطنية والقضائية وإصرار الجولاني على تغييب النخب السياسية التي ستظل محكومة بالمليشيات لتبقى القضية الحقيقية في كيفية تضامن كل السوريون بمختلف مكوناتهم في مواجهة العنف والوصول إلى تصور موحد للحفاظ على وحدة البلاد.
ويبقى السؤال الراهن والمفصلي أن الجميع امام مرحلة جديدة من فرض السيادة أم مرحلة تنفيذية ببداية قبول السوريين بالتقسيم إلى مناطق وأقاليم نفوذ وصراع منحصرة بين أربعه أجنحة من القوى.. فإسرائيل في جنوب سوريا حماية للدروز المطالبين بالاستقلال وحتى حدود التنف على الحدود السورية العراقية، وتمدد روسيا في الساحل السوري حماية للعلويين وابتلاع تركيا لحلب وشمال سوريا والوجود الأمريكي في البادية السورية وفى قلب العاصمة دمشق فيما يحكم الجولاني من حماه وحتى العاصمة دمشق فيما تبقى محافظات “الجولان والقنيطرة ودرعا وريف دمشق والسويداء ودير الزور والرقة ” ، بعيدا عن سيطرة حكومة الجولاني المؤقتة.
العديد من الباحثين في الشأن السوري يرون أن ما شهده حي الشيخ مقصود والأشرفية من وحــ ــشية مفرطة تجاه أسرى الحرب وبعلم الجولاني بأن الحصار تم بعملية غدر تركية، وأن الأكراد بالرغم من ذلك دافعوا حتى الرمق الأخير عن شرفهم في مواجهة قتله مأجورين لا تعرف سوى لغة الدم من تتار ومغول ليتم اقتلاع قلب أحد مقاتليها الكرد.
فيما تمكنت مقاتلة كردية فى الدفاع عن أهلها وشرفها بعد أن نفذت ذخيرتها ليتم الانتقام منها والتمثيل بجستها على مرأى ومسمع من العالم أجمع بل وبمشاركة أحد الجهاديين الأجانب ” مصري ” ويدعى احمد المنصور من تنظيم حازمون والصادر بشأنه عدة احكام بالإعدام بإلقائها من شرفه منزلها، بما يتنافى مع الشرائع السماوية والإنسانية فى عالم اصابه الصمم بعد ان فقد انسانيته من حجم الانتهاكات الصارخة والمجازر التي جرت للعلويين سواء في الساحل او للدروز في جنوب سوريا .
على جانب آخر كشف تقرير نقلا عن موقع ” المونيتور” الامريكى أن الاجتماع الأخير بين الحكومة السورية المؤقتة وقوات سوريا الديمقراطية “قسد” في دمشق كان قد انتهى بالفشل، ومهّد بشكل غير مباشر للتصعيد العسكري الذي شهدته أحياء حلب ذات الغالبية الكردية، وأن اسعد الشيبانى وزير خارجية السلطة المؤقتة هو من أنهى مسار المفاوضات مع “قسد” في 10 يناير الجاري وطلب من الجنرال الأمريكي وفريقه مغادرة المكان، بناء على أوامر انقرة.
ووفقا لتقرير ” المونيتور” كان الاجتماع عقد في 4 يناير برعاية أمريكية بحضور وفدا كرديًا وبحضور قائد التحالف الدولي الجنرال كيفن لامبرت، ومرهف ابو قصره وزير ما يسمى بالدفاع، وبرغم أن المحادثات كانت إيجابية وجرى التوصل إلى تفاهمات أولية حول دمج “قسد” ضمن الجيش السوري عبر تشكيل فرق وألوية ذات قيادة كردية.
ومع تغير أجواء الاجتماع بشكل مفاجئ ورفض حكومة الجواني توثيق ما تم التوصل اليه عبر بيان مشترك.. اعتبرت قيادة ” قسد” ذلك مؤشراً على تراجع دمشق عن التفاهمات التي جرى توقيعها في العاشر من مارس الماضي ووصفوا تدخل الشيباني بكونه قرار بأنهاء مسار التفاوض بشكل علني عقب تلقيه تعليمات تركية بفض الاجتماع والدفع باتجاه التصعيد واندلاع الاشتباكات بدءا من حلب ومروراً بالهجوم على شرق الفرات وبما يؤكد أن الهجوم على حلب كان مدبراً ومخططًا له منذ أشهر بدعم أنقرة ومطالبتها بانسحاب جميع القوات المرتبطة بـ”قسد” من المناطق الواقعة غرب نهر الفرات، بما في ذلك حلب.
وخلص تقرير “المونيتور” إلى أن تدخل الشيباني شكّل نقطة التحول التي أطاحت بفرصة كانت قريبة للتوصل إلى تسوية سياسية، إلا أنها فتحت الباب مجددا أمام الخيار العسكري، ودخول البلاد في أتون حرب جديدة اختلط فيها الحابل بالنابل على حساب المدنيين والأمن والاستقرار فى المنطقة.
