نضال الهوية: من الكفاح المسلح إلى مسارات السلام

تحليل: د. سحر حسن أحمد …
في قلب المناطق الكردية وجبال كردستان، وعلى ضفاف الأنهار والوديان التي شهدت قرونًا من التاريخ والوجود والهوية الكردية المتعايشة مع الشعوب الأخرى، انطلقت شرارة وحركة مقاومة إنكار الوجود والإمحاء التي تعرّض لها الشعب الكردي بعد الحرب العالمية الأولى والتقسيمات التي شهدتها المنطقة.
حركة وُلدت من رحم المعاناة والظلم الاجتماعي والسياسي، ومن عزيمة شعب يسعى إلى حماية وجوده والحفاظ على هويته وكرامته.
كانت البداية في أواخر سبعينيات القرن العشرين، حين اجتمع العقل الثائر والروح النضالية الثابتة لتشكيل رافعة نضالية تمثّلت في حزب العمال الكردستاني، الذي سلك طريق الكفاح المسلح بعد انسداد السبل الأخرى، بوصفه وسيلة لمواجهة الظلم والإنكار والإبادة التي سعت إلى تصفية الوجود الكردي المادي والمعنوي.
على مدار عقود، عاش هذا الحزب رحلة طويلة من الصراعات الميدانية، التنظيم العسكري المتطور، وابتكار أساليب مختلفة، وتطوير الفكر السياسي، وصولًا إلى تأسيس وحدات نسائية فاعلة مثل YJA-Star، التي لم تقتصر مساهمتها على ساحة القتال فقط، بل امتدت لتكون رمزًا للتمكين الاجتماعي والسياسي للمرأة الكردية.
لم يكن الطريق مفروشًا بالورود، فقد تخلله عنف وصراعات مستمرة، مواجهات مع الدولة، تحولات داخلية، وتحديات دولية متعددة. ومع ذلك، حمل الحزب على عاتقه رسالة أيديولوجية وفكرية، حاول من خلالها دمج الطموح السياسي مع النضال الاجتماعي والثقافي.
وبخطوة تاريخية أعلن عبدالله أوجلان دعوته للسلام وأعلن الحزب حل نفسه في فبراير 2025م، وتم حرق الأسلحة فى يوليه عامذاك – كخطوة رمزية من شأنها أن تُحدث تغييرات مهمة ليس فى تركيا وحسب، بل فى عموم الشرق الأوسط – فاتحًا بذلك صفحة جديدة في تاريخ النزاع، صفحة تحمل آمال السلام والتحول المدني، وتضع المجتمع أمام فرصة للمصالحة، العدالة الانتقالية، وإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع. هذه الرحلة الطويلة من النشأة إلى السلام لم تكن مجرد صراع مسلح، بل قصة شعب يكتب فصول هويته، وأحلامه، وسعيه نحو المستقبل [1].[2]
السياق التاريخي والإقليمي أثناءظهور الكفاح الكردي المسلح
احتلّ صراع الدولة التركية مع الكرد موقعاً مركزياً في تاريخ الشرق الأوسط الحديث، بوصفه واحداً من أطول النزاعات الممتدة منذ ثمانينيات القرن العشرين وحتى اليوم. ويُعدّ هذا الصراع نتاجاً مباشراً لتشابك عوامل سياسية وإيديولوجية واجتماعية واقتصادية، تفاعلت على مدى عقود طويلة في مناطق الأناضول الشرقية ذات الأغلبية الكردية. لفهم ظهور الأجنحة العسكرية المرتبطة بحزب العمال الكردستاني (PKK)، لابد من العودة إلى جذور المسألة الكردية في تركيا وسياق تشكل حركات المعارضة اليسارية في سبعينيات القرن الماضي.
التكوين التاريخي للمسألة الكردية
بعد انهيار الدولة العثمانية وقيام الجمهورية التركية عام 1923م بقيادة مصطفى كمال أتاتورك (1881- 1938م)، أُقرّ مشروع قومي تركي يقوم على مركزية الهوية التركية الواحدة. وقد تمّ تجاهل أو رفض أي تعبير سياسي أو ثقافي مستقل للجماعات غير التركية. في هذا السياق، حُظرت اللغة الكردية في المجال العام لعقود، وأُلغي اسم “كردستان” من الوثائق الرسمية، وصارت المناطق الكردية تُسمى “شرق الأناضول”. وتم التخلي عن تعهدات والتزامات حرب الاستقلال مع الكرد.
خلال الثلاثينيات، اندلعت عدة انتفاضات متتالية، أبرزها ثورة الشيخ سعيد (1925م)، وثورة آرارات (1930م)، ثم انتفاضة درسيم (1937–1938م). وقد كان التعامل الرسمي معها عسكرياً وأمنياً، مما أسهم في تعميق الشعور بالاستياء السياسي لدى قطاعات واسعة من الكرد. [3]
العوامل الاجتماعية-الاقتصادية في ظهور الكفاح المسلح
شهدت مناطق شرق وجنوب-شرق تركيا خلال الستينيات والسبعينيات تهميشاً اقتصادياً واضحاً، مقارنة بالمناطق الغربية المتمركزة حول إسطنبول وإزمير. كانت مستويات الأمية أعلى، والخدمات الصحية والبنى التحتية شبه معدومة. إلى جانب ذلك، أسهم النظام العشائري الإقطاعي في استمرار الفجوة الاجتماعية. [4]
هذه الظروف جعلت من المنطقة أرضاً خصبة لنشاط الحركات اليسارية الراديكالية التي كانت تنتشر في تركيا آنذاك، خاصة مع موجة السبعينيات الثورية العالمية. فظهر جيل من الشباب الكردي المتعلم المتأثر بالماركسية، يرى في التحرر القومي جزءاً من الثورة الاجتماعية والاشتراكية.
البدايات الفكرية والتنظيمية
- في 1973 أسس عبد الله أوجلان مجموعة طلابية يسارية كردية في جامعة أنقرة، ركّزت على الجمع بين الماركسية والقومية الكردية.
- هدفت هذه النواة إلى نشر الوعي السياسي والاجتماعي بين الأكراد، وتأهيل كوادر قادرة على قيادة حركة منظمة.
- خلال هذه الفترة بدأت مفاهيم الدفاع الذاتي والتنظيم العسكري الأولي بالظهور، على الرغم من أنها كانت محدودة وغير رسمية. [5]
ولادة حزب العمال الكردستاني ضمن الحركة اليسارية التركية
في هذا المناخ، تأسست مجموعة “أبوجية” نسبة إلى المفكر عبد الله أوجلان في أواخر السبعينيات 1978م داخل جامعة أنقرة. كان التيار جزءاً من الحركة اليسارية ولكنه تمسّك بطرح قومي-اجتماعي يربط بين التحرر الكردي والتحليل الطبقي. وقد ركزت هذه المجموعة على الجمع بين الماركسية والقومية الكردية، مع تبني الوعي الاجتماعي والسياسي للأكراد. وخلال هذه الفترة تشكلت نواة التنظيم، التي ضمت عناصر شبابية واعية سياسياً، وكانت بداية إنشاء ما يمكن اعتباره الأساس للجناح العسكري في المستقبل. وخلال سنوات التأسيس، تعرضت المجموعة للملاحقات السياسية قبل وبعد انقلاب 1980م، مما دفع قياداتها إلى اللجوء إلى لبنان وسوريا في تلك الفترة [6].
وقد ساعدت البيئة الإقليمية – خاصة الحرب الأهلية اللبنانية والصراع العربي-الإسرائيلي – في توفير مساحات تدريب وتموضع لحركات مختلفة، واستفاد التنظيم الكردي الجديد من المعسكرات العسكرية الموجودة في البقاع اللبناني آنذاك، ضمن تحالفات مع منظمات فلسطينية.
من العمل السياسي إلى تبني الكفاح المسلح
فمع بداية الثمانينيات، رأت قيادة الحزب أن الظروف الاجتماعية والسياسية لم تعد تسمح بالنشاط السياسي السلمي داخل تركيا، خاصة بعد قمع الانقلاب العسكري للحياة السياسية. وتداعيات الممارسات التي تمت في سجن ديار بكر(آمد)، وهكذا بدأت مرحلة الانتقال إلى العمل المسلح. وقد كان تأسيس قوات تحرير كردستان HRK عام 1984م التعبير العسكري الأول عن هذا التحول. شنّت هذه القوات أولى عملياتها المسلحة في 15 أغسطس 1984م، وهو التاريخ الذي يعتبر نقطة انطلاق الكفاح المسلح في الأدبيات الأكاديمية. [7]
دور البيئة الإقليمية في ترسيخ الصراع
لم يكن ظهور هذا الصراع بمعزل عن ظروف الشرق الأوسط :
- الحرب بين العراق وإيران (1980–1988م) غيرت التوازنات الحدودية وسمحت بتحركات عسكرية عبر الجبال.
- الصراع التركي-السوري ترك أثراً كبيراً، خصوصاً مع دعم دمشق لبعض القوى الكردية في الثمانينيات.
- ضعف سلطة بغداد في شمال العراق بعد 1991م فتح المجال أمام ظهور جيوب نفوذ متعددة.
ومع نهاية الثمانينيات، أصبح النزاع الكردي-التركي جزءاً من شبكة أوسع من التفاعلات الإقليمية، مما ساعد على استمرار الكفاح المسلح وتطوّره. [8]
وقد أكدت الدراسات الحديثة في تحليل الحركات المسلحة أن بنية التنظيم — كيف تُرتّب القيادات، كيف تُنشأ وحدات قتالية، كيف تُدار الشبكات الداخلية — تؤثّر بقوة على نتائج الصراع. على سبيل المثال، ورقة بحثية بعنوان Insurgency as Complex Network: Image Co-Appearance and Hierarchy in the PKK تُسلّط الضوء على استخدام صور وبيانات بصرية لبناء شبكة علاقات داخل PKK وتحديد “مركزية” أفراد داخل التنظيم وفق مظهرهم في الصور التي تنشرها الجماعة، وترتبط هذه المركزية غالبًا بمواقع قيادية أعلى. [9]
المرحلة الأولى: مرحلة التأسيس العسكري المبدئى
- إنشأ قوات تحرير كردستان (Hêzên Rizgariya Kurdistan, HRK) بداية تأسيس العمل المسلح.
ظهرت قوات تحرير كردستان HRKعام 1984م كأول تشكيل مسلح مرتبط بحزب العمال الكردستانى PKK في أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات، بعد انتقال الحزب من مرحلة “التثقيف الثوري” إلى “الكفاح المسلح”.كان هدف هذا التشكيل هو أن يُمثّل النواة الأولى لعمل عسكري محدود، يعتمد على مجموعات صغيرة، وعمليات محدودة ضد مؤسسات الدولة.
كانت قوات تحرير كردستان تُعبّر عن:
- بداية التحول إلى حرب غير منتظمة وغير مرتبة فيما تُعرف ( بحرب العصابات).
- مرحلة بحث عن موطئ قدم في الجبال.
- تأسيس خطوط إمداد ولوجستيات بدائية. [10]
وتتّسم هذه المرحلة بأن قوات تحرير كردستان HRK لم تكن جيشاً منظماً بعد، بل مجموعات غير متماسكة تعمل وفق رؤية الحزب الإستراتيجية، وتخضع لقيادة سياسية أكثر مما تخضع لهياكل عسكرية.
المرحلة الثانية: تأسيس جيش التحرير الشعبي الكردستاني(ARGK / People’s Liberation Army of Kurdistan) مرحلة “العسكرة الكاملة” وبناء جيش شعبي.
لماذا ظهر ARGK عام 1990م؟ (الدافع السياسي والتنظيمي)
في منتصف الثمانينيات، وفي ظل تصاعد المواجهات مع الدولة التركية، أدرك الحزب أن قوات تحرير كردستان HRK إنها لم تعُد مناسبة لإدارة نزاع طويل الأمد، لذلك أُسِّس جيش التحرير الشعبي الكردستاني ARGK ليكون:
- جيشاً منظماً بهيكل قيادي.
- له وحدات موزعة حسب المناطق الجبلية.
- يُمثل إدارة للانضباط والتدريب.
- ليكون ذراعاً عسكرياً رسمياً يعكس انتقال الحزب من “حرب العصابات الرمزية” إلى “التمرد المستمر”.
الخصائص التنظيمية لجيش التحرير الشعبى ARGK
إذ نجد أن تلك المرحلة شهدت عدة خصائص منها:
- إنشاء معسكرات تدريب في المناطق الجبلية.
- استقبال متطوّعين من مناطق كردية في تركيا وسوريا والعراق.
- بداية مشاركة المرأة في العمل العسكري (المرحلة الأولى قبل تنظيماتهن المستقلة). [11]
ومن ثم نجد أن جيش التحرير الشعبى كان يميل إلى مركزية شديدة، بحيث تُدار كل العمليات من قيادة عليا متصلة باللجنة المركزية للحزب، وقد واجه هذا الجيش عدة تحدايات أثناء مسيرته من أبرزها:
- العمليات الواسعة التي شنتها تركيا منذ بداية التسعينيات.
- الخسائر البشرية المرتفعة نتيجة المواجهات المفتوحة.
- صعوبة الحفاظ على خطوط إمداد ثابتة.
كل ذلك دفع نحو الحاجة لإعادة الهيكلة العسكرية لاحقاً.
المرحلة الثالثة: قوات الدفاع الشعبي ( Hêzên Parastina Gel – HPG)مرحلة “الدفاع” وإعادة التكيّف مع المتغيرات.
ظهور HPG بعد عام 2000م
مع حدوث مؤامرة واختطاف واعتقال أوجلان في 15 فبراير 1999م، دخل حزب العمال الكردستانى PKK مرحلة مراجعة شاملة لخطابه العسكري والسياسي.
كان الهدف المعلن هو “تقليل مستوى الصراع”، ومع ذلك لم يتخلّ الحزب عن جناحه المسلح، بل أعاد هيكلته تحت اسم جديد: وهو ” قوات الدفاع الشعبي HPG“، والسؤال الذى يطرح نفسه هنا ، لماذا تغيّر الاسم؟ (الدلالة الفكرية – التنظيمية)
فقد تغيير الاسم من جيش التحرير الشعبى ARGK إلى قوات الدفاع الشعبي HPG وهذا يعكس:
- محاولة الانتقال من “جيش ثوري مهاجم” إلى “قوة دفاعية”.
- تكيّف مع مرحلة سياسية جديدة تطرح فكرة الحوار أو الهدنة.
- تقليل مركزية القيادة وخلق هياكل أكثر مرونة مناسبة لحرب عصابات طويلة الأمد.
- الفلسفة القتالية الجديدة لـ HPG[12]
وقد اعتمد هذا التغير على وضع تكتيكات مرونة ميدانية عالي، مع تشكيل وحدات صغيرة مستقلة، وكذلك على معرفة جغرافية دقيقة، واستخدم أساليب دفاعية أكثر من الهجوم المباشر. ومن ثم، أصبحت قوات الدفاع الشعبي تُمثّل مرحلة استقرار نسبي مقارنة بالفترات السابقة، مع استمرار العمليات المتبادلة مع الدولة التركية في مناطق متفرقة.
يُلاحظ في تطور الأجنحة العسكرية أن كل تغيير اسم ارتبط بمرحلة جديدة:
- بداية تأسيس العمل المسلح HRK .
- مرحلة “العسكرة الكاملة” وبناء جيش شعبي ARGK .
- مرحلة “الدفاع” وإعادة التكيّف مع المتغيرات HPG . [13]
أسباب هذا التغيير
تُشير الدراسات تشير إلى ثلاثة تفسيرات إستراتيجية رئيسية:
- سياسية: ربط الحزب نفسه بالحوار أو عمليات السلام المحتملة.
- عسكرية: تعديل أسلوب القتال حسب الضغوط على الأرض.
- إعلامية: تقديم الخطاب العسكري بصيغة “تطورية” مرتبطة بمرحلة جديدة. [14]
دور القادة الأوائل وتأثيرهم في التشكّل العسكري
شهدت البدايات التنظيمية لحزب العمال الكردستانى أواخر السبعينيات تبلور نواة عسكرية تشكلت على يد مجموعة من القادة المؤسسين الذين لعبوا دوراً محورياً فى تحويل الحزب من تنظيم سيااسي ماركسي قومى صغير إلى قوة عسكرية منظمة، ومن ثم يمكن تلخيص دورهم فى بعض النقاط من قبيل :
- بناء العقيد العسكرية وتحديد الهدف الاستراتيجى
- تشكيل أولى للخلايا العسكرية ضمت شخصيات مثل كمال بير وحقي قرة ومظلوم دوغان .
- تطوير نظم التدريب والانضباط
- وضع أساليب القتال وتكتيكات الحرب
- ترسيخ مركزية القيادة والهيكل الهرمى
من أهم القادة الأوائل
- محمد قرى سنغر (أول قائد عسكري)
يُشار إلى محمد قرى سنغر كأحد أوائل الشخصيات التي لعبت دوراً قيادياً في النواة الأولى للعمل العسكرى فهو أول قائد عسكري في تاريخ الحركة الكردية المعاصرة الذي استشهد على يد العمالة والخيانة في (إقليم كردستان العراق) وهو يعمل لإصلاح ذات البين بين الحركات الكردية في مايو 1983م وتكمن أهميته في: [15]
- المشاركة في تأسيس البنى الأولى لوحدات HRK.
- صياغة العلاقة بين القيادة السياسية والميدان العسكري.
- وضع اللبنات الأولى لأسلوب القتال الذي اعتمد على الجغرافيا الجبلية. [16]
ذكره في الدراسات ليس واسعاً، لكن تأثيره يظهر في طريقة تشكّل الوحدات الأولى التي أصبحت لاحقاً جيش التحرير الشعبى ARGK
عكيد – معصوم قرقماز (1956- 1986م)
يُعد معصوم قرقماز، المعروف باسم عكيد، القائد الذي ارتبط اسمه بإعلان الكفاح المسلح رسمياً في 1984م. يُشار إليه بوصفه مُطلق الشرارة الأولى ، وكان قائد قفزة 15 أغسطس، وكان عكيد من المجموعات التي تدربت عند الثورة الفلسطينية ورجع بعدها إلى كردستان مع مجموعات عديدة للبدء بالكفاح المسلح وتوفى فى عام 1986م.
تجلت أهميته في:
- قيادة العمليات الأولى بدرجة من التنظيم.
- ترسيخ أسلوب حرب العصابات الجبلية.
- إعطاء العمل العسكري رمزية ثورية داخل الحزب.
يعتبره الباحثون رمزاً انتقالياً: من حركة سياسية إلى تنظيم مسلح نشط. [17]
كان للقادة الأوائل لحزب العمال تأثير جوهري فى صياغة بنيته العسكرية ؛ إذ مزجوا بين العقيدة الأيديولوجية والتنظيم المسلح ووضعوا أسس للحرب مما جعل التشكيل العسكرى جزءاً من هوية الحزب .
المرأة في الجناح العسكري: من المشاركة إلى تأسيس وحدات مستقلة
انضمت كوكبة من النساء إلى النضال الكردي المسلح منذ البداية. ومع ذلك، كان عددهن منخفضًا جدًا قبل أن يبدأ حزب العمال الكردستاني بتوسيع حضوره في الجامعات والمراكز الحضرية في أواخر الثمانينيات،[18] وانخراطه في مجال النشر والعملية السياسية الرسمية في أوائل التسعينيات، مما ساعد على استقطاب المزيد من النساء إلى صفوفه. وبحلول عام 1993م، بلغت نسبة النساء حوالي ثلث القوات المسلحة لحزب العمال الكردستاني.
كان هذا تطورًا غير عادي فى ظل المجتمع الأبوى ، والسؤال هنا، ما هي الظروف التي مكنت النساء من التحول من بشر مضطهدين من الدرجة الثانية إلى رعايا سياسيين واعيين انخرطوا في تمرد مسلح؟ كان العامل الرئيسي هو الأيديولوجية الاشتراكية لحزب العمال الكردستاني التي أكدت بقوة على تحرير المرأة على قدم المساواة مع الصراع الطبقي والتحرر الوطني. كتب مؤسس حزب العمال الكردستاني وزعيمه طويل الأمد، عبد الله أوجلان، عن كيفية معاملة الرجال في المجتمع الكردي للنساء كعبيد وسيطرة صارمة على حياة أقاربهن من الإناث. وأعلن بشكل مشهور: “لا يمكن أن تحدث ثورة بينما تكون النساء عبيدًا” و “تحرير المرأة هو تحرير المجتمع الكردى. [19]
وفي ملاحظة مسعود شريفي درياز، بينما ربطت النصوص التي كتبها أوجلان حول تحرير المرأة بين هذا الأخير والتحرر الوطني، ركز أوجلان بعد عام 1999م على التحليل التاريخي للمجتمع، ورأى في النظام الرأسمالي عاملاً رئيسيًا لاستعباد الإناث (على سبيل المثال في كتابه، ” الدفاع عن شعب، 2005م ” تم تعريف تحرير المرأة كشرط أساسي لتحرير كردستان. نظرًا لأن الدولة كانت تعيد إنتاج الذكورة باستمرار، كان لا بد من محاربتها لتحقيق المساواة بين الجنسين. وبالتالي أصبحت الحركة الكردية الضامن لاستقلال المرأة.[20]
بيد أن المفكر أوجلان قد تناول قضية حرية المرأة بالتوازي والتداخل مع قضية التحرر الوطني، وهنا تتجلى لنا ظاهرة إنجاز ” ثورة داخل ثورة “. ذلك أن تحرر المرأة من غبن العبودية وتداعياتها الثقيلة المتعششة فيها منذ آلاف السنين، يُشكل بحد ذاته ثورة. وهذا تحديداً هو ما ميّز حركة الحرية الكردستانية عموماً، وحركة حرية المرأة الكردستانية خصوصاً عن غيرها من جميع الحركات السابقة على صعيد مقاربتها الاستراتيجية والمحورية من قضية حرية المرأة. لقد كانت هذه الخطوة تدبيراً وقائياً تجاه إصابة الثورة بالهشاشة أو الرعونة، مثلما كانت خطوة استراتيجية على صعيد إبراز طاقات المرأة الدفينة وصقلها وتطويرها. بيد أن تلك الأفكار تداخلت حول تحرير المرأة مع مزاعم استحالة النضال الثوري لحزب العمال الكردستاني دون انضمام النساء إليه، ومن ثم ظهرت فكرة “تجيش المرأة” مما ألهم عددًا متزايدًا من النساء لحمل السلاح. وقد حازت العديد من الشابات على شعور جديد بالقيمة، فرأين في حزب العمال الكردستاني وسيلة مقبولة للهروب من حياتهن المقيدة. كما انه رأى فى نجاح ثورة المرأة شرطاً أساسياً لنجاح تحرر المجتمع. [21]
لقد ارتقت الناشطات داخل حزب العمال الكردستاني بجهود أوجلان الإيديولوجية القوية لمشاركة المرأة على قدم المساواة في جميع مناحي الحياة إلى مستويات جديدة. وقد شهد إنشاء وحدات مسلحة نسائية ومنظمات سياسية نسائية متتالية على تنامي حضور المرأة والاعتراف بها داخل حزب العمال الكردستاني
وكانت مشاركتها محدودة وغير مستقلة تنظيمياً داخل جيش التحرير الشعبى ARGK، ثم تطورت بعد ذلك وظهرت المرأة داخل صفوف ARGK منذ أواخر الثمانينيات إلى أن أسست وحدات المرأة الحرة – YJA-Star مع بداية الألفية، وبالتزامن مع إعادة الهيكلة العسكرية والسياسية، تأسست وحدات المرأة الحرة – ستار YJA-Star.يُمثل هذا التشكيل مرحلة جديدة تقوم على: استقلال تنظيمي داخل HPG ، تدريب خاص بالنساء ، مشاركة أوسع في العمل القتالي. كما تقوم على خطاب فكري يرتبط بفلسفة “تحرر المرأة” التي يروّج لها الحزب[22].
وحدات المرأة الحرة – YJA-Star: Yekîneyên Jinên Azad ên Star))
تنظيم عسكري نسوي كردي أُعلِن عن تأسيسه رسميًا عام 2004م، ويُعد الامتداد المباشر للتنظيمات النسائية المسلحة داخل حزب العمال الكردستاني (PKK)، ويُمثل أحد أهم نماذج المشاركة النسوية في الحركات الثورية الكردية.
الخلفية التاريخية
ظهرت وحدات المرأة الحرة بعد مسار طويل لمشاركة المرأة الكردية في الكفاح المسلح منذ ثمانينيات القرن العشرين. وجاء تأسيسها كتعبير عن الانتقال من المشاركة داخل وحدات مختلطة إلى تنظيم نسوي مستقل يمتلك قراره وبنيته الخاصة. [23]
وسُمّيتStar نسبة إلى عشتار (Ishtar)، رمز الخصوبة والقوة الأنثوية في حضارات وادي الرافدين، في إشارة رمزية إلى الجذور التاريخية لدور المرأة في الشرق القديم.
الرؤية الفكرية
تقوم YJA-Star على قناعة أساسية مفادها أن: تحرر المجتمع لا يتحقق دون تحرر المرأة وهذا ما أكد عليه المفكر عبد الله أوجلان فى كتابه ” كيف نعيش (1) المرأة الكردستانية الحرة ” .
وترتكز أيديولوجيًا على فكر عبد الله أوجلان، ولا سيما مفهوم:
- المرأة بوصفها القوة الطليعية للتغيير
- الربط بين النظام الأبوي والدولة السلطوية
- اعتبار النضال النسوي جزءًا لا ينفصل عن النضال القومي والاجتماعي[24]
الدور العسكري والتنظيمي
- شاركت في العمليات العسكرية لحزب العمال الكردستاني، خاصة في جبال قنديل ومناطق الصراع التركي–الكردي.
- تعمل كوحدات قتالية مستقلة بقيادة نسائية كاملة.
- تجمع بين التدريب العسكري، والتأهيل الأيديولوجي، والانضباط التنظيمي الصارم. [25]
الأهمية التاريخية والسياسية
ربما ترجع تلك الأهمية إلى عدة أسباب لعل علي رأسها:
- تُعد YJA-Star من أقدم التنظيمات النسوية المسلحة المستمرة في الشرق الأوسط.
- مهّدت الطريق لتجارب لاحقة مثل وحدات حماية المرأة (YPJ) في سوريا.
- شكّلت تحولًا عميقًا في صورة المرأة الكردية من “تابع” إلى فاعل ثوري مستقل.
تتناول دراسات عديدة في علم الاجتماع السياسي مشاركة المرأة في هياكل PKK باعتبارها “تجربة فريدة” في الحركات المتمردة، لكن غالباً تُطرح هذه التجربة في سياق نقدي لأنها مرتبطة بصراع مسلح طويل الأمد.[26]
الدلالات الفكرية والتنظيمية لتغيير الأسماء العسكرية وهو الربط بين الاسم والمرحلة، يُلاحظ في تطور الأجنحة العسكرية أن كل تغيير اسم ارتبط بمرحلة جديدة: HRKبداية تأسيس العمل المسلح، ARGK مرحلة “العسكرة الكاملة” وبناء جيش شعبى. و HPG مرحلة “الدفاع” وإعادة التكيّف مع المتغيرات.
أسباب هذا التغيير
هناك ثلاثة تفسيرات استراتيجية رئيسية هى:
- سياسية: ربط الحزب نفسه بالحوار أو عمليات السلام المحتملة.
- عسكرية: تعديل أسلوب القتال حسب الضغوط على الأرض.
- إعلامية: تقديم الخطاب العسكري بصيغة “تطورية” مرتبطة بمرحلة جديدة.
بيد أن تطور الأجنحة العسكرية لم يكن مجرد تغيير أسماء، بل كان تطورا في ً: التنظيم، العقيدة القتالية، وفى علاقة المركز بالوحدات الميدانية، ومشاركة المرأة، وفى الصلة بين العمل العسكري والسياسة. ولذا ، يُفهم هذا التطور فقط ضمن إطار صراع طويل ومعقّد بين الدولة التركية والحركة الكردية.
البنية العسكرية، التكتيكات، القيادة، ودور المرأة، والأثر الإنساني
البنية الداخلية لكل جناح مسلح (تاريخي وتنظيمي) من HRK/ARGK إلى HPG — تطورات تسميّة وبنية. ففي المراحل الأولى من الحركة المسلحة التابعة لحزب العمال الكردستاني (PKK) تطوّر الجناح المسلّح من مجموعات غير نظامية إلى تشكيلات أكثر تنظيماً أُطلق عليها تسميات مختلفة عبر الزمن؛ من بينها اسم جيش التحرير الشعبي الكردستاني (ARGK / People’s Liberation Army of Kurdistan) في فترات متقدمة من التسعينيات، ثم استبداله رسميًا بـقوات الدفاع الشعبي (Hêzên Parastina Gel — HPG) خلال مؤتمر الحزب في يناير 2000م. هذا التحوّل لم يكن مجرد تغيير اسم بل يحمل دلالة سياسية وتنظيمية تتصل بمحاولات إعادة التأطير بعد اعتقال قيادات عليا . [27]
آفاق نزع السلاح وإعادة الإدماج (2010–2025م)
شهدت تلك الفترة محطات وتحولات رئيسية أدت في نهاية المطاف إلى اتخاذ مسارات السلام
أولًا: السياق العام — بين الانفتاح المحدود وعودة الصدام ( 2010 – 2015م)
شهد مطلع العقد الثاني من الألفية بعض المحاولات السياسية المحدودة من جانب الدولة التركية لمعالجة جوانب من القضية الكردية، تمثلت في تخفيف قيود ثقافية ولغوية، وإشارات إلى تنوّع أكبر في مناطق الجنوب الشرقي. غير أن هذه المبادرات لم تُفلح في احتواء التوتر البنيوي القائم، إذ سرعان ما عاد مسار العنف إلى الواجهة بعد عام 2011، مع تجدّد المواجهات المسلحة بين حزب العمال الكردستاني وأجهزة الدولة.
هذا التصعيد أدى إلى تعطيل أي أفق حقيقي للتسوية السياسية، وأسهم في تفاقم الأوضاع الأمنية والإنسانية، بما في ذلك موجات نزوح جديدة، وتعميق القطيعة بين الدولة والمجتمعات الكردية، فضلًا عن تجميد النقاشات المتعلقة بالإصلاحات السياسية والحقوقية. [28]
ثانيًا: التمدد الإقليمي وتدويل القضية ( 2014 – 2020 م)
مع اندلاع الحرب ضد تنظيم “داعش” بعد عام 2014م، دخل الصراع مرحلة جديدة اتسمت بتوسّع نطاقه الجغرافي. إذ برز حضور حزب العمال الكردستاني في العراق، ولا سيما في مناطق مثل سنجار ونينوى، في سياق الدفاع عن جماعات محلية ومكونات مهدّدة، ما منح التنظيم دورًا إقليميًا يتجاوز الإطار التركي التقليدي.
هذا التحول أدّى إلى تعقيد النزاع، إذ بات مرتبطًا بتوازنات عراقية وسورية، وألقى بظلاله على بعض العلاقات الإقليمية، خاصة بين أنقرة وبغداد. كما أسهم في إدخال أبعاد دولية جديدة إلى القضية، بحيث لم يعد الصراع شأنًا داخليًا تركيًا فحسب، بل جزءًا من شبكة أوسع من التوترات الإقليمية. [29]
ثالثًا: تراجع الفاعلية العسكرية والتحوّل إلي الخطاب (2010 – 2020م)
ابتداءً من أواخر العقد، واجهت الأجنحة المسلحة للتنظيم، وعلى رأسها قوات الدفاع الشعبي، ضغوطًا عسكرية متصاعدة نتيجة الحملات التركية المستمرة، خصوصًا في المناطق الجبلية والحدودية. وأسفر ذلك عن إضعاف القدرة الحركية واللوجستية، وفرض مراجعة داخلية لطبيعة الاستراتيجية المعتمدة. [30]
في هذا السياق، تصاعدت داخل الخطاب السياسي الكردي إشارات إلى محدودية العمل المسلح كوسيلة وحيدة لتحقيق المطالب، وبرزت دعوات متزايدة نحو البحث عن حلول سياسية، مدفوعة بتراجع الحاضنة الاجتماعية في بعض المناطق، وإرهاق المجتمعات من كلفة الصراع الممتد.
تحول تاريخي — من العسكرة إلى أفق التسوية 2025م
أولًا: نداء السلم ووقف إطلاق النار
في مطلع عام 2025، شكّلت الدعوة الصادرة عن قيادة الحزب إلى نزع السلاح وحل التنظيم المسلح حدثًا مفصليًا في مسار الصراع. إذ طُرحت هذه الدعوة باعتبارها انتقالًا نحو مرحلة سياسية ديمقراطية، بدل الاستمرار في المواجهة العسكرية.
وجاءت استجابة الجناح المسلح سريعة نسبيًا، من خلال إعلان وقف شامل لإطلاق النار، مع التأكيد على الالتزام بعدم المبادأة بالهجوم، وحصر استخدام السلاح في حدود الدفاع الذاتي، ما عكس استعدادًا مبدئيًا للدخول في مسار جديد. [31]
ثانيًا: قرار التفكيك والتنظيم الذاتي
في مايو 2025م، أقرّ المؤتمر العام للحزب قرارًا تاريخيًا يقضي بتفكيك البنية التنظيمية المسلحة، وإنهاء نهج الكفاح المسلح رسميًا. واعتُبر هذا القرار تحوّلًا جذريًا بعد قرابة أربعة عقود من العنف، مع إعادة تعريف القضية الكردية باعتبارها مسألة سياسية وحقوقية تُعالج ضمن الأطر الديمقراطية.
وتُوّج هذا المسار بخطوات رمزية أولية لتسليم السلاح في مناطق من شمال العراق، في إشارة إلى بدء الانتقال من التعهدات الخطابية إلى التطبيق العملي، ولو بشكل تدريجي. [32]
إعادة تعريف الدور
لا شك أن انخراط الحزب في مواجهة تنظيم داعش أسهم في إعادة تشكيل صورته الإقليمية، حيث انتقل من كونه فاعلًا محصورًا في نزاع مع الدولة التركية، إلى لاعب أمني في بيئات عراقية هشّة. وقد اعتُبر هذا الدور من قبل بعض الأطراف دفاعًا مشروعًا عن المكونات، بينما رآه آخرون توسعًا سياسيًا وعسكريًا يتجاوز حدود السيادة الوطنية. هذا التناقض في التقييمات زاد من تعقيد مسألة التسوية، وأدخلها في حسابات إقليمية ودولية متشابكة.
تحوّل 2025م من الحرب إلى السياسة: فرص السلام وتحديات التنفيذ
بعد نداء أوجلان للسلام التزام HPG بوقف إطلاق النار— خطوة تاريخية غير مسبوقة منذ سنوات الصراع — تُعتبر بمثابة “عرض سلام” سياسي، ربما استجابة لضغوط عسكرية، داخلية، إقليمية، وتغير في أولويات كردية. لكن التحدي الأساسي هو كيفية تنفيذ نزع السلاح فعليًا: الأسلحة موزّعة في مناطق جبلية، عبر شبكات لوجستية، مع مقاتلين موزّعين بين تركيا، العراق، وربما سوريا — مما يتطلب آليات مراقبة دولية/إقليمية، ضمانات حياة/أمان للمقاتلين السابقين، وضمان مشاركة كردية سياسية حقيقية. تحليلات تقول إن نجاح هذه الخطوة يعتمد على “إطار قانوني/دستوري” جديد.
يُعد الالتزام بوقف إطلاق النار، وما تبعه من قرارات حلّ ذاتي، خطوة غير مسبوقة في تاريخ الصراع، إلا أن التحدي الحقيقي يكمن في التنفيذ. فعملية نزع السلاح تواجه صعوبات لوجستية وجغرافية، في ظل انتشار المقاتلين وتوزعهم بين عدة دول. كما تتطلب العملية آليات رقابة وضمانات قانونية وأمنية تحمي المقاتلين السابقين من الملاحقة الانتقامية، وتتيح لهم التحوّل إلى فاعلين مدنيين ضمن إطار سياسي شرعي.[33]
استشراف السيناريوهات المستقبلية
يجد أكراد حزب العمال الكردستاني أنفسهم اليوم أمام مرحلة مفصلية، تتعدد فيها المسارات المحتملة، ويتحدد مسارها بين فرص الانفراج ومخاطر الارتداد. فالمستقبل لا يسير في اتجاه واحد، بل تحكمه جملة من السيناريوهات التي تتباين نتائجها بين نقل الحزب إلى مرحلة سياسية أكثر أمانًا، أو إعادته إلى نقطة البداية، أو وضعه في مسار تسويات جزئية لا تحقق طموحاته الكاملة ولا تُقصيه تمامًا. وفي هذا الإطار يمكن تصور السيناريوهات الآتية:
السيناريو الأول: السلام البراغماتي
ينطلق هذا السيناريو من فرضية أن التخلي عن السلاح يُعد خطوة تكتيكية محسوبة، من شأنها أن تفتح المجال أمام مكاسب سياسية وثقافية ملموسة للأكراد داخل الدولة التركية. كما يفترض التزام أنقرة بتعهداتها، في ظل رقابة وضمانات إقليمية ودولية، بما يفضي إلى نتائج متعددة، من أبرزها:
- إنهاء دوائر العنف والتركيز على التنمية يؤدي توقف الصراع المسلح إلى الحد من الخسائر البشرية والاقتصادية، ويُعيد قدراً من الاستقرار إلى المناطق الحدودية، الأمر الذي يهيّئ بيئة أكثر ملاءمة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية في المناطق ذات الغالبية الكردية.
- تفعيل الاندماج السياسي يتيح هذا المسار تعزيز موقع حزب المساواة والديمقراطية للشعوب (DEM) بوصفه الممثل السياسي الرئيسي للأكراد داخل البرلمان التركي، بما يوفر قنوات ديمقراطية أوسع للمطالبة بالحقوق، مثل التعليم باللغة الكردية، وتكريس ضمانات دستورية أوسع.
- إعادة تحسين صورة حزب العمال الكردستاني إن التحول من العمل المسلح إلى الفعل السياسي قد يدفع بعض الأطراف الدولية إلى إعادة النظر في تصنيف الحزب، بما يفتح المجال أمام أشكال جديدة من التفاعل السياسي والدبلوماسي.
- الشرط الحاسم لتحقيق السيناريو يتمثل في توفر دعم إقليمي ودولي مستمر (من العراق، وإقليم كردستان، وبعض الدول الأوروبية، إضافة إلى أدوار غير مباشرة لقوى دولية كبرى)، بما يفرض ضغوطًا فعلية على تركيا لتقديم ضمانات قانونية وسياسية، كتحسين ظروف احتجاز عبد الله أوجلان أو إدخال تعديلات دستورية.
- احتمالية التحقق في حال توافرت ضغوط دولية فعالة، وتحقق إجماع كردي نسبي حول هذا الخيار، فإن فرص تحقق هذا السيناريو تُعد متوسطة إلى مرتفعة. [34]
السيناريو الثاني: الجمود الجزئي
يعكس هذا السيناريو تصورًا أكثر تحفظًا، قوامه تحقيق مكاسب محدودة دون الوصول إلى تسوية شاملة. ووفق هذا المنظور، قد يؤدّي تسليم السلاح إلى تهدئة الصراع، لكنه لا ينهيه بالكامل، وتتجلى ملامحه في الآتي:
- خفض مستوى العنف دون القضاء عليه كليًا من المرجح أن ينحسر العنف بدرجة ملموسة، مع بقاء احتمالات لظهور أنشطة مسلحة محدودة من فصائل رافضة للقرار، أو بقاء أسلحة مخفية كأداة احتياطية ريثما تتضح جدية الطرف الآخر.
- مكاسب سياسية تدريجية وبطيئة قد يحصل الأكراد على بعض التنازلات والحقوق، إلا أن وتيرة الإصلاح ستكون بطيئة، وقد تصطدم محاولات التعديل الدستوري بمعارضة داخلية قوية في تركيا.
- تذبذب المساندة الدولية في حال غياب نتائج ملموسة وسريعة، قد يتراجع الاهتمام الدولي بملف السلام، خاصة مع تزاحم الأزمات الإقليمية والدولية الأخرى.
- استمرار القضية الكردية بوصفها ملفًا مفتوحًا رغم تسليم السلاح، ستظل المسألة الكردية قائمة سياسياً واجتماعياً، مع إمكانية بروز مطالب جديدة في المستقبل.
ويُمثل هذا السيناريو انعكاسًا لتعقيدات السياسة التركية وطول أمد الخلاف التاريخي، لذا تُعد احتمالية حدوثه متوسطة.
السيناريو الثالث: الخطأ التاريخي
يُعد هذا السيناريو الأكثر تشاؤمًا، ويقوم على افتراض أن التخلي عن السلاح قد يتحول إلى خطوة كارثية إذا لم تلتزم تركيا بتعهداتها، أو إذا بُني القرار على حسابات غير دقيقة. وتتمثل نتائجه المحتملة في:
- فقدان أدوات الضغط والتأثير قد يؤدي تسليم السلاح إلى تآكل نفوذ حزب العمال الكردستاني وفقدانه لقدرته على التأثير، ما ينعكس سلبًا على مكانته داخل الشارع الكردي.
- تعثر أو تراجع مسار الحقوق الكردية في ظل غياب الضمانات، قد تتباطأ عملية الإصلاح أو تتراجع كليًا، ما يولّد حالة إحباط واسعة بين الأكراد.
- تهميش التمثيل السياسي قد يعجز حزب المساواة والديمقراطية للشعوب عن إحداث اختراق سياسي حقيقي، الأمر الذي يؤدي إلى استمرار تهميش الصوت الكردي داخل مؤسسات صنع القرار التركي.
- إمكانية عودة أنماط مقاومة جديدة ورغم أن هذا الاحتمال يبقى محدودًا، إلا أن الشعور بالخديعة أو ضياع المكاسب قد يدفع إلى ظهور فصائل جديدة، أو إعادة إحياء فكرة الكفاح المسلح بصيغ مختلفة.
- تفاقم وضع عبد الله أوجلان قد لا تشهد ظروف احتجازه أي تحسن، وربما تتدهور، ما يزيد من حالة الإحباط داخل قواعد الحزب التي منحت أوجلان رمزية مركزية.
في حال غياب آليات ضمان واضحة، أو افتقار الجانب التركي للجدية في إنجاز تسوية شاملة، تبقى احتمالات هذا السيناريو قائمة، وإن كانت منخفضة إلى متوسطة. [35]
آفاق وآليات نزع السلاح وإعادة الإدماج
لابد أن تتم هذه الآليات وإعادة الإدماج من خلال خطوات عدة منها:
- نزع أو حرق السلاح والرقابة
- تأسيس لجنة مشتركة تضم: الحكومة التركية، حكومة إقليم كردستان (بغداد)، مراقبين دوليين (منظمات حقوقية أو دول محايدة) — تشرف على تسليم أو حرق الأسلحة، تأمين مناطق الاستلام، وتوثيق كامل للأسلحة. هذا يقلّل من مخاطر إعادة انتشار السلاح.
- تسجيل أسماء المقاتلين السابقين، منحهم “بطاقة مصالحة” أو “هوية سلام”: تمنحهم الحماية القانونية، وتسهّل إعادة إدماجهم في المجتمع المدني، وتمنع ملاحقتهم انتقاميًا.
- جدولة زمنية واضحة لنزع السلاح: مرحلة أولى — جمع الأسلحة الثقيلة، المرحلة الثانية — تفكيك معسكرات/قواعد، المرحلة الثالثة — إدماج المقاتلين أو تأهيلهم لمهمات مدنية أو خدمية.
ومن ثم، يتطلب نجاح هذه العملية إنشاء آليات مشتركة تشرف على جمع أو حرق السلاح، وتوثيقه، وتفكيك القواعد العسكرية، ضمن جدول زمني واضح ومتدرج، يحد من مخاطر إعادة التسلح أو ظهور جماعات خارجة عن السيطرة.
- إعادة الإدماج الاجتماعي والاقتصادي
- برامج إعادة تأهيل نفسي واجتماعي (للمقاتلين السابقين + عائلاتهم)، دعم نفسي وإعادة تأهيل، خاصة لمن عاشوا سنوات نزاع.
- استثمارات تنموية في المناطق المتضررة — جنوب شرق تركيا، ومناطق ذات أغلبية كردية — لتعويض النزوح، التدمير، وتفكيك شبكات اقتصادية/لوجستية للحركة المسلحة.
- ضمان حقوق لغوية/ثقافية وسياسية للأكراد كجزء من تسوية شاملة: تكفل للهوية، المشاركة السياسية، وتجذير مناخ التعايش بدل الصراع — وهو شرط أساسي للاستقرار طويل الأجل.
وقد مثل الإدماج المجتمعي أحد أعمدة الاستقرار طويل الأجل، من خلال برامج دعم نفسي، وتأهيل مهني، وتنمية اقتصادية في المناطق المتضررة، بما يعالج الجذور الاجتماعية للنزاع، وليس مظاهره فقط.
- الإطار السياسي والقانوني
- تعديل تشريعي/دستوري في تركيا لاعتراف بحقوق الكرد — لغتهم، ثقافتهم، تمثيلهم في مؤسسات الدولة — ما يعطي بديلًا سياسيًا لمطالب كانت تُستخدم مبرّرًا لصراع مسلح.
- فتح حوار “مصالحة وطنية” يشمل ضحايا من المدنيين (الكرد والترك) — لإنهاء منطق “الثأر” أو “العدالة الانتقامية” وإرساء منطق قانوني/عدلي.
- ضمان مشاركة منظمات مدنية مستقلة (منظمات حقوق إنسان، جمعيات نسوية، منظمات شبابية) في مراقبة عملية الانتقال، حماية حقوق المرأة (مقاتلات سابقات) وضمان عدم تهميشهن مجدداً. [36]
الفرص والتحديات
بالنسبة للفرص مثل القرار الحالي بإنهاء العمل المسلح فرصة نادرة لكسر حلقة العنف، ويفتح نافذة لإعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمعات الكردية على أسس سياسية وسلمية، مع إمكانية دور إقليمي داعم للعملية.
أما التحديات، ففي المقابل، تظل العملية محفوفة بالمخاطر، في ظل غموض آليات التنفيذ، واحتمال بروز مجموعات رافضة، وصعوبات إعادة الإدماج الاجتماعي والنفسي، فضلًا عن الحاجة الملحّة لضمانات قانونية وثقافية حقيقية تمنع إعادة إنتاج الصراع بصيغ جديدة.
وفى الختام فإن نضال الهوية الكردية يُمثّل إحدى أطول وأعقد تجارب الصراع في الشرق الأوسط الحديث، حيث تداخلت المطالبة بالاعتراف والحقوق مع منطق القوة والعسكرة. ومنذ نشأة حزب العمال الكردستاني، بدا الكفاح المسلح، في نظر قادته وقواعده، أداة اضطرارية لفرض الوجود وكسر التهميش، لا غاية في ذاته. غير أنّ تراكم التجربة، وكلفة العنف البشرية والاجتماعية، وحدود السلاح في إحداث تحوّل سياسي مستدام، كلّها عوامل دفعت هذا النضال إلى لحظة مراجعة تاريخية.
في هذا السياق، تأتي دعوة عبد الله أوجلان إلى السلام، وما تبعها من قرار حلّ حزب العمال الكردستاني وحرق السلاح، بوصفها تحوّلًا رمزيًا وعمليًا في آن واحد؛ تحوّل ينقل الصراع من منطق القطيعة إلى منطق التفاوض، ومن لغة البندقية إلى فضاء السياسة. فحرق السلاح لا يحمل دلالة عسكرية فحسب، بل يُمثّل محاولة لإعادة تعريف الهوية الكردية خارج ثنائية “العدو – المقاتل”، وتأسيسها على مفاهيم المواطنة والحقوق والاعتراف المتبادل.
غير أن هذا التحوّل، على أهميته، لا يعني نهاية نضال الهوية، بل بداية طور جديد منه. فالسلام لا يُختزل في وقف إطلاق النار أو تفكيك التنظيمات المسلحة، بل يتطلّب إرادة سياسية صادقة، وضمانات دستورية، وعدالة انتقالية تعالج جراح الماضي وتمنع إعادة إنتاجه. وهنا، يصبح الامتحان الحقيقي ليس في قرار التخلي عن السلاح، بل في قدرة الدولة والمجتمع على تحويل هذا القرار إلى سلام عادل وشامل.
إن تجربة حزب العمال الكردستاني، من الكفاح المسلح إلى مسارات السلام، تكشف أن الهوية لا تُنتزع بالقوة وحدها، ولا تُصان بالشعارات، بل تُبنى عبر الاعتراف والاندماج والمساواة. وبين رمزية حرق السلاح وإمكانات السياسة، يقف الأكراد اليوم أمام مفترق تاريخي: فإما أن يتحول السلام إلى إطار جديد لنضال الهوية بوسائل ديمقراطية، وإما أن يبقى مجرّد هدنة مؤقتة في صراع لم يُغلق ملفّه بعد.
[1] – أوجلان : أدعو العمال الكردستانى لإلقاء سلاحه وحل نفسه ، موقع العربية ، 27 فبراير 2025م
[2] – نفسه
[3] – جليلي جليل وآخرون، ترجمة د. عبدى حاجى، الحركة الكوردية فى العصر الحديث ، مؤسسة موكريانى للبحوث والنشر ، 2012م.؛ جنكيز غونيش | الحركة الوطنية الكردية في تركيا: من الاحتجاج إلى المقاومة (لندن: روتليدج، 2012).
أوجلان، عبد الله، الدفاع عن شعب. ترجمة زاخو رزكاري، 2005م.
Zürcher, Erik Jan. Turkey: A Modern History. I.B. Tauris,Co Ltd , publishers London. New York, 2004 .
[4]– عبد الله أوجلان، مانيفستو الحضارة الديمقراطية ، المجلد الخامس ، القضية الكردية وحل الأمة الديمقراطية، ترجمة زاخو شيار، ط1، لبنان ، 2018م.
Gurses, Mehmet. Anatomy of a Civil War: Sociopolitical Impacts of the Kurdish Conflict. University of Michigan Press, 2018.
[5]– Marcus, Aliza. Blood and Belief: The PKK and the Kurdish Fight for Independence. NYU Press, 2007.
[6] – أمست عصمت ، حزب العمال الكردستاني: تقرير عن العنف الانفصالي في تركيا (1973-1992). صحيفة ديلي نيوز التركية، 1992؛ أوجلان، عبد الله. الدفاع عن شعب.
Gunes, Cengiz. Ibid ص. 89-92.
[7] – حزب العمال الكردستاني يعلن وقف إطلاق النار مع تركيا، BBC Arabic، 1 مارس 2025م . أوجلان، عبد الله، مانيفستو الحضارة الديمقراطية، ج5 .
[8] – ناتالي، دينيس، الأكراد والدولة: تطور الهوية الوطنية في العراق وتركيا وإيران، مطبعة جامعة سيراكيوز، ٢٠٠٥م؛ درياز، مسعود شريفي. المرأة والقومية: كيف تُغيّر الناشطات الصراع الكردي، 2011.
[9]– أولى بالينجر، التمرد كشبكة معقدة: التشابه في الصورة والتسلسل الهرمي في حزب العمال الكردستاني، 14 يوليه 2022م .
[10] – أوجلان، الدفاع عن شعب؛ على بالجى، السياسة الأقليمية لحزب العمال الكردستانى، جامعة سكاريا، يناير 2017م.
[11] – إليزا ماركوس ، الدم والإيمان: حزب العمال الكردستاني والنضال الكردي من أجل الاستقلال ، جامعة نيويورك، 2007م. أوجلان ، مانيفستو الحضارة الديمقراطية ج 5 .
[12]– ساعود، جمال، دلالات تسليم حزب العمال الكردستاني أسلحته والسيناريوهات المستقبلية، مجلة السياسة الدولية، 21 يوليو 2025م. . https://www.siyassa.org.eg/News/22062.aspx
[13]– أحمد شيخو، 15 آب ( أغسطس).. مقاومة و انبعاث وحرية للأمة الكردية و ديمقراطية للمنطقة، الحوار المتمدن ، 14 أغسطس 2024م.
[14]– https://www.siyassa.org.eg/News/22062.aspx.
[15]– أحمد شيخو، https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=765365
[16]– أوجلان ، الدفاع عن شعب .
[17]– إسكندر، غاندي، معصوم قورقماز الأسطورة الذي رسم شهادته بلون الشفق والحرية، روناهي، 27 مارس 2020؛ أحمد شيخو ، أوجلان ، الدفاع عن شعب .
[18]– سكينة جانسيز ، ترجمة ، بشرى على ، حياتى كلها صراع، دار نفرتيتى للنشر ، 2022م.
[19]– أوجلان، عبد الله، كيف نعيش (1): المرأة الكردستانية الحرة، ترجمة بشرى علي، 2022.
[20]– درياز، مسعود شريفي. المرأة والقومية: كيف تُغيّر الناشطات الصراع الكردي، 2011.
[21]– سحر حسن أحمد، المرأة الحرة فى فكر أوجلان، مركز آتون للدراسات، 8 مارس 2024م. https://www.tinyurl.com/mu4r3wah
[22]– بشري علي، مانيفستو حرية المرأة فى القرن الحادى والعشرين، منشورات أكاديمية المرأة الحرة، أبريل 2004م.
[23]– مقابلة مع أول جيش نسائى فى العالم yaj ، موقع ماتشوركا، 17 أغسطس 2015م.
Interview With The Worledks First Army of Women: yja- star. Makhorka.espivblogs.net
[24]– أوجلان كيف نعيش 1 ، المرأة الكردستانية الحرة .
[25]– المرأة الكردستانية… رائدة تأسيس قوة عسكرية منظمة في العالم، 7 مارس 2022 م.
- د.جوكالب، تحليل جندري للعنف والعدالة والمواطنة: المرأة الكردية تواجه الحرب والنزوح في تركيا. المنتدى الدولي للدراسات النسائية 2010 . [ جوجل سكولار ]
[26]– نفسه؛ درياز، مسعود شريفي. المرأة والقومية: كيف تُغيّر الناشطات الصراع الكردي، 2011.
[27]– جيهان بيلكين، 26 عاماً من نضال المرأة ضدّ المؤامرة، وكالة أنباء هاورد، 7 أكتوبر 2024م.
[28]– ساعود جمال ساعود، دلالات تسليم حزب العمال الكردستانى أسلحته والسيناريوهات المستقبلية، 21 يولية 2025م، مجلة السياسة الدولية.
[29]– رائد الحامد، حزب العمال الكردستاني في سنجار… بؤرة صراع متعدد»، معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، 5 يوليو 2017م.
[30]– • خورشيد دلى، حسابات التصعيد في الأزمة التركية الكردية، 06 مايو، 2016
[31]– ديفيد ميرسر، حزب العمال الكردستاني يعلن وقف إطلاق النار مع تركيا، أول مارس 2025م. بى بى سى.
زوزانا كرزيز انوفسكا، تركيا: القرار التاريخي لحزب العمال الكردستاني بحلّ نفسه، أوسو ، 13 مايو 2025م.
[32]– إلقاء السلاح: سيناريوهات السلام بين تركيا وحزب العمَّال الكردستاني، 26 يوليو 2025م، مركز المستقبل للأبحاث والدراسات .
نديم شنر، لماذا حرق العمال الكردستانى أسلحته أمام أردوغان؟ الجزيرة ، 13 يوليه 2025م.
[33]– عملية السلام التركية مع الأكراد: التاريخ والتحديات والمسار المستقبلي.
https://dckurd.org/2025/09/26/turkeys-peace-with-kurds/ .
[34]– ساعود جمال ساعود، دلالات تسليم حزب العمال الكردستانى أسلحته والسيناريوهات المستقبلية، 21 يولية 2025م، مجلة السياسة الدولية.
[35]– نفسه
نضال الهوية: من الكفاح المسلح إلى مسارات السلام
د. سحر حسن أحمد
في قلب المناطق الكردية وجبال كردستان، وعلى ضفاف الأنهار والوديان التي شهدت قرونًا من التاريخ والوجود والهوية الكردية المتعايشة مع الشعوب الأخرى، انطلقت شرارة وحركة مقاومة إنكار الوجود والإمحاء التي تعرّض لها الشعب الكردي بعد الحرب العالمية الأولى والتقسيمات التي شهدتها المنطقة.
حركة وُلدت من رحم المعاناة والظلم الاجتماعي والسياسي، ومن عزيمة شعب يسعى إلى حماية وجوده والحفاظ على هويته وكرامته.
كانت البداية في أواخر سبعينيات القرن العشرين، حين اجتمع العقل الثائر والروح النضالية الثابتة لتشكيل رافعة نضالية تمثّلت في حزب العمال الكردستاني، الذي سلك طريق الكفاح المسلح بعد انسداد السبل الأخرى، بوصفه وسيلة لمواجهة الظلم والإنكار والإبادة التي سعت إلى تصفية الوجود الكردي المادي والمعنوي.
على مدار عقود، عاش هذا الحزب رحلة طويلة من الصراعات الميدانية، التنظيم العسكري المتطور، وابتكار أساليب مختلفة، وتطوير الفكر السياسي، وصولًا إلى تأسيس وحدات نسائية فاعلة مثل YJA-Star، التي لم تقتصر مساهمتها على ساحة القتال فقط، بل امتدت لتكون رمزًا للتمكين الاجتماعي والسياسي للمرأة الكردية.
لم يكن الطريق مفروشًا بالورود، فقد تخلله عنف وصراعات مستمرة، مواجهات مع الدولة، تحولات داخلية، وتحديات دولية متعددة. ومع ذلك، حمل الحزب على عاتقه رسالة أيديولوجية وفكرية، حاول من خلالها دمج الطموح السياسي مع النضال الاجتماعي والثقافي.
وبخطوة تاريخية أعلن عبدالله أوجلان دعوته للسلام وأعلن الحزب حل نفسه في فبراير 2025م، وتم حرق الأسلحة فى يوليه عامذاك – كخطوة رمزية من شأنها أن تُحدث تغييرات مهمة ليس فى تركيا وحسب، بل فى عموم الشرق الأوسط – فاتحًا بذلك صفحة جديدة في تاريخ النزاع، صفحة تحمل آمال السلام والتحول المدني، وتضع المجتمع أمام فرصة للمصالحة، العدالة الانتقالية، وإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع. هذه الرحلة الطويلة من النشأة إلى السلام لم تكن مجرد صراع مسلح، بل قصة شعب يكتب فصول هويته، وأحلامه، وسعيه نحو المستقبل [1].[2]Top of Form
السياق التاريخي والإقليمي أثناءظهور الكفاح الكردي المسلح
احتلّ صراع الدولة التركية مع الكرد موقعاً مركزياً في تاريخ الشرق الأوسط الحديث، بوصفه واحداً من أطول النزاعات الممتدة منذ ثمانينيات القرن العشرين وحتى اليوم. ويُعدّ هذا الصراع نتاجاً مباشراً لتشابك عوامل سياسية وإيديولوجية واجتماعية واقتصادية، تفاعلت على مدى عقود طويلة في مناطق الأناضول الشرقية ذات الأغلبية الكردية. لفهم ظهور الأجنحة العسكرية المرتبطة بحزب العمال الكردستاني (PKK)، لابد من العودة إلى جذور المسألة الكردية في تركيا وسياق تشكل حركات المعارضة اليسارية في سبعينيات القرن الماضي.
التكوين التاريخي للمسألة الكردية
بعد انهيار الدولة العثمانية وقيام الجمهورية التركية عام 1923م بقيادة مصطفى كمال أتاتورك (1881- 1938م)، أُقرّ مشروع قومي تركي يقوم على مركزية الهوية التركية الواحدة. وقد تمّ تجاهل أو رفض أي تعبير سياسي أو ثقافي مستقل للجماعات غير التركية. في هذا السياق، حُظرت اللغة الكردية في المجال العام لعقود، وأُلغي اسم “كردستان” من الوثائق الرسمية، وصارت المناطق الكردية تُسمى “شرق الأناضول”. وتم التخلي عن تعهدات والتزامات حرب الاستقلال مع الكرد.
خلال الثلاثينيات، اندلعت عدة انتفاضات متتالية، أبرزها ثورة الشيخ سعيد (1925م)، وثورة آرارات (1930م)، ثم انتفاضة درسيم (1937–1938م). وقد كان التعامل الرسمي معها عسكرياً وأمنياً، مما أسهم في تعميق الشعور بالاستياء السياسي لدى قطاعات واسعة من الكرد. [3]
العوامل الاجتماعية-الاقتصادية في ظهور الكفاح المسلح
شهدت مناطق شرق وجنوب-شرق تركيا خلال الستينيات والسبعينيات تهميشاً اقتصادياً واضحاً، مقارنة بالمناطق الغربية المتمركزة حول إسطنبول وإزمير. كانت مستويات الأمية أعلى، والخدمات الصحية والبنى التحتية شبه معدومة. إلى جانب ذلك، أسهم النظام العشائري الإقطاعي في استمرار الفجوة الاجتماعية. [4]
هذه الظروف جعلت من المنطقة أرضاً خصبة لنشاط الحركات اليسارية الراديكالية التي كانت تنتشر في تركيا آنذاك، خاصة مع موجة السبعينيات الثورية العالمية. فظهر جيل من الشباب الكردي المتعلم المتأثر بالماركسية، يرى في التحرر القومي جزءاً من الثورة الاجتماعية والاشتراكية.
البدايات الفكرية والتنظيمية
- في 1973 أسس عبد الله أوجلان مجموعة طلابية يسارية كردية في جامعة أنقرة، ركّزت على الجمع بين الماركسية والقومية الكردية.
- هدفت هذه النواة إلى نشر الوعي السياسي والاجتماعي بين الأكراد، وتأهيل كوادر قادرة على قيادة حركة منظمة.
- خلال هذه الفترة بدأت مفاهيم الدفاع الذاتي والتنظيم العسكري الأولي بالظهور، على الرغم من أنها كانت محدودة وغير رسمية. [5]
ولادة حزب العمال الكردستاني ضمن الحركة اليسارية التركية
في هذا المناخ، تأسست مجموعة “أبوجية” نسبة إلى المفكر عبد الله أوجلان في أواخر السبعينيات 1978م داخل جامعة أنقرة. كان التيار جزءاً من الحركة اليسارية ولكنه تمسّك بطرح قومي-اجتماعي يربط بين التحرر الكردي والتحليل الطبقي. وقد ركزت هذه المجموعة على الجمع بين الماركسية والقومية الكردية، مع تبني الوعي الاجتماعي والسياسي للأكراد. وخلال هذه الفترة تشكلت نواة التنظيم، التي ضمت عناصر شبابية واعية سياسياً، وكانت بداية إنشاء ما يمكن اعتباره الأساس للجناح العسكري في المستقبل. وخلال سنوات التأسيس، تعرضت المجموعة للملاحقات السياسية قبل وبعد انقلاب 1980م، مما دفع قياداتها إلى اللجوء إلى لبنان وسوريا في تلك الفترة [6].
وقد ساعدت البيئة الإقليمية – خاصة الحرب الأهلية اللبنانية والصراع العربي-الإسرائيلي – في توفير مساحات تدريب وتموضع لحركات مختلفة، واستفاد التنظيم الكردي الجديد من المعسكرات العسكرية الموجودة في البقاع اللبناني آنذاك، ضمن تحالفات مع منظمات فلسطينية.
من العمل السياسي إلى تبني الكفاح المسلح
فمع بداية الثمانينيات، رأت قيادة الحزب أن الظروف الاجتماعية والسياسية لم تعد تسمح بالنشاط السياسي السلمي داخل تركيا، خاصة بعد قمع الانقلاب العسكري للحياة السياسية. وتداعيات الممارسات التي تمت في سجن ديار بكر(آمد)، وهكذا بدأت مرحلة الانتقال إلى العمل المسلح. وقد كان تأسيس قوات تحرير كردستان HRK عام 1984م التعبير العسكري الأول عن هذا التحول. شنّت هذه القوات أولى عملياتها المسلحة في 15 أغسطس 1984م، وهو التاريخ الذي يعتبر نقطة انطلاق الكفاح المسلح في الأدبيات الأكاديمية. [7]
دور البيئة الإقليمية في ترسيخ الصراع
لم يكن ظهور هذا الصراع بمعزل عن ظروف الشرق الأوسط :
- الحرب بين العراق وإيران (1980–1988م) غيرت التوازنات الحدودية وسمحت بتحركات عسكرية عبر الجبال.
- الصراع التركي-السوري ترك أثراً كبيراً، خصوصاً مع دعم دمشق لبعض القوى الكردية في الثمانينيات.
- ضعف سلطة بغداد في شمال العراق بعد 1991م فتح المجال أمام ظهور جيوب نفوذ متعددة.
ومع نهاية الثمانينيات، أصبح النزاع الكردي-التركي جزءاً من شبكة أوسع من التفاعلات الإقليمية، مما ساعد على استمرار الكفاح المسلح وتطوّره. [8]
وقد أكدت الدراسات الحديثة في تحليل الحركات المسلحة أن بنية التنظيم — كيف تُرتّب القيادات، كيف تُنشأ وحدات قتالية، كيف تُدار الشبكات الداخلية — تؤثّر بقوة على نتائج الصراع. على سبيل المثال، ورقة بحثية بعنوان Insurgency as Complex Network: Image Co-Appearance and Hierarchy in the PKK تُسلّط الضوء على استخدام صور وبيانات بصرية لبناء شبكة علاقات داخل PKK وتحديد “مركزية” أفراد داخل التنظيم وفق مظهرهم في الصور التي تنشرها الجماعة، وترتبط هذه المركزية غالبًا بمواقع قيادية أعلى. [9]
المرحلة الأولى: مرحلة التأسيس العسكري المبدئى
- إنشأ قوات تحرير كردستان (Hêzên Rizgariya Kurdistan, HRK) بداية تأسيس العمل المسلح.
ظهرت قوات تحرير كردستان HRKعام 1984م كأول تشكيل مسلح مرتبط بحزب العمال الكردستانى PKK في أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات، بعد انتقال الحزب من مرحلة “التثقيف الثوري” إلى “الكفاح المسلح”.كان هدف هذا التشكيل هو أن يُمثّل النواة الأولى لعمل عسكري محدود، يعتمد على مجموعات صغيرة، وعمليات محدودة ضد مؤسسات الدولة.
كانت قوات تحرير كردستان تُعبّر عن:
- بداية التحول إلى حرب غير منتظمة وغير مرتبة فيما تُعرف ( بحرب العصابات).
- مرحلة بحث عن موطئ قدم في الجبال.
- تأسيس خطوط إمداد ولوجستيات بدائية. [10]
وتتّسم هذه المرحلة بأن قوات تحرير كردستان HRK لم تكن جيشاً منظماً بعد، بل مجموعات غير متماسكة تعمل وفق رؤية الحزب الإستراتيجية، وتخضع لقيادة سياسية أكثر مما تخضع لهياكل عسكرية.
المرحلة الثانية: تأسيس جيش التحرير الشعبي الكردستاني(ARGK / People’s Liberation Army of Kurdistan) مرحلة “العسكرة الكاملة” وبناء جيش شعبي.
لماذا ظهر ARGK عام 1990م؟ (الدافع السياسي والتنظيمي)
في منتصف الثمانينيات، وفي ظل تصاعد المواجهات مع الدولة التركية، أدرك الحزب أن قوات تحرير كردستان HRK إنها لم تعُد مناسبة لإدارة نزاع طويل الأمد، لذلك أُسِّس جيش التحرير الشعبي الكردستاني ARGK ليكون:
- جيشاً منظماً بهيكل قيادي.
- له وحدات موزعة حسب المناطق الجبلية.
- يُمثل إدارة للانضباط والتدريب.
- ليكون ذراعاً عسكرياً رسمياً يعكس انتقال الحزب من “حرب العصابات الرمزية” إلى “التمرد المستمر”.
الخصائص التنظيمية لجيش التحرير الشعبى ARGK
إذ نجد أن تلك المرحلة شهدت عدة خصائص منها:
- إنشاء معسكرات تدريب في المناطق الجبلية.
- استقبال متطوّعين من مناطق كردية في تركيا وسوريا والعراق.
- بداية مشاركة المرأة في العمل العسكري (المرحلة الأولى قبل تنظيماتهن المستقلة). [11]
ومن ثم نجد أن جيش التحرير الشعبى كان يميل إلى مركزية شديدة، بحيث تُدار كل العمليات من قيادة عليا متصلة باللجنة المركزية للحزب، وقد واجه هذا الجيش عدة تحدايات أثناء مسيرته من أبرزها:
- العمليات الواسعة التي شنتها تركيا منذ بداية التسعينيات.
- الخسائر البشرية المرتفعة نتيجة المواجهات المفتوحة.
- صعوبة الحفاظ على خطوط إمداد ثابتة.
كل ذلك دفع نحو الحاجة لإعادة الهيكلة العسكرية لاحقاً.
المرحلة الثالثة: قوات الدفاع الشعبي ( Hêzên Parastina Gel – HPG)مرحلة “الدفاع” وإعادة التكيّف مع المتغيرات.
ظهور HPG بعد عام 2000م
مع حدوث مؤامرة واختطاف واعتقال أوجلان في 15 فبراير 1999م، دخل حزب العمال الكردستانى PKK مرحلة مراجعة شاملة لخطابه العسكري والسياسي.
كان الهدف المعلن هو “تقليل مستوى الصراع”، ومع ذلك لم يتخلّ الحزب عن جناحه المسلح، بل أعاد هيكلته تحت اسم جديد: وهو ” قوات الدفاع الشعبي HPG“، والسؤال الذى يطرح نفسه هنا ، لماذا تغيّر الاسم؟ (الدلالة الفكرية – التنظيمية)
فقد تغيير الاسم من جيش التحرير الشعبى ARGK إلى قوات الدفاع الشعبي HPG وهذا يعكس:
- محاولة الانتقال من “جيش ثوري مهاجم” إلى “قوة دفاعية”.
- تكيّف مع مرحلة سياسية جديدة تطرح فكرة الحوار أو الهدنة.
- تقليل مركزية القيادة وخلق هياكل أكثر مرونة مناسبة لحرب عصابات طويلة الأمد.
- الفلسفة القتالية الجديدة لـ HPG[12]
وقد اعتمد هذا التغير على وضع تكتيكات مرونة ميدانية عالي، مع تشكيل وحدات صغيرة مستقلة، وكذلك على معرفة جغرافية دقيقة، واستخدم أساليب دفاعية أكثر من الهجوم المباشر. ومن ثم، أصبحت قوات الدفاع الشعبي تُمثّل مرحلة استقرار نسبي مقارنة بالفترات السابقة، مع استمرار العمليات المتبادلة مع الدولة التركية في مناطق متفرقة.
يُلاحظ في تطور الأجنحة العسكرية أن كل تغيير اسم ارتبط بمرحلة جديدة:
- بداية تأسيس العمل المسلح HRK .
- مرحلة “العسكرة الكاملة” وبناء جيش شعبي ARGK .
- مرحلة “الدفاع” وإعادة التكيّف مع المتغيرات HPG . [13]
أسباب هذا التغيير
تُشير الدراسات تشير إلى ثلاثة تفسيرات إستراتيجية رئيسية:
- سياسية: ربط الحزب نفسه بالحوار أو عمليات السلام المحتملة.
- عسكرية: تعديل أسلوب القتال حسب الضغوط على الأرض.
- إعلامية: تقديم الخطاب العسكري بصيغة “تطورية” مرتبطة بمرحلة جديدة. [14]
دور القادة الأوائل وتأثيرهم في التشكّل العسكري
شهدت البدايات التنظيمية لحزب العمال الكردستانى أواخر السبعينيات تبلور نواة عسكرية تشكلت على يد مجموعة من القادة المؤسسين الذين لعبوا دوراً محورياً فى تحويل الحزب من تنظيم سيااسي ماركسي قومى صغير إلى قوة عسكرية منظمة، ومن ثم يمكن تلخيص دورهم فى بعض النقاط من قبيل :
- بناء العقيد العسكرية وتحديد الهدف الاستراتيجى
- تشكيل أولى للخلايا العسكرية ضمت شخصيات مثل كمال بير وحقي قرة ومظلوم دوغان .
- تطوير نظم التدريب والانضباط
- وضع أساليب القتال وتكتيكات الحرب
- ترسيخ مركزية القيادة والهيكل الهرمى
من أهم القادة الأوائل
- محمد قرى سنغر (أول قائد عسكري)
يُشار إلى محمد قرى سنغر كأحد أوائل الشخصيات التي لعبت دوراً قيادياً في النواة الأولى للعمل العسكرى فهو أول قائد عسكري في تاريخ الحركة الكردية المعاصرة الذي استشهد على يد العمالة والخيانة في (إقليم كردستان العراق) وهو يعمل لإصلاح ذات البين بين الحركات الكردية في مايو 1983م وتكمن أهميته في: [15]
- المشاركة في تأسيس البنى الأولى لوحدات HRK.
- صياغة العلاقة بين القيادة السياسية والميدان العسكري.
- وضع اللبنات الأولى لأسلوب القتال الذي اعتمد على الجغرافيا الجبلية. [16]
ذكره في الدراسات ليس واسعاً، لكن تأثيره يظهر في طريقة تشكّل الوحدات الأولى التي أصبحت لاحقاً جيش التحرير الشعبى ARGK
عكيد – معصوم قرقماز (1956- 1986م)
يُعد معصوم قرقماز، المعروف باسم عكيد، القائد الذي ارتبط اسمه بإعلان الكفاح المسلح رسمياً في 1984م. يُشار إليه بوصفه مُطلق الشرارة الأولى ، وكان قائد قفزة 15 أغسطس، وكان عكيد من المجموعات التي تدربت عند الثورة الفلسطينية ورجع بعدها إلى كردستان مع مجموعات عديدة للبدء بالكفاح المسلح وتوفى فى عام 1986م.
تجلت أهميته في:
- قيادة العمليات الأولى بدرجة من التنظيم.
- ترسيخ أسلوب حرب العصابات الجبلية.
- إعطاء العمل العسكري رمزية ثورية داخل الحزب.
يعتبره الباحثون رمزاً انتقالياً: من حركة سياسية إلى تنظيم مسلح نشط. [17]
كان للقادة الأوائل لحزب العمال تأثير جوهري فى صياغة بنيته العسكرية ؛ إذ مزجوا بين العقيدة الأيديولوجية والتنظيم المسلح ووضعوا أسس للحرب مما جعل التشكيل العسكرى جزءاً من هوية الحزب .
المرأة في الجناح العسكري: من المشاركة إلى تأسيس وحدات مستقلة
انضمت كوكبة من النساء إلى النضال الكردي المسلح منذ البداية. ومع ذلك، كان عددهن منخفضًا جدًا قبل أن يبدأ حزب العمال الكردستاني بتوسيع حضوره في الجامعات والمراكز الحضرية في أواخر الثمانينيات،[18] وانخراطه في مجال النشر والعملية السياسية الرسمية في أوائل التسعينيات، مما ساعد على استقطاب المزيد من النساء إلى صفوفه. وبحلول عام 1993م، بلغت نسبة النساء حوالي ثلث القوات المسلحة لحزب العمال الكردستاني.
كان هذا تطورًا غير عادي فى ظل المجتمع الأبوى ، والسؤال هنا، ما هي الظروف التي مكنت النساء من التحول من بشر مضطهدين من الدرجة الثانية إلى رعايا سياسيين واعيين انخرطوا في تمرد مسلح؟ كان العامل الرئيسي هو الأيديولوجية الاشتراكية لحزب العمال الكردستاني التي أكدت بقوة على تحرير المرأة على قدم المساواة مع الصراع الطبقي والتحرر الوطني. كتب مؤسس حزب العمال الكردستاني وزعيمه طويل الأمد، عبد الله أوجلان، عن كيفية معاملة الرجال في المجتمع الكردي للنساء كعبيد وسيطرة صارمة على حياة أقاربهن من الإناث. وأعلن بشكل مشهور: “لا يمكن أن تحدث ثورة بينما تكون النساء عبيدًا” و “تحرير المرأة هو تحرير المجتمع الكردى. [19]
وفي ملاحظة مسعود شريفي درياز، بينما ربطت النصوص التي كتبها أوجلان حول تحرير المرأة بين هذا الأخير والتحرر الوطني، ركز أوجلان بعد عام 1999م على التحليل التاريخي للمجتمع، ورأى في النظام الرأسمالي عاملاً رئيسيًا لاستعباد الإناث (على سبيل المثال في كتابه، ” الدفاع عن شعب، 2005م ” تم تعريف تحرير المرأة كشرط أساسي لتحرير كردستان. نظرًا لأن الدولة كانت تعيد إنتاج الذكورة باستمرار، كان لا بد من محاربتها لتحقيق المساواة بين الجنسين. وبالتالي أصبحت الحركة الكردية الضامن لاستقلال المرأة.[20]
بيد أن المفكر أوجلان قد تناول قضية حرية المرأة بالتوازي والتداخل مع قضية التحرر الوطني، وهنا تتجلى لنا ظاهرة إنجاز ” ثورة داخل ثورة “. ذلك أن تحرر المرأة من غبن العبودية وتداعياتها الثقيلة المتعششة فيها منذ آلاف السنين، يُشكل بحد ذاته ثورة. وهذا تحديداً هو ما ميّز حركة الحرية الكردستانية عموماً، وحركة حرية المرأة الكردستانية خصوصاً عن غيرها من جميع الحركات السابقة على صعيد مقاربتها الاستراتيجية والمحورية من قضية حرية المرأة. لقد كانت هذه الخطوة تدبيراً وقائياً تجاه إصابة الثورة بالهشاشة أو الرعونة، مثلما كانت خطوة استراتيجية على صعيد إبراز طاقات المرأة الدفينة وصقلها وتطويرها. بيد أن تلك الأفكار تداخلت حول تحرير المرأة مع مزاعم استحالة النضال الثوري لحزب العمال الكردستاني دون انضمام النساء إليه، ومن ثم ظهرت فكرة “تجيش المرأة” مما ألهم عددًا متزايدًا من النساء لحمل السلاح. وقد حازت العديد من الشابات على شعور جديد بالقيمة، فرأين في حزب العمال الكردستاني وسيلة مقبولة للهروب من حياتهن المقيدة. كما انه رأى فى نجاح ثورة المرأة شرطاً أساسياً لنجاح تحرر المجتمع. [21]
لقد ارتقت الناشطات داخل حزب العمال الكردستاني بجهود أوجلان الإيديولوجية القوية لمشاركة المرأة على قدم المساواة في جميع مناحي الحياة إلى مستويات جديدة. وقد شهد إنشاء وحدات مسلحة نسائية ومنظمات سياسية نسائية متتالية على تنامي حضور المرأة والاعتراف بها داخل حزب العمال الكردستاني
وكانت مشاركتها محدودة وغير مستقلة تنظيمياً داخل جيش التحرير الشعبى ARGK، ثم تطورت بعد ذلك وظهرت المرأة داخل صفوف ARGK منذ أواخر الثمانينيات إلى أن أسست وحدات المرأة الحرة – YJA-Star مع بداية الألفية، وبالتزامن مع إعادة الهيكلة العسكرية والسياسية، تأسست وحدات المرأة الحرة – ستار YJA-Star.يُمثل هذا التشكيل مرحلة جديدة تقوم على: استقلال تنظيمي داخل HPG ، تدريب خاص بالنساء ، مشاركة أوسع في العمل القتالي. كما تقوم على خطاب فكري يرتبط بفلسفة “تحرر المرأة” التي يروّج لها الحزب[22].
وحدات المرأة الحرة – YJA-Star: Yekîneyên Jinên Azad ên Star))
تنظيم عسكري نسوي كردي أُعلِن عن تأسيسه رسميًا عام 2004م، ويُعد الامتداد المباشر للتنظيمات النسائية المسلحة داخل حزب العمال الكردستاني (PKK)، ويُمثل أحد أهم نماذج المشاركة النسوية في الحركات الثورية الكردية.
الخلفية التاريخية
ظهرت وحدات المرأة الحرة بعد مسار طويل لمشاركة المرأة الكردية في الكفاح المسلح منذ ثمانينيات القرن العشرين. وجاء تأسيسها كتعبير عن الانتقال من المشاركة داخل وحدات مختلطة إلى تنظيم نسوي مستقل يمتلك قراره وبنيته الخاصة. [23]
وسُمّيتStar نسبة إلى عشتار (Ishtar)، رمز الخصوبة والقوة الأنثوية في حضارات وادي الرافدين، في إشارة رمزية إلى الجذور التاريخية لدور المرأة في الشرق القديم.
الرؤية الفكرية
تقوم YJA-Star على قناعة أساسية مفادها أن: تحرر المجتمع لا يتحقق دون تحرر المرأة وهذا ما أكد عليه المفكر عبد الله أوجلان فى كتابه ” كيف نعيش (1) المرأة الكردستانية الحرة ” .
وترتكز أيديولوجيًا على فكر عبد الله أوجلان، ولا سيما مفهوم:
- المرأة بوصفها القوة الطليعية للتغيير
- الربط بين النظام الأبوي والدولة السلطوية
- اعتبار النضال النسوي جزءًا لا ينفصل عن النضال القومي والاجتماعي[24]
الدور العسكري والتنظيمي
- شاركت في العمليات العسكرية لحزب العمال الكردستاني، خاصة في جبال قنديل ومناطق الصراع التركي–الكردي.
- تعمل كوحدات قتالية مستقلة بقيادة نسائية كاملة.
- تجمع بين التدريب العسكري، والتأهيل الأيديولوجي، والانضباط التنظيمي الصارم. [25]
الأهمية التاريخية والسياسية
ربما ترجع تلك الأهمية إلى عدة أسباب لعل علي رأسها:
- تُعد YJA-Star من أقدم التنظيمات النسوية المسلحة المستمرة في الشرق الأوسط.
- مهّدت الطريق لتجارب لاحقة مثل وحدات حماية المرأة (YPJ) في سوريا.
- شكّلت تحولًا عميقًا في صورة المرأة الكردية من “تابع” إلى فاعل ثوري مستقل.
تتناول دراسات عديدة في علم الاجتماع السياسي مشاركة المرأة في هياكل PKK باعتبارها “تجربة فريدة” في الحركات المتمردة، لكن غالباً تُطرح هذه التجربة في سياق نقدي لأنها مرتبطة بصراع مسلح طويل الأمد.[26]
الدلالات الفكرية والتنظيمية لتغيير الأسماء العسكرية وهو الربط بين الاسم والمرحلة، يُلاحظ في تطور الأجنحة العسكرية أن كل تغيير اسم ارتبط بمرحلة جديدة: HRKبداية تأسيس العمل المسلح، ARGK مرحلة “العسكرة الكاملة” وبناء جيش شعبى. و HPG مرحلة “الدفاع” وإعادة التكيّف مع المتغيرات.
أسباب هذا التغيير
هناك ثلاثة تفسيرات استراتيجية رئيسية هى:
- سياسية: ربط الحزب نفسه بالحوار أو عمليات السلام المحتملة.
- عسكرية: تعديل أسلوب القتال حسب الضغوط على الأرض.
- إعلامية: تقديم الخطاب العسكري بصيغة “تطورية” مرتبطة بمرحلة جديدة.
بيد أن تطور الأجنحة العسكرية لم يكن مجرد تغيير أسماء، بل كان تطورا في ً: التنظيم، العقيدة القتالية، وفى علاقة المركز بالوحدات الميدانية، ومشاركة المرأة، وفى الصلة بين العمل العسكري والسياسة. ولذا ، يُفهم هذا التطور فقط ضمن إطار صراع طويل ومعقّد بين الدولة التركية والحركة الكردية.
البنية العسكرية، التكتيكات، القيادة، ودور المرأة، والأثر الإنساني
البنية الداخلية لكل جناح مسلح (تاريخي وتنظيمي) من HRK/ARGK إلى HPG — تطورات تسميّة وبنية. ففي المراحل الأولى من الحركة المسلحة التابعة لحزب العمال الكردستاني (PKK) تطوّر الجناح المسلّح من مجموعات غير نظامية إلى تشكيلات أكثر تنظيماً أُطلق عليها تسميات مختلفة عبر الزمن؛ من بينها اسم جيش التحرير الشعبي الكردستاني (ARGK / People’s Liberation Army of Kurdistan) في فترات متقدمة من التسعينيات، ثم استبداله رسميًا بـقوات الدفاع الشعبي (Hêzên Parastina Gel — HPG) خلال مؤتمر الحزب في يناير 2000م. هذا التحوّل لم يكن مجرد تغيير اسم بل يحمل دلالة سياسية وتنظيمية تتصل بمحاولات إعادة التأطير بعد اعتقال قيادات عليا . [27]
آفاق نزع السلاح وإعادة الإدماج (2010–2025م)
شهدت تلك الفترة محطات وتحولات رئيسية أدت في نهاية المطاف إلى اتخاذ مسارات السلام
أولًا: السياق العام — بين الانفتاح المحدود وعودة الصدام ( 2010 – 2015م)
شهد مطلع العقد الثاني من الألفية بعض المحاولات السياسية المحدودة من جانب الدولة التركية لمعالجة جوانب من القضية الكردية، تمثلت في تخفيف قيود ثقافية ولغوية، وإشارات إلى تنوّع أكبر في مناطق الجنوب الشرقي. غير أن هذه المبادرات لم تُفلح في احتواء التوتر البنيوي القائم، إذ سرعان ما عاد مسار العنف إلى الواجهة بعد عام 2011، مع تجدّد المواجهات المسلحة بين حزب العمال الكردستاني وأجهزة الدولة.
هذا التصعيد أدى إلى تعطيل أي أفق حقيقي للتسوية السياسية، وأسهم في تفاقم الأوضاع الأمنية والإنسانية، بما في ذلك موجات نزوح جديدة، وتعميق القطيعة بين الدولة والمجتمعات الكردية، فضلًا عن تجميد النقاشات المتعلقة بالإصلاحات السياسية والحقوقية. [28]
ثانيًا: التمدد الإقليمي وتدويل القضية ( 2014 – 2020 م)
مع اندلاع الحرب ضد تنظيم “داعش” بعد عام 2014م، دخل الصراع مرحلة جديدة اتسمت بتوسّع نطاقه الجغرافي. إذ برز حضور حزب العمال الكردستاني في العراق، ولا سيما في مناطق مثل سنجار ونينوى، في سياق الدفاع عن جماعات محلية ومكونات مهدّدة، ما منح التنظيم دورًا إقليميًا يتجاوز الإطار التركي التقليدي.
هذا التحول أدّى إلى تعقيد النزاع، إذ بات مرتبطًا بتوازنات عراقية وسورية، وألقى بظلاله على بعض العلاقات الإقليمية، خاصة بين أنقرة وبغداد. كما أسهم في إدخال أبعاد دولية جديدة إلى القضية، بحيث لم يعد الصراع شأنًا داخليًا تركيًا فحسب، بل جزءًا من شبكة أوسع من التوترات الإقليمية. [29]
ثالثًا: تراجع الفاعلية العسكرية والتحوّل إلي الخطاب (2010 – 2020م)
ابتداءً من أواخر العقد، واجهت الأجنحة المسلحة للتنظيم، وعلى رأسها قوات الدفاع الشعبي، ضغوطًا عسكرية متصاعدة نتيجة الحملات التركية المستمرة، خصوصًا في المناطق الجبلية والحدودية. وأسفر ذلك عن إضعاف القدرة الحركية واللوجستية، وفرض مراجعة داخلية لطبيعة الاستراتيجية المعتمدة. [30]
في هذا السياق، تصاعدت داخل الخطاب السياسي الكردي إشارات إلى محدودية العمل المسلح كوسيلة وحيدة لتحقيق المطالب، وبرزت دعوات متزايدة نحو البحث عن حلول سياسية، مدفوعة بتراجع الحاضنة الاجتماعية في بعض المناطق، وإرهاق المجتمعات من كلفة الصراع الممتد.
تحول تاريخي — من العسكرة إلى أفق التسوية 2025م
أولًا: نداء السلم ووقف إطلاق النار
في مطلع عام 2025، شكّلت الدعوة الصادرة عن قيادة الحزب إلى نزع السلاح وحل التنظيم المسلح حدثًا مفصليًا في مسار الصراع. إذ طُرحت هذه الدعوة باعتبارها انتقالًا نحو مرحلة سياسية ديمقراطية، بدل الاستمرار في المواجهة العسكرية.
وجاءت استجابة الجناح المسلح سريعة نسبيًا، من خلال إعلان وقف شامل لإطلاق النار، مع التأكيد على الالتزام بعدم المبادأة بالهجوم، وحصر استخدام السلاح في حدود الدفاع الذاتي، ما عكس استعدادًا مبدئيًا للدخول في مسار جديد. [31]
ثانيًا: قرار التفكيك والتنظيم الذاتي
في مايو 2025م، أقرّ المؤتمر العام للحزب قرارًا تاريخيًا يقضي بتفكيك البنية التنظيمية المسلحة، وإنهاء نهج الكفاح المسلح رسميًا. واعتُبر هذا القرار تحوّلًا جذريًا بعد قرابة أربعة عقود من العنف، مع إعادة تعريف القضية الكردية باعتبارها مسألة سياسية وحقوقية تُعالج ضمن الأطر الديمقراطية.
وتُوّج هذا المسار بخطوات رمزية أولية لتسليم السلاح في مناطق من شمال العراق، في إشارة إلى بدء الانتقال من التعهدات الخطابية إلى التطبيق العملي، ولو بشكل تدريجي. [32]
إعادة تعريف الدور
لا شك أن انخراط الحزب في مواجهة تنظيم داعش أسهم في إعادة تشكيل صورته الإقليمية، حيث انتقل من كونه فاعلًا محصورًا في نزاع مع الدولة التركية، إلى لاعب أمني في بيئات عراقية هشّة. وقد اعتُبر هذا الدور من قبل بعض الأطراف دفاعًا مشروعًا عن المكونات، بينما رآه آخرون توسعًا سياسيًا وعسكريًا يتجاوز حدود السيادة الوطنية. هذا التناقض في التقييمات زاد من تعقيد مسألة التسوية، وأدخلها في حسابات إقليمية ودولية متشابكة.
تحوّل 2025م من الحرب إلى السياسة: فرص السلام وتحديات التنفيذ
بعد نداء أوجلان للسلام التزام HPG بوقف إطلاق النار— خطوة تاريخية غير مسبوقة منذ سنوات الصراع — تُعتبر بمثابة “عرض سلام” سياسي، ربما استجابة لضغوط عسكرية، داخلية، إقليمية، وتغير في أولويات كردية. لكن التحدي الأساسي هو كيفية تنفيذ نزع السلاح فعليًا: الأسلحة موزّعة في مناطق جبلية، عبر شبكات لوجستية، مع مقاتلين موزّعين بين تركيا، العراق، وربما سوريا — مما يتطلب آليات مراقبة دولية/إقليمية، ضمانات حياة/أمان للمقاتلين السابقين، وضمان مشاركة كردية سياسية حقيقية. تحليلات تقول إن نجاح هذه الخطوة يعتمد على “إطار قانوني/دستوري” جديد.
يُعد الالتزام بوقف إطلاق النار، وما تبعه من قرارات حلّ ذاتي، خطوة غير مسبوقة في تاريخ الصراع، إلا أن التحدي الحقيقي يكمن في التنفيذ. فعملية نزع السلاح تواجه صعوبات لوجستية وجغرافية، في ظل انتشار المقاتلين وتوزعهم بين عدة دول. كما تتطلب العملية آليات رقابة وضمانات قانونية وأمنية تحمي المقاتلين السابقين من الملاحقة الانتقامية، وتتيح لهم التحوّل إلى فاعلين مدنيين ضمن إطار سياسي شرعي.[33]
استشراف السيناريوهات المستقبلية
يجد أكراد حزب العمال الكردستاني أنفسهم اليوم أمام مرحلة مفصلية، تتعدد فيها المسارات المحتملة، ويتحدد مسارها بين فرص الانفراج ومخاطر الارتداد. فالمستقبل لا يسير في اتجاه واحد، بل تحكمه جملة من السيناريوهات التي تتباين نتائجها بين نقل الحزب إلى مرحلة سياسية أكثر أمانًا، أو إعادته إلى نقطة البداية، أو وضعه في مسار تسويات جزئية لا تحقق طموحاته الكاملة ولا تُقصيه تمامًا. وفي هذا الإطار يمكن تصور السيناريوهات الآتية:
السيناريو الأول: السلام البراغماتي
ينطلق هذا السيناريو من فرضية أن التخلي عن السلاح يُعد خطوة تكتيكية محسوبة، من شأنها أن تفتح المجال أمام مكاسب سياسية وثقافية ملموسة للأكراد داخل الدولة التركية. كما يفترض التزام أنقرة بتعهداتها، في ظل رقابة وضمانات إقليمية ودولية، بما يفضي إلى نتائج متعددة، من أبرزها:
- إنهاء دوائر العنف والتركيز على التنمية يؤدي توقف الصراع المسلح إلى الحد من الخسائر البشرية والاقتصادية، ويُعيد قدراً من الاستقرار إلى المناطق الحدودية، الأمر الذي يهيّئ بيئة أكثر ملاءمة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية في المناطق ذات الغالبية الكردية.
- تفعيل الاندماج السياسي يتيح هذا المسار تعزيز موقع حزب المساواة والديمقراطية للشعوب (DEM) بوصفه الممثل السياسي الرئيسي للأكراد داخل البرلمان التركي، بما يوفر قنوات ديمقراطية أوسع للمطالبة بالحقوق، مثل التعليم باللغة الكردية، وتكريس ضمانات دستورية أوسع.
- إعادة تحسين صورة حزب العمال الكردستاني إن التحول من العمل المسلح إلى الفعل السياسي قد يدفع بعض الأطراف الدولية إلى إعادة النظر في تصنيف الحزب، بما يفتح المجال أمام أشكال جديدة من التفاعل السياسي والدبلوماسي.
- الشرط الحاسم لتحقيق السيناريو يتمثل في توفر دعم إقليمي ودولي مستمر (من العراق، وإقليم كردستان، وبعض الدول الأوروبية، إضافة إلى أدوار غير مباشرة لقوى دولية كبرى)، بما يفرض ضغوطًا فعلية على تركيا لتقديم ضمانات قانونية وسياسية، كتحسين ظروف احتجاز عبد الله أوجلان أو إدخال تعديلات دستورية.
- احتمالية التحقق في حال توافرت ضغوط دولية فعالة، وتحقق إجماع كردي نسبي حول هذا الخيار، فإن فرص تحقق هذا السيناريو تُعد متوسطة إلى مرتفعة. [34]
السيناريو الثاني: الجمود الجزئي
يعكس هذا السيناريو تصورًا أكثر تحفظًا، قوامه تحقيق مكاسب محدودة دون الوصول إلى تسوية شاملة. ووفق هذا المنظور، قد يؤدّي تسليم السلاح إلى تهدئة الصراع، لكنه لا ينهيه بالكامل، وتتجلى ملامحه في الآتي:
- خفض مستوى العنف دون القضاء عليه كليًا من المرجح أن ينحسر العنف بدرجة ملموسة، مع بقاء احتمالات لظهور أنشطة مسلحة محدودة من فصائل رافضة للقرار، أو بقاء أسلحة مخفية كأداة احتياطية ريثما تتضح جدية الطرف الآخر.
- مكاسب سياسية تدريجية وبطيئة قد يحصل الأكراد على بعض التنازلات والحقوق، إلا أن وتيرة الإصلاح ستكون بطيئة، وقد تصطدم محاولات التعديل الدستوري بمعارضة داخلية قوية في تركيا.
- تذبذب المساندة الدولية في حال غياب نتائج ملموسة وسريعة، قد يتراجع الاهتمام الدولي بملف السلام، خاصة مع تزاحم الأزمات الإقليمية والدولية الأخرى.
- استمرار القضية الكردية بوصفها ملفًا مفتوحًا رغم تسليم السلاح، ستظل المسألة الكردية قائمة سياسياً واجتماعياً، مع إمكانية بروز مطالب جديدة في المستقبل.
ويُمثل هذا السيناريو انعكاسًا لتعقيدات السياسة التركية وطول أمد الخلاف التاريخي، لذا تُعد احتمالية حدوثه متوسطة.
السيناريو الثالث: الخطأ التاريخي
يُعد هذا السيناريو الأكثر تشاؤمًا، ويقوم على افتراض أن التخلي عن السلاح قد يتحول إلى خطوة كارثية إذا لم تلتزم تركيا بتعهداتها، أو إذا بُني القرار على حسابات غير دقيقة. وتتمثل نتائجه المحتملة في:
- فقدان أدوات الضغط والتأثير قد يؤدي تسليم السلاح إلى تآكل نفوذ حزب العمال الكردستاني وفقدانه لقدرته على التأثير، ما ينعكس سلبًا على مكانته داخل الشارع الكردي.
- تعثر أو تراجع مسار الحقوق الكردية في ظل غياب الضمانات، قد تتباطأ عملية الإصلاح أو تتراجع كليًا، ما يولّد حالة إحباط واسعة بين الأكراد.
- تهميش التمثيل السياسي قد يعجز حزب المساواة والديمقراطية للشعوب عن إحداث اختراق سياسي حقيقي، الأمر الذي يؤدي إلى استمرار تهميش الصوت الكردي داخل مؤسسات صنع القرار التركي.
- إمكانية عودة أنماط مقاومة جديدة ورغم أن هذا الاحتمال يبقى محدودًا، إلا أن الشعور بالخديعة أو ضياع المكاسب قد يدفع إلى ظهور فصائل جديدة، أو إعادة إحياء فكرة الكفاح المسلح بصيغ مختلفة.
- تفاقم وضع عبد الله أوجلان قد لا تشهد ظروف احتجازه أي تحسن، وربما تتدهور، ما يزيد من حالة الإحباط داخل قواعد الحزب التي منحت أوجلان رمزية مركزية.
في حال غياب آليات ضمان واضحة، أو افتقار الجانب التركي للجدية في إنجاز تسوية شاملة، تبقى احتمالات هذا السيناريو قائمة، وإن كانت منخفضة إلى متوسطة. [35]
آفاق وآليات نزع السلاح وإعادة الإدماج
لابد أن تتم هذه الآليات وإعادة الإدماج من خلال خطوات عدة منها:
- نزع أو حرق السلاح والرقابة
- تأسيس لجنة مشتركة تضم: الحكومة التركية، حكومة إقليم كردستان (بغداد)، مراقبين دوليين (منظمات حقوقية أو دول محايدة) — تشرف على تسليم أو حرق الأسلحة، تأمين مناطق الاستلام، وتوثيق كامل للأسلحة. هذا يقلّل من مخاطر إعادة انتشار السلاح.
- تسجيل أسماء المقاتلين السابقين، منحهم “بطاقة مصالحة” أو “هوية سلام”: تمنحهم الحماية القانونية، وتسهّل إعادة إدماجهم في المجتمع المدني، وتمنع ملاحقتهم انتقاميًا.
- جدولة زمنية واضحة لنزع السلاح: مرحلة أولى — جمع الأسلحة الثقيلة، المرحلة الثانية — تفكيك معسكرات/قواعد، المرحلة الثالثة — إدماج المقاتلين أو تأهيلهم لمهمات مدنية أو خدمية.
ومن ثم، يتطلب نجاح هذه العملية إنشاء آليات مشتركة تشرف على جمع أو حرق السلاح، وتوثيقه، وتفكيك القواعد العسكرية، ضمن جدول زمني واضح ومتدرج، يحد من مخاطر إعادة التسلح أو ظهور جماعات خارجة عن السيطرة.
- إعادة الإدماج الاجتماعي والاقتصادي
- برامج إعادة تأهيل نفسي واجتماعي (للمقاتلين السابقين + عائلاتهم)، دعم نفسي وإعادة تأهيل، خاصة لمن عاشوا سنوات نزاع.
- استثمارات تنموية في المناطق المتضررة — جنوب شرق تركيا، ومناطق ذات أغلبية كردية — لتعويض النزوح، التدمير، وتفكيك شبكات اقتصادية/لوجستية للحركة المسلحة.
- ضمان حقوق لغوية/ثقافية وسياسية للأكراد كجزء من تسوية شاملة: تكفل للهوية، المشاركة السياسية، وتجذير مناخ التعايش بدل الصراع — وهو شرط أساسي للاستقرار طويل الأجل.
وقد مثل الإدماج المجتمعي أحد أعمدة الاستقرار طويل الأجل، من خلال برامج دعم نفسي، وتأهيل مهني، وتنمية اقتصادية في المناطق المتضررة، بما يعالج الجذور الاجتماعية للنزاع، وليس مظاهره فقط.
- الإطار السياسي والقانوني
- تعديل تشريعي/دستوري في تركيا لاعتراف بحقوق الكرد — لغتهم، ثقافتهم، تمثيلهم في مؤسسات الدولة — ما يعطي بديلًا سياسيًا لمطالب كانت تُستخدم مبرّرًا لصراع مسلح.
- فتح حوار “مصالحة وطنية” يشمل ضحايا من المدنيين (الكرد والترك) — لإنهاء منطق “الثأر” أو “العدالة الانتقامية” وإرساء منطق قانوني/عدلي.
- ضمان مشاركة منظمات مدنية مستقلة (منظمات حقوق إنسان، جمعيات نسوية، منظمات شبابية) في مراقبة عملية الانتقال، حماية حقوق المرأة (مقاتلات سابقات) وضمان عدم تهميشهن مجدداً. [36]
الفرص والتحديات
بالنسبة للفرص مثل القرار الحالي بإنهاء العمل المسلح فرصة نادرة لكسر حلقة العنف، ويفتح نافذة لإعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمعات الكردية على أسس سياسية وسلمية، مع إمكانية دور إقليمي داعم للعملية.
أما التحديات، ففي المقابل، تظل العملية محفوفة بالمخاطر، في ظل غموض آليات التنفيذ، واحتمال بروز مجموعات رافضة، وصعوبات إعادة الإدماج الاجتماعي والنفسي، فضلًا عن الحاجة الملحّة لضمانات قانونية وثقافية حقيقية تمنع إعادة إنتاج الصراع بصيغ جديدة.
وفى الختام فإن نضال الهوية الكردية يُمثّل إحدى أطول وأعقد تجارب الصراع في الشرق الأوسط الحديث، حيث تداخلت المطالبة بالاعتراف والحقوق مع منطق القوة والعسكرة. ومنذ نشأة حزب العمال الكردستاني، بدا الكفاح المسلح، في نظر قادته وقواعده، أداة اضطرارية لفرض الوجود وكسر التهميش، لا غاية في ذاته. غير أنّ تراكم التجربة، وكلفة العنف البشرية والاجتماعية، وحدود السلاح في إحداث تحوّل سياسي مستدام، كلّها عوامل دفعت هذا النضال إلى لحظة مراجعة تاريخية.
في هذا السياق، تأتي دعوة عبد الله أوجلان إلى السلام، وما تبعها من قرار حلّ حزب العمال الكردستاني وحرق السلاح، بوصفها تحوّلًا رمزيًا وعمليًا في آن واحد؛ تحوّل ينقل الصراع من منطق القطيعة إلى منطق التفاوض، ومن لغة البندقية إلى فضاء السياسة. فحرق السلاح لا يحمل دلالة عسكرية فحسب، بل يُمثّل محاولة لإعادة تعريف الهوية الكردية خارج ثنائية “العدو – المقاتل”، وتأسيسها على مفاهيم المواطنة والحقوق والاعتراف المتبادل.
غير أن هذا التحوّل، على أهميته، لا يعني نهاية نضال الهوية، بل بداية طور جديد منه. فالسلام لا يُختزل في وقف إطلاق النار أو تفكيك التنظيمات المسلحة، بل يتطلّب إرادة سياسية صادقة، وضمانات دستورية، وعدالة انتقالية تعالج جراح الماضي وتمنع إعادة إنتاجه. وهنا، يصبح الامتحان الحقيقي ليس في قرار التخلي عن السلاح، بل في قدرة الدولة والمجتمع على تحويل هذا القرار إلى سلام عادل وشامل.
إن تجربة حزب العمال الكردستاني، من الكفاح المسلح إلى مسارات السلام، تكشف أن الهوية لا تُنتزع بالقوة وحدها، ولا تُصان بالشعارات، بل تُبنى عبر الاعتراف والاندماج والمساواة. وبين رمزية حرق السلاح وإمكانات السياسة، يقف الأكراد اليوم أمام مفترق تاريخي: فإما أن يتحول السلام إلى إطار جديد لنضال الهوية بوسائل ديمقراطية، وإما أن يبقى مجرّد هدنة مؤقتة في صراع لم يُغلق ملفّه بعد.
[1] – أوجلان : أدعو العمال الكردستانى لإلقاء سلاحه وحل نفسه ، موقع العربية ، 27 فبراير 2025م
[2] – نفسه
[3] – جليلي جليل وآخرون، ترجمة د. عبدى حاجى، الحركة الكوردية فى العصر الحديث ، مؤسسة موكريانى للبحوث والنشر ، 2012م.؛ جنكيز غونيش | الحركة الوطنية الكردية في تركيا: من الاحتجاج إلى المقاومة (لندن: روتليدج، 2012).
أوجلان، عبد الله، الدفاع عن شعب. ترجمة زاخو رزكاري، 2005م.
Zürcher, Erik Jan. Turkey: A Modern History. I.B. Tauris,Co Ltd , publishers London. New York, 2004 .
[4]– عبد الله أوجلان، مانيفستو الحضارة الديمقراطية ، المجلد الخامس ، القضية الكردية وحل الأمة الديمقراطية، ترجمة زاخو شيار، ط1، لبنان ، 2018م.
Gurses, Mehmet. Anatomy of a Civil War: Sociopolitical Impacts of the Kurdish Conflict. University of Michigan Press, 2018.
[5]– Marcus, Aliza. Blood and Belief: The PKK and the Kurdish Fight for Independence. NYU Press, 2007.
[6] – أمست عصمت ، حزب العمال الكردستاني: تقرير عن العنف الانفصالي في تركيا (1973-1992). صحيفة ديلي نيوز التركية، 1992؛ أوجلان، عبد الله. الدفاع عن شعب.
Gunes, Cengiz. Ibid ص. 89-92.
[7] – حزب العمال الكردستاني يعلن وقف إطلاق النار مع تركيا، BBC Arabic، 1 مارس 2025م . أوجلان، عبد الله، مانيفستو الحضارة الديمقراطية، ج5 .
[8] – ناتالي، دينيس، الأكراد والدولة: تطور الهوية الوطنية في العراق وتركيا وإيران، مطبعة جامعة سيراكيوز، ٢٠٠٥م؛ درياز، مسعود شريفي. المرأة والقومية: كيف تُغيّر الناشطات الصراع الكردي، 2011.
[9]– أولى بالينجر، التمرد كشبكة معقدة: التشابه في الصورة والتسلسل الهرمي في حزب العمال الكردستاني، 14 يوليه 2022م .
[10] – أوجلان، الدفاع عن شعب؛ على بالجى، السياسة الأقليمية لحزب العمال الكردستانى، جامعة سكاريا، يناير 2017م.
[11] – إليزا ماركوس ، الدم والإيمان: حزب العمال الكردستاني والنضال الكردي من أجل الاستقلال ، جامعة نيويورك، 2007م. أوجلان ، مانيفستو الحضارة الديمقراطية ج 5 .
[12]– ساعود، جمال، دلالات تسليم حزب العمال الكردستاني أسلحته والسيناريوهات المستقبلية، مجلة السياسة الدولية، 21 يوليو 2025م. . https://www.siyassa.org.eg/News/22062.aspx
[13]– أحمد شيخو، 15 آب ( أغسطس).. مقاومة و انبعاث وحرية للأمة الكردية و ديمقراطية للمنطقة، الحوار المتمدن ، 14 أغسطس 2024م.
[14]– https://www.siyassa.org.eg/News/22062.aspx.
[15]– أحمد شيخو، https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=765365
[16]– أوجلان ، الدفاع عن شعب .
[17]– إسكندر، غاندي، معصوم قورقماز الأسطورة الذي رسم شهادته بلون الشفق والحرية، روناهي، 27 مارس 2020؛ أحمد شيخو ، أوجلان ، الدفاع عن شعب .
[18]– سكينة جانسيز ، ترجمة ، بشرى على ، حياتى كلها صراع، دار نفرتيتى للنشر ، 2022م.
[19]– أوجلان، عبد الله، كيف نعيش (1): المرأة الكردستانية الحرة، ترجمة بشرى علي، 2022.
[20]– درياز، مسعود شريفي. المرأة والقومية: كيف تُغيّر الناشطات الصراع الكردي، 2011.
[21]– سحر حسن أحمد، المرأة الحرة فى فكر أوجلان، مركز آتون للدراسات، 8 مارس 2024م. https://www.tinyurl.com/mu4r3wah
[22]– بشري علي، مانيفستو حرية المرأة فى القرن الحادى والعشرين، منشورات أكاديمية المرأة الحرة، أبريل 2004م.
[23]– مقابلة مع أول جيش نسائى فى العالم yaj ، موقع ماتشوركا، 17 أغسطس 2015م.
Interview With The Worledks First Army of Women: yja- star. Makhorka.espivblogs.net
[24]– أوجلان كيف نعيش 1 ، المرأة الكردستانية الحرة .
[25]– المرأة الكردستانية… رائدة تأسيس قوة عسكرية منظمة في العالم، 7 مارس 2022 م.
- د.جوكالب، تحليل جندري للعنف والعدالة والمواطنة: المرأة الكردية تواجه الحرب والنزوح في تركيا. المنتدى الدولي للدراسات النسائية 2010 . [ جوجل سكولار ]
[26]– نفسه؛ درياز، مسعود شريفي. المرأة والقومية: كيف تُغيّر الناشطات الصراع الكردي، 2011.
[27]– جيهان بيلكين، 26 عاماً من نضال المرأة ضدّ المؤامرة، وكالة أنباء هاورد، 7 أكتوبر 2024م.
[28]– ساعود جمال ساعود، دلالات تسليم حزب العمال الكردستانى أسلحته والسيناريوهات المستقبلية، 21 يولية 2025م، مجلة السياسة الدولية.
[29]– رائد الحامد، حزب العمال الكردستاني في سنجار… بؤرة صراع متعدد»، معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، 5 يوليو 2017م.
[30]– • خورشيد دلى، حسابات التصعيد في الأزمة التركية الكردية، 06 مايو، 2016
[31]– ديفيد ميرسر، حزب العمال الكردستاني يعلن وقف إطلاق النار مع تركيا، أول مارس 2025م. بى بى سى.
زوزانا كرزيز انوفسكا، تركيا: القرار التاريخي لحزب العمال الكردستاني بحلّ نفسه، أوسو ، 13 مايو 2025م.
[32]– إلقاء السلاح: سيناريوهات السلام بين تركيا وحزب العمَّال الكردستاني، 26 يوليو 2025م، مركز المستقبل للأبحاث والدراسات .
نديم شنر، لماذا حرق العمال الكردستانى أسلحته أمام أردوغان؟ الجزيرة ، 13 يوليه 2025م.
[33]– عملية السلام التركية مع الأكراد: التاريخ والتحديات والمسار المستقبلي.
https://dckurd.org/2025/09/26/turkeys-peace-with-kurds/ .
[34]– ساعود جمال ساعود، دلالات تسليم حزب العمال الكردستانى أسلحته والسيناريوهات المستقبلية، 21 يولية 2025م، مجلة السياسة الدولية.
[35]– نفسه
[36]– نفسه، مركز المستقبل للأبحاث. إلقاء السلاح، 2025.[36]– نفسه، مركز المستقبل للأبحاث. إلقاء السلاح، 2025.



