متابعات

انتهاكات الحكومة المؤقتة في حلب ترقى إلى جرائم الحرب

تحليل: د. فرناز عطية …

لا تزال السلطة السورية المؤقتة وفصائلها ترسّخ الانقسامات داخل سوريا وشعبها، وتهدر حقوق المكونات والأطياف المختلفة، دون الالتزام بالتعهدات والاتفاقيات التي وقّعت عليها. فعلى الرغم من توقيعها العديد من اتفاقيات السلام والاندماج، إلا أن الواقع على الأرض يظهر عدم تنفيذ هذه الاتفاقيات وعدم تقديم استحقاقات وطنية حقيقية، ما يؤدي إلى تفاقم الأوضاع يوماً بعد يوم. مؤخرًا، قامت فصائل وزارة الدفاع التابعة للحكومة السورية المؤقتة بالتنكر لتعهداتها تجاه المكونات السورية في أحياء حلب، حيث شنت هجمات على أحياء ذات غالبية كردية، مثل الأشرفية والشيخ مقصود وبني زيد، ما أسفر عن تصعيد عسكري وارتكاب جرائم حرب، بدلًا من العمل على بناء الدولة السورية وإعادة الإعمار وجمع السوريين، وهو ما يعكس استمرار السياسات التي تزيد الانقسام وتفاقم الأوضاع الإنسانية، وتنفيذ الأجندات الإقليمية والدولية بدلًا من الأولويات والأهداف السورية.

الشيخ مقصود والأشرفية:

الحَيّان، الشيخ مقصود والأشرفية، اللذان يتمتعان بأغلبية كردية، ظلّا طوال الأزمة السورية تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية، مما وفّر فيهما حالة من الاستقرار والأمن والتعايش بين مكوناتهما المختلفة. ويتميز الحيّان بموقعين استراتيجيين ومرتفعين، الأمر الذي جعلهما محط اهتمام جميع القوى الساعية للسيطرة عليهما، نظرًا لأهميتهما العسكرية والجغرافية في سياق النزاع السوري.

اتفاق 1 إبريل و10 مارس
وقعت قوات سوريا الديمقراطية والحكومة الانتقالية اتفاقية 10 مارس لتحقيق اندماج شمال شرق سوريا بدمشق، وتم بعدها في 1 إبريل توقيع اتفاق بين مجلس الحيين الشيخ مقصود والأشرفية حول وضع الحيين وخروج قوات “قسد” منها مع بقاء قوات الأمن الداخلي (الأسايش). ولكن بعد اجتماع 4 يناير في دمشق بين “قسد” والحكومة الانتقالية وتدخل وزير خارجية حكومة دمشق المعروف بقربه لتركيا، تم إيقاف الاجتماع، وبعدها بيومين بدأت الهجمات على الحيين. هذه الأحداث تعطي مؤشرًا واضحًا على التدخل التركي السافر في خرق الاتفاق بين الطرفين، إضافة إلى اجتماع باريس الذي تم بين الحكومة المؤقتة وإسرائيل بحضور أمريكا وتركيا، الذي نعتقد أنه كان الاجتماع الذي تم فيه الموافقة على الهجوم على مناطق شمال وشرق سوريا وخرق الاتفاقات الموقعة بين “قسد” والحكومة المؤقتة من قبل الحكومة المؤقتة بدعم مباشر تركي.

الحصار وبدء الهجمات
منذ 23 ديسمبر 2025، قامت الحكومة المؤقتة السورية بفرض حصار على الأحياء السورية في مدينة حلب، وهي: حي الشيخ مقصود، الأشرفية وبني زيد، حيث يقطن في هذه الأحياء ما يزيد عن 500 ألف نسمة، أي ما يقارب 55 ألف عائلة (بالإضافة إلى مهجرين من مناطق أخرى تم تهجيرهم سابقًا).
في 6 يناير 2026، شنت الفصائل التابعة للحكومة السورية مساءً هجومًا واسعًا على أحياء الشيخ مقصود والأشرفية، واستهدفت الهجمات عددًا من المدنيين بواسطة طائرات مسيرة انتحارية، تلاها حملة قصف عشوائي بالأسلحة الثقيلة استهدفت الأحياء والسكان العزل، واستخدمت الفصائل المهاجمة أرتالًا من الدبابات والمدرعات العسكرية في محاولة اقتحام الأحياء، رافقها إخراج المدنيين عنوة من منازلهم ونشر قناصات على الأبنية العالية المحيطة بتلك الأحياء. وأعلنت وزارة الدفاع السورية الأحياء كمنطقة عسكرية رغم وجود نصف مليون مدني فيها. بعد قصف مدفعي استمر أكثر من 12 ساعة، بدأت فصائل الجيش السوري في الساعة 9 مساءً من يوم 7 يناير عمليات اقتحام للأحياء، أما في 8 يناير، استقدمت قوات وزارة الدفاع فصائل جهادية متشددة تدعى “العصائب الحمراء” تتبع تنظيم القاعدة سابقًا، وتعزيزات كبيرة من إدلب ومن محافظات الداخل، بالإضافة إلى الفصائل المدعومة من تركيا لدعم العملية العسكرية، ودعم طائرات الاستطلاع التركية “البيرقدار” لهذه العمليات الهجومية ضد المدنيين، واستمرت الهجمات حتى 10 يناير 2026.

القوات المشاركة في استهداف المكونات السورية في حلب:
ضمت الفصائل والقوات العسكرية المتشددة التي نفذت الهجمات على المكونات السورية في الاشرفية والشيخ مقصود والتابعة لوزارة الدفاع في الحكومة المؤقتة، المدعومة مباشرة من تركيا، عددًا من الفرق، وهي:

  الفرقة 60 بقيادة العميد “عواد الجاسم” المعروف باسم “أبو قتيبة المنبجي”، أحد القادة البارزين في “هيئة تحرير الشام”.

  الفرقة 62 بقيادة العميد “محمد حسين الجاسم” الملقب بـ”أبي عمشة”، قائد لواء السلطان سليمان شاه، المعاقب أمريكيًا وبريطانيًا.

  الفرقة 72 بقيادة “عقيل عمر” المعروف باسم “خطاب الألباني”، قيادي سابق في هيئة تحرير الشام.

  الفرقة 76 بقيادة “سيف الدين بولاد” المعروف باسم “سيف أبو بكر”، قائد فرقة الحمزات، المعاقب أمريكيًا وبريطانيًا.

  الفرقة 86 بقيادة أحمد الهايس المعروف باسم “أبو حاتم أبو شقرا”، قائد فصيل أحرار الشرقية، المعاقب أمريكيًا، بالإضافة إلى عدد آخر من الفصائل العسكرية تحت راية وزارة الدفاع في الحكومة الانتقالية بأوامر من الرئيس “أحمد الشرع”.

الانتهاكات المرتكبة بحق المدنيين:
وقد ترتب على مهاجمة هذين الحيين الكثير من الانتهاكات التي ارتكبها القوات التابعة للحكومة السورية المؤقتة، والتي تم توثيقها بالصور والفيديوهات وقوائم بأسماء الضحايا والمصابين جراء عمليات القصف واستخدام الأسلحة الثقيلة والطائرات المسيرة، بالإضافة إلى أشرطة مصورة تظهر عمليات التنكيل بالمدنيين وإهانتهم وتعذيبهم. وتمثلت هذه الانتهاكات في:

  الحصار والهجمات المكثفة:
فرضت القوات التابعة للسلطات السورية الانتقالية حصارًا خانقًا على سكان حي الأشرفية والشيخ مقصود وبني زيد، بقطع المياه والكهرباء، وحرمان السكان من كافة المرافق في تلك الأحياء، وكذلك من الغذاء والدواء خلال الفترة من 6 إلى 10 يناير 2026. كما استخدمت القوات المدفعية الثقيلة بشكل مكثف، إلى جانب صواريخ الجراد، وقذائف الهاون والدبابات والطائرات المسيرة، ناهيك عن الاقتحامات البرية واستهداف الأحياء المدنية.

  استهداف المنشآت الطبية:
تم استهداف المستشفيات والمرافق الطبية في الأحياء المستهدفة، مثل مستشفى “عثمان” ومستشفى “الشهيد خالد فجر”، حيث تعرضتا للقصف المباشر، ما أدى لإصابة أكثر من 70 مريضًا وهدد حياة الفرق الطبية، وهذا يمثل “جريمة حرب” وانتهاكًا صارخًا للقوانين الدولية.

  استهداف المدنيين وتدمير دور العبادة والمنشآت المدنية:
تضرر أكثر من 700 مبنًا، بما فيها منازل ومؤسسات تعليمية ومساجد مثل الجامع الكبير في الشيخ مقصود، وأدى ذلك إلى مقتل 47 مدنيًا وإصابة أكثر من 133 آخرين، بينهم نساء وأطفال وكبار سن، فضلًا عن فقدان الاتصال بـ 276 شخصًا آخر.

  التهجير القسري والتغيير الديموغرافي:
قامت القوات التابعة للحكومة السورية المؤقتة بتهجير مئات العوائل تحت وطأة القصف والحصار، واحتجاز وتعذيب المدنيين ونقلهم إلى أماكن مجهولة، وهو ما يشكل خرقًا صارخًا للقانون الدولي واتفاقيات جنيف.

  مشاركة عناصر أجنبية:
تم توثيق مشاركة عناصر أجنبية من تنظيم “داعش” و”القاعدة” و”الذئاب الرمادية التركية” في الهجمات على الأحياء المدنية، بالإضافة إلى عناصر من جنسيات أخرى، ما أدى إلى عمليات خطف وقتل وإعدامات ميدانية.

  التوسع في القتل والتمثيل بالجثث:
قامت العناصر الإجرامية المنضوية تحت راية الجيش السوري بتوسيع عمليات القتل والتعذيب والتمثيل بالجثث للمدنيين وأفراد “قسد”.

تداعيات الانتهاكات على الاستقرار الأمني


تداعيات الانتهاكات على الاستقرار والأمن واضحة بشكل كبير، وما نشهده حاليًا من هجمات على مناطق شمال وشرق سوريا وخاصة في الحسكة وكوباني هو استمرار لما حصل في حلب، ويزيد من حالة عدم الاستقرار في البلاد. هذه الهجمات قد تمهد أيضًا لعودة ظهور تنظيم داعش مجددًا، نظرًا لطبيعة فصائل حكومة دمشق ووجود عناصر تكفيرية ضمنها، بالإضافة إلى هروب سجناء داعش نتيجة الهجمات التي شنتها الحكومة المؤقتة على هذه المناطق. كل ذلك يشكل تهديدًا للأمن الإقليمي والدولي، ويزيد من تفاقم الأزمة الإنسانية والسياسية في سوريا.
ولا يمكن تجاهل أن استمرار هذه الهجمات يعكس هشاشة الوضع الأمني والسياسي في البلاد، ويؤكد الحاجة الملحة لتكثيف جهود حماية المدنيين واستقرار المناطق الكردية، وتنفيذ الاتفاقات الموقعة مع ضرورة وجود ضمانات حقيقية نظرًا لانعدام الثقة بالحكومة المؤقتة.

الخلاصة:
مع كل هذه الانتهاكات التي تمت على مرأى ومسمع المجتمع الدولي، يظهر بوضوح الانتهازية ووجود مصالح دولية وتدخلات ليست في صالح الشعب السوري أو الاتفاق السوري، حيث تلعب المصالح الدولية دورًا محوريًا في تقييم الأدوار، بغض النظر عن الانتصارات التي حققتها المكونات السورية في الصمود كحائط صد أمام الهجمات الإرهابية، بما يعكس تجاهلًا صارخًا للقوانين الدولية وحقوق الإنسان لتحقيق مصالح القوى الإقليمية والدولية في المنطقة.
ولكننا نعتقد أن الاتفاق السوري، ومحاسبة المسؤولين عن هذه الجرائم، ووجود إرادة دولية حقيقية لحماية مكونات الشعب السوري، يمكن أن تؤدي إلى حالة استقرار حقيقية، بعد ضمان حقوق المكون الكردي وبقية المكونات، وتحقيق وحدة البلاد، التي لا يمكن فرضها بالقوة أو عبر نموذج أحادي، بل عبر التشارك والاتفاق وعدم الخضوع للأجندات الإقليمية والدولية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى