دراسات

مستقبل الشرعية والمنظومة القانونية للعلاقات الدولية بعد إعتقال مادورو

تحليل: د.رائد المصري/أستاذ محاضر في الفكر السياسي والعلاقات الدولية
شكَّلت العملية العسكرية التي نفّذتها القوات الأميركية، عبر ضربات جوّية داخل الأراضي الفنزويلية، والتي انتهت بإعتقال الرئيس نيكولاس مادورو، إحدى أكثر الوقائع إشكاليةً من وُجهة نظر النظام القانوني الدولي، الذي ترسَّخ بعد الحرب العالمية الثانية، فالجمع بين القصف الجوّي، وإنزال قوات برّية وإعتقال رئيس دولة بالقوة، يُعيد قضايا جوهرية الى قلب النقاش المتعلِّق بالإستخدام المشروع للقوة، وضرب الحصانة السيادية، والعبث بسلامة إقليم الدول، وبمبدأ تسوية النزاعات الدولية بالطرق السلمية.

إدارة ترامب قادت تطورات هذه العملية، ضمن مسار من الضغوط المتصاعدة الكبيرة والمتدرِّجة، عبر إتهام مادورو بالإرهاب والإتجار بالمخدرات، وتبع ذلك نشر 15 ألف جندي أميركي في منطقة الكاريبي عام 2025، وفرض حصار بحري على ناقلات النفط الفنزويلية، فالإطار القانوني لهذه العملية برمَّتها وبصورتها المُعلَنة، ينطوي على تعارض واضح مع مبادئ القانون الدولي، وفي حظر استخدام القوة المنصوص عليه في المادة 2 من ميثاق الأمم المتحدة، وقواعد القانون الدولي العرفي، بشأن حصانة رؤساء الدول، إضافة إلى إلتزامات إقليمية كميثاق منظمة الدول الأميركية، بما يمثل إنتهاكًا واضحاً ومباشراً للقانون الدولي، ويعكس تحولًاً في نظام القوى الدولية، وفي إعادة تشكيل النظام العالمي بطرق لم تكن متوقعة قبل سنوات قليلة.

من منظور النزاع الجيوسياسي

في هذا الإطار، علّق الكاتب السياسي الأميركي فرنسيس فوكوياما، على عملية الكوماندوس العسكرية، التي نفَّذّتها واشنطن بحق الرئيس مادورو بقوله، إنها أدّت إلى دفن معاهدة وستفاليا للعام 1648 ، تلك المعاهدة التي وضعت أسُس النظام الدولي الحديث، وعزَّزت مبدأ السيادة الوطنية، بعدم تدخّل الدول في شؤون بعضها البعض، وحلّ النزاعات بالطرق السلمية، مضيفاً، أن هذه العملية التي نتج عنها إعتداء دولة كبرى على دولة أخرى، تعني نهاية الِّليبرالية الديمقراطية، وأن الولايات المتحدة الأميركية بعملها هذا، قد تخلّت عن كلِّ مبادئها الديمقراطية، وتحوَّلت الى دولة إمبريالية، مع العلم أن حروباً كثيرة قد نشبت منذ العام 1648 لغاية تاريخه، والتاريخ الدولي حافل بالحروب والنزاعات الدموية، أهمّها النزاع على الحدود، والرغبة بالتوسّع الجغرافي والإستيلاء على الموارد الأولية والثروات، وتثبيت الهوية الوطنية، وذلك رغم تسليط الضوء في معاهدة وستفاليا بعدم تدخّل الدول في الشؤون الداخلية، ورغم الدعوة إلى حلّ النزاعات بالطرق السلمية، وهذا معناه أن القوّة هي العنصر الأساسي الذي يتحكّم بمجمل العلاقات الدولية، فلا غرابة في ذلك، لأننا لا نعيش في عالم طوباوي مثالي، بحيث تعرف كل دولة حقوقها وتلتزم بواجباتها وتعترف بتجاوزاتها وشوائبها.

إن إستعمال الدول الكبرى لقوتها العسكرية خدمة لمصالحها القومية والوطنية سابقة تاريخية تكرَّرت، إذ أن تصرّف الاتحاد السوفياتي بعد إنتهاء الحرب العالمية الثانية، كقوة أحادية بقضمه أراضي أوروبا الشرقية، وفرض رقابته السياسية عليها، وهذا يقودنا الى الاستنتاج الذي تتشابه فيه الدول الديمقراطية مع الدول التسلّطية، في سلوك المنهج ذاته، بإنتهاك المبادئ والقوانين الدولية وميثاق الأمم المتحدة، من حيث التعدّي على الدول التي لا تتفق معها، أو تسير في فلكها، وفي تبنِّي إيديولوجيتها السياسية الخاصة، وصولاً إلى التدخّل في شؤونها الداخلية، فهذا الانتهاك للقوانين والمواثيق الدولية لناحية التعدّي على الدول الصغيرة، يتحقّق في أغلبه من منظور النزاع الجيوسياسي، القائم على التنافس بين الدول الكبرى بالسيطرة الجغرافية والديموغرافية والإقتصادية، وعلى الموارد الطبيعية ومصادر الثروات، فنظرية القوّة هي القدرة على جعل الغير ينفّذ ما تريده، صارت هدفاً يتحقّق إما عن طريق القوة الصلبة المتمثّلة بالإكراه والعقوبات، وإما عن طريق القوة الناعمة المرتكزة على التأثير الثقافي والاجتماعي، فهناك إذاً خياران وعلى الدولة القويّة أن تختار الخيار الأفضل أي الأكثر إيجابية وسلمية.

القانون الدولي والعلاقات الدولية

القانون الدولي يمثل العمود الفقري للعلاقات بين الدول، يؤكد الحفاظ على سيادة الدول واستقلالها السياسي، وحق قادتها في ممارسة السلطة دون تدخل خارجي غير مشروع، فيُمنع أي اعتقال أو محاولة محاكمة لرئيس دولة قائم في منصبه، من قبل قوة خارجية دون تفويض قانوني دولي، وهو ما يُعد إنتهاكاً واضحاً لمبادئ ميثاق الأمم المتحدة، وخطوة غير مسبوقة لم تحصل منذ عقود، إذ أن هذا الإعتقال المباشر لمادورو يندرج، من منظور قانوني بحت، ضمن الجريمة الدولية، وإعتداء على مبدأ الحصانة السياسية والدبلوماسية، التي تكفلها قواعد القانون الدولي لرؤساء الدول ذات السيادة.

إن العالم يشهد اليوم بداية تشكل نظام دولي جديد، تتراجع فيه مكانة المؤسسات التابعة للشرعية الدولية، ليُستبدل فيها منطق القانون بالهيمنة، وهو ما يوجب فرض حاجة ملحَّة للبحث عن بديل أممي جديد أكثر عدالة وتوازناً، يقوم على مبدأ المساواة بين الدول، ويمنع إحتكار العدالة الدولية، ويضع حداً لمهزلة إستخدام حق الفيتو كأداة لشرعنة العدوان بإسم القانون الدولي، وعلى الرغم من أن هذا الحدث لا يمكن فهمه، بمعزل عن سياقه السياسي والجيوستراتيجي، فمادورو شكَّل محوراً لصراعات نفوذ دولية متعددة، ورمزًا لمواجهة الضغوط الغربية في أميركا اللاتينية، وإعتقاله بات يمثل إعلاناً عمليا، بأن النظام الدولي لم يعد قائماً على قواعد ثابتة وإنما على منطق القوة، ومصالح الدول الكبرى، وقدرتها على فرض إرادتها على الغير، وذلك على حساب القانون الدولي نفسه، كما يكشف هذا التطورعن سقوط فعلي للنظام الدولي القائم، وتهاوي الدور القانوني والأخلاقي لمنظمة الأمم المتحدة، التي فشلت في أداء وظيفتها الأساسية في حفظ السلم والأمن الدوليين، بل تحولت في كثير من الحالات إلى إطار شكلي يُستخدم لتبرير سياسات الهيمنة.

فما جرى في فينزويلا يشكل منعطفًاً تاريخياً في العلاقات الدولية، حيث لم يعد فيه إمكانية للدول القدرة على الاعتماد على القواعد القانونية وحدها لضمان سيادتها، وهناك توجُّه واضح نحو نظام دولي أكثر صداماً، تصبح فيه القوة السياسية والإقتصادية والعسكرية المرجعية الأساسية، وليست الشرعية القانونية، وهذا يحتم إعادة رسم خرائط النفوذ الدولية، ويدفع الدول إلى إعادة حساباتها، خصوصًا في المناطق الحساسة مثل أميركا اللاتينية والشرق الأوسط وأفريقيا.

الحصانة القانونية وحصانة الرئيس

يُعدّ  البند (4) من المادة 2 من ميثاق الأمم المتحدة، حجر الزاوية في تنظيم العلاقات الدولية المعاصرة، بإلزام الدول الإمتناع عن التهديد بإستعمال القوة، أو إستخدامها ضدّ السلامة الإقليمية أو الإستقلال السياسي لأيّ دولة، ولا يعترف القانون الدولي، إلاَّ باستثناءَيْن رئيسيَّيْن لهذا الحظر في هذا المجال:

  1. تفويض صادر عن مجلس الأمن بموجب الفصل السابع.

 2-أو ممارسة حقّ الدفاع عن النفس الفردي أو الجماعي وفقاً للمادة 51. وما إرتكبته إدارة ترامب، لا يتوفر في أيٍّ من هذين الاستثناءين، أمّا ادّعاء الدفاع عن النفس الذي نُسب إلى مسؤولين أميركيين، فيبدو تبريراً مضلِّلاً، حيث المادة 51 تُجيز الدفاع عن النفس حصراً في حال وقوع هجوم مسلّح، ويظلّ توصيف تهريب المخدّرات، بعيداً عن معيار ما سوغته الإدارة الاميركية بالمعنى المعتمد في القانون الدولي.

كما أن حصانة رئيس الدولة، تُعَدُّ من القواعد المرتبطة والثابتة بمبدأ المساواة السيادية، من أجل تمكين أعلى ممثّلي الدولة من أداء وظائفهم، من دون تدخّل قضائي أو تدخل أية جهات أجنبية، وهنا يُميّز الفقه والممارسة الدولية، بين الحصانة الشخصية المرتبطة بالمنصب أثناء شغله، والحصانة الموضوعية المرتبطة بالأفعال الرسمية بعد انتهاء الولاية، ليستقرّ الاتجاه العام، على أن رئيس الدولة الحالي يتمتّع بحصانة شخصية وحرمة، تمنع إخضاعه للولاية القضائية، أو محاكم الجنائية الوطنية لدولة أجنبية طوال مدة ولايته، وتشمل هذه الحصانة الأفعال الرسمية والخاصّة على السواء خلال تلك المدّة، وبناءً عليه، يُعتبر إعتقال رئيس دولة قائم لمقاضاته أمام محكمة وطنية أجنبية، تعارضاً مباشراً مع هذه القاعدة، ما لم تتوافر ظروف استثنائية مُعترَف بها، وهي غير موجودة أو قائمة أصلاً، كما أن الحصانة لها شروطها أمام المحاكم الجنائية الدولية أو المحاكم الخاصة ذات الطبيعة الدولية، غير أن المسار المُشار إليه هنا، يتعلّق بمحاكمة أمام محكمة إتحادية أميركية، وهي جهة وطنية تخضع من حيث الأصل لقواعد الحصانات الدولية وفي غياب مسار دولي ذي ولاية قضائية مقبولة ومتخصّصة، يظلّ تجاوز الحصانة في الإطار الوطني الأجنبي، محلَّ إشكال قانوني جوهري، فالحصانة الشخصية، هي وظيفة قانونية مرتبطة بصفة الشخص الرسمية، وبممارسته الفعلية لمهام رئيس الدولة، وليست إمتيازاً سياسياً مشروطاً بإعتراف دولة بعينها بشرعية الحكومة، ولا يترتب على موقف عدم الاعتراف هذا، إعفاء الدولة الممتنعة عن الإعتراف من إلتزاماتها الأساسية، بموجب القانون الدولي تجاه الدولة الأخرى أو ممثّليها الرسميين، ما داموا يباشرون وظائف الدولة على نحو فعّال، كما أن معيار الحصانة لا يقوم على تقييم شرعية النظام السياسي من قبل دولة أجنبية، بل على تحقُّّق الصفة الوظيفية واستمراريتها.

في الختام

تمثل السيادة الإقليمية، أحد الأعمدة المُؤسِّسة للنظام القانوني الدولي، وحظر استعمال القوة وعدم التدخّل في الشؤون الداخلية، وانطلاقا من ذلك، فإن دخول قوات عسكرية إلى المجال الجوي أو الإقليم البري لدولة من دون موافقتها، وشنّ ضربات على منشآت تابعة لها، وإخراج رئيسها بالقوة من أراضيها، يُعدّ  مساساً كبيراً بالسلامة الإقليمية وبالاستقلال السياسي، وتكتسب هذه الوقائع بُعداً إضافياً في الإطار الإقليمي الأميركي، إذ ينصّ ميثاق منظمة الدول الأميركية على حماية حرمة الإقليم، وعدم جواز احتلاله عسكرياً، أو اتخاذ تدابير قسرية أخرى بالقوة من قبل دولة أخرى لأيّ سبب كان، كما يُقرر الإلتزام بعدم اللُّجوء لاستعمال القوة، إلاَّ في حالة الدفاع عن النفس وفق شروطه، وبالنظر إلى أن مبرّراتٍ مثل مكافحة المخدّرات، أو دعم الديمقراطية لا تندرج في حدّ ذاتها، ضمن مفهوم الدفاع عن النفس بالمعنى القانوني، فإن الاستناد إليها لإضفاء الشرعية على تدخّل عسكري واسع، يظلّ متعارضاً مع جوهر الالتزامات الإقليمية، فأمام تجاوز الآثار القانونية والسياسية لهذا الأسلوب من العمليات، تشكِّل الحالة الفنزويلية سابقة مُقلقة للنظام الدولي، تقوم على إمكان توظيف القوة العسكرية لتحقيق أهداف أو تغيير سياسي خارج أطار ونطاق الشرعية الدولية، بما يُضعف القيود الموضوعة في منع إستخدام القوة، ويُقوّض فكرة الأمن الجماعي، ويُربك التمييز بين مكافحة الجريمة المنظّمة العابرة للحدود، وبين النزاعات المسلحة التي تُنظمها مختلف القواعد القانونية، كما أن فتح الباب لتسويغ غزو دولة بذريعة تهريب المخدّرات، من شأنه أن يُغري قوى أخرى، لتتبنَّى  تبريرات مشابهة لتسوية مشاكلها الإقليمية بالقوة، بما يهدِّد الاستقرار وحقوق الإنسان، ويزيد من هشاشة النظام القانوني الدولي، ويعرِّض الأمن والسلم الدوليين للخطر الدائم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى