دراسات

أدلجة التاريخ.. الصمت والسلطة وبناء السردية

تحليل: أحمد محمد إنبيوه

الحضور أو الغياب في سرديات الشعوب والجماعات دون الدولة لا يرتبط على الدوام بميكانيزمات وصيرورات داخلية بالأساس. ذلك أن فرض حضور أجزاء معينة من الذاكرة أضحى مغلفا بالتوجهات الأيديولوجية بما ينتج في النهاية تاريخ منقوص أو موجه، أي غير مكتمل قصدا، تتخلله مساحات عميقة من الغياب. ومن ثم يظهر السؤال الكبير: كيف تؤسس ذاكرة الغياب هذه، وكيف تصيغ الأيديولوجيا إيقاعات الحاضر متأثرة بامتدادات الماضي الذي خضع لأدلجة عنيفة وعميقة؟       لذلك، يمكن القول أن التاريخ لا يُعدّ سجلًا محايدًا للأحداث بقدر ما هو نتاج علاقات قوة تتحكم في ما يُكتب، وما يُهمّش، وما يُمحى. ففي حالات الشعوب والجماعات التي لم تنجح في تأسيس دولة قومية، يصبح التاريخ ذاته ساحة صراع، حيث يُعاد ترتيب الماضsي بما يخدم شرعية السلطة القائمة، بينما تُقصى روايات بديلة بوصفها «هامشية» أو «غير وطنية».

ومن هنا، فإن الحضور أو الغياب في السرديات التاريخية لا يرتبط بالضرورة بميكانيزمات داخلية تخص تلك الجماعات، بل يتشكل أساسًا عبر سياسات الهيمنة وإنتاج المعنى. في هذا السياق، تمثل الحالة الكردية نموذجًا مكثفًا لتاريخ أُخضع لعمليات ممنهجة من الإخفاء، وإعادة التفسير، والدمج القسري داخل سرديات قومية أوسع. وعلى امتداد قرون، لم يكن التاريخ الكردي مجرد تاريخ غير مكتوب، بل تاريخًا جرى منعه من أن يُكتب، عبر آليات متعددة شملت تغييب الأسماء، تفكيك الاستمرارية التاريخية، وتجريد الكرد من أي سردية سياسية ذاتية. ومن ثم، تسعى هذه الدراسة إلى تفكيك هذه العمليات من خلال التركيز على الحالة الكردية في إيران، بوصفها مثالًا مركزيًا لكيفية اشتغال «الصمت» كأداة سلطة، وكيف تحوّل التاريخ إلى حقل أيديولوجي مُسيطر عليه. وذلك من خلال عدسة وأساس تنظيري عبر أطروحات عبد الله أوجلان، لا بوصفها سردية قومية بديلة، بل كإطار نقدي لإعادة التفكير في العلاقة بين التاريخ، المجتمع، والدولة.

التاريخ كحقل أيديولوجي مُسيطر عليه

تنطلق المقاربة النقدية للتاريخ من اعتبار أن ما يُقدَّم بوصفه «تاريخًا رسميًا» ليس سوى سردية منتقاة، جرى إنتاجها في سياق سياسي محدد، وتخدم في جوهرها مشروعًا سلطويًا بعينه. وقد بيّنت دراسات القومية الحديثة أن الدولة القومية لا تكتفي باحتكار العنف الشرعي، بل تسعى أيضًا إلى احتكار الذاكرة، عبر إنتاج تاريخ موحّد يُضفي الشرعية على وجودها ويُقصي أي روايات تُهدد هذا الاحتكار. وقد ترافقت عملية تشكّل الدول القومية في الشرق الأوسط، مع إعادة هندسة الماضي، بحيث جرى إسقاط مفاهيم حديثة مثل «الأمة»، «اللغة القومية»، و«الحدود السياسية» على فترات تاريخية سابقة لم تعرف هذه التصنيفات. وضمن هذا الإطار، تحوّلت شعوب بأكملها إلى «هوامش تاريخية»، ليس لأنها كانت بلا تاريخ، بل لأن تاريخها لم ينسجم مع منطق الدولة المركزية. ولم يكن التهميش التاريخي بالنسبة للكرد، حدثًا عابرًا، بل عملية ممتدة بدأت مع الإمبراطوريات القديمة، وتكثفت مع نشوء الدولة القومية الحديثة. فقد جرى إدماج الكرد داخل سرديات إمبراطورية (فارسية، عثمانية، عربية) باعتبارهم وحدات قبلية أو موارد بشرية، دون الاعتراف بخصوصيتهم الاجتماعية والسياسية. ومع صعود الدولة القومية، تحوّل هذا الإدماج إلى إنكار صريح، حيث أُعيد تعريف الكرد بوصفهم «أقليات إثنية» داخل كيانات قومية مكتملة.

شكّلت معاهدة سيفر (1920) لحظة فارقة في التاريخ الكردي الحديث، إذ اعترفت – نظريًا – بإمكانية قيام كيان سياسي كردي مستقل. غير أن هذه اللحظة سرعان ما أُجهضت بفعل توازنات القوة الإقليمية وصعود الدول القومية الجديدة، ليُعاد ترسيم المنطقة عبر معاهدة لوزان (1923)، التي قسّمت كردستان بين أربع دول: تركيا، إيران، العراق، وسوريا. ولم يكن هذا التقسيم مجرد إجراء جغرافي، بل لحظة تأسيسية لإعادة كتابة التاريخ الكردي. فمنذ ذلك الحين، خضع الكرد داخل هذه الدول لسياسات ممنهجة هدفت إلى تفكيك هويتهم الجماعية، عبر التتريك، والتعريب، والإيرنة، إضافة إلى القمع العسكري، التهجير، وتقييد اللغة والثقافة. وباعتبارهم «تهديدًا» لمشروع الدولة القومية، جرى تصوير الكرد في الخطاب الرسمي كعنصر اضطراب دائم، لا كجماعة ذات حقوق تاريخية.

في إيران، وعلى باترون عملي، تشكّلت الفكرة القومية الحديثة منذ أواخر القرن التاسع عشر على أسس لغوية وإثنية تمحورت حول الفارسية وما سُمّي بـ«الأصل الآري». ومع صعود الدولة البهلوية، جرى تحويل هذه الفكرة إلى مشروع سياسي متكامل، هدفه بناء هوية إيرانية متجانسة تُختزل في لغة واحدة وتاريخ واحد. ضمن هذا المشروع، أُعيد تدوير التاريخ القديم للهضبة الإيرانية بحيث جرى دمج الميديين داخل سردية «إيرانية» كبرى، ما أدى إلى نفي أي قراءة بديلة ترى فيهم نواة تاريخ كردي مستقل. وهكذا، لم يُمحَ التاريخ الكردي فحسب، بل جرى استيعابه قسريًا داخل تاريخ قومي آخر، في عملية يمكن وصفها بـ«الإلغاء عبر الإدماج». وقد تجلّت سياسات الصمت هذه في مجالات متعددة: تغييب التاريخ الكردي من المناهج التعليمية، حظر أو تقييد اللغة الكردية في التعليم والإعلام، إعادة تسمية الأماكن الجغرافية، تجريم أي محاولة لكتابة تاريخ محلي مستقل بوصفها «انفصالية». وبهذا المعنى، لم يكن الصمت تجاه الكرد فراغًا بريئًا، بل ممارسة سلطوية هدفت إلى إعادة تشكيل الوعي الجمعي، بحيث يصبح غياب الكرد عن التاريخ «حقيقة طبيعية». وقد أسهم هذا في ولادة ما يمكن تسميته بـالتاريخ الكردي المخفي (Hidden Kurdish History)، وهو تاريخ غير مكتوب أو مُقصى، يعاد اكتشافه اليوم عبر مقاربات نقدية وفكرية جديدة تجمع بين قراءة سياسية-تاريخية وبين أطر تحليليّة مستوحاة من نظريات ما بعد الاستعمار، وما بعد البنيوية، والأنثروبولوجيا التاريخية. ومن ثم، يمكن تفكيك الرابط بين التاريخ المخفي، وبناء السردية الكردية، وقراءة التجربة الإيرانية عبر عدد من المداخل أو المحاور، من خلال تأسيس   

أوجلان كإطار تفسيري

طوال القرنين التاسع عشر والعشرين تشكّلت في إيران آليات دولة-أمة ساعية إلى توحيد الهوية عبر لغةٍ مؤسَّسيةٍ وتاريخٍ مؤطَّر. نتيجة ذلك، أصبح التاريخ الرسمي لإيران يهمّش أو يصمّت على ترميزات وذاكرات شعوب مهمّشة، وعلى رأسها الكرد. في هذا الحقل يبرز سؤال مركزي: كيف يُعيد أوجلان صياغة «التاريخ» الكردي بصيغة تقوض الصمت البنيوي للدولة، وتؤسّس لسردية كردية كبرى ذات جذور حضارية واجتماعية؟

يمثّل عبد الله أوجلان أحد أبرز المفكرين الذين قدّموا تصورًا جديدًا لإعادة بناء التاريخ الكردي خارج الأطر القومية التقليدية وخارج السرديات الدولتية. وقد طرح أوجلان، في سلسلة كتبه “مانيفستو الحضارة الديمقراطية” و “سوسيولوجيا الحرية” و “دفاع عن شعب”، مقاربة راديكالية لتفسير الماضي الكردي، لا تعتمد على سردية قومية صلبة وإنما على إعادة قراءة البنية الحضارية للشرق الأوسط. ويرى أوجلان أن التاريخ الكردي لم يُخفَ لأنّ الكرد فشلوا في كتابته، بل لأنه خضع لثلاث آليات بنيوية: هيمنة الدولة المركزية الشرق أوسطية منذ الإمبراطوريات القديمة حتى الحديثة. الرأسمالية القومية الحديثة التي أعادت هندسة الشعوب على نموذج الدولة-الأمة. البنى الذكورية السلطوية التي أعادت إنتاج سياسات الإقصاء. وفي المقابل، يقدّم أوجلان تاريخًا بديلًا يُسمّيه “التاريخ الطبيعي للمجتمعية” الذي يربط بين المجتمعات الزراعية الأولى والهويات اللاحقة، معتبرًا أن الكرد حافظوا على نمط من المجتمعية الديمقراطية التي قاومت المركزية القمعية منذ آلاف السنين. في قراءة أوجلان، يمثّل الميديون النواة الأولى لتاريخ كردي مضاد للدولة الإمبراطورية. فالميديون، وفق تعبيره، أقرب إلى “اتحاد قبلي مجتمعي” منه إلى دولة قومية مركزية. وهذا ما يفسّر، حسب تحليله، سبب غياب الإمبراطوريات الكردية الكبرى: لأن المجتمع الكردي كان ينزع إلى اللامركزية، وإلى ما يسميه “روح الجبل” المقاومة للسلطة.

يركّز أوجلان على أن إيران تمثل نموذجًا واضحًا لكيفية تحويل الماضي إلى أداة سلطة. فالسردية الإيرانية، كما يقول، ليست مجرد سرد قومي، بل خطاب شمولي يسعى ليكون مرجعًا للحضارة نفسها. وهذا يؤدي إلى: دمج الميديين داخل القصة الإيرانية الكبرى. وتذويب الكرد تحت عنوان “الأقليات الإيرانية”. واعتبار اللغة والثقافة الكردية “محلية” لا قومية. بهذا فإن التاريخ الكردي في إيران ليس فقط مخفيًا، بل مستوعبًا قسريًا داخل تاريخ قومية أخرى. لا يقف طرح أوجلان وحده في هذا الإطار؛ فهناك مدارس فكرية كردية أخرى سعت لإعادة قراءة التاريخ، ولكن كل منها يذهب نحو اتجاه معين. المدرسة القومية الكلاسيكية تركز مثلًا على: استعادة الميديين كدولة قومية كردية، إبراز البطولة والمقاومة المسلحة، تكوين سردية قومية تعتمد على “الأمة – الدولة”. بينما مدرسة الأنثروبولوجيا التاريخية مثل أعمال مارتن فان بروينسن وفابيوس بوزار، ترى أن الكرد تشكّلوا عبر تاريخ طويل من الهويات المتعددة، وأن الهوية القومية الحديثة ليست سوى طبقة مضافة على بنى اجتماعية أقدم. أما المدرسة النقدية الحديثة، وهي الأقرب إلى أوجلان، فترى أن: التاريخ الكردي هو تاريخ مقاومة للمركزية، وأن المجتمعات الكردية حافظت على نماذج من الإدارة الذاتية، كما ترى أن“الدولة القومية” ليست قدرًا تاريخيًا للكرد.

وليس الصمت هنا غياب بل سياسة إنتاج فراغ. وتتمثّل هذه السياسة عبر: إلغاء المناهج التعليمية لكل ما يتصل بالتاريخ الكردي. حجب التوثيق الرسمي للانتهاكات ضد الكرد. إعادة كتابة الذاكرة بطريقة تجعل الكرد “هامشًا دائمًا”. ويشير علماء الاجتماع إلى أنّ سياسة الصمت أشدّ تأثيرًا من القمع المباشر لأنها تعمل على مستوى الوعي الجمعي، وتحوّل غياب المعلومات إلى حقيقة سياسية. وبالنسبة لأوجلان، فإن الصمت تجاه الكرد في إيران هو امتداد لنموذج أوسع من إخفاء التنوع في المنطقة، وهو، في رأيه، الشق الحضاري الأكثر فتكًا في الدولة الشرق أوسطية. إن إعادة بناء التاريخ ليست مشروعًا أكاديميًا فقط، بل فعل تحرري. ولذلك تؤكد المقاربات الكردية الحديثة – وعلى رأسها طرح أوجلان – أن تحرير الكرد لا ينفصل عن تحرير التاريخ نفسه. ومن هنا تتشكّل ملامح السردية الكردية الكبرى: استعادة التاريخ القديم (الميديون، الزازا، اللولو، الكوتيين…). قراءة نقدية للقرون الوسطى (الأتابكة، الإمارات الكردية). تفكيك سرديات القرن العشرين (مهاباد، البيشمركة، الحركات الحديثة). إعادة بناء هوية سياسية لا تعتمد على الدولة بل على الكونفدرالية الديمقراطية. وتمثّل إيران إحدى أهم ساحات هذا المشروع لسببين: ثقل الكثافة السكانية الكردية. عمق سياسات الصمت والإقصاء المطبقة هناك.

إن دراسة التاريخ الكردي في إيران تكشف منظومة ممتدة من الإخفاء، والمحو، وإعادة التفسير. ولهذا، تمثل أفكار أوجلان محاولة لتجاوز هذه البنى عبر إنتاج سردية لا تقع في فخ القومية الصلبة، ولا تقبل بأدلجة الدولة، بل تحاول أن تُعيد كتابة الماضي بطريقة تحرّر المجتمع قبل أن تحرّر الجغرافيا. وبينما يستمر الصراع بين تاريخين: تاريخ رسمي يفرض الصمت، وتاريخ مخفي يُقاوم عبر الفكر والكتابة والممارسة. يتضح إذن أن معركة السردية لم تعد مجرد شأن معرفي، بل هي جزء من معركة الوجود الكردي ذاته.

صاغ عبد الله أوجلان مشروعًا فكريًا مركزيًا: رفض الأحادية التاريخية للدولة القومية، وإعادة توظيف أدوات فلسفية (منها الهيغلية والماركسية والأنثروبولوجيا السياسية) لصياغة «تاريخٍ من الأسفل» يتجاوز الحدود السياسية الحديثة. فعند أوجلان التاريخ ليس سردًا تواليًا لأحداث القادة والملوك بل «شبكة من ممارسات اجتماعية»؛ بالتالي، ما حُجب في السرد الرسمي (الذي يقدّس الدولة واللغة الرسمية) يصبح قابلاً للاستخراج والتحليل — هذا ما يمكن تسميته بـ«التاريخ المخفي». أوجلان لا يكتفي بوصف هذا التاريخ المخفي، بل يقترح آليات سياسية وثقافية لإحيائه: الديمقراطية الإقليمية، الجينولوجيا (Jineology) كمناهج لإعادة قراءة دور المرأة في التاريخ، والكونفدرالية الديمقراطية كنمط سياسي يشرعن تاريخَ المجتمعات المحلية كمرجع معرفي وسياسي. وبالتالي يمكن القول، في سياق بناء السردية الكردية الكبرى، لا يُطرح مفهوم “التاريخ المخفي” بوصفه مجرد ملء للفراغات الزمنية في السجالات التاريخية، بل كأداة “مقاومة معرفية” ضد احتكار الدولة القومية للحقيقة. وتنطلق هذه الرؤية من فرضية أن التاريخ الرسمي في الشرق الأوسط (الفارسي، التركي العربي) هو تاريخ “السلطة” الذي قام بعملية “هندسة للذاكرة” أقصت الشعوب غير الدولتية. ووفقاً لأوجلان، فإن هذا الإقصاء لم يكن عفوياً، بل هو نتاج صراع جذري بين الحضارة الدولتية، التي تمثلها النخب والسلالات الحاكمة، وبين الحضارة الديمقراطية، التي تمثلها الكومونة والقبائل الكردية. وهنا، يتحول “المخفي” من كونه “مجهولاً” إلى كونه “مقموعاً” ، مما يستدعي إعادة كتابة التاريخ ليس من بوابة القصور، بل من بوابة المجتمعات الجبلية في زاغروس وطوروس.

وبينما يرى القوميون الكلاسيكيون أن التاريخ المخفي هو كنز أثري يجب اكتشافه، يطرح الأكاديمي عباس ولي (Abbas Vali) في دراساته حول القومية الكردية طرحاً مغايراً يعتبر فيه أن “التاريخ المخفي” هو عملية “بناء” (Construction) تتم في الحاضر. يجادل ولي بأن القومية الكردية، بصفتها ظاهرة حديثة، تحتاج إلى “ماضٍ ذي سيادة” لشرعنة مطالبها السياسية الحالية. وبما أن الكرد لم يمتلكوا “أرشيف دولة” مدوناً، فإن النخبة الكردية تلجأ إلى “التاريخ المخفي” (مثل السردية الميدية) لخلق استمرارية تاريخية وسياسية. في هذا الإطار، يصبح استحضار “الميديين” ليس مجرد بحث عن الأجداد، بل هو رد فعل استراتيجي على السردية الإيرانية الرسمية التي تدعي احتكار التاريخ الآري، مما يجعل “التاريخ المخفي” أداة لفك الارتباط مع “الآخر” المسيطر.

تلتقي رؤية أوجلان مع أبحاث المؤرخ مهراد إيزادي (Mehrdad Izady) في نقطة مركزية وهي “جذرية الوجود الكردي” في ميزوبوتاميا. يوسع إيزادي وأوجلان دائرة “التاريخ المخفي” لتشمل الحضارات التي سبقت الميديين، مثل الهوريين والميتانيين، معتبرين أن هذه الشعوب تمثل “الكرد الأوائل”. الفرق الجوهري يكمن في التفسير: بينما يركز إيزادي على الروابط الإثنية والجينية واللغوية لإثبات “أحقية الأرض”، يركز أوجلان على “البنية الاجتماعية”؛ حيث يرى أن “التاريخ المخفي” لهذه الشعوب يتمثل في مقاومتهم لنموذج الدولة المركزية (مثل الآشورية والسومرية) وحفاظهم على “الفيدرالية القبلية”. بالنسبة لأوجلان، هذا التاريخ “مخفي” لأن الحداثة الرأسمالية والدول القومية لا تعترف إلا بتاريخ السلطة المركزية، وبالتالي تم طمس تاريخ الشعوب التي عاشت بنظام “الكونفدرالية الديمقراطية” الفطرية.

يقدم الأنثروبولوجي مارتن فان بروينسن (Martin van Bruinessen) بُعداً آخر لفهم “التاريخ المخفي”، حيث يربطه بطبيعة التنظيم الاجتماعي الكردي القائم على القبيلة والإمارة بدلاً من الدولة المركزية. ويتفق هذا الطرح مع تحليل أوجلان الذي يعتبر أن القبيلة الكردية لم تكن مجرد هيكل قرابة، بل “تنظيماً للدفاع الذاتي” في مواجهة الإمبراطوريات. يرى بروينسن أن غياب “أرشيف الدولة” لدى الكرد جعل تاريخهم “شفاهياً” و”اجتماعياً” وبالتالي “مخفياً” عن عين المؤرخ الرسمي الذي يعتمد على الوثائق السلطوية. في هذه الفقرة، يصبح “التاريخ المخفي” هو تاريخ الهامش الذي رفض الانصهار في المركز، وهو ما يسميه أوجلان تاريخ “المقاومة المجتمعية” التي حافظت على الوجود الكردي رغم غياب الدولة.

ولهذا، يقدم عبد الله أوجلان في “مانيفستو السلام والمجتمع الديمقراطي” مفهوم التاريخ المخفي كأداة تحليلية جوهرية لفهم الحاضر وبناء المستقبل. وثمة تشريح لهذه الفكرة يؤسس على الجوهر الفلسفي: “التاريخ مخفي في يومنا يلخص أوجلان نظريته في علم الاجتماع التاريخي بمقولة مركزية: نحن مخفيون في بداية التاريخ، والتاريخ مخفي فينا”. ويرى أوجلان أن التاريخ المتداول هو تاريخ السلطة والدولة (الذي يسميه تاريخ “القاتل الزمروي”)، بينما التاريخ الحقيقي للمجتمع والكومونة والمرأة تم إخفاؤه وطمسه. ولهذا، لا يمكن فهم الحاضر ومشاكله (مثل القضية الكردية أو قضايا المرأة) دون العودة إلى الجذور التاريخية المخفية، لأن الحاضر هو تكثيف لذلك التاريخ. ويقسم أوجلان التاريخ الكردي إلى ثلاث مراحل رئيسية، وتشكل مرحلة “التاريخ المخفي” الحقبة الوسطى الطويلة: مرحلة الكرد الأوائل: وهي مرحلة الوجود الأصيل والظهور الأول في جغرافيا زاغروس-طوروس (حوالي 3000 ق.م إلى 500 ق.م)، حيث كان الكرد (الميديون، الهوريون، النائريون) فاعلين أساسيين. مرحلة التاريخ المخفي: تبدأ هذه المرحلة حوالي 500 ق.م مع سقوط الميديين وصعود الفرس. هنا، استمر الوجود الكردي لكنه فقد “خصوصيته السياسية” وأصبح “مخفيًا” تحت هويات إمبراطورية أخرى. وفي ظل الهوية الفارسية، أصبح التاريخ الكردي جزءًا من التاريخ الفارسي، حيث كان الكرد في الدرجة الثانية والفرس في الأولى. أما في ظل سيادة الهوية الإسلامية/العربية، استمر الكرد في الوجود بشكل مخفي ضمن الحضارة الإسلامية والعربية لحوالي 500 عام. وفي ظل الهوية التركية، شكل الكرد تحالفًا وجوديًا مع الأتراك (منذ السلاجقة)، وكانوا “الجنود” والقوة الضاربة، لكن القيادة والاسم كانا للأتراك.

أما مرحلة إنكار الوجود (العدم)، فقد بدأت حسب تعبير أوجلان مع الحداثة الرأسمالية في القرنين الأخيرين، حيث لم يعد التاريخ مخفيًا فحسب، بل تحول إلى سياسات “صهر وإبادة” وإنكار تام للوجود الكردي. ويربط أوجلان التاريخ المخفي بالصراع الجذري بين “الحضارة الدولتية” و”الكومونالية الديمقراطية”. ولا يسعى أوجلان لاستعادة هذا التاريخ من أجل البكاء على الأطلال، بل لأهداف سياسية وتنظيمية من قبيل: إثبات الوجود، إذ كان هدف حزب العمال الكردستاني (PKK) هو إخراج الكرد من حالة “العدم/الإنكار” والعودة بهم إلى “الوجود” عبر كشف هذا التاريخ. وعبر بناء الحداثة الديمقراطية، فقد كشف التاريخ المخفي (تاريخ الكومونة والمرأة)، أنه هو الأساس النظري لبناء “الحداثة الديمقراطية” كبديل لـ “الحداثة الرأسمالية” التي تقوم على الدولة القومية. باختصار، “التاريخ المخفي” عند أوجلان هو التاريخ الاجتماعي والثقافي للشعوب (وخاصة الكرد والمرأة) الذي استمر في التدفق تحت قشرة “تاريخ السلطة والدول”، واستعادته ضرورة لبناء مجتمع ديمقراطي حر.

يستخلص أوجلان عدّة عناصر يُكوِّن منها التاريخ المخفي: الذاكرة المجتمعية: قصص، أساطير محلية، أسماء أماكن، تقاليد إنتاج تربط الكرد بسياق حضاري أعمق (ميسوبوتاميا/زاغروس) — هذه الذاكرة تُهملها الدولة. النسق الاجتماعي البديل: أنماط حكم محليّة، تشاركية وعشائرية ومجالس محلية، والتي أوجلان يقترح أنها تُشكّل «نواة» نمط حكم بديل (الكونفدرالية الديمقراطية). دور المرأة وتاريخ المقاومة: عبر مفاهيم الجينولوجيا، يرفع أوجلان من مكانة المرأة كعامل محوري في استمرارية الثقافة والتاريخ — وهو يراها مفتاحًا لإعادة كتابة التاريخ من منظورٍ أقل بطوليّة وأنجع في الاستمرارية الاجتماعية. اللغة والسماء الرمزية: أسماء الأماكن والعبارات والمصطلحات المحلية، التي تُشير إلى امتدادات تاريخية لم تُعتَرَفها السرديَّة الرسمية. تشكّل هذه العناصر سلاحًا معرفيًّا وسياسيًّا: استرجاعها يُضعف احتكار الدولة للشرعية التاريخية ويمنح المجتمع المحلي حقّ الإضافة إلى السرد الوطني.

يرى أوجلان أن مواجهة النفي/الصمت لن تتحقق بالسياسة المسلحة وحدها ولا بمجرد المطالبة بالحقوق المدنية؛ بل عبر مشروع معرفي-ثقافي يعيد إحياء ذاكرة الجماعات. في سياق إيران، حيث عملت سياسات التوحيد اللغوي/التاريخي (الفارسية-المحورية) على طمس الآثار اللغوية والحضارية للكرد، تصبح استراتيجية أوجلان مزدوجة: أكاديميًا/ثقافيًا: إعادة قراءة النقوش، القصص الشعبية، واللهجات لبيان استمرارية تاريخية كردية منفصلة عن الأسطورة الفارسية الموحدة. سياسيًا: بناء مؤسسات محلية ديمقراطية تُعرّف التاريخ المحلي وتوظّفه في مطالب الحكم الذاتي والاعتراف بالحقوق الثقافية. بهذا المنظور، يصبح «التاريخ المخفي» أداةً لتعريف الذات القومية بشروط جديدة: ليس فقط كـ«أمة ضحية» بل كـ«أمة» ذات تاريخ ووجود حضاري يُطالب بالاعتراف والعدالة. تُظهر التجربة الإيرانية أدوات عملية لنفي اللغة والاسم والوجود الثقافي: قوانين وممارسات تمنع التعليم أو النشر باللغة الكردية أو تقيّد استخدام الأسماء الكردية في السجلات العامة؛ إعادة تسمية الأماكن، وحظر الحفر الأثري الموجّه لاستخراج إرث محلي يُنافي سرد الدولة؛ خطاب رسمي يرافقه تشويه في الإعلام والأدب الشعبي يُصوِّر الكرد كـ«آخر» داخلي/مصدر اضطراب».

تعني هذه الآليات الإنتاجية للصمت أن التاريخ الرسمي لا يكتفي بعدم سرد حدثٍ ما؛ بل يجعل من سرد بديل «خطاً سيئًا» أو «انفصاليًا» يستوجب القمع. هنا تتقاطع استراتيجية أوجلان المعرفية مع استراتيجية المقاومة: استعادة الحق في التسمية (names)، في الذاكرة الجماعية، وفي كتابة التاريخ المحلي. شهد القرن التاسع عشر وما بعده تشابكات عنيفة: عمليات قمع، تهجير، إلغاء مؤسسات محلية، وعمليات قتل منتظمة في مراحل مختلفة — ما يجعل الحديث عن «سلاسل إبادة» لا بالضرورة بمعنى إبادة منسقة مركزياً طوال الوقت، لكنه يشير إلى تراكم سياسات وأحداث أدّت إلى إضعاف البنية السكانية والثقافية للكرد في مناطق معيّنة: سياسات التحديث القسري والإقحام الإداري على يد دول مركزية (فترة رضا شاه ثم محمد رضا شاه في إيران)، قمع الحركات القومية المحلية (مثل تجربة جمهورية مهاباد 1946 وفشلها ونتائج القمع اللاحق)،

 عمليات ملاحقة سياسية واغتيالات قادتها استخبارات الدولة (أمثلة من السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات)؛ تداخل القمع مع السياسات الاقتصادية التي أدّت إلى تهميش بنى الإنتاج المحلي وتشريد أفراد الطبقات الوسطى الثقافية.

يحلل أوجلان هذه الظاهرة على أنها امتداد لسياسات مركزية تهدف إلى «تسييح» الحدود الاجتماعية والسياسية وإجهاض أي مشروع بديل للهوية، ويعرض التاريخ المخفي كدليل معاكس: وجود أمم/شعوب ذات عمق حضاري واجتماعي لا يُمحى إلا عبر مسارات عنف ممنهج ومنظّم وغير منظّم. في العقود الأخيرة، استخدم باحثون غربيون ومترجمون نصوص أوجلان لعدة أغراض تحليلية ومنهجية: كنموذج لفهم التآزر بين الممارسة النظرية والسياسة الميدانية: كيف صار خطاب فكري (الكونفدرالية، الجينولوجيا) منظومة للإصلاح السياسي والاجتماعي؛ كمصدر لصياغة بدائل تحليلية للتاريخ الرسمي: نصوص أوجلان توفر مفردات لإعادة قراءة التاريخ من منظور مجتمعات هامشية؛ كحالة اختبار لنظرية «التاريخ من الأسفل» و«الذاكرة الجماعية» في شراكات بحثية ومشروعات توثيقية.

لكن التوظيف الغربي يختلف: بعض الأعمال الأكاديمية أخذت أوجلان كنموذج إيجابي لبناء مؤسسات محلية (دراسات حول روجافا والراديكالية الديمقراطية)، بينما تناولت أخرى حدود تطبيق أفكاره في إيران بسبب خصوصيات البنية الاجتماعية والدينية (سُنية-شيعية، العشائرية، الاختلافات اللغوية داخل العمق الكردي). في الأدب الأكاديمي الغربي نجِد مزيجًا بين التقدير النقدي والتطبيقي: أوجلان يُستخدم كمصدر فكري يُسهم في توسيع أدوات القراءة التاريخية والسياسية، لكن الباحثين يؤكدون ضرورة المقارنة مع تجارب محلية (مثل مهاباد، حركات 1940–50، ومرحلة ما بعد 1979).

وقد كتب أوجلان في كتاباته السجنية مرارًا عن فكرة أن «الشعوب الصغيرة والمجتمعات المحلية» تحمل ذاكرة وطرق عيش تاريخية يمكنها تحدي الروايات الكبرى. تظهر تركيزه على: إعادة قراءة التاريخ بتركيز على المجالس المحلية والمرأة؛ التشديد على أن الحضارة المحلية (ميزوبوتاميا/زاغروس) ليست ملكًا لخطاب دولة واحد؛ لحنكة في الجمع بين نقد الدولة القومية واستدعاء أشكال بديلة للسلطة. كما أن الباحثون الغربيون الذين كتبوا عن أوجلان يقتبسون هذه النقاط لشرح كيف أن استعادة الذاكرة المحلية — سواء عبر النصوص الشعبية أو عبر إعادة قراءة النقوش والأسماء — هو فعل سياسي بامتياز. لكن رغم طاقته التأويلية العالية يواجه أي نموذج تفسيري مؤسس على أفكار أوجلان عدد من التحديات من قبيل: التعدد الداخلي للكرد، عبر لهجات وطوائف وممارسات دينية مختلفة تجعل من فكرة «سرد كردي موحّد» مشروعًا تعقيديًا. البيئة الأمنية والسياسية الإيرانية، أي بنية الدولة الإيرانية الأمنية، والتي تحمل في داخلها المزيج بين المركزية الدينية والوحدة الإقليمية، تصعّب تطبيق تجارب كونفدرالية على أرض الواقع مباشرةً. العلاقات الإقليمية، أي ثقوب حدودية (تركيا، العراق، سوريا) وتدخّلات قوى إقليمية تزجّ بالتناقضات المحلية في صراعات أكبر. وأخيرا الاعتماد على تيارات أيديولوجية، ذلك أن قراءة أوجلان بحاجة إلى فصل رؤيته النظرية عن بعض ممارسات حزب العمال أو فصائل مسلحة استُخدمت سياسيا، وإلا ستختلط الأسئلة السياسية مع نقاط الشرعية الأخلاقية. وإجمالًا، النقد لا ينفي قيمة مشروع أوجلان كإطار معرفي؛ بل يُطالب بترجمته بحذرٍ مرحليّ وبإجراءات بناء مؤسسي يأخذ الفوارق الداخلية بالاعتبار.

ومع هذا، قدّم أوجلان— بصفته مفكرًا وسياسيًا — أدوات فعّالة لإخراج «التاريخ الكردي المخفي» من صندوق النسيان الرسمي. عبر المناهج التي يقترحها (الجينولوجيا، الكونفدرالية، إعادة كتابة الأسماء)، يمكن للمجتمعات الكردية في إيران أن تُعيد بناء سردية كبرى متكاملة تُعطي التاريخ المحلي قيمة معرفية وسياسية. لكن مسار الترجمة الفعلي لهذا المشروع يتطلب: منهجيات توثيق وتأريخ محلية (أرشفة الشهادات شفهياً ومخطوطات ومواقع أثرية)؛ برامج لغوية وتعليمية لتمكين الذاكرة اللغوية؛ إطار سياسي تفاوضي مع الدولة يضمن حقوقًا ثقافية وإدارية؛ تواصل علمي مع دوائر البحث الغربية لرفع شرعية السرد الجديد دون استلابه. وفي النهاية، يمكن القول إن أوجلان قدّم «كِتلة فكرية» ضرورية لإعادة تشكيل الذاكرة القومية لدى الكرد في إيران؛ وقد بدأ الأدب الأكاديمي الغربي يتعامل معها بمرونة: أحيانًا كنموذج، وأحيانًا كإلهام لإعادة كتابة التاريخ من موقع الذاكرة الشعبية. لكن العمل الأكاديمي والسياسي المطلوب للتحوّل من «نظرية» إلى «ممارسة» لا يزال ضخماً ويحتاج تفصيلاً ومشروعات محليّة ممنهجة. وبذلك يصبح كشف التاريخ المخفي مشروعًا لإعادة بناء الهوية لا عبر مؤسسات الدولة، بل عبر استعادة المجتمع ذاته.

الهوية في السياق الاجتماعي والسياسي

يمكن قراءة إيران بوصفها مجتمعًا متنوعًا دينيًا وعرقيًا، حيث تلعب الهويات المختلفة والمتعددة الأبعاد دورًا في الحياة الاجتماعية والسياسية للأفراد. وقد تأثرت كردستان الشرقية/روجهلات، المنطقة الكردية داخل إيران، بالجوانب المهيمنة للهوية الإيرانية، مع الحفاظ على هويتها الثقافية والعرقية-الوطنية المتميزة، التي تختلف عن الهوية الفارسية الشيعية السائدة في إيران. وقد أثّر هذا التنوع في الهويات على الهوية السياسية للشباب في روج هه لات. ومع ذلك، فقد افتقرت الساحة السياسية إلى فرص متساوية لظهور هويات اجتماعية وعوامل مختلفة. ويرتكز القوميون الإيرانيون، الذين يتطابقون مع القومية الفارسية/الإيرانية، على العرق الفارسي، واللغة والثقافة الفارسية، والدين الشيعي (Mofidi, 2022b). عبر التاريخ الحديث لإيران، إذ تم تسييس اللغة الفارسية كلغة رسمية، والدين الشيعي كدين الأغلبية. سعى القوميون الإيرانيون إلى الاستيعاب اللغوي والثقافي والديني للسكان، مصحوبًا بتأمين الحياة اليومية والتفاعلات الاجتماعية. وفي هذا السياق، أصبحت القومية الفارسية الشيعية الأيديولوجيا السياسية لكل من النظامين البهلووي والإسلامي، في محاولة لفرض هذه الهوية على جميع المواطنين، بينما قاوم الأفراد غير الفرس وغير الشيعة للحفاظ على هوياتهم الخاصة. ونتيجة لذلك، واجه الكرد غالبًا تحديات في المشاركة في المجالين القانوني والسياسي استنادًا إلى هويتهم العرقية-الوطنية، التي تشكل عاملًا اجتماعيًا مهمًا.

وبوصف الهوية مفهومًا معقدًا وغامضًا، ليست ملموسة أو قابلة للرصد بشكل مباشر، لكنها موجودة في جميع جوانب الحياة اليومية. وتشير الهوية في جوهرها إلى معرفة الذات (من أنا؟ أو من نحن؟ وكيف نفكر؟) ومعرفة الآخرين (من هو/هم؟)، وهي عملية وصف وفهم الذات الذي يحدد موقع الفرد ووضعه اجتماعيًا ونفسيًا. في هذا السياق، تلعب السياسة والسلطة دورًا مهمًا في تشكيل الهوية وتغييرها عبر عمليات التصنيف الاجتماعي. ولهذا، لا ينبغي النظر إلى الهوية الوطنية الإيرانية على أنها ثابتة. إن تصورات الهوية الإيرانية تتضمن عناصر من الإسلام الشيعي والقومية الفارسية؛ فهل يمكنها أيضًا أن تسمح بالمساحة للطابع متعدد الأعراق الذي يُشاد به غالبًا في تكوينها الاجتماعي والسياسي؟ إن تكوين الهوية في هذا السياق معقد ومتعدد الأوجه، ويطرح تحديات سياسية. ومع تفاوض الهوية الوطنية، يجب أيضًا التفاوض حول الهويات العرقية، سواء كجماعات أو فيما يتعلق بالهوية الوطنية نفسها. يبقى واضحًا أن إيران لا تزال قلقة بشأن أقلياتها العرقية. قد تقبل الجمهورية الإسلامية بشكل عام إيران ككيان تعددي، لكن هناك توترًا جوهريًا بين ذلك وبين مفهوم الأمة الشاملة، وهو مفهوم يتجاوز التصنيفات العرقية المميزة. ويسعى النظام إلى الحد من التعبئة السياسية العرقية وكبت المطالب المتعلقة بحقوق الأقليات، نظرًا لإمكانية تسببها في توترات اجتماعية وسياسية، وكذلك لأنها تمثل تحديًا لمفهوم الوحدة الوطنية.

تبعا لذلك، تبنت السلطة في إيران منذ بدايات القرن العشرين، سياسات أقل قبولًا للتنوع. فخلال الثورة الدستورية الإيرانية (1905–1911)، أُعلن أن الفارسية هي “اللغة الرسمية لجميع الإيرانيين”. بعد ذلك، نفذ رضا شاه (1925–1941) سياسات قسرية تهدف إلى الفارسية، ودفع عمليات التحديث وسردية تُربط بين الفارسية والحداثة، وتعتبر غير الفارسيين متخلفين. وقد جادلت دنيس ناتالي بأن القومية الفارسية المتزايدة في ذلك الوقت أدت إلى تشديد وتسييس الهوية الكردية. تتخذ الجمهورية الإسلامية موقفًا أكثر تسامحًا تجاه التنوع العرقي. فالدستور الصادر بعد الثورة الإسلامية (والمعدل في 1989) يتضمن أحكامًا لحماية حقوق الأقليات العرقية والقبلية. تنص المادة 19 على: “يتمتع شعب إيران بحقوق متساوية، بغض النظر عن القبيلة أو المجموعة العرقية التي ينتمي إليها. اللون، العرق، اللغة، وما شابهها من اعتبارات لا تُعد أساسًا لمنح امتيازات خاصة.” منذ التسعينيات ونهاية حرب إيران–العراق، أولت قيادة الجمهورية الإسلامية اهتمامًا متزايدًا لقضايا الأقليات العرقية، إلا أن غالبية المشاركين الكرد في هذه الدراسة يرون أن الحكومة تراقب الأقليات عن كثب.

وفي هذا السياق، يمكن أن تتفاعل الدولة مع التنوع العرقي بعدة طرق؛ إما بعدم التسامح معه والسعي لتوحيد النسيج القومي، أو الاعتراف بالتنوع مع تبني نهجين: تفضيل مجموعة معينة على حساب الآخرين، أو إدارة وتنظيم المجتمعات العرقية للحفاظ على الاستقرار وتجنب التوترات بين الأعراق. وإذا أردنا قراءة الوضع في إيران في ضوء هذا، نجد أنها النهج الأول؛ بل تولي أهمية كبيرة لكونها كيانًا متعدد الأعراق، لكنها في الوقت نفسه تدير شؤون الأقليات بشكل صارم ضمن نظام تحافظ فيه الهوية الإيرانية على مكانتها كـ “الأمة المهيمنة”. وقد أشار العديد من المشاركين الكرد إلى تعرضهم للتمييز أو حرمانهم من الفرص بسبب عرقهم، رغم الإشارة إلى النصوص الدستورية التي تضمن المساواة، والتي لا تُطبق على أرض الواقع. تنبع دوافع طهران لإدارة شؤون الأقليات من احتمال أن يشكل التنوع العرقي تهديدًا أمنيًا. ويُفهم الأمن هنا بمفهوم أوسع من الأمن العسكري التقليدي، ليشمل المخاوف السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وبناءً عليه، قد تظهر النزاعات العرقية كتهديدات على مستويات مختلفة: للنظام القائم – السياسي أو الاقتصادي أو المؤسسي – أو لسلامة إيران السيادية. ومن ثم، تصبح السياسة العرقية مؤمّنة: يجب نزع فتيل التهديدات، ما يبرر تنفيذ إجراءات لا تكون مقبولة في السياسة اليومية.

هذا الوضع يضع إيران في مأزق؛ فالعوامل التي تعزز التماسك الداخلي بين “أمم” إيران غالبًا ما تكون تهديدات خارجية، لكنها قد تنشأ أيضًا داخليًا من هذه الأقليات نفسها. وبالتالي، تقبل الحكومة بإيران ككيان متعدد الأعراق، لكنها تستمر في النظر إلى الأقليات من منظور أمني. يسمح النظام للأقليات بالحفاظ على هوياتها الثقافية، لكنه يتحرك بسرعة لقمع أي تعبئة سياسية عرقية، باعتبارها تهديدًا للنظام السائد. وفقًا لذلك، يُعد الكرد من بين جميع أقليات إيران الأكثر تعرضًا للتأمين الأمني. ففي عام 2018، شكل الكرد نحو 45% من السجناء السياسيين في إيران. لم تسعَ الجمهورية الإسلامية لإنكار الهوية الكردية تمامًا كما حدث في تركيا، لكن استهداف قياداتهم السياسية كان يهدف إلى شل الحركات الكردية. خلال حكومة أحمدي نجاد (2005–2013)، واجه الكرد تدابير أمنية متزايدة الصرامة، واستمر هذا خلال رئاسة حسن روحاني، على الرغم من حملته الانتخابية التي ركزت على التحرير ومنح الحريات السياسية.

في الواقع يمكن القول، لقد ولد تنوّع إيران العرقي واللغوي والمناطقي والديني، تصوّرات متنافسة لمفهوم الأمة في مراحل مختلفة من تاريخ إيران الحديث. ورغم أن البنية متعددة الإثنيات والثقافات للمجتمع الإيراني تعود إلى ما قبل الإسلام، إلا أنها أصبحت عنصرًا بالغ الأهمية في الحياة السياسية الإيرانية عقب الثورة الدستورية عام 1906. وعلى امتداد القرن العشرين، تطوّر بناء الدولة في إيران كعملية ديناميكية استندت إلى تصوّرات متعددة للهوية القومية، شملت مقاربات لغوية وإقليمية وعرقية ودينية. وقد أدّى اختلاف التركيز على هذه العناصر — المتكاملة أحيانًا والمتنافسة غالبًا — إلى تغييرات جذرية في السياسة الإيرانية. وعلى الرغم من أن إعلان الجمهورية الإسلامية عام 1979 أفضى إلى انتصار الإسلام بوصفه المؤشر الأساسي للهوية، فقد وجد هذا التوجّه نفسه سريعًا في وضع هش نتيجة الصراع على السلطة بين التيارين المحافظ والإصلاحي داخل النظام. ومع ذلك، فإن الصراع بين المحافظين والإصلاحيين لا يقدّم سوى فهم محدود لجدالات بناء الهوية الوطنية في إيران ما بعد الثورة؛ إذ أثبتت التجربة مرارًا أن الحكومات المتعاقبة — سواء كانت إصلاحية أم محافظة — رفضت الاعتراف بالبنية متعددة القوميات للمجتمع الإيراني وبالحقوق المشروعة للجماعات القومية. وبذلك، أصبحت عملية بناء الهوية الوطنية مهمة إشكالية على نحو متزايد، بسبب صعود الوعي العرقي بين ممثلي الهويات المتعددة في البلاد، الذين يواجهون التصور الموحّد للهوية الوطنية الإيرانية الذي يشترك فيه التياران.

كثير من الأقليات في إيران — من عرب وبلوش وكرد وتركمان — لم تتبنَّ يومًا الهوية الإيرانية الموحدة التي روجت لها النخب الحاكمة، ولم تندمج بالكامل في المجتمع الإيراني. وقد قمعت السلطة الإسلامية الحركات القومية باستمرار، معتبرة مطالب الأقليات أداة للانفصال. ومع ذلك، فإن تصاعد معارضة هذه الجماعات لسياسات النظام تجاه الأقليات منذ عام 1979 جعلها قوة لا يمكن تجاهلها، وحوّل التعبئة القومية وسياسة الأقليات إلى فضاء مهم للمقاومة والسعي نحو التغيير السياسي في البلاد. ورغم قوة الحركات القومية، فإنها تدرك أن مصيرها مرتبط بالمعارضة الإصلاحية، إذ لا تستطيع الأقليات إحداث التغيير السياسي بصورة منفردة. ويعتمد بناء التحالفات بين المعارضة الإيرانية والجماعات القومية على قدرة التيار الإصلاحي على تطوير قيادة أكثر شمولًا وبرنامج ديمقراطي أصيل يستجيب لمطالب الأقليات. أما صياغة خطاب مشترك حول سؤال «الإيرانية» فتمثل الشرط الأساسي لتحقيق ذلك.

يشرح روجرز بروباكر (1996) الطبيعة الديناميكية لعملية بناء الأمة باستخدام مصطلح «الدولة الجاري تأميمها»، الذي يبرز الطبيعة غير المنتهية للمشاريع القومية في الدول التي لم تكتمل هوياتها الوطنية بعد. فـ«الدولة الجاري تأميمها» تُفهم باعتبارها هيكلًا تنظيميًا ينبغي ملؤه بالمضمون القومي، عبر خلق تطابق وثيق بين السكان والإقليم والثقافة والبنية السياسية — أي الشروط التي تحدد الدولة-الأمة المكتملة. ووفقًا لهذا المفهوم، فإن إيران ليست دولة-أمة مكتملة، بل «دولة جاري تأميمها» تتشكل من مجال ديناميكي لمواقف وتوجهات متنافسة تتبناها منظمات وأحزاب وحركات وشخصيات داخل الدولة وحولها. يوفر هذا المفهوم عدسة مهمة لفهم العمليات التي ترعاها الدولة لبناء ثقافة اجتماعية مشتركة تعزز الوحدة الداخلية. لكنه محدود التفسير لكونه قائمًا أساسًا على دراسة قوميات ما بعد الشيوعية في دول الاتحاد السوفيتي السابق. فالنموذج يفترض وجود «أمة جوهرية» (core nation) ذات طابع إثني وثقافي، وهي رؤية لا تنطبق بسهولة على الحالة الإيرانية. فالمجتمع الإيراني شديد التنوّع، وتنقسم مواطنيه عبر خطوط الطبقة والجندر والممارسات الثقافية والمناطق والقوميات والتطلعات السياسية.ومن الصعب اختزال هذا التعقيد في مفهوم الأمة المبنية حول «نواة إثنية».
ما يكتسب أهمية أكبر في إيران هو «خطابات مضادة للتأميم» تطورها الأقليات المختلفة، والتي تُبرز الإثنية بوصفها محددًا رئيسيًا لهويتها. وقد جعلت مطالبهم اللغوية والثقافية والسياسية «المسألة القومية» محورًا في الأجندة السياسية الإيرانية، لتصبح تذكيرًا دائمًا بفشل الدولة في خلق نظام ديمقراطي جامع. وبدلًا من مفهوم «الدولة الجاري تأميمها»، يبدو أكثر دقة الحديث عن خطابات وممارسات متعددة ومتنافسة لبناء الأمة في السياسة الإيرانية. فذلك يُخرج النقاش من حصره في النخب الحاكمة، ويفتح المجال لرؤية الأقليات الإيرانية بوصفها «فاعلين» في عمليات التشكّل القومي، لا مجرد «موضوعات» لها.

اتبعت الدولة البهلوية الأولى، بين عامي 1926 و1941، سياسات المركزية الإقليمية وإنكار التنوّع القومي–الإثني في إيران بقوة، ثم عادت الدولة البهلوية الثانية إلى تطبيقها بعد فترة هدوء قصيرة، واستمرّت في ذلك حتى عام 1979. ولم تُحدِث الثورة الإيرانية وسقوط النظام الملكي أي تغيير فعلي في هذا المسار. فبالرغم من التحوّل الجذري من القومية العلمانية للدولة البهلوية إلى التركيز الديني للجمهورية الإسلامية، فإن العلاقات بين الدولة والأقليات شهدت تغيرًا طفيفًا فقط. وبينما اتّبعت الثورة الإسلامية مسارًا مختلفًا في تحديد الهوية الوطنية، فإنها حافظت على الاتجاه نفسه من خلال التشديد على الهوية الدينية بوصفها فوق–قومية وفوق–إثنية. فقد أعلنت الحكومة الجديدة أن الانتماء الإثني يُعدّ إساءة إلى الهوية الإسلامية الجامعة، وبذلك تجاهلت إلى حد كبير المسألة الإثنية، شأنها شأن سابقتها. وأصبح الإسلام هو الرمز المحوري للهوية بين الدولة والشعب، والثقافة المشتركة التي تروّجها الدولة. وقدّمت الثورة الإسلام الشيعي بوصفه الركن الأساسي للهوية الجمعية الإيرانية، مما جعل الانقسام السني–الشيعي محدّدًا رئيسيًا لعلاقات الأكثرية بالأقليات. وهكذا، فقد اتخذ تعريف الدولة لـ”الأمة النواة” طابعًا دينيًا بالكامل، مُنتجًا نمطًا من “التأميم الديني” بوصفه الدينامية الأساسية للعلاقة بين الدولة والمجتمع. وأدى التركيز على التشيّع إلى تفاقم المظالم السنية، لا سيما بين التركمان وبعض العرب والبلوش والكرد. وبما أن هذه الجماعات تُعرَّف أيضًا بوصفها جماعات إثنية، فإنها تشكل نوعًا من “الأقلية المزدوجة”: دينية وإثنية معًا.

وباعتبار إيران كيانًا دولتيًا، فإن دستورها يتعامل بسهولة ظاهرية مع الأقليات الإثنية. فقد نص دستور الجمهورية الإسلامية في المادة 19 على مبدأ المساواة: “يتمتع جميع أفراد الشعب الإيراني، أيًا كان القوم أو القبيلة التي ينتمون إليها، بحقوق متساوية؛ ولا تمنح الألوان والأعراق واللغة وأمثالها أي امتياز.” كما أنّ الدولة الإسلامية لم تفرض قيودًا واسعة على نشر اللغات المحلية أو الأنشطة الثقافية للأقليات، ولم تعلن نفسها دولة فارسية حصريًا. ويعترف الدستور بحق الأقليات القومية في استخدام لغاتها في الإعلام والتعليم. وتنص المادة 15 على ما يلي: “اللغة والخط الرسميان لإيران، واللغة المشتركة بين شعبها، هما الفارسية. ويجب أن تكون الوثائق الرسمية والمراسلات والنصوص والكتب المدرسية بهذه اللغة والخط. ومع ذلك، يُسمح باستخدام اللغات المحلية والقبلية في الصحافة والإعلام الجماهيري، وكذلك في تدريس آدابها في المدارس، بالإضافة إلى الفارسية.”

ورغم أن الفارسية هي اللغة الرسمية، إلا أنها لغة أم لما يقارب نصف سكان إيران فقط. وتشمل اللغات الأخرى التركية، الكردية، البلوشية، اللورية، العربية، الكيلكية، الآشورية، والأرمنية. ولا يُلزم الدستور — بل يسمح فقط — بتدريس اللغات المحلية والإثنية في المدارس. وعلى الرغم من السماح بتدريسها إلى جانب الفارسية، لم تُدخل أي ترتيبات دائمة في النظام التعليمي الإيراني لتسهيل التدريس بهذه اللغات، ولا لتعليمها كلغات ثانية. وحتى لو طُبقت المادة 15 بالكامل، فإنها تبقى قاصرة عن ضمان الحقوق الكاملة المتعلقة باستخدام اللغة الأم. فهي تسمح باستخدام اللغات المحلية في الإعلام والتعليم ما دامت تُستخدم جنبًا إلى جنب مع الفارسية. كما أن عبارة “اللغات المحلية والقبلية” لا تتضمن اعترافًا بالهويات اللغوية للأقليات القومية أو باللغات الأم بوصفها مبدأ أساسيًا. وعند تحليل سياسات الجمهورية الإسلامية تجاه الأقليات، من المهم ملاحظة أن المشكلة الجوهرية تكمن أكثر في التنفيذ منها في النصوص القانونية. فهذه الأحكام لم تُطبق بالكامل، وبقي تأثيرها ضعيفًا. فالمشكلة القانونية التي تواجه الأقليات ليست وجود قوانين فارسية الطابع أو مناهضة للأقليات، بل أن الحركات الإثنية تواجه العقبات نفسها التي تواجهها الحركات السياسية التعددية والعلمانية الأخرى في البلاد: إذ يسمح الكثير من التشريعات في الجمهورية الإسلامية بحكم رجال الدين وفق سلطات تقديرية واسعة، ويفشل في حماية الحريات الأساسية. فالضمانات الدستورية لحرية التعبير والمشاركة السياسية وغيرها من الحقوق الأساسية تُفرَّغ من مضمونها عبر بنود تؤكد أولوية “المصالح الإسلامية” غير المعرّفة.

يقول شاتيرجي، في تحليله للأنظمة القومية ما بعد الكولونيالية، إن الحِرَفية السياسية الحديثة، مهما بلغت مهارتها، لا تستطيع قمع التوترات العميقة التي تبقى بلا حل. ويشير إلى الحركات القائمة على الهويات الإثنية بوصفها دليلًا على عدم اكتمال حل “المسألة القومية”. ورغم أن إيران لم تُستعمَر رسميًا مثل كثير من دول الشرق الأوسط، إلا أنها كانت هدفًا رئيسيًا للمصالح الاستعمارية، وتسرّب إليها النموذج القومي للدولة–الأمة الذي صدّرته القوى الأوروبية شأنها شأن دول المنطقة الأخرى. وظهرت أولى الخطابات المناهضة للتأميم في مواجهة طهران عام 1945. فقد اندلعت الحركتان الكردية والأذرية ردًا على سياسات المركزية الإقليمية ومساعي الدولة البهلوية منذ 1925 إلى بناء هوية إيرانية موحّدة. وأدى صعود القوميتين الكردية والأذرية إلى إنشاء كيانين ذاتيي الحكم في شمال إيران: جمهورية مهاباد الكردية، وحكومة أذربيجان الشعبية. وقد ركزت أهداف الكرد والأذريين على تحقيق الحكم الذاتي ضمن حدود إيران، وإدارة شؤونهم بلغاتهم الخاصة. لكن الدولة صوّرت الحركتين كتهديد لوحدة الأراضي الإيرانية ولتماسك الأمة. وزاد من حدّة ذلك أن الحركتين تلقتا دعمًا سوفيتيًا، مما مكّن الدولة من توظيف خطاب معادٍ للإمبريالية، يصوّر التنوّع القومي–الإثني في إيران دائمًا كخطر “خارجي المنشأ”، بدل كونه مسألة سياسية تتعلق بكيفية تلبية مطالب الأقليات بالمساواة.

لم تؤد حركتا 1945–1946 إلى نشوء الحركات الإثنية في إيران فحسب، بل وفرتا أيضًا إطارًا مؤسسيًا للتعددية السياسية، وللامركزية، وللحكم الإداري والثقافي المحلي، وللاحترام المتبادل للاختلافات الدينية والإثنية. وكشفت هذه التحديات المبكرة حدود مشروع الدولة البهلوية في بناء تماسك وطني حقيقي، وكذلك قصور المواطنة والعملية الديمقراطية داخل الإطار القانوني–السياسي للدولة الإيرانية. فقد أبرزت هذه التجارب المشكلة الأساسية للكيانات المتعددة المتعايشة داخل الدولة: فالمسألة القومية ليست سؤالاً عن الهوية — “من هو الإيراني؟” — بل سؤالاً مؤسسيًا — “كيف يمكن للإيرانيين على اختلاف أعراقهم وألوانهم بناء حياة سياسية مشتركة ومؤسسات حكم فعّالة؟” .  وقد كانت حكومتا الحكم الذاتي الكردية والأذرية قصيرتي العمر؛ إذ قضت عليهما القوات الحكومية في نوفمبر وديسمبر 1946. ومنذ ذلك الوقت، بقيت الحركات الإثنية في الخلفية حتى عادت للظهور خلال الحراك المعادي للملكية الذي مهّد لثورة 1979. وقد رأت الأقليات في سقوط الملكية فرصة فريدة لإحياء النقاش حول الحكم الفعّال، والدفع نحو الحكم الذاتي والاعتراف بحقوقها الثقافية. ودعمت الأقليات الثورة الإسلامية وشاركت فيها منذ بدايتها، لكن المناطق الإثنية اصطدمت سريعًا بالنظام الجديد، بعدما تبيّن أن مطالبها بتأسيس جمهورية ديمقراطية لا تتوافق مع هدف النظام في إنشاء دولة إسلامية مركزية قوية.

بعد تثبيت النظام الإسلامي سلطته، اندلعت انتفاضات في صفوف التركمان والبلوش والعرب والكرد. ورغم اختلاف مطالبها، فإنها تشترك في جوهر واحد: تمتّع الأقليات بالحكم الذاتي، وإدارة شؤونها الاجتماعية والثقافية واللغوية والاقتصادية، وترك السياسة الخارجية والمالية والدفاعية للحكومة المركزية. وباستثناء التحدي الكردي، قمعت الدولة هذه الانتفاضات بسرعة نسبيًا. ورغم نجاح الدولة عسكريًا، فإنها خسرت الحرب السياسية والفكرية أمام القوميات المحلية. فمنذ قيام الجمهورية الإسلامية، لم تحظَ أيديولوجيتها ولا سياستها بدعم حقيقي في المناطق الإثنية. وكانت أسباب الانتفاضات واضحة. فعندما قدّم الكرد والعرب والبلوش والتركمان مطالبهم للنظام، قيل لهم إن جميع الإيرانيين مسلمون ولا ينبغي التأكيد على الهوية الإثنية. ولكن المادة 12 من الدستور تنص على أن الدين الرسمي لإيران هو الإسلام وفق المذهب الجعفري الاثني عشري، مما يجعل التشيّع مبدأ الوحدة الأساسي. كما تعترف المادة 13 فقط بالزرادشتيين واليهود والمسيحيين بوصفهم أقليات دينية. وبذلك، وبسبب الاستثناء الشيعي ومنع الهوية الإثنية تحت الهوية الإسلامية العامة، لا يستطيع الكرد والبلوش والعرب والتركمان المطالبة بوضع أقلية لا على أساس العِرق ولا الدين. ونظرًا لعدم وجود هوية معترف بها دستوريًا وفق أي معيار، قاطعوا بأغلبية ساحقة التصويت على الدستور الجديد.

والاستثناء الوحيد في علاقات الأكثرية بالأقليات بعد الثورة هو المجتمع الأذري، أكبر أقلية في إيران. فقد شكّل الأذريون تحديًا إثنيًا خلال العهد البهلوي بسبب سياسات التوحيد اللغوي، لكنهم، بوصفهم مجتمعًا شيعيًا غالبًا، اندمجوا بسهولة أكبر في الهوية الدينية–القومية التي روج لها النظام الإسلامي. وبعد 1979، لم يُنظر إلى الأذريين بوصفهم تهديدًا، بل حصلوا على تمثيل واسع في جميع مستويات الهرم السياسي والعسكري والفكري والديني. وتتداخل ديناميات المركز–الأطراف والديناميات بين الإثنيات بوضوح في إيران. فاستراتيجية التنمية المركزية الشديدة، أو ما يُنظر إليه غالبًا بوصفه بناء دولة–أمة “فارسية/شيعية المركز”، أدت إلى فجوة اجتماعية–اقتصادية واسعة بين المركز والأطراف، والتي تقطنها غالبًا الأقليات. وتشكل أذربيجان الإيرانية استثناءً كبيرًا بسبب غالبيتها الشيعية؛ إذ تضم اليوم أكبر تركّز للصناعة والتجارة خارج طهران، على عكس التفاوت الهائل الذي يعانيه الكرد والبلوش والعرب مقارنة بالمركز الفارسي. وقد أدّى هذا التوزيع غير المتكافئ للسلطة والموارد والمكانة إلى خلق مظالم طويلة الأمد، وأسهم في تغذية الوعي الجماعي في الأطراف.

بدأت المعارضة ضدّ الحكومة الإسلامية في إيران بالتشكّل بعد فترة قصيرة من الثورة التي أنهت حكم الشاه. وقد شكّلت موجة الإصلاح التي برزت في تسعينيات القرن العشرين لحظة مفصلية أظهرت بوضوح الصراع على السلطة بين القوى المتنافسة داخل النظام الإيراني: الدعوات الإصلاحية نحو دمقرطة الدولة، في مقابل مقاومة التيار المحافظ. كان مصدر هذا الصراع محاولةُ النظام الإسلامي الجمع بين عناصر من الثيوقراطية وأخرى من الجمهورية؛ إذ يحتوي دستور الجمهورية الإسلامية على تصوّرين متعارضين للسيادة: السيادة الشعبية الواردة في المادة الأولى من الدستور وتعكس الإرادة غير القابلة للتجزئة للأمة الإيرانية، والسيادة الإلهية التي تكرّس الأولوية القصوى لقانون الله.

أدّى هذا التناقض بين السيادتين الشعبية والإلهية إلى خلق ساحة صراع حول مسألة الهوية الوطنية. فقد تحدّت الرؤية الدينية–الوطنية التي روّج لها المحافظونَ محاولةُ الإصلاحيين الحدّ من الهيمنة الكهنوتية الصارمة على التشريع والسلوك. وقد سعى الإصلاحيون إلى تهميش مفهوم السيادة الإلهية لصالح السيادة الشعبية–الديمقراطية، مبرزين الأفكار القومية الليبرالية والدعوة إلى الحريات الأساسية وحقوق الإنسان. وتجاوز عددٌ من المفكرين الإصلاحيين الأطر التقليدية لهوية إيرانية متمركزة إمّا حول العِرق الآري العلماني أو حول المذهب الشيعي الديني. ومع ذلك، ورغم خطابهم القائم على الحقوق، ظلّت أوضاع الأقليات الدينية والإثنية جانبًا مهمَلًا في خطاب الإصلاحيين الحقوقي. فمشروعهم لدمقرطة الثقافة السياسية لم يتضمّن مساءلة جوهرية لفكرة الهوية الوطنية التي تبنّاها المحافظون والمبنية على خطاب إسلامي–شيعي إقصائي.

في هذا السياق، جاء بروز الحركات الإثنية كـ”قوة ثالثة” في مسار التغيير نتيجة مباشرة للتحدّي الذي طرحه نشطاءُ حقوق الأقليات على الرؤية الإقصائية والمتجانسة للأمة، وهي الرؤية التي يشترك فيها كلّ من المحافظين والإصلاحيين. يؤكّد نشطاء حقوق الأقليات أنّ مطالبهم المرتبطة بالهوية الإثنية لا تنفصل عن المطالب الوطنية الأوسع بالديمقراطية والتنمية الاجتماعية–الاقتصادية. كما ينتقدون مفكرين إصلاحيين لعدم اعترافهم بحقيقة التعدد الإثني في إيران ولتردّدهم في تبنّي الطابع التعددي والمتعدد الثقافات الذي تطرحه الحركات الإثنية. وقد نشأ توتر وانعدام ثقة بين العديد من نشطاء الديمقراطية وحقوق الإنسان الإيرانيين وبين الحركات الإثنية–القومية، ويرجع ذلك أساسًا إلى الوصمة الانفصالية التي تُلصق بمعظم الجماعات المُهمّشة سياسيًا في إيران. وبالنسبة للإثنو–قوميّين، فإنّ المعارضة الإيرانية المؤيدة للديمقراطية لا تسعى إلى تغيير سياسي جذري، بل إلى الاستحواذ على الدولة مع تهميش التيار المحافظ. وقد قامت جماعات حقوقية ومنظمات سياسية إيرانية معارضة، في مناسبات عدّة، بانتقاد الحركات الإثنية بسبب تردّدها في دعم مطالب الأقليات الدينية والإثنية. فعلى سبيل المثال، تجنّب حزب توده الماركسي، الذي كانت له تقليديًا علاقة أوثق بالقضايا الإثنية، استخدام مصطلح “القوميات” في الإشارة إلى أقليات إيران في برنامجه السياسي. كما تعرّضت جماعات معارضة أخرى، مثل الجمهوريين الوطنيين الإيرانيين، ومجموعات حقوقية مثل مركز الدفاع عن حقوق الإنسان، لانتقادات بسبب عدم إدانتها الصريحة لقمع الحكومة للأقليات الإثنية.

ويتجلّى انعدام الثقة بشكل خاص بين الأحزاب الكردية والجماعات المعارضة الإيرانية. فالكرُد يُنظر إليهم غالبًا على أنهم أكثر تهديدًا من غيرهم من المجموعات الإثنية، ليس فقط بسبب تمركزهم الجغرافي وقربهم الحدودي، بل لأنّ مطالبهم تتجاوز إجراء تعديلات بسيطة على الإطار السياسي، وتصل إلى الدعوة لإعادة هيكلة جوهرية للدولة. وتؤكّد أبرز القوى السياسية الكردية في إيران مثل الحزب الديمقراطي الكردستاني–إيران (KDPI) وكومه‌له أنّ تلبية مطالب الكرد وسائر الأقليات القومية ضمن بنية لامركزية هو شرطٌ أساسي لتحقيق عملية ديمقراطية حقيقية في البلاد. ومن هذا المنطلق، لا يقتصر الخطاب الكردي الداعي للديمقراطية على مسألة الحقوق والحريات، بل يمتدّ ليشمل سؤالًا حول طبيعة الحكم والمؤسسات التي يحتاجها المجتمع الإيراني لبناء ديمقراطية أكثر شمولًا. وبهذا المعنى، تُنتج المطالب الإثنية فضاءً خطابيًا جديدًا تصبح فيه “المسألة الإثنية” إحدى الساحات المركزية التي تتقاطع فيها قضايا الحريات والديمقراطية مع معركة بناء مؤسسات فعّالة.

وقد أدّى رفض الحركات الإثنية الاندماج وفق سياسات الدولة القومية إلى إدراك متزايد داخل النظام بأنّ التحاق مجموعات شيعية–فارسية معارضة، تسعى لدولة علمانية ومؤيدة للفيدرالية، قد يُضعف بصورة خطيرة قاعدة الدعم للجمهورية الإسلامية.  وفي نظر الإصلاحيين، تُعدّ الأقليات قوة انتخابية واجتماعية رئيسية نظرًا لثقلها السكاني، وبالتالي فهي عامل حاسم لزيادة فرص نجاح أي تغيير سياسي. ولذلك، ومع تسارع حركة الإصلاح في منتصف التسعينيات، أصبح تأثير الحركات الإثنية عنصرًا لا يمكن تجاهله من قبل النظام المحافظ أو المعارضة الإصلاحية.

الصعود إلى الإقصاء.. تتبع التهميش التاريخي الجبري 

عرفت الدولة الإيرانية الحديثة الفرس باعتبارهم نواة الأمة وركيزتها الإثنية-الثقافية، وفي هذا المسار جرى تهميش المجموعات العرقية الأخرى. وعلى الرغم من أن “الاختلافات” لم تُقنَّن رسميًا في الدولة الحديثة ـ أي لم تُمنح الجماعات المختلفة هويات قانونية متمايزة أو شناسنامه مختلفة ـ فإنها، كما يوضح بروباكر في حالة الاتحاد السوفيتي متعدد القوميات، أسهمت فعليًا في إرساء التمييز عبر التهميش البنيوي لغير الفرس. ونتيجة لذلك، نشأت السرديتان الإيرانية والكردية لتبرير الحاضر أو نفيه: فالأولى تطرح هوية قومية إيرانية موحدة (وأرضًا موحدة)، بينما تصوغ الثانية هوية كردية مهمّشة رغم افتراض وجود قومية كردية تاريخية سابقة. وعلى المستوى الأكاديمي، لا يزال هذا التهميش ينعكس في حقل الكتابة التاريخية، وهو ما يفرض ضرورة جعل التأريخ الإيراني أكثر شمولًا، بالتوازي مع ضرورة مساءلة السرديات السياسية والقومية الكردية من خلال تعزيز الدراسات الاجتماعية والجندرية والثقافية. لأسباب عملية ومنهجية، هيمن المنظور الإيراني-المتمركز حول الذات وكذلك المقاربة التجانسية للكرد في الدراسات الإيرانية والكردية، وهو ما نتج عن قلّة الدراسات والمصادر المتاحة، إضافةً إلى حساسية الموضوع سياسيًا. من الناحية المنهجية، تتعامل هذه الدراسات مع الكرد بوصفهم شعبًا متجانسًا، لا أعضاءً في مجتمعات كردية متعددة تشكّلت خلال القرن الأخير في سياقات التحوّل الاجتماعي داخل الدول القومية. وتاريخ مجتمع يُفهم بهذه الطريقة يصبح تاريخًا قوميًّا انتقائيًا، ذكوريًا، وسياسيًا.

وعلى المستوى الفكري، فإن صدام السرديات القومية هو في جوهره صدام في التعريفات. فعلى سبيل المثال: تصف السردية القومية الإيرانية الكرد في إيران بأنهم قوم (جماعة إثنية)، بينما ترى السردية القومية الكردية الكرد باعتبارهم مِلّة (أمة). يستبطن المفهوم الأول أن الكرد “أمة غير مكتملة النمو”، ويقاوم مطالبهم الثقافية والسياسية حفاظًا على الهوية القومية الإيرانية ووحدة الأرض. أما الثاني فيؤكد “أمّوية” الكرد ويمنح شرعية لوجودهم المستقل. غير أن كلا التعريفين يستندان منهجيًا إلى رؤية جوهرانية للأمة تُرجعها إلى أزمنة موغلة في القدم. في المقابل، يطرح مفهوم “الكردي-الإيراني” تمايزًا واضحًا عن السرديتين السابقتين. فهو يسلّط الضوء، مثلًا، على أثر التحولات الاجتماعية-الاقتصادية والسياسية في إيران على الكرد منذ تشكّل دولة الأمة الإيرانية في عشرينيات القرن العشرين. كما يستند إلى نظريات حديثة حول الأمة والقومية، ونقد الاستشراق، وإسهامات مهمة في حقول معرفية أخرى، بما في ذلك الأدبيات الغنية حول تشكّل الهوية القومية الإيرانية الحديثة. وبالتالي، يتميز مفهوم “الكردي-الإيراني” من حيث المنظور والمنهج، ويسعى إلى بناء كتابة تاريخية أكثر شمولاً للطرفين. ومع ذلك، غُيّبت الخبرات التاريخية المشتركة بين مختلف المكوّنات الإثنية في إيران خلال مسارات التغيير والتحوّل، لصالح الاهتمام المتزايد بتحديد الفوارق الثقافية واللغوية والإثنية. وتوفّر وسائل التواصل الاجتماعي والتلفزيون وغيرها من أدوات الاتصال مسرحًا لصدام السرديات. ونتيجة لذلك، أصبحت السرديات التاريخية وأطر تفسيرها ذات طابع قومي، على حساب —مثلاً— التاريخ الاجتماعي. ولعل التاريخ نفسه هو الضحية الأولى للمقاربات الأيديولوجية. كما يتجلى هذا “التقْوِيم القومي” للحيّز السياسي بوضوح في الجدل الأيديولوجي الشعبي حول مفاهيم مثل قوم ومِلّة، وفي توظيف التاريخ لمنح الشرعية لخطاب قومي بعينه. بل وصل الأمر إلى إعادة بناء الماضي بالقوة عبر تدمير المواقع الثقافية والتاريخية. وهذه جميعها تحذيرات صريحة من التاريخ نفسه.

في سياق تحوّل الوعي التاريخي خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، استُبدلت التصورات ما قبل الحديثة للماضي بفهم حديث للتاريخ باعتباره صراعًا قوميًا. في إيران، شكّلت عملية بناء ثقافة قومية موحّدة مسارًا شمل إصلاحات، وجهودًا فكرية، وعقلنةً وتأميمًا للتاريخ، وتبسيط/تنقيةً لغوية، إضافة إلى اضطرابات اجتماعية وسياسية، وانتهى بتأسيس دولة الأمة الحديثة تحت حكم رضا شاه (1925–1941). فيما يلي لمحة موجزة عن تلك المرحلة من منظور تشكل السرديات القومية. أدّت صلة العالم الإيراني بالأوروبيين، أو بالأدق هيمنة أوروبا، في القرن التاسع عشر، إلى آثار عسكرية وسياسية وفكرية عميقة على المجتمعات الآسيوية. لقد أعادت هذه الصلة تشكيل الوعي التاريخي، بحيث أصبح التاريخ قوميًا ومشحونًا بنظريات عرقية ولغوية. بدأ الإنتاج المعرفي الأوروبي في التأثير على مفكري الدولة العثمانية وإيران القاجارية، نتيجة انتشار أفكار التنوير وتحولات المفاهيم التاريخية والثقافية في أوروبا خلال القرن التالي، رغم أن الأثر الفكري جاء بوصفه نتيجة جانبية للأثرين العسكري والسياسي.  وقد أدى إعادة تعريف مفهومي “العرق” واللغة، استنادًا إلى تصورات جديدة حول تعدد الأصول اللغوية للبشرية —بدل الإيمان السائد سابقًا بوحدة الأصل (آدم)— إلى تمييز المجتمعات البشرية وفق تصورات عرقية وتاريخية، وكذلك وفق نظريات إثنوغرافية (ثم أنثروبولوجية) عن “الذات” و“الآخر” في المجتمعات غير الأوروبية. فعلى سبيل المثال، استند “الأسطورة الآرية” إلى تقسيم أوروبا إلى “آريين” و“ساميّين” . وهكذا غدا من الضروري لكل جماعة أن تعيد بناء نقطة بدايتها، ما جعل البحث عن نسب قومي، ومفاهيم التقدم والحضارة والانحطاط، جزءًا من إعادة تشكيل الوعي التاريخي وبناء السرديات القومية الكبرى (Ansari, 2014). وقد دمجت الأفكار الحديثة عن الأمة والقومية هذه المفاهيم، وأعادت تشكيل النظر إلى الماضي، ووفرت حلولًا للتراجع والجمود، ومهّدت الطريق لما كان يُنظر إليه بوصفه مسارًا نحو التقدّم.

تحتل السلالة الميدية موقعًا محوريًا في الذاكرة الكردية. ومنذ القرن التاسع عشر، برزت محاولات كردية لإعادة اعتبار الميديين بوصفهم الجدّ السياسي والإثني للأمة الكردية. إلا أنّ الدولة الإيرانية الحديثة، خصوصًا منذ الحقبة البهلوية، قامت بتأطير الميديين ضمن سردية قومية “إيرانية” أوسع تمحو الفروق بين الشعوب المحلية والجماعات الإثنية القديمة. وبهذا تم تحويل الميديين من أصل كردي إلى أصل فارسي-إيراني، في إطار مشروع قومي هدفه إقامة سلسلة نسب قومية واحدة متصلة من العصور القديمة إلى الدولة الحديثة. أمام هذا التدوير القسري للسرد التاريخي، أصبحت الذاكرة الكردية محاصرة بين روايات متناقضة: أولا، رواية قومية إيرانية تحتكر الماضي وتُسطّح تعدّدية شعوب الهضبة. وثانيا، رواية كردية تحاول استعادة التاريخ المخفي وإعادة بناء الذات عبر قراءة جديدة لأصولها القديمة. ومع نهاية القرن التاسع عشر، تحوّل التاريخ من مجال للكتابة التقليدية إلى ميدان صراع معرفي تُستخدم فيه مفاهيم مثل “الأمّة”، “الجنس الآري”، و”اللغة”، وهي تحولات تأثر بها كل من المؤرخين الكرد (مثل مردوخ وحسني موكرياني) والمؤرخين الإيرانيين (مثل بيرنيا وكسروي)، كما ظهر في دراسات سابقة.

على امتداد القرن العشرين، اتخذت العلاقة بين الدولة المركزية والكرد شكلًا مركبًا من الإقصاء الثقافي، التتريك الرمزي، التشييع القسري في بعض المراحل، وحالات القمع الواسع. في إيران ما بعد 1925، أخذت سياسات رضاشاه ثم محمد رضا شاه بالعمل على هندسة هوية إيرانية أحادية تقوم على اللغة الفارسية وتاريخ “إيراني آري” متجانس. ومع قيام الجمهورية الإسلامية 1979، استمرت البنية نفسها ولكن بصيغة دينية/مذهبية. وقد تجلّت الإبادة الرمزية في عناصر عدة: حظر اللغة الكردية في التعليم والإعلام لفترات طويلة، نزع الشرعية عن الرموز والذاكرة الكردية في إيران، تصوير الوجود الكردي كتهديد سياسي، القضاء العسكري على جمهورية مهاباد (1946) وما أعقبه من اغتيالات ونفي، تضييق المجال الثقافي والسياسي الحديث، خصوصًا بعد 1979.ويمكن وصف ما تعرّض له الكرد في إيران بأنه إبادة بطيئة للذاكرة (slow memory erasure)، تراكمت عبر قرن كامل، حيث لم تُستهدف الجسد فقط، بل القدرة على صياغة تاريخ ذاتي مستقل.

ينسب الكرد إلى أسلافهم القدماء في بلاد ما بين النهرين وجبال الزاغروس، بما في ذلك الميديين. ويطلقون على كردستان الإيرانية اسم روجهلات أو كردستان الشرقية. وتشمل هذه المنطقة جميع المحافظات الكردية التي كانت سابقًا تحت حكم إمبراطوريات ودول مختلفة منذ الإمبراطورية الميدية حتى العصر الحديث، والتي كانت تتمتع بحكومات محلية ودويلات مستقلة وقبائل ذاتية الحكم حتى منتصف القرن التاسع عشر. وعلى الرغم من وجود محافظة كردية أخرى في شمال شرق إيران (شمال خراسان)، إلا أنها متفرقة ولا تُعتبر جزءًا من الجغرافيا التقليدية لكردستان. وفقًا لتقديرات التعداد العام لعام 2016 وبيانات مركز الإحصاء الإيراني، يقدّر عدد الكرد في إيران بما يتراوح بين 9 و12 مليون نسمة، أي حوالي 10–12٪ من إجمالي سكان إيران. وكانت العلاقة بين الفرس/الفارس والكرد غامضة بشكل عام. ونظرًا لحرمان الكرد في إيران من المشاركة السياسية بهويتهم العرقية-الوطنية المتميزة، فإنهم يتوجهون إلى أقاربهم العرقيين عبر الحدود. وقد أدى التركيز الفارسي الشيعي للقومية الإيرانية إلى إسكات أصوات الجماعات الأخرى، على عكس ما يحدث أحيانًا في الغرب مع القومية والقلق من الهجرة والتعددية الدينية والثقافية. ومع بداية القرن العشرين وخلال عهد رضا شاه، تم قمع الجماعات العرقية غير الفارسية، وأصبح القومية الفارسية الجديدة والاستبداد أساس التنظيم السياسي الرسمي لنظام بهلوي. واستُخدمت اللغة الفارسية، فرض الثقافة، منع الطقوس الثقافية التقليدية، تغيير أسماء المدن والقرى، وقمع النظام القبلي بهدف القضاء على هويات الأقليات بما فيها الكرد. وبين 1920 و1924، كانت تمردات سيمكو شيكاك أول رد فعل كردي على القومية الفارسية وسياسات رضا شاه. وفي منتصف الأربعينيات، استغل الكرد الفراغ السياسي المؤقت في إيران لتشكيل الحركة السياسية الحديثة باسم الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني (PDKI)، وأعلن قاضي محمد، زعيم الحزب، جمهورية كردستان القصيرة العمر في مدينة مهاباد بتاريخ 22 يناير 1945. وكان من بين أهداف الجمهورية، التي تعتبر بالنسبة لبعض الباحثين مولد القومية الكردية الحديثة، كان: منح الكرد الإيرانيين الحكم الذاتي داخل الدولة الإيرانية. استخدام اللغة الكردية في التعليم والإدارة. انتخاب مجلس إقليمي لكردستان للإشراف على الشؤون الحكومية والاجتماعية. تعيين جميع المسؤولين المحليين من سكان المنطقة. الوحدة والأخوة مع الشعب الأذربيجاني. وضع قانون موحد للفلاحين والنبلاء.

ونتيجة لتاريخهم من التهميش تحت نظام البهلوية، دعم الكرد الثورة الإيرانية بحماس، التي أدت إلى إقامة الجمهورية الإسلامية في فبراير 1979. بعد الثورة، كان كل من الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني (PDKI) وحركة كمالا اللاعبين السياسيين الرئيسيين في كردستان الشرقية. ومع انشغال النظام الإسلامي الجديد بمواجهة انهيار نظام الشاه، استغلت الأحزاب الكردية الفرصة للسيطرة على معظم المناطق الكردية في إيران. إلا أن ذلك لم يستمر طويلًا بسبب نشوب الحرب بين الأحزاب الكردية والدولة الإسلامية الإيرانية، ما أدى إلى سيطرة الجيش الإيراني على جميع المدن الكردية، وحظر المنظمات الكردية السياسية، واغتيال العديد من القادة الكرد البارزين في أوروبا على يد عملاء إيرانيين، مثل عبد الرحمن قاسملو وصادق شرفقندي.

إن العنصرية—التي نشأت عن منطق الاستعمار الأوروبي—قُصد بها إدامة السيطرة بإظهار المستعمَرين بوصفهم “طبيعيين” غير متحضّرين. وهذا المنطق موجود أيضًا بشكل نوعي في النظرة الإيرانية والتركية للكرد ولغتهم وهويتهم. ففي تركيا، يُشتق لفظ “كرد” في بعض الخطابات العنصرية من صوت “الثلج المتكسّر”. وفي إيران، يُصوَّر الكرد باعتبارهم “جبليين” أقرب للطبيعة، ويُنزع عنهم طابع الأمة. ويُنسب غياب الصناعة في كردستان إلى “قصور فطري” مزعوم، لا إلى التهميش الممنهج. وتشيع في إيران أوصاف مهينة مرتبطة بالكرد مثل: “ساذج”، “مقاتل”، “بلا جذور”، “لقيط”، “من دون وطن”، “انفصالي”… إلخ، بينما يستخدم الخطاب الفارسي لنفسه مفردات الحضارة و”الألفية الفارسية” و”أسطوانة كورش” و”إعلان حقوق الإنسان” المزعوم. إن هذه المفاضلة بين “الطبيعة” (للآخر) و”الثقافة” (للنفس) هي إعادة إنتاج لنمط من أنماط العنصرية البيضاء. لكن “حضارة” إيران—بشِقّها القومي المتعصّب—لا تمت بصلة إلى عملية التمدّن التي تحدث عنها نوربرت إلياس، بل هي أقرب إلى “انتفاضة تَحَلُّل حضاري” تعيد عسكرة المجتمع وتُخضع الكرد كليًا. فأصبحت كردستان—بلغة كافكا—”مستعمرة عقابية”.

ومن جهة أخرى، سعت الأنثروبولوجيا الإيرانية طويلًا إلى تصوير الكرد كـ”إثنية” أو “مجموعة ضيفة” ستغادر يومًا، متجاهلة واقعهم كأمة. وفي الإعلام والسينما والعلوم، عادة ما يتولى الآخرون الحديث عن الكرد بدلًا منهم. ومن الأمثلة البارزة، مسلسل “ليالي برارة” (2005) الذي استخدم لغة عنصرية لتقديم الكرد بوصفهم “متخلّفين” ذوي “لغة مكسورة” و”معزولين عن الحضارة”. وفي السينما التركية، يُصوَّر الكرد باعتبارهم “همجًا” أو “إرهابيين”، بينما مُنع مخرجون كرد كبار مثل يلماز غوني من التعبير عن الهوية الكردية. وتبقى الصورة المهيمنة: الكرد = ناس طبيعيون. الفرس/الأتراك/العرب = ناس ثقافة وحضارة. وهي ترجمة شرق أوسطية لمنطق عنصري موروث.

استبقت الآثار العسكرية والسياسية والفكرية—التي شهدها مطلع القرن العشرين في الإمبراطوريتين العثمانية والقاجارية—الاضطرابات الاجتماعية والسياسية الكبرى التي ستقع لاحقًا، ودَفعت كلتا الإمبراطوريتين إلى الشروع في إصلاحات اجتماعية وبنيوية كان المفكرون الإصلاحيون قد دعوا إليها من قبل. فقد خضعت الدولة العثمانية، بحلول نهاية القرن التاسع عشر، لبرنامج إصلاحات بنيوية واسع عُرف بـ التنظيمات، بينما واجهت الدولة القاجارية حركات اجتماعية وسياسية متصاعدة، خصوصًا خلال الثورة الدستورية (1906–1911) وما بعدها، وهي حركات تشكّلت حول فكرة القانون الذي اعتُبر سرّ تقدّم أوروبا ومفتاح النهضة. حتى ذلك الحين، كان مفهوم الماضي يتشكّل عبر التواريخ الشفوية والمكتوبة والأساطير التاريخية، مثل الشاهنامة للفردوسي—وهي آخر حلقة كبرى في التقليد الملحمي الإيراني—و”شاهنامه” الكردية، إلى جانب مدوّنات التاريخ منذ ظهور الإسلام. وقد ظلّت هذه المواد تُتداول بين الناس، مُنتِجةً تصورًا غير قومي للماضي، قائمًا على السلالة والبطولة والدين معًا. لكن هذا الفهم القديم للماضي أفسح المجال لاحقًا لإعادة تصوّر أكثر جاذبية للتقليد الملحمي، إذ أعيد تقديم الشاهنامة، على سبيل المثال، كتاريخ لحضارة عظيمة آلت إلى الانحدار.

لقد غذّت التأريخات السابقة للإسلام وما بعده هذا الوعي ما قبل الحديث لقرون طويلة، محافظـةً—على نحو لافت—على التصورات الثقافية والجغرافية بما في ذلك تصور “إيران”، رغم التحدي الضخم الذي فرضته الثقافة الإسلامية منذ القرن السابع الميلادي. وبينما شهد العصر الإسلامي إنتاج مؤلفات تاريخية كبرى—مثل أعمال الطبري، والبيْهَقي، والبِيروني، ورشيد الدين—فإن وجود الملاحم مثل الشاهنامات كان شاهدًا على صلابة الثقافة، كما كانت الأساطير الشفوية ذات أهمية مماثلة. لذلك يبدو أن سرديات ما قبل الإسلام وسرديات الإسلام لم تتصادما، بل تكاملتا عبر القرون. وقد أثّر هذا التكامل بعمق في أعقاب الحروب والفتوحات الكبرى، مثل التوسع المغولي الذي—رغم دماره—أدى إلى امتزاج غير مسبوق بين الشعوب والأقاليم، وفتح الباب للتجريب العلمي (مثل مرصد نصير الدين الطوسي)، كما وسّع آفاق النظر التاريخي. وفي العصر الوسيط، ظلّت أسطورة إيران وملوكها العظام مصدر إلهام للفاتحين وبُناة الإمبراطوريات. فقد لاحظ الباحثون، مثلاً، أنّ الشاه إسماعيل الصفوي (مؤسس الدولة الصفوية 1501–1724) استمد شرعيته من ملوك الشاهنامة الأسطوريين، رغم أصول الصفويين التركية. وتبرز أهمية الماضي الإيراني الأسطوري أيضًا في نسب الأسر الحاكمة ومنح الشرعية السياسية، كما يُرى في اعتلاء أول ملوك القاجار للعرش، حين أمر أتباعه بصنع تاج كَياني، رغم انحداره التركي. ولم يكن الماضي الأسطوري مجرد أداة في بناء الإمبراطوريات، بل ألهم الأدب أيضًا، ومثاله تدوين شرف خان الشرفنامة أواخر القرن السادس عشر عن الأسر الحاكمة الكردية.

غير أن هذا الفهم ما قبل الحديث للماضي خضع لتحوّل جذري عندما أعيدت صياغته في ضوء الأسطورة الآرية والاكتشافات الأثرية التي استُخدمت—وأُسيء استخدامها—بوصفها حقائق تاريخية. فقد أعقب عالمية عصر التنوير قومية رومانسية ونظريات عرقية وُلدت من “الاكتشاف العلمي للنسب الإثنولغوي للبشرية”، والذي فسّر “الانقسامات العرقية واللغوية” بين العائلة السامية والعائلة الآرية. وبالإضافة إلى هذه الأفكار ما بعد التنويرية التي تبناها المثقفون الجدد، أسهمت الأنثروبولوجيا العرقية والاستشراق في تصاعد الدراسات الإثنوغرافية وفي بناء تصور مضاد للإسلام والعروبة بشأن “الحضارة الإيرانية” . وكان من العوامل الحاسمة أيضًا في هذا التحول إعادة اكتشاف “فارس” على يد المثقفين الأوروبيين. فأسطورة الحضارة الفارسية القديمة وانحدارها شكّلت الأساس لسردية قومية إيرانية حديثة، بينما أصبحت الأسطورة الآرية محرّكًا رئيسيًا لسردية قومية كبرى—خاصة مع إدخال مزيد من الأساطير إلى الأدب وإخضاعها لعمليات عقلنة متنامية. كما أن الاكتشافات الأثرية والتركيز على اللغة باتا أكثر جذبًا من الوعي التاريخي القائم، لأنهما—إضافةً إلى توفير شرعية للحاضر—قدّما “ماضيًا واقعيًا” وأدلة لغوية على وجود أمة تاريخية.

وعلى نحو مشابه لما فعله السلاطين الصفويون والقاجار من قبل، واصل ملوك العصر القومي الحديث ربط أنفسهم بالملوك الأسطوريين لإيران، وإن كان ذلك بتأثير وتأطير من تأريخ قومي حديث. لقد شكّل اللقاء مع أوروبا تحديًا كبيرًا للمجالين المادي (المؤسسي) والروحي (الفكري) معًا. فرحّب الحداثيون بالتقنيات والعلوم الجديدة—المتصوَّر أنها سبب التفوق الأوروبي—على أمل إعادة إيران إلى مسار التقدم. أمّا المجال الفكري، المتعلّق باللغة والثقافة والتاريخ والأرض، فشهد مقاومة شديدة ضد الأيديولوجيات الحديثة. وقد بدأ المثقفون الحداثيون بمواجهة هيمنة الدين ورجال الدين الشيعة في هذا المجال الروحي، وكانت كتابة التاريخ وإعادة تعريف الماضي ضرورية لتشكيل هوية قومية حديثة. ومن هذه الزاوية، بدا المجال الفكري مستعدًا لتقبّل القومية لما تملكه من قوة دمج وأدوات فعّالة للتعبئة السياسية، فيما سعى المثقفون إلى إعادة تشكيل تاريخ إيران الحديثة ولغتها من أجل تجاوز الهيمنة العربية والإسلامية. وكما يشير محمد تقي طارقي، “ارتبط تشكيل الهوية الإيرانية الحديثة بإعادة صياغة التاريخ وإعادة تشكيل اللغة”. أما العلاقة الوثيقة بين التاريخ واللغة فقد تبعها ظهور حركة “تطهير اللغة” . ورغم أن هذه الحركة سبقها—ورافقها—نوع أقل راديكالية من التبسيط اللغوي، فإن حركة التطهير الجذري للغة لم تظهر إلا بعد عقود من قيام دولة الأمة الحديثة، حين استدعت متطلبات الدولة عمليات تطهير أكثر منهجية.
أما بالنسبة للجماعات غير الفارسية، فعلى الرغم من أن “الفارسية جُعلت اللغة الرسمية للدولة متعددة اللغات” في دستور 1906، فإن التطبيق الصارم لذلك لم يحدث إلا مع صعود السلالة البهلوية. ومنذ القرن التاسع عشر، كانت الأولوية تبسيط الفارسية، ثم—بحلول عشرينيات القرن العشرين—السعي إلى خلق لغة موحدة تُعد شرطًا للحفاظ على الوحدة القومية. ويبدو أن التطهير لم يصبح جذريًا إلا عندما استُبدل “المثقفون التقليديون” وصانعو الدولة—مثل محمد علي فروغي وعلي أكبر داور—بجيل جديد نشأ في سياق تاريخي متحوّل.

أخذت الثقافة السياسية في مرحلة ما بعد الدستور، أهمية كبيرة في مسار تشكيل هوية إيرانية وطنية موحَّدة. فقد ترسّخت مفاهيم الهويّة الوطنية (هويّت ملّي) والسلامة الإقليمية (تماميّت أرزي) في الوعي القومي الحديث، مُؤسِّسةً قواعد راسخة لسردية وطنية إيرانية (فارسية). أما السردية القومية الكردية، التي بدأت بالتبلور في أواخر القرن التاسع عشر، فقد واصلت تطوّرها منهجيًا وتاريخيًا في سياق ردّ فعل على تشكّل الهويات القومية في الدول – الأمم الحديثة عامة، وفي إيران بصورة خاصة. لقد أدّت الحداثة ومشاريع المركزية وصناعة الهوية القومية الحديثة إلى فصل المجتمعات الكردية بعضها عن بعض، وتثبيت حدود ثقافية وترابية كانت في السابق أكثر انسيابًا، وجعلتها جزءًا لا ينفصل عن الدولة القومية التي أُلحِقت بها.  

انعكس المناخ الفكري لما بعد الثورة الدستورية في المجلات الجديدة لتلك المرحلة، مثل: كافه، إيرانشهر، ولاحقًا آينده (التي أسسها حسن تقی ‌زاده، حسين كاظم ‌زاده، ومحمود أفشار على التوالي). وقد تناولت هذه المجلات مسألة غياب الوحدة الوطنية باعتبارها سببًا للفوضى واللا استقرار. وهكذا شهدت هذه المرحلة تحوّلًا أيديولوجيًا من التركيز على مفهوم القانون إلى مفهوم الوحدة الوطنية. وبإسهام من الأعمال التاريخية لأمثال إدوارد براون، التي أرجعت أصول الحضارة الإيرانية إلى ما قبل الفتح العربي، قامت تلك المجلات بتمجيد وبناء صورة رومانسية عن إيران ما قبل الإسلام. كما لعبت دورًا مهمًا في نشر مفهوم الهويّة الوطنية.في افتتاحية العدد الأول من مجلة آينده الصادرة في طهران عام 1925، شدّد محمود أفشار على ضرورة الحفاظ على الشواهد التاريخية قائلاً: “إن الماضي الإيراني، الذي نملك عنه معرفة تاريخية وأسطورية، يمتد إلى آلاف السنين. فالشاهنامة الخالدة وغيرها من الكتب التاريخية مليئة بالانتصارات والأمجاد التي ستجعل إيران فخورة دائمًا بين أمم العالم. يجب أن نعلم أن تذكير أنفسنا بتلك الأمجاد غير كافٍ […] علينا أن نجمع الكتب ذات الخطوط القديمة، وأن ننشئ مكتبة كبيرة… وأن نُظهر الامتنان لأمثال الأستاذ براون، من المستشرقين الذين كرّسوا حياتهم لخدمة أدبنا […] ولكننا في الماضي، وخاصة في هذا القرن الأخير الذي تقدّم فيه العالم بسرعة، قد تخلّفنا عن الركب”.

جاء صدور آينده عام 1925 بعد أن تمكنت الحكومة المركزية من إخضاع الحركات والتمرّدات الإقليمية مثل الجنجليين في الشمال، وخياباني في أذربيجان، وسيمكو في كردستان، وكذلك بعد إخضاع القبائل الجنوبية لسلطة الدولة المركزية. وفي السياق نفسه، أكّد أفشار أنّ الوقت قد حان للتعليم، وشرح الهدف المثالي للمجلة على النحو الآتي: “حفظ واستكمال الوحدة الوطنية لإيران […] فقد كانت هذه الوحدة هي التي أدّت إلى تأسيس الإمبراطورية الألمانية وقيام الأمة الألمانية العظيمة […] ونحن نعني بالوحدة الوطنية لإيران الوحدة السياسية والأخلاقية والاجتماعية للشعب المقيم ضمن الحدود الحالية لبلاد إيران (مملكت إيران). ويتضمن هذا المفهوم عنصرين آخرين: الحفاظ على الاستقلال السياسي والحفاظ على السلامة الإقليمية لإيران “.

لقد أدّى مسار بناء الأمة في إيران، بالتالي، إلى صياغة سردية أحادية للهوية والماضي. ووفقًا لما يذكره حميد أمانت (2009، ص 115)، فإن التأريخ الوطني الذي تلا تلك المرحلة كان ينظر إلى الماضي نظرة غير نقدية، واتّسم خلال العهد البهلوي بإهمال الجوانب الاجتماعية والسياسية من تاريخ إيران في القرن العشرين (انظر: بيات، 2009). هذا الانتقال من الحقبة الدستورية إلى صعود قومية دولة مركزية علمانية أدّى إلى تكريس رؤية قومية صريحة للماضي، محكومة بفكرة التقدّم والحضارة. وقد كان الازدهار المفاجئ لنشر التواريخ القومية منذ عشرينيات القرن الماضي لافتًا.

غير أنّ هذا المسار أسهم من جهة في إقصاء المساهمين الآخرين من تاريخ إيران، ومن جهة أخرى أسّس لظهور سردية قومية كردية تعيد تعريف ذاتها في مواجهة السردية القومية الإيرانية – الفارسية. كما تزايد نشر الأعمال التي تُؤرّخ للماضي الكردي وتُقدّم تصوّرًا قوميًّا أو عرقيًّا للتاريخ الكردي.

أصول السردية القومية الكردية

ثمة عدد من المفاهيم تحكمت في بناء السردية الكردية ومن ثم من المهم تتبع أصول السّرديات القومية الإيرانية والكردية. إذ تشير الأولى إلى تصور هيمني يتعامل مع “إيران” وكأنها كيان متجانس وموحّد عبر التاريخ، منكرًا ثقافات الآخرين وتواريخهم، بينما تحيل الثانية إلى فهم قومي لتاريخ المجتمع الكردي، يتجاهل الروابط التاريخية والاجتماعية مع المكوّنات الأخرى. تَشكّلت هاتان السرديتان في سياق تشكُّل الهوية القومية الحديثة، وهي العملية التي بلغت ذروتها في دولة الأمة الإيرانية في عهد رضا شاه (1925–1941). كما كانت هذه العملية نتيجة لتحوُّل الوعي التاريخي الإيراني والكردي خلال القرن التاسع عشر بفعل الاحتكاك بالأفكار الأوروبية الحديثة، ولا سيما مفاهيم “الأمة” والقومية.

يمكن تنبع السردية القومية الكردية من تحوّل الوعي التاريخي منذ القرن التاسع عشر. فقد أدّى الاحتكاك بأوروبا إلى إصلاحات مركزية في الإمبراطوريات، تغيّرت معها علاقات القوة بين المجتمعات الكردية (وإماراتها) وبين الدول الحديثة الناشئة. كان المجتمع الكردي في إيران مجتمعًا لغويًا وثقافيًا أعيد تعريفه لاحقًا باعتباره “أقلية إثنية” ضمن إيران الحديثة. وقد نشأت السرديات المتعارضة وتعريفاتها المتضاربة للهويتين الكردية والإيرانية من عملية إعادة التعريف هذه، التي بلغت تعبيرها السياسي في عهد رضا شاه، حيث أعيد إنتاج الهوية الإيرانية في إطار الدولة القومية الحديثة. إن إدراك هذه العملية، وفهم تحوّل الوعي التاريخي الذي رافق انتشار مفاهيم الأمة والقومية والحركات القومية اللاحقة، أمر أساسي لتوضيح أوجه القصور في التأريخ الوطني.

ولم تكن البُنى الاجتماعية والسياسية للمجتمع الكردي في القرن التاسع عشر مختلفة جوهريًا عن تلك السائدة لدى مجموعات أخرى مثل الأذريين والتركمان والبلوش والعرب. فقد كانت إيران في القرن التاسع عشر فضاءً متعدّدًا لمجتمعات بشرية مكتفية بذاتها، مقسّمة إلى قبائل وقرى ومراكز حضرية، تشكّلت وفق التاريخ والجغرافيا الطبيعية (أبراهاميَن، 1982، ص 10–11). وإلى جانب ذلك سمحت الحدود الجغرافية والثقافية المائعة بعلاقات وثيقة بين السكان في الإمارات الكردية المختلفة. وبخلاف ما يذهب إليه إيرفاند أبراهاميَن (1982، ص 37)، لم تكن الإمارات الكردية بعد العهد الصفوي “متواضعة الشأن” فحسب، بل كانت تشمل إمارة أردلان الشهيرة التي تمتعت بمكانة فريدة وبنفوذ سياسي وترابي، وبآثار ومعالم وفنون مزدهرة (خازنادر، 2001، ص 11–12). وقد نافست إمارة بابان الكردية الخاضعة للعثمانيين في المجالات الاقتصادية والسياسية والأدبية، وحافظت على علاقات وثيقة مع البلاط القاجاري.

كان الوعي التاريخي قبل الحداثة يتشكّل من تصوّر متعدّد المصادر، دنيوي وديني، للماضي، وقد واصفت الأدبيات الكردية في القرن التاسع عشر إثراء هذا الوعي إلى جانب ما سبقها من تراث أدبي. وفي ظل انخفاض معدلات القراءة والكتابة—كما في أغلب المجتمعات المعاصرة آنذاك—أصبحت الشعرية مصدرًا أساسيًا للتعلّم. وقد دلّت مصادر شرف‌نامه لشرف خان البدليسي (مثل الشاهنامة الفارسية والكردية، وزبدة التواريخ لحافظ أبرو، والظفرنامه)، إلى جانب توظيف أنماط أدبية سابقة مثل يوسف وزليخا لنظامي، على وجود صلات فكرية واسعة. لقد شكّلت هذه الصلات، التي جاءت ضمن سياقات تاريخية وسياسية، دليلًا على وجود مجتمع يحمل اسمًا ولغة مميزين. كما عكست القرون السابقة من التفاعل مع المجتمعات المجاورة، والأساطير المشتركة، والإرث الأدبي. وقد تجلّى هذا كله في الأدب الكردي منذ بدايات العصر الحديث. ومن الأمثلة على ذلك شعراء “مدرسة السليمانية” في عاصمة إمارة بابان، الذين عبّروا في أشعارهم عن علاقة قوة غير متكافئة بين الإمبراطوريات والإمارات، وهي علاقة انتهت مع سياسات المركزية في الدول الإمبراطورية. وتلت الإصلاحاتِ المركزيةَ الثوراتُ الدستوريةُ وظهورُ قوميّاتٍ تركيةٍ وعربيةٍ وإيرانية. وقد كان التحوّل “القومي” في الأدب قائمًا بالفعل قبل ذلك، ويتجسّد على سبيل المثال في أعمال حاجي قادر كويي، أحد أبرز شعراء كرد الدولة العثمانية (Koyi, 2004). وعلى الرغم من أنّ مرحلة ما بعد الدستور شهدت ظهورًا تدريجيًا لجمعيات كردية ومجلات، فإنّ انتشار الأفكار الحديثة على نطاق فعّال لم يتحقق إلا في سياق الدول القومية الحديثة.

وقد أدّى الاحتكاك بالأفكار الأوروبية الحديثة المتعلقة بالعرق والقومية في القرن التاسع عشر إلى ظهور وسطاء كرد للمعرفة العلمية الأوروبية. وفي عملية بناء ماضٍ قومي مميّز للكرد، لعب المستشرقون الروس وكتّاب التاريخ الإيرانيون دورًا مؤثّرًا في ترسيخ ما أصبح يُعرف لاحقًا بـ“الكردولوجيا” بحلول منتصف القرن العشرين، وتقديم نماذج لكتابات التاريخ القومي والعرقي. وبحلول ثلاثينيات القرن العشرين، بدأت مرحلة جديدة في كتابة التاريخ القومي. وقد تشابهت هذه التأريخات في عدد من الجوانب الجوهرية: إذ قدّمت تعريفًا للتاريخ باعتباره وسيلة لتمييز الحقيقة من الزيف؛ وقسّمت البشر إلى أعراق؛ واتبعت مقاربة “علمية” قومية عبر تطبيق النظريات العرقية واللغوية؛ وحدّدت العرق الآري أصلًا للشعوب قيد الدراسة؛ كما قامت بترشيد الأساطير وتحويلها إلى “حقائق” تاريخية (انظر: مردوخ 2011، ص 5–44؛ مکریانی 2011، ص 53–104؛ پیرنیا 1983–1984). وتشابهت كذلك في اعتمادها على مصادر من روّاد الأنثروبولوجيا الحديثة والاستشراق. وقد اختلفت أساسًا في أنها قدّمت أصالةً تاريخية وشرعيةً لأممٍ مختلفة. ورافق نشر هذه التأريخات القومية “العلمية”، عمليةَ تشكّل الدولة القومية الإيرانية الحديثة، بهدف إضفاء الشرعية التاريخية عليها وتعزيز الهوية الإيرانية الحديثة. أمّا في حالة التأريخ الكردي، فقد سعى المؤرخون الكرد إلى إثبات الوجود التاريخي للكرد الذين باتوا مُهمَّشين سياسيًا ومهدّدين في هويتهم داخل الدول القومية الحديثة. ومن ثمّ كانت الصراعات الميثولوجية أمرًا حتميًا. وبالإضافة إلى مؤرخين كرد آخرين آنذاك مثل حسين حسني مکریانی —المؤرخ والصحفي الكردي— يقدّم كتاب تاريخ الكرد وكردستان لمحمد مردوخ مثالًا واضحًا على تحوّل الوعي التاريخي وتبنّي المعرفة العلمية الأوروبية. كان محمد مردوخ (1880–1975) شخصية دينية من سنندج، مركز الولاية الكردية في إيران بين بحيرة أورمية شمالًا وكرمانشاه جنوبًا. وقد نشر كتابه المذكور بالفارسية في ثلاثينيات القرن الماضي. ويُمثّل كتاب إيران باستان (إيران القديمة) لبيرنيا، المنشور لأول مرة عام 1933، مصدرًا رئيسيًا للفصول الأولى عند مردوخ، حيث يناقش الأصول العرقية والقومية واللغوية للكرد.

وعلى الرغم من اعتراضه على بعض مزاعم بيرنيا حول الأعراق المنسوبة لعدد من الشخصيات الأسطورية، فإن الصفحات 5–25 من كتاب مردوخ تكاد تكون مطابقة لنص بيرنيا؛ فكلاهما يبدأ بتعريف التاريخ، ثم يعود —استنادًا إلى الشاهنامة— بأصول “الأمة” المرغوبة إلى آدم، ثم إلى البيشداديين (أوّل الملوك “الإيرانيين” للعالم)، ومنهم إلى الكيانيين، المنحدرين من فريدون، آخر ملوك البيشداديين. كما يعدّ العرق الآري أصلًا عرقيًا لكلٍّ من الإيرانيين والكرد على حدّ سواء. لقد كان كتاب مردوخ حصيلة سنوات طويلة من العمل الصحفي والنشاط الأدبي، وهذان، إلى جانب مكانته الدينية بصفته إمام جمعة سنندج، منحاه سلطة دينية وسياسية. وبناء على ما ورد في كتابه، فقد رحّب بالدولة المركزية الإيرانية الحديثة لإنهاء الحروب القبلية والفوضى، إذ حذّر أحد زعماء العشائر بأن “عصر القبلية والپادشاهية (الملوكية) قد انتهى”. ومع ذلك، واصل الكتابة عن الكرد، وأدى الانتشار الواسع لكتابه إلى إسهام مؤثر في التأريخ الكردي الحديث.

كما تعكس خطبته المنشورة، في احتفال نوروز سنة “فروردين 1298 [1919]”، وفي سياق الاضطراب السياسي في إيران، تحوّل الوعي التاريخي على الأقل على المستوى الفكري إن لم يكن الشعبي بعد: “في هذا الاحتفال بالنصر، في هذا اليوم التاريخي، أقدّم خطابي هذا للقبائل والعشائر وسكّان كردستان الذين لم يشهدوا مثل هذا اليوم منذ زمن طويل، إلى كل القادة والخانات والبگزاده الذين حضروا أمام هذا التمثال الملكي؛ أقول بصدق: إنّ كلمة المملكة ورمز الأسد والشمس يضيئان لنا حقيقة أن الدولة الإيرانية الممتدة منذ ستة آلاف سنة كانت من أقوى دول العالم، حاكمة على إمبراطورياته كافة… لقد حكم كورش الشرق والغرب، وألقى نادر شاه الرعب في قلوب الحكّام المجاورين، واستطاع كريم خان أن يكسب احترامهم جميعًا… فلماذا —رغم كلّ هذا— لم تستطع هذه الدولة القوية والعالمة، في السنوات الأخيرة [أي ما بعد الدستور]، أن تنهي الفوضى في كردستان؟”

غير أنّ هذا الانتماء إلى الماضي الإيراني اكتسب لاحقًا سمات كردية أوضح، على الأرجح في سياق الدولة القومية الإيرانية الحديثة ذات الطابع الإقصائي. لقد قام تاريخ الكرد وكردستان بعملية “قَوْنَنَة” للتاريخ (جَعله قوميًا)، ودمج العصور ما قبل الإسلامية والإسلامية في سردية واحدة. وبالاعتماد على أسطورة الأرض والأسلاف، حدد الكتابُ السلالاتِ الكرديةَ المتعاقبة، ولا سيما الأسرة الأردلانية التي حكمت جزءًا واسعًا من كردستان ضمن الإمبراطوريتين الإيرانية والعثمانية من مركزها في سنندج. ورغم وجود قواسم مشتركة مع التواريخ الكردية السابقة (السلالية)، فإن الاختلافات مع التأريخ الحديث كشفت عن قطيعة واضحة مع التأريخ قبل الحديث. ولتوضيح ذلك، يمكن مقارنة مردوخ في تاريخ الكرد وكردستان مع شرف خان البدليسي في شرف‌نامه —وهو تاريخ مبكر للسلالات الكردية مكتوب في أواخر القرن السادس عشر— من زاويتين: دور الأسطورة في بناء السردية التاريخية، وتأثير التقاليد التأريخية والفكرية. وقد تضمن كتاب مردوخ —مثل أي تأريخ قومي حديث— محاولةً لتوظيف الأسطورة في بناء سرد قومي يمنح “الأمة” تفوقًا على غيرها. وفي المقابل، لم يكن الشرف‌نامه مضطرًا للدخول في نزاعات ميثولوجية حول أصول الشخصيات الأسطورية بغية ادّعاء التفوق القومي؛ بل استخدم الشاهنامة لوصف أصول الكرد وتميّزهم العِرقي بهدف إضفاء الشرعية على حكم سلالات مثل البدليسيين.

ووفقًا لشرف خان، “تبدو بعض المصادر التاريخية راجعةً بنسب الأسرة البدليسية إلى ملوك الأكاسرة [الساسانيين] بحيث نُعرف بأننا من نسل أنوشيروان” (البدليسي، 1377هـ.ش/1998، ص 362). ورغم الأخطاء الزمنية، يؤكد شرف خان أن أبناء “جاماسپ بن فيروز [پيروز] خامس الملوك الساسانيين وحاكم أرمينيا وشرَوان” أُرسلوا بعد وفاة أنوشيروان لحكم الأقاليم، فاستقر أحدهم، بهْوَت، في بدليس، وبقي نسله فيها “حتى يومنا هذا وهو عام 1597”.  فيما يخص تأثير التقاليد الفكرية، كان كتاب مردوخ تاريخ الكرد وكردستان (2011، ص ص 10–44) متأثرًا بتقليد تعود جذوره إلى عصر التنوير. وقد شمل هذا التقليد، على سبيل المثال، النظريات العرقية التي فسّرت في بداياتها الاختلافات البيولوجية بين البشر بوصفها تنويعات داخل العِرق ذاته، قبل أن تتبنّى لاحقًا تصنيفًا تراتبيًا للأعراق. كما ضمّ أنماط التفكير العقلاني، والرومانسية، وظهور النظريات العرقية واللغوية، والأنثروبولوجيا الحديثة، ونشوء العلوم الاجتماعية، واحترافية الكتابة التاريخية. ولهذا السبب، كما أشرنا سابقًا، وفي سياق تشكّل الدول القومية الحديثة، تبدأ كتابات مردوخ ومُكرياني وبيرنيا بمقدّمات تُنشئ أسسًا “علمية” وقومية لبحثهم التاريخي.

وعلى النقيض، فإن تفسير الشرفنامة للتاريخ بوصفه علمًا (‘علم’) للبحث عن “الحقيقة”، مشتق من تقليدٍ تاريخيّ ميّز مرحلة ما قبل الحداثة وساهم في تشكيل المعرفة التاريخية. فعلى سبيل المثال، استند شرف خان البدليسي (1377هـ [1998]، ص 5–6) إلى روضة الصفاء لمرخوند (1433–1498) (كِيانفر، 2001–2002، ص 11–15)، وهو تاريخٌ للتيموريين، ليعدد عشر مزايا للكتابة التاريخية، كان يُعتقد أنّها تنمّي الحكمة في السعي إلى الحقيقة التاريخية. لقد قدّمت historiography ما قبل الحديثة “منهجًا” لتعريف التاريخ وشرح أهمية تدوينه للوصول إلى “الحقيقة”. أمّا الكتابة التاريخية الكردية الحديثة ذات الطابع القومي، كما لدى مردوخ، فقد حافظت على مركزية البحث عن “الحقيقة”، ولكن الحقيقة المتعلقة بـ“الأمة”. والأهم أنّها ميّزت نفسها عبر توظيف نظريات “علمية” بغرض ترشيد الكتابة التاريخية وإرسائها على أسس علمية وواقعية. وبهذه الطريقة أسهم أشخاص مثل مردوخ وحسني في تأسيس الكتابة التاريخية الكردية الحديثة التي صاغت سردية قومية كردية، وتبعتهم كتابات لاحقة في هذا النهج العلمي والقومي حتى أواخر القرن العشرين، حين فقدت عناصر مثل الدم والعرق مكانتها “العلمية”.

وعلى خلاف الكتابة التاريخية الإيرانية، لم تصبح الكتابة الكردية القومية يومًا مشروعًا ترعاه الدولة أو مقرّرًا مدرسيًا، باستثناء فترة حديثة جدًا في إقليم كردستان العراق. ورغم غياب الدولة الكردية، بدأت هذه الكتابات تُشكّل وعيًا قوميًا كرديًا حديثًا شديد القوة. فهذه التصورات القومية والعرقية للماضي لم تكن بحاجة إلى دولة كي تنتشر؛ ذلك أن السياقات التاريخية والسياسية—الموسومة بالقمع الثقافي والعرقي والحروب—استمرت في إذكاء “الفوارق” العرقية والقومية، مكرّسة من ثمّ تهميش كتابة تاريخية أكثر شمولًا. إضافة إلى ذلك، فقد ظلت تلك النظريات “العلمية” (بعد أن فقد مفهوم العِرق معناه العلمي واستُبدل تدريجيًا بمفاهيم مثل “الحضارة”) فاعلة في تشكيل التعليم الحديث، الذي أدى إلى نشر واسع للمعرفة والقراءة والكتابة.

الأسطورة ـ التاريخ الكردي

تشكل الأساطير المتعلقة بأربعة عصور تاريخية الأساس الذي يقوم عليه الفهم القومي الكردي للذات وللتاريخ.
أولًا، تستحضر السردية القومية الكردية، شأنها شأن أي سردية قومية، العصور القديمة بوصفها نقطة الأصل و“بداية القدر المأساوي للكرد الذين كافحوا قرونًا للدفاع عن استقلالهم والحفاظ على تقاليدهم القومية” (كاروخ، 1993، ص 7).
ثانيًا، تُحيل السردية إلى معركة چالديران عام 1514 بين الإمبراطوريتين العثمانية والصفوية، والتي “قُسّمت كردستان” على إثرها (سردشتي، 2003، ص 28–29). وتسبق هذا الحدث الإشارة إلى الفتح الإسلامي وما ترتب عليه من أفول الزرادشتية، باعتبارها “دين الكرد”.

العصر الثالث يشير إلى حكم الإمارات الكردية (أو الإمارات – principalities) منذ ما قبل العصر الحديث على الأقل، وهي الإمارات التي قضت عليها الإمبراطوريتان العثمانية والقاجارية في منتصف القرن التاسع عشر. أما الحقبة الرابعة فتبدأ مع نشوء الدول القومية في القرن العشرين، الذي أدى إلى تقسيم كردستان إلى “الأجزاء الأربعة” (چوار پارچە). وفي العصر الحديث، تمثل جمهورية مهاباد (1946) ذروة هذا السرد، بوصفها نقطة انطلاق غير مسبوقة لمشروع الدولة الكردية وإثباتًا لوجود “أمة” كردية في نضال تاريخي طويل.

لا شك في أن هناك عناصر حقيقية في جميع هذه المراحل قد تمنح الكرد “حق الشك”. غير أنّ المشكلة تكمن في تحويل السردية القومية لهذه الحكايات إلى “وقائع”، ما يحجب الرؤية التاريخية الدقيقة للماضي. كما أن السردية القومية تنخرط في صناعة الأسطورة عبر تحويل أحداث أو شخصيات تاريخية إلى عناصر متكاملة في النضال القومي، بما يعيق الوعي التاريخي والقراءة النقدية. ولأهمية الأساطير في السرديات القومية—باعتبارها حكايات تُحوَّل إلى حقائق—فإنها تضمن لتلك السرديات بقاءها (تودور، 1972، ص 16–17). وفي خضم هذه السيرورات التاريخية، يُنظَر إلى “الكرد” غالبًا كمجموعة ثابتة موحدة تخوض صراعًا لا ينتهي من أجل الحرية. وتتحول كردستان في السردية القومية من مفهوم ثقافي/جغرافي إلى مفهوم اجتماعي-سياسي.

تبدأ السرديات القومية أولى خطواتها عبر العودة إلى العصور القديمة كموقع للأصل، وتُسخّر المعلومات القليلة المتاحة من تلك الحقبة في خدمة “أمة قديمة”، عبر إضفاء سمات قومية على شخصيات وأحداث تاريخية. ورغم أنّ الميثولوجيا الكردية لا ترقى إلى ضخامة الشاهنامة — حتى لو كانت، كما يرى چامانارا (2015، ص 36)، تنتمي إلى تقليد ملحمي واحد — فالإمبراطورية الميدية والسلالات اللاحقة استُخدمت لإنتاج أسطورة “كردستان موحدة” جرى تقسيمها وتجريدها من استقلالها لاحقًا. وهذه هي لبّ السردية القومية الكردية. كما أن الجهود الرامية إلى التأكيد على وجود لغة تاريخية كردية “خالصة” كانت وفيرة (انظر: همراش، 2013).

وفي مسار إضفاء الشرعية على الأمة الحديثة، بدأ كل من التاريخ واللغة يحتلان موقعًا مركزيًا في السردية القومية. وقد ركّزت بعض الأدبيات على الشرفنامة لشرف خان البدليسي (1377هـ [1998])، وأيضًا على مم وزين لأحمد خاني (2011)، الذي يُنظر إليه بوصفه نصًا رائدًا في الدعوة إلى الدولة القومية واستخدام اللغة الكردية. الأول مستلهم من أساطير الشاهنامة والإمبراطورية الساسانية، لكنه مكتوب بالفارسية ويؤرخ للأسر الحاكمة الكردية؛ أما الثاني فمكتوب بالكردية ويشير صراحة إلى الكرد بوصفهم جماعة ذات هوية ثقافية مميزة. وعلى الرغم من أنّ كلا العملين يُظهران سمات ثقافية خاصة بجماعة ما، إلا أن تلك الهوية لم تكن “قومية”، بل إثنية وتتقاطع مع هويات أخرى معاصرة لها.

أما أسطورة تقسيم كردستان نتيجة معركة چالديران، فتشكّل نقطة انعطاف مركزية في السردية القومية. فالسرديات التاريخية غالبًا ما تُشوَّه، وتُصوَّر كردستان موحدة ذات حدود واضحة. كما أن الكتابة القومية غير قادرة على تقديم سردية مقنعة حول الإمارات الكردية، التي بقيت قائمة حتى النصف الثاني من القرن التاسع عشر، حين أنهت إصلاحات المركزية في الدولتين العثمانية والقاجارية وضعها “شبه المستقل”. ففي السردية القومية تصبح هذه الإمارات جزءًا من مسار تاريخي لـ“أمة”، ويجري تجاهل سياقاتها التاريخية وتكوينها الاجتماعي والسياسي بدرجة كبيرة.

كانت الإمارات نتاج البُنى الاجتماعية والسياسية للمجتمعات الكردية، واستمرارها كان يعود إلى كلٍّ من وضعها “شبه المستقل” وقدرتها على المناورة. ومن ناحية أخرى، فإنّ المفاهيم ما قبل الحديثة للثقافة والتنظيم الاجتماعي توفّر رؤية لطريقة عمل عدد من المجتمعات المتقاربة ثقافيًا، وكيف عرّفت علاقاتها ببعضها دون الحاجة إلى الخضوع لسلطة مركزية واحدة. واستنادًا إلى النزاعات المستمرة بين الإمارات الكردية وتباين سياساتها تجاه الاتحادات والإمبراطوريات المحيطة بها، يبدو أنّ الإمارات والقبائل الكردية ما قبل الحديثة كانت ميّالة أكثر إلى صيغة الوضع الذاتي أو شبه المستقل. في هذا السياق، فإنّ الكتابة التاريخية القومية الكردية مدفوعة بعقيدة القومية التي تعتمد، بوصفها حركة أيديولوجية وسياسية، على اسم جماعي جامع، وأساطير الأصل المشترك، والذكريات التاريخية المشتركة، وتاريخ ولغة مميّزين، والارتباط بأرض مخصوصة، وإحساس بالتماهي والتضامن. إنها كتابة تاريخية معكوسة تبحث في الماضي بحثًا عن شرعية الحاضر، وتعكس في الوقت نفسه وعيًا تاريخيًا متحوّلًا ناتجًا عن الاحتكاك بالأفكار الأوروبية الحديثة.

ويتجلى استمرار السرديات القومية في صِدام التعريفات. ففضلًا عن توظيف التاريخ واللغة بوصفهما مكوّنين أيديولوجيين للقومية بهدف بناء هوية قومية حديثة، يزجّ صدام التعريفات بهذه السرديات في ميدان “سياسات الاعتراف”. ويتضح ذلك بجلاء في النزاع الحاد حول مفهومي قوم وملّت/ملّة، اللذين أصبحا أحد أهم ميادين الاشتباك بين السرديتين القومية الإيرانية والكردية. وتمتد جذور هذا الصدام تاريخيًا على الأقل إلى السنوات الأولى لنشوء الدولة القومية الإيرانية؛ إلا أنّ عوامل أحدث ساهمت في تكريس صدام التعريفات في الوقت الراهن. ويتمثل العامل الأول في الوضع السياسي في إيران منذ ثورة 1979. فدستور الجمهورية الإسلامية يشير إلى الجماعات الإثنية، أي غير الناطقين بالفارسية، بوصفهم أقوامًا وليس أممًا، على اعتبار أنهم يشكّلون أجزاءً لا تنفصل عن الأمة الواحدة. وتحذّر المادة التاسعة من أنّ “حرية البلاد واستقلالها ووحدتها وسلامة أراضيها غير قابلة للتجزئة” — وهو منطق يقترب أكثر من قومية علمانية منه من روح الثورة الإسلامية. وتجيز المادة 15 “استخدام اللغات القومية والمحلية” في النشر. غير أنّ سياسات الدولة تجاه الكرد اتخذت، طوال عقدين، منحى عدائيًا مختلفًا. وبعد الانتخابات الرئاسية عام 1997 تحديدًا، بدأ نشطاء المجتمع المدني الكردي يفعلون المادة 15 للمطالبة بالنشر بالكردية وبحق تعليم اللغة الكردية في المدارس والجامعات. أما العامل الثاني فيتمثل في أن النشطاء والمثقفين الكرد استطاعوا كسب مساحات جديدة بفعل التوتر الدائم بين الإصلاحيين والراديكاليين في إيران من جهة، وبفضل الوصول إلى شبكات التواصل في العصر الرقمي من جهة أخرى.

وأخيرًا، فإن بروز حكومة كردية في العراق والأزمة الإقليمية الراهنة أضافا بُعدًا جديدًا إلى الثقافة والسياسة — المجالين اللذين طالما سعت السرديات القومية المتصارعة للهيمنة عليهما. فرغم أن التصور القومي للذات والتاريخ يمنح الجماعات المقهورة أدوات تاريخية ولغوية ونفسية لمقاومة السلطة — كما هو مثال نوروز — فإنّ عملية “قَوْلَبَة” التاريخ والثقافة قوميًا تُغفل سيرورات التغيير والتحوّل. وقد أدى التصور القومي للتاريخ إلى التباسٍ مفاهيمي؛ مثل الالتباس حول معاني قوم وملّة، والدخول في جدالات عقيمة لإثبات تفوق الأمة المقصودة تاريخيًا أو لغويًا. ففي السردية القومية الإيرانية، يُستخدم مفهوم قوم لتبرير حرمان الكرد من حقوقهم السياسية والثقافية، بينما تُعرّف السردية القومية الكردية الكرد بوصفهم ملّة تستحق الاعتراف. بل إنّ سرديات أخرى—كالسردية الماركسية التقليدية غير القومية—انجرت بدورها إلى هذا الصدام المفاهيمي. وخلافًا لمرحلة ما بعد الثورة في أواخر السبعينيات، حين رفع اليسار الإيراني شعار “حقّ تقرير المصير”، تتطلب معظم الأحزاب الكردية الديمقراطية واليسارية اليوم الاعتراف بالكرد كـملّة/أمة كشرط لأي تحالف مع نظيراتها الإيرانية. وبالنظر إلى انتشار هذا الخطاب بين الكرد في إيران، فإن هذا التعاطي غير النقدي مع المفاهيم خدم السردية القومية الكردية من حيث لا يقصد أصحابه.

وفي الوقت نفسه، تستمر السردية القومية الإيرانية—للعوامل ذاتها—في تزويد “الإيرانية” بذخيرة لغوية وسياسية لمواجهة الإرث العربي، والأهم لمواجهة أي نزعة سياسية أو ثقافية من شأنها تقويض “إيران” بوصفها كيانًا سياسيًا وجغرافيًا موحدًا. فتعريف الكرد كـملّة يشكل تهديدًا لهذا الكيان؛ بينما تعريفهم كـقوم أو أقلية قومية يسمح بمنحهم وجودًا لغويًا وثقافيًا محدودًا. وهكذا تصبح السرديات القومية متنافرة لكنها، في الوقت نفسه، متواطئة في التضحية بالتاريخ واللغة والحقوق الاجتماعية لجماعات مختلفة. وفي الخطاب القومي، يُنظر إلى قوم بوصفه “أمة غير متطورة” لم تبلغ بعد مستوى الاستعداد لقيام دولة. وهذا المعنى خدم السلطة وسعى إلى إدامة علاقة الهيمنة. وفي المقابل، تسعى السردية القومية الكردية لإثبات أنها “أمة ناضجة” عبر الإحالة إلى أسطورة الأصل، والأرض الخاصة، والتاريخ واللغة المميزين، والثقافة الشعبية. وفي هذا الصراع تُستخدم الكتابة التاريخية واللغة، إذ إنّ غياب تاريخ متميز ولغة (نقية) يجعل فكرة الهوية القومية هشّة. وأخيرًا، يُعدّ الانتشار السريع للأشكال الرمزية في الثقافة الحديثة أحد العوامل الجوهرية في استمرار السرديات القومية اليوم. فإلى جانب شبكات التواصل، لعبت القنوات التلفزيونية والفضائيات دورًا أساسيًا في تعزيز التصورات القومية للتاريخ وتوفير منصّات للسرديات القومية.

في سياق الصعود الدرامي الأخير للتطرف الديني والقومي في الشرق الأوسط، اكتسبت السرديات القومية الحادّة حضورًا متجدّدًا خلال العقدين الماضيين. فالحروب لا تنفصل عن الصراعات الفكرية، وبالإضافة إلى الأزمات السياسية في المنطقة، أسهمت هذه الحروب في صعود قراءات لا تاريخية للماضي، يروّج لها كلٌّ من السرديتين القومية الكردية والإيرانية، بما في ذلك ضمن السياق الإيراني ذاته. وقد شكّل حقل التاريخ أحد الميادين الرئيسة في هذه “الحروب الفكرية” الحديثة، حيث تُبْحَث الشرعية التاريخية عبر سرديات قومية متنافسة. علاوة على ذلك، فإن الانتشار السريع للأشكال الرمزية ووسائل الاتصال الفعّالة عزّز قدرة هذه السرديات على تقديم نفسها بوصفها البديل الفكري الوحيد لـ”الأمة” المنشودة في تصوّرها لذاتها ولماضيها. علاوة على ذلك، فإن تحوّل الوعي التاريخي في سياق تشكّل الهوية الوطنية الإيرانية أدى إلى احتدام السرديتين القومية الإيرانية والكردية في سعيهما لإثبات التفوّق التاريخي والعرقي واللغوي لأمّتيهما المتخيّلتين. وقد أصبحت السردية القومية الإيرانية مدعومة من الدولة، بينما واصلت السردية القومية الكردية — من موقعها المهمّش — تقديم تبريرات تاريخية لحقّ الأمة المنشودة في الوجود الثقافي والسياسي. ومن الأمثلة الدالّة على ذلك الصراعُ حول تعريف مفهومي قوم وملّت، وهو صراع يعود في جذوره إلى عدم توازن المواقع بين السرديتين. ومع ذلك، فقد أصبحت هاتان السرديتان شريكتين في تهميش التأريخ الاجتماعي غير القومي.

ويبقى مدى تهديد الكرد أو التعبئة السياسية الكردية للسيادة الإيرانية، محل نقاش. إذ، يمكن افتراض أن الأحداث التاريخية شكلت تصورات طهران للكرد كتهديد، ومن ثم تأمين القضية الكردية. منذ قيام الجمهورية الإسلامية، كانت مطالب الكرد عادة تتمثل في الدعوة إلى اللامركزية أو الديمقراطية، دون تطور ملحوظ للميل الانفصالي. ومع ذلك، أظهر الكرد تاريخيًا ميلًا لمتابعة مسارات سياسية متميزة عندما أتيحت لهم الفرص. أحد الأمثلة هو محاولة الكرد إنشاء منطقة ذات حكم ذاتي خلال الحرب العالمية الثانية في فراغ السلطة الناتج عن الاحتلال البريطاني والسوفيتي لإيران وتنازل رضا شاه. كانت الانتفاضات الكردية السابقة قبل ذلك قبلية، لكن هذه المرة، سعى المثقفون الحضريون اليساريون إلى الحكم الذاتي الإقليمي. تشكلت طبقة وسطى جديدة اعتنقت القومية الكردية وحشدت الدعم، مؤسِّسةً الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني (KDPI) لمواجهة سياسات الفارسية للشاه. في يناير 1946، أعلن زعيم KDPI، قاضي محمد، تأسيس جمهورية كردستان ببرلمان مكون من 13 عضوًا في مدينة مهاباد. هذه التجربة كانت قصيرة العمر، إذ انهارت بعد انسحاب الدعم السوفيتي، وعادت القوات الإيرانية للسيطرة على مهاباد بحلول ديسمبر 1946، وأُعدم قاضي محمد وعدد من كبار الشخصيات. ومع ذلك، شكلت جمهورية مهاباد سابقة بارزة؛ فقد كتب عبد الرحمن قاسملو، زعيم KDPI في منتصف السبعينيات: “رأت الأمة الكردية كلها في جمهورية مهاباد رمزًا لطموحاتها وأملت أن تصبح نواة لنضال تحرير كل كردستان.” ولم يغفل المسؤولون الإيرانيون هذه الرسالة، ولاحظوا تهديد القومية الكردية الذي مثلته مهاباد.

بعد مهاباد، خفت التعبئة السياسية الكردية، لتعاود الظهور خلال الاحتجاجات الوطنية ضد الشاه التي أدت إلى قيام الجمهورية الإسلامية في 1979. تمثل هذه الانتفاضات لحظة تعاون بين مجموعات متنوعة، لكن الكرد اتبعوا مسارًا متميزًا. بينما حشد رجال الدين الشيعة الجماهير في أماكن أخرى، تولى رجال الدين السنة الكرد والمنظمات السياسية مثل كومالا وKDPI دور القيادة في المدن الكردية الكبرى. تبنى KDPI شعار “الحكم الذاتي للكرد، والديمقراطية لإيران”، مما أبرز أجندتهم الخاصة التي اختلفت عن رؤية الثورة التي تصورها آية الله الخميني وأتباعه. بعد إسقاط الشاه، حشد الكرد، ساعين للاستفادة من الفرص الجديدة، بما في ذلك تحقيق الحكم الذاتي والمشاركة في صياغة الدستور الجديد. ومع مرور الوقت، أثبت الكرد أنهم التحدي الأكثر صعوبة للنظام الإسلامي الذي سعى لتثبيت موقعه، حيث أصر KDPI على الحكم الذاتي وزار وفد كردي الخميني في قم لكنه قوبل بالرفض، ما أدى لاحقًا إلى اندلاع مواجهات مسلحة بين الميليشيات الكردية والقوات الثورية، وظلت بعض الأراضي تحت سيطرة الكرد لسنوات. وفي هذا السياق، فسّر النظام الجديد مطالب الكرد بالحكم الذاتي على أنها تمهيد للانفصال، وهو ما عبر عنه المشاركون الكرد في الدراسة، إذ ذكر P35: “النظام الإيراني يعتبر مطالب الشعوب الأخرى بحقوقها الخاصة انقسامًا لإيران.”

وفي خطاب الخميني المعروف لشعب كردستان، أشار إلى أن الإسلام هو الأداة لتوحيد الأمة وإحباط “مشروع فصل الكرد واللور والفارس وغيرهم عن بعضهم البعض”، محذرًا الكرد من الانخداع بمن يسعى لبذر الانقسامات، ومؤكدًا أنه “في الإسلام … لا يوجد فصل بين مسلمين يتحدثون لغات مختلفة”. تعكس هذه التصريحات خوف طهران المستمر من النزعات الانفصالية لدى الأقليات الواقعة على الأطراف، ويعزز هذا الخوف طبيعتهم العابرة للحدود، إذ يحتفظون بعلاقات مع أقاربهم العرقيين خارج إيران. وقد أبدى المستجيبون في الاستبيان وعيًا كبيرًا بالتطورات المتعلقة بالمجتمعات الكردية خارج إيران، مبرزين التقدم السياسي بين الكرد السوريين واستفتاء الاستقلال للكرد العراقيين في سبتمبر 2017، فيما استنكرت وسائل الإعلام الإيرانية التابعة للحكومة هذا الاستفتاء واعتبرته استفزازًا أجنبيًا، مما يعكس قلق طهران من احتمالات تعزيز المجتمعات الكردية سياسيًا داخليًا وخارجيًا، ومن التدخل الأجنبي المحتمل الذي قد يهدف إلى تقويض النظام الإسلامي أو سيادة إيران. وللتعامل مع هذه المخاوف، تروج طهران لسردية أن الإسلام هو الرابط الذي يوحد الأعراق المختلفة في إيران، ويعمل مفهوم الأخوة الإسلامية كأساس لتماسك الأمة.

مع ذلك، أعلن الخميني أيضًا الجهاد ضد الكرد، متهمًا إياهم بالتصرف ضد الثورة، وحظر الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني (KDPI)، واصفًا زعيمه عبد الرحمن قاسملو بـ”مفسد في الأرض” (مفْسِد في الأرض). شهدت المحافظات الكردية أعمال عنف خلال السنوات الأولى للجمهورية الإسلامية، حيث تحرك النظام بلا رحمة لاستعادة الأراضي وانتقامًا من الميليشيات الكردية. وفي الوقت نفسه، بعد أن صوت الكرد بأغلبية ساحقة للمرشحين الكرد في أول انتخابات برلمانية في مارس 1980، ألغت الحكومة هذه الانتخابات. لم يتحقق في الواقع الميداني مثال الخميني عن المساواة في الإسلام. فقد روى العديد من المشاركين الكرد في الدراسة تجارب تهميش على أساس الانتماء إلى المذهب السني، ففي تعليق يدل على ذلك قال P74: “لقد اعتُبرت سنيًا في إيران، وقد أدى هذا إلى استبعادي.”

بعد استقرار النظام الإسلامي، لم يُترك أي مجال لأي قومية منافسة أو نشاط سياسي عرقي. وبموجب تصور شامل للأمة، كان النظام نظريًا أعمى للفروق بين السنة والشيعة. ومع ذلك، يرى بعض الباحثين أن الهوية الإيرانية بعد الثورة أصبحت عمليًا مبنية على “تفوق الهوية الفارسية/الشيعية”، حيث “تم تقديم الشيعة كنسخة مفرسة من الإسلام”. ومن المعروف أن لا توجد مسجد سني في طهران، وهو مؤشر على الإهمال والتجاهل للمسلمين السنة من قبل مؤسسات الدولة. وقد تتفاقم تصورات التمييز الطائفي أو العرقي بسبب مواقع الأقليات السنية – الكرد، البلوش، التركمان – في الأطراف المتخلفة من الأراضي الإيرانية، لكن من الصحيح أيضًا أن السنة تم استبعادهم من المناصب السياسية العليا. الوزير بيجان زنجنه، على سبيل المثال، كردي شيعي، ولم تتقلد محافظة كردستان أي منصب حاكم سني كردي رغم الأغلبية السنية فيها. وتجارب المشاركين الكرد في الدراسة حول الاستبعاد على أساس الانتماء السني توضح مرة أخرى أن النظام لا يرقى إلى مستوى سرديته حول الأخوة الإسلامية.

تشير إليز ساناساريان إلى أنه بسبب وضعهم المهمش، تميل الأقليات في الشرق الأوسط نحو المواقف السياسية العلمانية. وطبقًا لهذا المنظور، فإن الحجة تنطبق أيضًا على الكرد، حيث تتبنى الأحزاب الكردية الكبرى في إيران والعراق وسوريا وتركيا أجندة علمانية. بالنسبة لنخبة الجمهورية الإسلامية، يُعد ميل الكرد للسياسة العلمانية سببًا إضافيًا للحذر من نشاطهم السياسي. وفي هذا السياق، ينشأ شعور بالاستياء والمقاومة بين الكرد، كما أشار المشاركون في الدراسة. فقال P16: “أنا شخص علماني، كوني شيعيًا أو سنيًا والهوية الدينية ليست مهمة بالنسبة لي، لكن مقاربة الحكومة تجاه الناس تتأثر بدينهم ومعتقداتهم، وهذا عامل رئيسي في خلق المواجهة”. وقال P14: “أنا لست شخصًا متدينًا، لكن أرى أن هناك اضطهادًا ممنهجًا ضد السنة، وهو خارج إطار الدستور، خاصة في مسائل التوظيف.”

على الرغم من أن الانتماء السني للعديد من الكرد لا ينبغي – نظريًا – أن يشكل مشكلة، فإن الكرد الإيرانيين أبدوا منذ زمن طويل تطلعات سياسية بديلة، سعوا لتحقيقها بحماس كلما تضاءلت سيطرة الدولة أو تغيرت ديناميكيات السلطة. لقد سعت الجماعات الكردية باستمرار إلى إقامة حكم ذاتي أو على الأقل لامركزية أوسع. هذا لا يُطمئن طهران بشأن التزام الكرد بإيران موحدة ذات سيادة. وبالمقابل، فإن التمييز المتصور ضد الكرد لا يعزز الولاء للجمهورية الإسلامية، وتتفاقم التوترات بسبب عدم الثقة المتبادلة، واستمرت العلاقات المتوترة خلال الثمانينيات والتسعينيات.

في ظل هيمنة أسطورة «أصالة الفارسية»، صارت أيّ مطالبة بالخصوصية الكردية—بما في ذلك الأبجدية أو الأسماء—تُعدّ انحرافًا عن «الإيرانية» بل وخيانة للوطن. ويتجلى ذلك في سياسات مثل منع الكردية في المدارس، حظر اختيار أسماء كردية للوحدات التجارية، وحتى تدمير اللوحات الكردية في جامعة كردستان. وعمومًا، لا تزال القومية الفارسية مهيمنة في إيران المعاصرة، وقد تشابكت مع التقاليد الدينية الشيعية. وأفضت هيمنة هذا الخطاب إلى إقصاء الكرد إثنيًا ودينيًا. ومن الجدير بالذكر أنّ أكثر من نصف الكرد في إيران ينتمون إلى أقليات دينية مثل السنّة وأهل الحق، ما يجعلهم يواجهون «إقصاءً مزدوجًا» تحت سلطة القومية الفارسية. ولا تزال أصوات الكرد تُسكت، مما يجعل من الصعب عليهم كتابة تاريخهم والعيش وفق هويتهم الكردية. فعلى سبيل المثال، تقيد محدودية الحفريات الأثرية في كردستان إمكانية استكشاف تراثهم. وكما يؤكد محمدبور وسليماني (2022)، فإن الدولة الإيرانية منعت في العقود الأخيرة أي حفريات من شأنها تحدي السردية الآرية-الفارسية للتاريخ (ص 193–196). كما يُحرم الكرد من حق التعليم بلغتهم، ويفرض عليهم قيود في تسمية أطفالهم والأماكن الجغرافية ووحداتهم التجارية بالكردية.

ومع ذلك، فإنّ ما قاله فوكو يظلّ حاضرًا: «حيث توجد سلطة، توجد مقاومة». فأين تكمن مقاومة الكرد؟ إلى جانب الحركات التاريخية بقيادة شخصيات مثل سيمكو (1918–1929) وقاضي محمد، هناك أشكال من المقاومة اللغوية تتجلى في الحياة اليومية للكرد. فبالرغم من التحديات، توجد منظمات غير حكومية مثل «نوجين» تُدرّس الكردية بشكل غير رسمي، ومجلات ودور نشر تصدر الأدب الكردي، وآباء يختارون أسماء كردية لأطفالهم، وأطفال يتخذون أسماء كردية ثانوية غير رسمية عندما يواجه أهلهم مشكلات بسبب القوانين غير المكتوبة . ويمكن اعتبار المثال الأخير شكلًا من أشكال المقاومة يمكن تسميته بـ«حرب التسمية»، حيث تتنافس خطابان لتحديد قواعد «الاسم الجيد» و«الاسم الرديء». وفق خطاب «إيران»، يعني الاسم الجيّد اختيار اسم فارسي بدل «السوء» المتمثل في الاسم غير الفارسي. أما في خطاب المقاومة، فيُعاد تفكيك ثنائية «جيد/سيئ» نفسها وتُستبدل بمبادئ ديمقراطية تعددية للتسمية، بحيث تصبح عملية اختيار الأسماء سياقية تُستمد فيها الأسماء من لغات الأقليات نفسها بدلًا من الفارسية.

وتكشف «حرب التسمية» هذه جانبًا من حركة «جينا». فقد كانت «جينا» واحدة من تلك الأطفال اللواتي اخترن اسمًا كرديًا ثانويًا غير رسمي بدل اسم «مهسا» الفارسي الذي منحها إياه والداها. ومع أنّ موتها أصبح رمزًا لحركة مناهضة لأشكال متعددة من الاضطهاد—الجندري، الطبقي، الإثني، العنصري، والديني—فقد شاب الحركة عناصر من «فاشية المهمّشين»، هددت بتحويل مسارها عن أهدافها الديمقراطية. وهكذا أصبح الحراك ساحة صراع بين معسكرين متضادين يسعيان إلى تسمية «الفتاة» وإعادة ترميز نقاط الارتكاز. كان هناك من جهة معسكر المقاومة الذي سمّى الفتاة بلغتها: «جينا»، وأعاد ترميز نقاط الارتكاز بالكردية: «جين» (امرأة)، «جيان» (حياة)، «ئازادی» (حرية). ومن جهة أخرى، المعسكر الإيراني الذي أصر على استخدام الاسم الفارسي «مهسا» ونظائره الفارسية: «زن، زندگی، آزادی». وظهر المعسكر الأول من خلال بناء سلسلة تكافئية بين مجموعات متعددة: الأقليات الإثنية كالـكرد والبلوش والجيلك والعرب والترك، النساء غير الفارسيات، الأقليات الدينية، وبعض اليساريين الفرس. وقد جمعهم السعي لتفكيك الوطنية الفارسية الأبوية. أما المعسكر الثاني—الذي ضمّ فارسيين وبعض الأقليات المندمجة والملكيين ونسويات فارسيات—فقد جمعته خشية «الانفصال» المحتمل، مما أدى إلى عودة القومية الفارسية الأبوية، وإبراز نقاط الارتكاز المحافظة: «الرجل، الوطن، الازدهار»، بدلًا من «المرأة، الحياة، الحرية». وبينما يسعى «معسكر مهسا» إلى إعادة إنتاج القومية الفارسية في صيغة ملكية، ويبحث—بلغة لاكان—عن «سيّد جديد»، فإن «معسكر جينا» المستلهم شعار المقاومة الكردية «المرأة، الحياة، الحرية» يسعى إلى رفض كل أشكال علاقة السيد/العبد. ويتجلّى هذا الرفض أيضًا في شعار البلوش: «رغم كثرة الأخطار في الحرية، إلا أننا نفضّلها على العبودية». ولهذا أشار سلافوي جيجيك إلى الإيرانيين قائلاً: «من دون حرية الشعب الكردي، لن يكون أغلب الإيرانيين أحرارًا». لكن ينبغي أن نسأل: حرّية من ماذا؟ من المهم أن ندرك أنّ دال «الحرية» يستمدّ معناه في مقابل القومية الفارسية الأبوية، التي أعادت إنتاج نفسها في أشكال متعددة منذ الثورة الدستورية. ومن ثمّ، لا يمكن بلوغ الحرية الحقيقية إلا عبر التفكيك النَزَاعي لهذا النمط من القومية.

تمتلك رؤية بروباكر (2011) حول العلاقة المتوترة بين «الدول غير المكتملة» وأقلياتها القومية قدرة تفسيرية كبيرة في الحالة الإيرانية. فالشاغل الأساسي للدولة الإيرانية كان يتمحور حول «تحويل» مجموعاتها السكانية المتنوعة قومياً إلى جزء من الأمة الموحّدة، وفقاً لمصالح «الأمة المركزية». ومن هذه الزاوية، اعتُبرت الأقليات دوماً تهديداً لعملية بناء الأمة بحسب رؤية الدولة. ورغم أن تعريف «الأمة المركزية» قد تغيّر عبر مراحل التاريخ الحديث لإيران، فإن الطابع الإقصائي للهوية الوطنية الإيرانية ظل يترسخ باستمرار. وهنا تبرز أهمية الخطابات المضادة التي تنتجها الحركات القومية للأقليات؛ إذ إنها خلقت مجالاً سياسياً حيوياً للتعبئة من أجل التغيير الديمقراطي، وشكّلت تذكيراً دائماً بفشل النظام في الاستجابة لمطالب الأقليات. إن استمرار نظر النظام إلى هذه الحركات باعتبارها تهديداً لوحدة الأراضي يثبت أن النخب الحاكمة لم تنجح في جعل الأقليات تتبنى خطابها القومي، الأمر الذي يؤدي إلى تعزيز السلطوية واستمرار فجوة الديمقراطية، عبر اللجوء الدائم إلى القمع لاحتواء مطالب الأقليات منذ بدايات القرن العشرين.

وفي النهاية، هذه كانت دراسة تحاول الإجابة على السؤال المركزي، كيف ولماذا التهميش. في هذا السياق، يمكن النظر إلى مسألة تهميش الكرد بوصفها مسألة معقدة ومتعددة الأبعاد، ولا يمكن استكشافها بالكامل، لكن يمكن تتبعها إلى ملاحظات ناصر الدين شاه قاجار (1831–1896) حول الكرد بعد ثورة الشيخ عبيد الله. في الوقت نفسه، ومع تشخيص المثقفين الفارسيين للوضع غير المرضي، انتشرت الثورة من تركيا إلى إيران، مما أثار مخاوف الحكومة والمثقفين بشأن احتمال انفصال كردستان عن إيران. واستجابة لهذا الوضع، انخرطت بعض مناطق كردستان في الثورة بدلًا من اللجوء إلى دول أخرى. أعرب ناصر الدين شاه قاجار عن دهشته قائلاً: “لم أكن أتصور أن الكرد الغربيين الإيرانيين، الذين حافظوا تاريخيًا على الحدود الغربية، سيفعلون هذا. للكرد تاريخ طويل من الحضارة. لم أتوقع أن يتصرفوا مثل التركمان في شرق إيران” (11 أكتوبر 1888، كما نقل ميرزا عزيز، 2000: 14). وفي هذه اللحظة، بدأت مظاهر “تمييز” الكرد تظهر، حيث ارتبطت علامة “كرد” بعلامات أخرى مثل “متمرد”، “زنديق”، “يزيدي”، “همجي”، “ثائر”، و”غير متمدن”. وبعد قمع ثورة الشيخ عبيد الله، تم تصوير كردستان كتهديد للأمن القومي، واستمر هذا التصور حتى بعد الثورة الدستورية الفارسية (1905–1906)، مما أدى إلى إهمال مطالب الكرد وتقويض ثقتهم بالنظام الجديد.

ومع تشكيل الدولة الحديثة، أصبح التوحيد اللغوي استراتيجية استخدمها الحكام الفارسيون والمثقفون لمعالجة “المشكلة الكردية”، بهدف القضاء على اللغة الكردية ودمجها في الفارسية. وقد طبقت سلالة بهلوي هذه الخطة الوطنية “لقمع جميع اللغات باستثناء الفارسية عن طريق تجريم استخدامها وتدمير مدارس الأقليات اللغوية”. وحتى بعد ثورة 1979، استُخدمت التمايزات العرقية والثقافية الكردية كتهديد للأمن القومي، مما أدى إلى فرض قيود على استخدام الكردية في السياقات الرسمية. ومن المهم الاعتراف بأن الكرد واجهوا استبعادًا متعدد الأبعاد، متأثرًا بعوامل مثل العرق، اللغة، الدين، والجغرافيا. ومع ذلك، فإن العامل المشترك بين جميع الكرد كان الاستبعاد اللغوي، الذي يمكن تتبع جذوره إلى تدخلات الاستشراق.

وكمثال معاصر ورؤية ختامية لكيف تجرى الأمور في الفضاء السياسي. تمكن النظام من قمع احتجاجات 2009. لكن، ورغم ذلك فإن حركة المطالبة بالديمقراطية في إيران ينبغي فهمها كعملية مستمرة، لا كمحاولة فاشلة. فمنذ ذلك الوقت، عقدت جماعات المعارضة والأقليات عدة اجتماعات بهدف توحيد الصفوف وتقوية الحركة الخضراء. غير أن تلك الجماعات أبدت تردداً في تبنّي مطالب الأقليات الداعية إلى إقامة دولة اتحادية ديمقراطية كبديل للجمهورية الإسلامية. ومع ذلك، أكدت تلك الاجتماعات تنامي الوعي بأن الأقليات جزء مهم وفاعل من المعارضة، وأنه من الضروري التعامل مع مطالبها. وبينما أدانت الأسرة الدولية سجلّ إيران في حقوق الإنسان ومعاملة الأقليات، فإن هذه الإدانة باتت تتردد داخل إيران نفسها على نحو غير مسبوق. وبغضّ النظر عمّا إذا كان الإصلاحيون أو المحافظون يمسكون بزمام السلطة، فإن رفض الاعتراف بالطبيعة متعددة القوميات لإيران يشكل أزمة بنيوية في النظام السياسي القائم. وقد جاءت تصريحات الرئيس الأسبق حسن روحاني—الذي يُنظر إليه بوصفه شخصية معتدلة—لتؤكد هذا الواقع؛ إذ أعلن مباشرة بعد فوزه أن «إيران ليست دولة متعددة القوميات» وأن «هناك أمّة واحدة فقط في إيران تُبنى على النظام الإسلامي. ومن ثم، فإن تغيير القيادة لن يكون كافياً لتغيير الوضع السياسي والاجتماعي للأقليات ما لم تتم معالجة الخلل البنيوي المتجذّر في مؤسسات الحكم. لهذا، فإن التعاون بين الحركات القومية للأقليات والقوى الديمقراطية الأخرى في البلاد تحت هدف مشترك يتمثل في تغيير النظام السياسي برمّته، هو شرط أساسي للتقدم. ويظل تشكيل خطاب موحد حول تعريف الهوية الوطنية الإيرانية خطوة محورية لتحقيق هذا الهدف.

للمزيد يمكن الرجوع إلى :

عبد الله أوجلان: مانيفستو السلام والمجتمع الديمقراطي  

Bazafkan, M. (2023). ‘They silenced our voices’; a genealogy of the linguistic othering of the Kurds in Iran. Ethnicities24(5), 807-831

https://doi.org/10.1177/14687968231210557

Cabi, M. (2017). Clash of National Narratives and the Marginalization of Kurdish-Iranian History. Contemporary Review of the Middle East4(4), 335-355

https://doi.org/10.1177/2347798917727894

Peshraw Muhammad: Iranian Narratives and the Struggle for the Recognition of the Kurds, 2022

Marouf Cabi: The Last Mufti of Iranian Kurdistan and Its Revision of Kurdish History, Journal of Ethnic and Cultural Studies, 2019, Vol. 6, No. 3, 1-12 

Sabah Mofidi and Jiyar Aghapouri: The Role of Kurdish Identity in Shaping Political Identity: A Case Study of Kurdish University Students in Rojhelat, Kurdistan-Iran, Journal of Ethnic and Cultural Studies, 2023, Vol.10, No. 3, 1-17

Ozum Yesiltas: Contested notions of national identity, ethnic movements and democratisation in Iran, Studies of Transition States and Societies, Vol 8 / Issue 1, pp 53 – 68

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى