فرانكلين روزفلت … رجل تفتقده أميركا

عبر عكازين وضع قواعد العظمة الأميركية وأرسى دعائم نظام عالمي أميركي
تحليل: إميل أمين … على الرغم من إنقضاء ثمانية عقود على رحيله، إلا أنه وحتى الساعة لا يزال حاضرا في عيون وأذهان الأميركيين، كأحد أعظم الرؤساء في القرن العشرين، وربما في التاريخ الأميركي برمته، بعد واشنطن المؤسس ولنكولن المنقذ من الإنقسام.
أدى فرانكلين د. روزفلت اليمين الدستورية في خضم أزمة إقتصادية حقيقية، أتسمت بإنهيار البنوك، وإرتفاع معدلات البطالة، وتراجع الدخول .
غير أنه وعلى مدى الإثنتى عشرة سنة التالية ، وسّع روزفلت نطاق الحكومة الفيدرالية ليقدم ” صفقة جديدة “، للشعب الأميركي ، أنتشلت البلاد من أسوا آثار الكساد الكبير، وبنت في الوقت نفسه تحالفاسياسيا متينا. كما وطد علاقاته مع الجامعات، وأستقطب نخبة من الأكاديميين لمساعدته في التعامل مع الكساد أولا ثم مع الأزمة الدولية تاليا .
ببطء وثبات ، حول روزفلت أميركا بعيدا عن عزلتها التقليدية، ساعيا لردع نظام أدولف هتلر النازي وإحتوائه، ثم القضاء عليه نهائيا، قبل أن يرسي نظاما جديدا قائما على القواعد ، ما تسميه المؤرخة اليزابيث بورغوارت ” صفقة جديدة للعالم “، وعبر هذه المسيرة ، أعاد روزفلت لأميركا عظمتها الحقيقية.
هل لهذه الأسباب وغيرها الكثير يتذكر الأميركيون اليوم هذا الرئيس ؟
غالب الظن أن حالة التشظي الداخلي التي تعيشها الولايات المتحدة، هي التي تدفع لإعادة تقليب أوراق الرجل الذي عاند الأقدار ، وأستبصر مصير العالم، وراى أنه يكفي حربان عالميتان كبريان، وعليه فقد كان قوة دافعة في طريق نشوء وإرتقاء الأمم المتحدة، وأول موقع على ميثاقها، هذا الميثاق الذي لم يعد له اليوم الكثير من الحضور، والممتهن إلى درجة أن أحد المحافظين الجدد، قال ذات مرة :” لو نسفت عشرة طوابق من هذا المبنى الزجاجي لما تأثر العالم “.
لم تكن وضوح أهداف روزفلت هي السمة الوحيدة التي جعلته قائدا عظيما، فحتى في خضم الأزمات الحقيقية، كان دائما يشع تفاؤلا ، ويحافظ على ضبط النفس، ويبقى دائما الشخص الأكثر هدوءا في المكان .
في هايد بارك كانت البدايات
ولد فرانكلين دلانو روزفلت في الثلاثين من كانون الثاني يناير 1882 في سبرنج وود هايد بارك ، في منزل كبير يطل على نهر هدسون أي على بعد خمسة وسبعين ميلا فوق مدينة نيويورك رضع ” أف . دي . آر ” من صدر أمه وهو أمر غير مألوف في ذلك الوقت وبقى يرتدي الفساتين ويترك شعره المتموج طويلا حتى سن الخامسة. تلقى مبادئ التعليم في منزل والده. سيقدر له زيارة واشنطن عما قريب ليلتقي هناك الرئيس كليفلاند ، الذي أثنى على شعره الجعد ، وقال له وهو يفكر في أعباء المكتب البيضاوي :” عندي أمنية غريبة لك وهي أن تصبح يوما رئيسا للولايات المتحدة”.
إرتاد “أف.دي .آر”، جامعة هارفارد حيث أنهى شهادة الأربع سنوات بثلاث سنوات وأصبح رئيس تحرير محبوبا لصحيفة الجامعة”دو كريمسون”.
بدت خطوات الطموح السياسي لروزفلت خلال سنوات دراسته في هارفارد، فقد صرح لرفقاءه ذات مرة في العام 1907 أنه عازم على أن يصبح رئيسا للولايات المتحدة، مشيرا إلى الخطوات التي عليه أن يتبعها لتحقيق هذا الحلم ، وهي كالتالي أن يحصل على مقعد في مجلس نيويورك التشريعي، وبعد ذلك يصبح مساعد وزير البحرية الأميركية، ومن ثم يصبح حاكم نيويورك، وأخيرا يدخل البيت الأبيض بصفته الرئيس .
ولعله من المثير أن أحدا من نظراءه لم يستهزئ به ، لأن ما قاله لهم في ذلك الوقت المبكر، بدا ” منطقيا جدا “.
لم يكن عام 1921 عاما عاديا في حياة روزفلت، فقد أصيب فيه بداء شلل الأطفال ، والذي أقعده وهدد مستقبله السياسي ، لكنه بإصرار وعزم لا يلين سعى في طريق التعافي ، حتى ولو أكمل حياته على عكازين، سوف يشتهر بهما طوال أيام حياته لاحقا، ولم يكتف بذلك فحسب، بل أسس مركزا لعلاج المصابين بشلل الأطفال في ” وارم سبرنجر”، في ولاية جورجيا .
في العام 1928 سوف يحقق روزفلت الخطوة الثانية من حلمه السياسي الكبير، وذلك بنجاحه في إنتخابات ولاية نيويورك كحاكم، لمدة أربع سنوات من 1929 إلى 1933، وعرف وقتها كرجل إصلاحي ، وطالب بتطبيق برامج لمكافحة الكساد الذي ضرب الولايات المتحدة وقتها.
سيقوده منصب حاكمية نيويورك لاحقا إلى حلمه الأكبر، ففي إنتخابات الرئاسة عام 1932 ، حقق روزفلت نصرا ساحقا على الرئيس الجمهوري هربرت هوفر .
ركز روزفلت في حملته الإنتخابية ، على الكساد الكبير وما تستطيع الحكومة الفيدرالية أن تفعله حياله.
في هذا السياق، جمع روزفلت من حوله مجموعة من الخبراء والإستشارييين، لإقتراح سياسة إقتصادية يستطيع بها إقناع الناخبين لتأييده .
لم يكن طريق روزفت معبدا أو سهلا، فقد شن الجمهوريون حملة تشكيك في قدرته على تولي شؤون البلاد وتحمل المسؤوليات الرئاسية . إلا أن روزفلت طاف أنحاء البلاد . وألقى خلال جولته 60 خطابا وعد فيها بمحاربة الكساد، ووضع حدا لتذبذب الأسعار ، وكذلك وعد بمنح مساعدات عاجلة للعاطلين ، كما تضمنت خطته تنمية الموارد المالية للدولة.
خلافا لجميع التوقعات، فاز روزفلت فوزا ساحقا بحصوله على 57% من الأصوات ، بينما حصل منافسه الجمهوري ، الرئيس هوفر على 40% فقط .
هل كانت عظمة روزفلت الحقيقية في عيون الأميركيين منشأها مقدرته على إعادة مستوى الإقتصاد الأميركي إلأى سابق عهده ؟
ربما هذا بالفعل، لكن تبقى هناك زوايا وحنايا أخرى، نحاول معا أن نكتشفها في هذه القراءة .
روزفلت وإنقاذ الراسمالية في ثمانية ايام
أعلن الرئيس فرانكلين خلال حفل تنصيبه في الرابع من آذار /مارس عام 1933:” ستصمد هذه الأمة كما فعلت في الماضي، سوف تنهض من الركود وسوف تزدهر. إذا ، بادئ ذي بدء ، دعوني أؤكد لكم إيماني الراسخ أن الشيء الوحيد الذي علينا أن نخشاه هو الخوف في ذاته. فالرعب المغفل وغير العقلاني وغير المبرر يشل الجهود المطلوبة لتحويل التراجع إلى تقدم”.
يذكر المؤلف البريطاني الشهير السير ” نايجل هاملتون” في سرديته الخالدة ” القياصرة الأميركيون”، أن الذين أعتبروا كلمات روزفلت مجرد كلام إنشائي، قد تلقوا ضربة منبهة. ومرة أخرى، أستدعى الرئيس الجديد الكونغرس لعقد جلسة طارئة ووفى بوعده : أستخدم الحكومة الفيدرالية لوضع الرأسمالية على الطريق الصحيح من جديد. وأصدر تصريحا أقفل مصارف البلد وبحث عن وسيلة لإبقائها موسرة . وفي عضون ايام ، وجد الحل : تصدر الحكومة المال مدعوما بضمانته الخاصة لا بإحتياطي من الذهب.
أفلحت الخطة، فبعد أسبوع ، وبعد التدقيق الفيدرالي ، فتحت المصارف أبوابها من جديد ، مع دعم من الضمان الفيدرالي ، وبقيت مفتوحة ، فأرتفعت قيمة الدولار على نحو هائل، وكما قال رايموند مولي ، أحد مستشاري روزفلت :” لقد تم إنقاذ الرأسمالية خلال ثمانية أيام “.
هل كان هناك مدخل سري مهد طريق روزفلت لإستنقاذ البلاد ؟
قطعا، روح الود والتعاون، والمصالحة التي بثها في النفوس بين عموم الأميركيين، كانت هي المنقذ الحقيقي، والحل الأكيد والوحيد، وما تلى ذلك كان تفصيلات.
قدم روزفلت سلسلة من المبادرات في جو من التعاون بين الجمهوريين والديمقراطيين. وبدعم من حكام الولايات والصحافة . وهكذا أبقى على الكونغرس في إنعقاد مستمر وألغى الحظر، وعمل على رفع مداخيل المزراعين عبر حل مسألة الفائض ، وإعادة تمويل رهون المزارع المهددة بالإغلاق بسبب الرهن.
بالإضافة إلى كل ذلك، أنشا سلك الخدمة المدنية الذي يوفر فرص العمل لثلاثة ملايين شاب وشابة. أدى هذا إلى تذمر رئيس إتحاد العمال الأميركيين والذي قال :” يشبه ذلك الفاشية ويحاكي تفكير هتلر وهو شكل من أشكال السوفيتية “. فقد كان يخشى من أن يؤدي هذا الإجراء إلى تدهور أجور العمال العاديين.
الإ أن روح الكشافة الذي كان يتمتع به روزفلت زاده عزما ، فترأس إتحاد العمال الأميركي، وتم إنشاء حوالي 2500 مخيم في كل أرجاء الأمة ورأى اؤلها في الصيف في الحديقة الوطنية شيناندوا.
أدى إنشاء سلك الخدمة المدنية إلى إنشاء إدارة للإغاثة الفدرالية تضم 121 عاملا وساعدت سبعة عشر مليون شخص في ذلك العام . كما قدم مشروع قانون للأعمال العامة للكونغرس مع 3.3 مليار دولار من التمويل الفيدرالي التحفيزي ، وتمت الموافقة على هذا المشروع في السادس عشر من يونيو/حزيران عام 1933، أي بعد أقل من مائة يوم على توليه الرئاسة .
كانت هذه هي بداية الأفكار التي سيدخل منها روزفلت التاريخ من أوسع أبوابه، عبر ما سيعرف لاحقا بأسم، الصفقة الجديدة” أو New Deal ، البرنامج الإغاثي الفيدرالي الذي سينقذ العجائز والمحتاجين، ويستحدث أنظمة إقتصادية تجعل من الولايات المتحدة القاطرة المالية الغربية، والتي ستكفل للحلفاء الإنتصار على دول المحور عما قريب، حين يشتد أوار الحرب العالمية الثانية، وتبدو المنظومة الليرالية الغربية وكأنها تخسر في مقابل الفاشية والنازية، عطفا على الإمبريالية اليابانية، دفعة واحدة.
روزفلت نبي النظام الأميركي الجديد
هل تجاوز روزفلت في واقع الأمر كونه رجل سياسة ورئيس قاد الولايات المتحدة الأميركية في أوقات حالكة، سواء على الصعيد الإقتصادي، أو العسكري ؟
في كتابها ” زمن غير عادي”، كتبت المؤرخة دوريس كيرنز جودوين” أن ” روزفلت لم يكن رئيسا إعتياديا، لا سيما أن سنواته شهدت أعمق ثورة إجتماعية في البلاد منذ الحرب الأهلية، لم تكن أقل من إنشاء أميركا الحديثة “.
أما الباحث الرئاسي روبرت داليك ، الذي كتب سيرة جديدة لفرانكلين روزفلت ، فقد أعتبره ” نبي نظام أميركي جديد”، مضيفا ” لقد أضفى طابعا إنسانيا على النظام الصناعي الأميركي “، كما كان قائدا تحويليا بارزا . لم يرغب في التخلي عن الراسمالية أو نظام السوق الحر ، رم الإتهامات التي وجهت إليه بأنه إشتراكي ، غير أنه أدرك ضرورة التغيير “.
بحلول وقت مغادرته منصبه، كانت الولايات المتحدة قد اصبحت قوة عظمى ، قادرة وراغبة في بسط نفوذها في جميع أنحاء العالم . لقد كانت أمة تنعم برخاء جديد، دولة اصبحت فيها الحكومة الفديرالية ، بدعم من الشعب، محركا للتغيير في كل مجال تقريبا من مجالات الحياة الوطنية ، وستواصل البناء على هذه القوة لسنوات عديدة . وفي خضم ذلك جعل روزفلت من الحزب الديمقراطي حزبا حاكما.
استغرق الأمر جيلين، مع إنتخاب الرئيس المحافظ رونالد ريغان عام 1980 ، حتى بدأت الحكومة بالتراجع ، وحتى أستنتج الأميركيون أن واشنطن اصبحت تتمتع بنفوذ مفرط . لكن ركائز برنامج الصفقة الجديدة الذي أطلقه روزفلت لا تزال قائمة حتى اليوم ، بما في ذلك السلطة التنفيذية القوية وثقافة الشهرة المحيطة بالرئيس ، والتي عززها روزفلت ورعاها بعناية خلال فترة رئاسته الطويلة .
يخلص كتاب سيرة ذاتية نشره مركز ميلر بجامعة فيرجينيا إلى القول ” في مواجهة الكساد الكبير والحرب العالمية الثانية ، قاد روزفلت أميركا خلال أكبر أزمة داخلية واجهتها ، بإستثناء الحرب الأهلية وأكبر أزمة خارجية تمثلت في الحرب العالمية الثانية .
كانت رئاسته التي أمتدت 12 عاما فريدة من نوعها ، ليس فقط من حيث المدة، بل من حيث النطاق أيضا ، كما كانت إحدى أهم سمات روزفلت كقائد قدرته على التعاطف مع مواطنيه ، وإظهار إهتمامه بهم وإستعداده لبذل كل ما في وسعه لمساعدتهم . وقد عزز هذا من قوته السياسية بربطه بشكل وثيق بالناس العاديين وهو أمر سعى إليه الرؤساء منذ ذلك الحين ، لكن قليلين منهم نجحوا في تحقيقه كما فعل روزفلت.
قال روزفلت ذات مرةإن من واجب الرئيس التواصل والتواصل الشخصي مع الأمة، ومحاولة ربط مشاكل الأمة في ذهني .
وبصفته رئيسا، كان روزفلت حريصا على متابعة ما يجري في البلاد ، يقرأ الصحف ، ويستمع إلى أعضاء الكونجرس ، والموظفين، والأصدقاء ، والأهم من ذلك كله، كان يولي إهتماما بالغا لما لاحظته زوجته خلال رحلاتها العديدة لتقصي الحقائق في الولايات المتحدة وزياراتها للقوات الأميركية في الخارج. كانت تدون ملاحظات غزيرة وتقدم تقاريرها إلى الرئيس بإستمرار. كان زواجهما مضطربا، لكنه كان يعتبرها ” عينيه وأذنيه”، وشريكة له في الحكم. أنخرطت اليانور روزفلت في هذا الدور جزئيا لأنه أتاح لها مساعدته .
روزفلت الرئيس البارع إعلاميا
يتذكر الأميركيون اليوم فرانكلين روزفلت، بنوع خاص، إنطلاقا من أنه كان بارعا في إدارة وسائل الإعلام لحشد الدعم لبرنامجه. فقد حرص على بناء علاقات وطيدة مع مراسلي الصحف، ورغم معارضة الناشرين لسياساته في كثير من الأحيان. إلا أنه حظي بتغطية إعلامية إيجابية من الصحافيين الذين كتبوا عنه بالفعل . وكان يعقد مؤتمرين أو ثلاثة مؤتمرات صحافية أسبوعيا، ويجمع المراسلين حوله بشكل غير رسمي وهو جالس على مكتبه الكبير في المكتب البيضاوي .
كان الصحافيون يستمتعون بهذه الفرصة للتواصل المباشر مع الرئيس ، وتاليا باتوا من أشد المعجبين به .
كان رائدا في إستعمال الإذاعة، وهي وسيلة إعلامية وقتها كانت تزداد شعبيتها . أجرى ثلاثين حوارا غذاعيا خلال فترة رئاسته التي أمتدت إثنتي عشرة سنة ، مخاطبا الشعبمباشرة كما لو كان يتحدث إلى عائلة بعد عشاء عائلي . لم يُرد الإفراط في ذلك ، مدركا أن أي سياسي قد يفقد شعبيته بكثرة الظهور الإعلامي . لكن هذه الحوارات كانت منتظرة بشغف ، من عموم الأميركيين، في كافة أنحاء البلاد، شرقا وغربا، شمالا وجنوبا وفي ولايات الوسط بنوع خاص ، وجعلت من روزفلت بصوته المميز اللطيف وتفاؤله الذي لا حدود له ضيفا مرحبا به في بيوت لا تحصى.
هنا يشير بعض من كتاب سيرته إلى أنه كان يتمتع بشخصية جذابة للغاية. كان لديه حس بديهي رائع بالسياسة الأميركية ، وهذا لا يمكن تعليمه ، لا يمكن تعليم كيفية أن تكون سياسيا عظيما. ولهذا نجح إلى أقصى حد ومد في إستخدام مهاراته في التواصل لتشكيل الرأي العام وحشد الدعم الشعبي لأفكاره، الأمر الذي تحول إلى دعم لتشريعاته في الكونغرس.
يمكن القطع أن مهارة روزفلت في التواصل الجماهيري مع سكان الولايات المتحدة الأميركية، وعلى الرغم من قلة عدد وسائل الإعلام وقتها، بل وندرتها في الضواحي والقري الأميركية البعيدة، سهلت عليه بلورة رؤية ونموذج نادرين للرئيس الأميركي القادر على جعل الأبواق الإعلامية رصيدا مضافا له، وداعما قويا لما يرتئيه، وليس العكس، بمعنى أدوات للإنتقاص من شخصه، أو عرقة طروحاته وشروحاته، كما سيحدث لاحقا مع الكثير من الرؤساء الأميركيين، سواء في بقية القرن العشرين، أو حتى حال الوصول إلى القرن الحادي والعشرين.
على أن علامة الإستفهام التي لابد من طرحها ضمن هذه القراءة :” هل كانت نجاحات السياسة الأميركية في الداخل تفوق نجاحاته على صعيد السياسة الخارجية، أم أن الرجل كانت له صولاته وجولاته، وإنتصاراته وإرثه الكبير عالميا ، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى الساعة؟
الحريات الأربع وإغاثة الحلفاء الأوروبيين
أحد أهم الأسئلة المطروحة على ساحة النقاش الدولي اليوم:”هل كان مصير العالم سيتغير لو لم يتدخل الرئيس روزفلت في الحرب العالمية الثانية ، ليضع حدا للجنون الفاشي والنازي ؟
الجواب نجده طي ما يعرف بميدا الحريات الأربع لروزفلت ، والتي وردت في الخطاب الذي ألقاه قبل أحد عشر شهرا من الهجوم الياباني المفاجئ على بيرل هاربر ، ذاك الذي دفع الولايات المتحدة إلى إعلان الحرب على اليابان في 8 ديسمبر 1941.
في هذا الخطاب، لخص روزفلت قيم الديمقراطية الكامنة وراء الإجماع الحزبي الأميركي على التدخل الدولي الذي كان سائدا آنذاك . وقد استهل خطابه بمقولة شهيرة ” كمان أن الإنسان لا يعيش بالخبز وحده، فإنه لا يحارب بالسلاح وحده”. وفي النصف الثاني من الخطاب سرد فوائد الديمقراطية ، والتي تشمل الفرص الإقتصادية ، والتوظيف، والضمان الإجتماعي، ووعد ” الرعاية الصحية الكافية”، .
الحريتان الأوليان عند روزفلت هما حرية التعبير وحرية الدين، وهما مكفولتان على حد قوله بموجب التعديل الأول للدستور الأميركي . أما إدارجه للحريتين الأخيرتين ، فقد تجاوز القيم الدستورية التقليدية التي يحميها قانون الحقوق الأميركي. فقد ايد روزفلت حقا إنسانيا أوسع في الأمن الإقتصادي ، واستشرف ما سيعرف بعد عقود بنموذج ” الأمن البشري” في دراسات التنمية الإقتصادية . كما أضاف مفهوم ” التحرر من الخوف” من العدوان الدولي، داعيا إلى “خفض منسوب التسلح على مستوى العالم “.
ألقي خطاب الحريات الأربع في السادس من يناير من عام 1941، وكان أمل روزفلت تقديم مبررات تدعو الولايات المتحدة إلى التخلي عن سياسات العزلة التي أنبثقت عن الحرب العالمية الأولى، وفي خطابه أنتقد سياة العزلة قائلا :” لا يمكن لأي أميركي واقعي أن يتوقع من سلام يفرضه ديكتاتور سخاءا دوليا ، أو عودة استقلال حقيقي ، أو نزع سلاح عالمي ، أو حرية تعبير، أو حرية دين، أو حتى إزدهارا تجاريا . فمثل هذا السلام لن يجلب لنا أو لجيراننيا أي أمن . أولئك الذين يتنازلون عن حريتهم الأساسية مقابل أمان مؤقت ضئيل ، لا يستحقون لا الحرية ولا الأمان “.
تزامن الخطاب مع إقرار قانون الإعارة والتأجير ، الذي روج لخطة روزفلت لجعل أميركا” ترسانة الديمقراطية”، ودعم الحلفاء الأوروبيين وبخاصة بريطانيا ، بالإمدادات الضرورية . علاوة على ذلك ، أرست هذه الخطبة الأساس الإيديولوجي لإنخراط أميركا في الحرب العالمية الثانية ، والذي تم تأطيره بالكامل من منظور الحقوق والحريات الفردية التي تعد السمة المميزة للسياسة الأميركية .
كان لإعلان الحريات الأربع كمبرر للحرب صدى واسعا طوال فترة الحرب، ولعقود طوال كإطار للتذكير . أصبحت حريات روزفلت الأربع ركيزة أهداف أميركا الحربية ومحور جميع محاولات حشد الدعم الشعبي للحرب . ومع إنشاء مكتب المعلومات الحربية ، بالإضافة إلى اللوحات الشهيرة لنورمان روكويل ، تم الترويج للحريات كقيم جوهرية في الحياة الأميركية وأمثلة على الإستثنائية الأميركية .
هل كان هذا الخطاب هو الطريق الأولي لفكرة الأمم المتحدة ومولد ميثاقها نظريا في فكر روزفلت ؟
روزفلت وحجر زاوية الأمم المتحدة
يمكن القطع بكل تأكيد وتحديد، أن خطاب الرئيس روزفلت حول الحريات الأربع، يعد حجر الزاوية الرئيس في نشوء وإرتقاء هيئة الأمم المتحدة، وكتابة ميثاقها .
لقد أصبح مفهوم الحريات الأربع جزءا من المهمة الشخصية التي أضطلعت بها السيدة الأولى اليانور روزفلت ، وقد ساهمت في إلهام إعلان الأمم المتحدة لحقوق الإنسان.
في الواقع تم إدراج هذه الحريات الأربع صراحة في ديباجة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ، والتي تنص على ما يلي :” بما أن تجاهل حقوق الإنسان وإزدرائها قد أدى إلى أعمال وحشية اثارت غضب ضمير البشرية، وبما أن ظهور عالم يتمتع فيه البشر بحرية التعبير والمعتقد والتحرر من الخوف والحاجة قد أعلن أنه أسمى تطلعات عامة للناس “.
كان روزفلت يأمل أن تُسفر الحرب عن عالم ما بعد الحرب أكثر أمانا وسلاما، وأصبح من أبرز الداعمين لإنشاء منظمة الأمم المتحدة بعد الحرب، والتي ستكون الولايات المتحدة عضوا رئيسا فيها .
والشاهد أنه يمكن تتبع أصول ميثاق الأمم المتحدة إلى ميثاق الأطلسي ، الموقع في 14 أغسطس 1941، والذي أعلن بموجبه روزفلت كرئيس للولايات المتحدة، وتشرشل، رئيس وزراء المملكة المتحدة ، عن ” مبادئ مشتركة في السياسات الوطنية لبلديهما، والتي يبنيان عليها آمالهما في مستقبل أفضل للعالم “.
اشارت هذه الوثيقة ، في فقرتها الثامنة، بشكل غير مباشر إلى ” إنشاء نظام أوسع ودائم للأمن العام “، وفي الأول من يناير من عام 1942، وقعت ست وعشرون دولة في حالة حرب مع دول المحور، بما في ذلك الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، والصين وإتحاد الجمهوريات الإشتراكية السوفيتية ، على البرنامج المشترك للأهداف والمبادئ المتجسدة في ميثاق الأطلسي في وثيقة أصبحت تعرف باسم ” إعلان الأمم المتحدة “، وفي وقت لاحق إنضمت إحدى وعشرون دولة أخرى إلى ذلك الإعلان في وقت لاحق.
تضمن إعلان الأمم المتحدة أول إستخدام رسمي لمصطلح ” الأمم المتحدة”، وقد صاغ هذا الأسم رئيس الولايات المتحدة فرانكلين روزفلت، وبهذا ترك الرجل بصمته على المؤسسة التي أكملت مؤخرا ثمانية عقود من تاريخها، والتساؤلات من حولها لاتزال قائمة، وبخاصة حول ما إذا كان هذا الإرث له أهمية في عالم ما بعد الحرب الباردة، وفي أوقات التغيرات الجيوسياسية الحاضرة، وعلى مشارف نزاع ومخاص عالمي من التعددية القطبية ، يخلف حالة الفوضى الحاضرة .
ما الذي يتبقى من هذه القراءة التي لا توفي روزفلت حقه ؟
عن أميركا اللاتينية وزمن الجيرة الطيبة
يتذكر الأميركيون فرانكلين روزفلت في هذه الأوقات بنوع خاص، إذ يعود الحديث موسعا عن مبدأ مونرو، وعودة واشنطن لفكرة المجال الحيوي لجيوسياستها في العالم كافة وفي أميركا اللاتينية بنوع خاص، لا سيما بعد الأحداث الجارية من عند فنزويلا، وما يستجد من أعمال .
في هذا الصدد يتوجب الإشارة إلى أن روزفلت لم يمض في طريق مبدا مونرو، بل تبنى سياسة ” الجيرة الطيبة “، مع دول أميركا اللاتينية، الأمر الذي تجلى في عدد من القرارات الجوهرية في مقدمها، سحب القوات الاميركية من هايتي ، وألغى التعديل الدستوري ، الذي كان يسمح للولايات المتحدة بالتدخل في الشؤون الداخلية لدولة كوبا. كما دفع أموالا لبنما مقابل إستغلال قناتها الشهيرة.
وضعت هذه السياسة أساسا قويا للتحالف الغربي ، ضد قوات المحور في الحرب العالمية، وجعلت روزفلت رئيسا محبوبا في أعين الأميركيين اللاتينيين، سواء داخل أميركا، أو في جوارها الجغرافي الجنوبي.
عندما توفي روزفلت عن عمر يناهز 63 عاما ، إثر نزيف دماغي في منزله الصيفي في وارم سبرينغر، في ولاية جورجيا ، في 12 أبريل 1945، عم الحزن أرجاء البلاد .
كان روزفلت قد أمضى اسابيع قليلة على أداءه لليمين الدستورية لولاية رابعة غير مسبوقة، وتساءل كثير من الناس وقتها عما إذا كان أحد سيخلفه .
وبينما كان قطار جنازته يشق طريقه عبر البلاد ، وجد رجل يبكي على طول الطريق ، سأله أحدهم :” هل كنت تعرف الرئيس بشكل شخصي؟ أجاب وهو يبكي :” لا لم أكن اعرفه، لكنه كان يعرفني ” .
رحل رجل عرف جميع الأميركيين في زمانه .



