مقالات

الفئات المهمَّشة في الخطاب الإعلامي العربي: غياب الصوت أم تشويه الصورة؟

تحليل: أ.د. سوزان القليني … يُعد الإعلام أحد أهم الفاعلين في تشكيل الوعي الجمعي وبناء الصور الذهنية عن الأفراد والجماعات داخل المجتمع. فهو لا يكتفي بنقل الأحداث، بل يُسهم في تحديد من يُرى ومن يُهمَّش، ومن يُمنح الصوت ومن يُقصى عنه. وفي هذا السياق، تبرز قضية الفئات المهمَّشة بوصفها واحدة من أكثر القضايا حساسية وتعقيدًا في الخطاب الإعلامي العربي، خاصة حين يتعلق الأمر بالفئات المهمشة عِرقيًا وفكريًا ودينيًا.

ورغم ما تتميز به المجتمعات العربية من تنوع ثقافي وديني وفكري، فإن هذا التنوع لا ينعكس بصورة عادلة أو متوازنة في وسائل الإعلام. فكثيرًا ما تغيب قضايا الفئات المهمشة عن التغطية المنتظمة، أو تُطرح في سياقات استثنائية مرتبطة بالأزمات والصراعات، بما يرسخ صورة ذهنية غير مكتملة، ويعيد إنتاج التهميش بشكل غير مباشر. ويُلاحظ أن الإعلام في كثير من الأحيان يركّز على الحدث لا على السياق، وعلى الاختلاف لا على الجذور الاجتماعية والثقافية، الأمر الذي يُضعف الفهم الحقيقي لطبيعة هذه الفئات وقضاياها.

ورغم التنوع الكبير الذي تزخر به المجتمعات العربية، فإن هذا التنوع لا يظهر بالقدر نفسه في وسائل الإعلام، حيث يغيب التناول المتوازن والعميق لقضايا الفئات المهمشة، أو يُقدَّم في أطر نمطية تختزل هذه الفئات في صور محددة، غالبًا ما ترتبط بالصراع أو الاختلاف أو الهشاشة. ومن هنا يبرز التساؤل الجوهري: هل يعاني المهمَّشون في الإعلام العربي من غياب الصوت، أم من تشويه الصورة؟

أولًا: من هم الفئات المهمَّشة في السياق العربي؟

لا يقتصر مفهوم الفئات المهمَّشة على الفقر أو التهميش الاقتصادي فقط، بل يمتد ليشمل جماعات تُقصى اجتماعيًا أو ثقافيًا أو إعلاميًا، رغم كونها جزءًا أصيلًا من نسيج المجتمع. وتأتي الفئات المهمشة عِرقيًا وفكريًا ودينيًا في مقدمة هذه الفئات، حيث تواجه تحديات مركبة تتعلق بالاعتراف والتمثيل والاندماج.

ففي كثير من السياقات العربية، يتم التعامل مع هذه الفئات بوصفها “استثناءً” أو “حالة خاصة”، لا باعتبارها مكوِّنًا طبيعيًا من مكونات المجتمع. ويؤدي هذا التصور إلى ممارسات إعلامية تكرّس التهميش، سواء عبر التجاهل المتعمد، أو التناول السطحي، أو الربط الدائم بين هذه الفئات والأزمات والصراعات.

ثانيًا: غياب الصوت… التهميش الصامت في الإعلام العربي

يُعد غياب الصوت أحد أبرز مظاهر التهميش الإعلامي، حيث لا تحظى قضايا الفئات المهمشة بالمساحة الكافية في الأجندة الإعلامية، ولا يُمنح أفرادها الفرصة للتعبير عن أنفسهم بلسانهم هم. وغالبًا ما يتم الحديث عنهم، لا الحديث معهم، فيتحولون إلى موضوع للتناول بدلًا من أن يكونوا شركاء في صناعة الخطاب.

ويظهر هذا الغياب في عدة صور، منها:

ضعف التغطيات المتعمقة التي تناقش قضايا الفئات المهمشة بوصفها قضايا حقوق ومواطنة.

الاقتصار على التناول الموسمي المرتبط بالأزمات أو الأحداث الاستثنائية.

غياب ممثلي الفئات المهمشة عن البرامج الحوارية والمنصات التحليلية.

هذا الصمت الإعلامي لا يعني الحياد، بل يُسهم في ترسيخ الإقصاء، ويُضعف فرص الفهم المتبادل، ويترك المجال مفتوحًا للشائعات والخطابات المتطرفة

ويُعد غياب الصوت أحد أبرز مظاهر التهميش الإعلامي، حيث يتم الحديث عن الفئات المهمشة بدلًا من إتاحة الفرصة لها للتعبير عن نفسها. وغالبًا ما تُستبعد هذه الفئات من المنصات الحوارية وبرامج النقاش والتحليل، الأمر الذي يحرم الجمهور من الاستماع إلى وجهات نظر متعددة، ويُضعف ثقافة الاختلاف وقبول الآخر. كما يؤدي هذا الغياب إلى سيطرة رواية واحدة، تعكس في الأغلب رؤية النخب أو المؤسسات، لا رؤية الفئات المعنية بالقضية ذاتها.

ثالثًا: تشويه الصورة… حين يتحول الحضور إلى عبء

في المقابل، قد تحظى بعض الفئات المهمَّشة بحضور إعلامي، لكنه حضور مشروط ومشوَّه. فبدلًا من تقديم صورة إنسانية متوازنة، يتم اختزال الفئات المهمشة في قوالب نمطية، تُبرز الاختلاف على حساب المشتركات، وتربط الهوية بالتهديد أو الغرابة أو الهشاشة.

ويتمثل تشويه الصورة في:

استخدام لغة إعلامية تحمل إيحاءات سلبية أو تمييزية.

التركيز على الجوانب الخلافية دون السياق التاريخي أو الاجتماعي.

تجاهل النجاحات والمساهمات الإيجابية لأفراد الفئات المهمشة في المجتمع.

وهنا لا يكون الإعلام غائبًا، بل حاضرًا بشكل يُعمّق التهميش، ويعيد إنتاج الصور الذهنية السلبية لدى الجمهور ويؤدي هذا النمط من التناول إلى ترسيخ الصور الذهنية السلبية، وتعميق الفجوة بين مكونات المجتمع، كما يُسهم في إنتاج خطاب إقصائي قد يتحول، في بعض الأحيان، إلى ممارسات تمييزية على أرض الواقع.

رابعًا: الإعلام التقليدي بين المهنية والمحاذير

يواجه الإعلام العربي التقليدي تحديات خاصة في تناوله لقضايا الفئات المهمشة، إذ تحكمه اعتبارات سياسية وثقافية واجتماعية، تجعله يتعامل بحذر شديد مع ملفات التنوع والاختلاف. وفي كثير من الأحيان، يُفضّل الإعلاميون الابتعاد عن هذه القضايا، خشية إثارة الجدل أو الاتهام بالانحياز

ويواجه الإعلام العربي التقليدي تحديات كبيرة في تناوله لقضايا الفئات المهمشة، حيث تحكمه اعتبارات سياسية وثقافية ومجتمعية تجعله يتعامل بحذر مفرط مع هذه الملفات. إلا أن هذا الحذر قد يتحول إلى تقصير مهني حين يغيب التحليل العميق،، أو تُستبعد زوايا الرأي المختلفة أو تُهمَل المعالجة المتوازنة القائمة على المعرفة والسياق. كما أن غياب التخصص والتدريب في قضايا التنوع والاختلاف يسهم في ضعف جودة التناول الإعلامي، ويجعل بعض التغطيات أسيرة للانطباعات أو التحيزات غير الواعية

.المهنية الإعلامية لا تعني الصمت، بل تعني التناول الواعي القائم على المعرفة، واحترام حقوق الإنسان، وتقديم المعلومة في سياقها الصحيح.

خامسًا: الإعلام الرقمي… مساحة بديلة أم تهميش جديد؟

مع صعود الإعلام الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي، برزت مساحات جديدة للتعبير عن قضايا الفئات المهمشة، وأصبح بإمكان الأفراد سرد قصصهم بأنفسهم بعيدًا عن الوساطة الإعلامية التقليدية. وقد أسهم ذلك في كسر بعض أشكال الصمت الإعلامي، وفتح المجال أمام روايات بديلة كانت غائبة أو مهمشة. وبالفعل، أتاحت هذه المنصات فرصًا جديدة لسرد القصص الذاتية، وبناء شبكات دعم، ولفت الانتباه إلى قضايا كانت غائبة غير أن هذه المساحات الرقمية لا تخلو من مخاطر، مثل خطاب الكراهية، والتنمر الإلكتروني، والاستقطاب الحاد، فضلًا عن تحويل القضايا الإنسانية إلى محتوى استهلاكي سريع تحكمه منطق “الترند” وعدد المشاهدات.

وتزداد خطورة هذا الأمر حين تُختزل معاناة الفئات المهمشة في مشاهد صادمة أو قصص مثيرة، دون معالجة جذرية أو متابعة حقيقية، ما يؤدي إلى تطبيع التهميش بدلًا من مقاومته. كما أن غياب الضوابط المهنية والأخلاقية في بعض المنصات الرقمية يجعل هذه الفئات عرضة لإعادة إنتاج التمييز بصورة أكثر حدّة

سادسًا: المسؤولية الأخلاقية للإعلام العربي

يقع على عاتق الإعلام العربي دور أخلاقي ومهني في التعامل مع قضايا الفئات المهمشة، يتجاوز مجرد التغطية إلى إعادة بناء الخطاب. ويتطلب ذلك:

الالتزام بلغة إعلامية غير إقصائية.

إتاحة المنصات لأصوات الفئات المهمشة للتعبير عن نفسها.

تدريب الإعلاميين على قضايا التنوع والاختلاف الثقافي.

ربط التناول الإعلامي بقيم المواطنة والعدالة الاجتماعية

فالإعلام، في جوهره، شريك في التنمية، وأداة لصناعة الوعي، وليس مجرد ناقل للأحداث

ومن هنا، تبرز المسؤولية الأخلاقية والمهنية للإعلام العربي في التعامل مع قضايا الفئات المهمشة، بما يتجاوز التناول السطحي أو الموسمي، نحو خطاب إعلامي أكثر عدالة وشمولًا. ويتطلب ذلك الالتزام بلغة غير إقصائية، وتجنب الصور النمطية، واحترام الكرامة الإنسانية، فضلًا عن تدريب الإعلاميين وتمكينهم من أدوات التحليل الواعي.

كما يتطلب الأمر إدماج قضايا الفئات المهمشة ضمن السياسات التحريرية للمؤسسات الإعلامية، وعدم التعامل معها بوصفها ملفات حساسة أو هامشية، بل باعتبارها جزءًا من القضايا المجتمعية العامة. ويُعد ربط التناول الإعلامي بقيم المواطنة والعدالة الاجتماعية وأهداف التنمية المستدامة خطوة أساسية لبناء وعي مجتمعي قائم على الاحترام المتبادل والتعددية.

سابعًا: نحو خطاب إعلامي أكثر عدالة وشمولًا

إن الانتقال من التهميش إلى التمكين الإعلامي يتطلب رؤية استراتيجية، تُدرج قضايا الفئات المهمشة ضمن السياسات التحريرية، وتتعامل معها بوصفها جزءًا من القضايا المجتمعية العامة، لا ملفات هامشية أو حساسة.

كما يتطلب الأمر

إشراك الأكاديميين والخبراء في تحليل هذه القضايا

تعزيز الصحافة التفسيرية والتحقيقية.

ربط الخطاب الإعلامي بأهداف التنمية المستدامة، خاصة ما يتعلق بالعدالة والمساواة.

وفي هذا السياق، يمكن للإعلام أن يلعب دورًا محوريًا في دعم الاندماج المجتمعي، من خلال إبراز النماذج الإيجابية، وتسليط الضوء على قصص النجاح، وتقديم معالجات تفسيرية تساعد الجمهور على فهم السياقات المعقدة التي تعيشها هذه الفئات، بدلًا من الاكتفاء بالمعالجة السطحية أو المثيرة. كما أن إشراك الفئات المهمشة نفسها في صناعة الرسالة الإعلامية يُعدّ مدخلًا مهمًا للانتقال من التمثيل الرمزي إلى التمكين الحقيقي.

خاتمة

في النهاية، لا يمكن فصل قضية الفئات المهمشة عن دور الإعلام في المجتمع. فغياب الصوت وتشويه الصورة وجهان لعملة واحدة، كلاهما يُضعف التماسك المجتمعي، ويُعيق مسارات التنمية. والإعلام العربي، بما يمتلكه من تأثير واسع، مدعو اليوم إلى مراجعة خطابه، والانتقال من منطق الإقصاء أو التبسيط إلى منطق الفهم والتمكين ، والاضطلاع بدوره كأداة وعي وتغيير، تُنصف الفئات المهمشة، وتسهم في بناء مجتمع أكثر عدالة وإنصافًا، يقوم على الاعتراف بالتنوع بوصفه مصدر قوة لا تهديدًا.

فحين يُنصف الإعلام المهمَّشين، لا يمنحهم فقط مساحة للظهور، بل يُسهم في بناء مجتمع أكثر وعيًا، وتعددية، وعدالة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى