مارتن فان بروينسن .. معمار الكردولوجيا الحديثة وإعادة بناء السردية البديلة

تحليل: هدير مسعد عطية..
شهد الفضاء السياسي والفكري في الشرق الأوسط، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، تشكّل منظومات أيديولوجية قومية مركزية قامت على نفي التعدد، واعتبرت التنوع الإثني والثقافي تهديدًا مباشرًا لمشروع الدولة الحديثة. انتصرت هذه الأيديولوجيات للعروبة أو الكمالية التركية أو القومية الفارسية، أو لهوية إسلامية مركزية، فيما جرى تهميش، بل طمس، الهويات غير المنسجمة مع هذه السرديات الكبرى، وفي مقدمتها الهوية الكردية. لم يكن هذا الطمر سياسيًا فقط، بل معرفيًا أيضًا؛ إذ جرى إنتاج معرفة رسمية عن الكرد، أو بالأحرى ضدهم، تُنكر وجودهم أو تختزلهم في صور نمطية؛ مما أدى إلى عقود من “الطمر السياسي” للهوية الكردية. غير أنّ التحولات العميقة التي بدأت منذ سبعينيات القرن العشرين، وتسارعت مع نهاية الحرب الباردة وسقوط الاتحاد السوفيتي، فتحت المجال أمام مراجعات معرفية جذرية، سعت إلى تفكيك المجهول وإعادة بناء سرديات بديلة للهويات المهمّشة. في هذا السياق بالذات، يبرز اسم مارتن فان بروينسن بوصفه أحد أكثر الباحثين الغربيين تأثيرًا في إعادة صياغة المعرفة الأكاديمية عن الكرد، ليس فقط من حيث الكم، بل من حيث المنهج والرؤية النقدية. مارتن فان بروينسن، عالم الأنثروبولوجيا الهولندي الذي لم يكتفِ بدراسة الكرد كظاهرة إثنوغرافية، بل أعاد صياغة فهمنا لهم كفاعل تاريخي معقد في مواجهة الدولة والسلطة والقومية.
في الطريق إلى الأنثروبولوجيا.. تشكّل المسار المعرفي
يُعدّ مارتن فان بروينسن (Martin van Bruinessen) عالِم أنثروبولوجيا هولنديًا بارزًا في الدراسات الكردية، وُلد في ١٠ يوليو 1946 في هولندا، ويشغل منصب أستاذ فخري في جامعة أوتريخت حيث درّس موضوعات مثل الدراسات الكردية، التاريخ الاجتماعي والسياسي، وعلم اجتماع الدين. بالإضافة إلى اهتمامه بالكرد، نشر أعمالًا في مجالات الإثنوغرافيا التركية والفارسية والإسلام الصوفي. درس الفيزياء النظرية والرياضيات في جامعة أوتريخت، وتخرّج بمرتبة الشرف العليا (cum laude) عام 1971. ثم تحوّل لاحقًا إلى الأنثروبولوجيا الاجتماعية، التي كان يدرسها إلى جانب تخصصه الأساسي. بين عامي 1974 و1976 أمضى عامين في العمل الميداني في الأجزاء المأهولة بالكرد من إيران والعراق وتركيا وسوريا، لدراسة التنظيم الاجتماعي والتحوّل الاجتماعي لدى الكرد. وأسفر هذا العمل الميداني، المدعوم ببحث أرشيفي، عن أطروحة دكتوراه بعنوان: «الآغا والشيخ والدولة: في التنظيم الاجتماعي والسياسي لكردستان»، قُدِّمت إلى جامعة أوتريخت عام 1978. وقد نُشرت لاحقًا نسخ منقّحة منها بالألمانية والتركية والكردية والفارسية والعربية، ثم بالإنجليزية مرة أخرى.
خلال الأعوام 1978–1981 تنقّل على نطاق واسع في تركيا وإيران (ونشر عددًا من المقالات عنها) وأفغانستان، حيث عمل في مشروع للتنمية القروية. وفي الفترات الفاصلة، ولا سيما بين عامي 1979 و1980، أجرى أبحاثًا في التاريخ العثماني ودرّس دورة متقدمة في اللغة التركية في قسم الدراسات التركية بجامعة أوتريخت. وقد أسفر هذا العمل في التاريخ العثماني، المنجز بالتعاون مع زملاء من خلفيات علمية مختلفة، عن تحقيق وتحليل (أجزاء من) المصدر الأساسي الوحيد عن المجتمع الكردي في القرن السابع عشر، وهو «سياحتنامه» لأوليا جلبي (1988).
منذ عام 1982 ركّز فان بروينيسن على إندونيسيا بوصفها مجالًا ثانيًا لبحثه، حيث أمضى ما مجموعه تسع سنوات في البحث والتدريس حول جوانب متعددة من الإسلام الإندونيسي. شمل ذلك عامًا من العمل الميداني في أحد الأحياء الفقيرة بمدينة باندونغ، وأربع سنوات مستشارًا لأساليب البحث الميداني في المعهد الإندونيسي للعلوم (LIPI)، أشرف خلالها على مشاريع بحثية كبرى حول العلماء (العلماء/الأوليما) والتعاونيات في مناطق مختلفة من البلاد، إضافة إلى عامين ونصف العام محاضرًا في سوسيولوجيا الدين وموضوعات ذات صلة في المعهد الحكومي للدراسات الإسلامية (IAIN) في يوجياكارتا. وقد أثمرت هذه الأنشطة عددًا كبيرًا من المنشورات باللغتين الإنجليزية والإندونيسية.
وخلال فترات انقطاعه عن إندونيسيا، عاد إلى الشرق الأوسط في رحلات بحثية قصيرة، ركّز فيها على السياسة الكردية والتركية والحركات الدينية، ولا سيما تحوّلات الهويات الإثنية والدينية في تركيا وتطوّر الحركة الكردية.
في عام 1994 عاد فان بروينيسن إلى هولندا أستاذًا مساعدًا للدراسات الكردية والتركية في قسم اللغات والثقافات العربية والفارسية والتركية بجامعة أوتريخت. وخلال العام الدراسي 1996–1997 شغل منصب أستاذ زائر للدراسات الكردية في معهد الإثنولوجيا بالجامعة الحرة في برلين، كما درّس لفترات أقصر في المعهد الوطني للغات والحضارات الشرقية (INALCO) في باريس. وقد جُمعت معظم كتاباته عن الكرد في تلك الفترة في مجلدين هما:
- Mullas, Sufis and Heretics: The Role of Religion in Kurdish Society (2000)
- Kurdish Ethno-nationalism Versus Nation-building States (2000)
في عام 1999 عُيِّن فان بروينيسن أستاذًا كرسيًا للدراسات المقارنة للمجتمعات الإسلامية الحديثة في جامعة أوتريخت، وكذلك في المعهد الدولي لدراسة الإسلام في العالم الحديث (ISIM). وفي هذا المعهد نسّق برامج بحثية بعنوان: «الإسلام والمجتمع المدني والمجال العام» و«إنتاج المعرفة الإسلامية في أوروبا الغربية»، ونظّم عددًا كبيرًا من المؤتمرات وورش العمل. ومن أبرز منشوراته في هذه المرحلة الكتب المحررة أو المشاركة في تحريرها:
- Sufism and the ‘Modern’ in Islam (مع جوليا د. هاول، 2007)
- The Madrasa in Asia: Political Activism and Transnational Linkages (مع فاريش أ. نور ويوجيندر سيكاند، 2008)
- Islam and Modernity: Issues and Debates (مع محمد خالد مسعود وأرماندو سالفاتوري، 2009)
- Producing Islamic Knowledge: Transmission and Dissemination in Western Europe (مع ستيفانو ألييفي، 2011)
- Contemporary Developments in Indonesian Islam: Explaining the ‘Conservative Turn’
تقاعد فان بروينيسن رسميًا من جامعة أوتريخت عام 2011، لكنه واصل الإشراف على أطروحات الدكتوراه فيها وفي جامعات أخرى، كما شغل منصب أستاذ زائر في معهد دراسة الحضارات الإسلامية بجامعة الآغا خان في لندن خلال فصل شتاء 2011–2012. ومنذ سبتمبر/أيلول 2012 يعمل باحثًا زائرًا أول في معهد أبحاث آسيا بالجامعة الوطنية في سنغافورة. وإلى جانب اللغات الأوروبية الغربية الرئيسية، يتقن فان بروينيسن اللغتين التركية والإندونيسية، وقد ألقى محاضرات بهما، ويقرأ ويتحدث الكردية والفارسية، ولديه معرفة سلبية بالعربية. وقد أتاح معظم أعماله العلمية للجماعات التي تناولها بحثه من خلال ترجمات إلى الإندونيسية والتركية والكردية والفارسية والعربية.
التحول ودخول الفضاء الكردي
يروي بروينسن الكيفية التي حدث بها التحول نحو الكردولوجيا والتعمق في منظومة إنتاج المعرفة عن الكرد، عن طريق اللقاء المباشر، ويروي أن أول لقاء له مع الكرد كان في بغداد عام 1966، حيث أثارت قصص “المقاتلين في الجبال” خياله السياسي. ومع وقوع انقلاب 1971 في تركيا، لفتت نظره محاكمة الأكاديمي التركي إسماعيل بيشكجي، الذي سُجن بسبب كتاب سوسيولوجي عن الكرد. كانت هذه اللحظة هي “الصدمة الأخلاقية” التي دفعت بروينسن للقول: “إذا كان المرء يدخل السجن بسبب كتاب عن الكرد، فلا بد أنه موضوع بالغ الأهمية“. من هنا، قرر أن يكرس عمله الميداني لدراسة التنظيم الاجتماعي والتحول لدى الكرد، متنقلاً بين إيران والعراق وتركيا وسوريا بين عامي 1974 و1976. كان تفكير بروينسن في الدمج بين دراسة القرية حسب الأنثروبولوجية الكلاسيكية، حيث علماء الأنثروبولوجية يعيشون في قرية ما، إذا كان ممكناً، لمدة عامين وبين التحليل الاقتصادي وما تعنيه الإمبريالية والتبعية على المستوى المحلي، أي تحليل المدخلات والمخرجات، والعلاقات الاقتصادية مضافاً إليها علاقات السيطرة السياسية والسلطة والمكانة المحليين. فحسب بعض المنظرين، لا يوجد في الشرق الأوسط طبقات اجتماعية بالمعنى الحقيقي، وبالتالي فإن المكانة أهم من الطبقة وأن الجماعات العرقية تقف إلى جانب بعضها أكثر من أن يقف العمال الكرد إلى جانب العمال الترك أو الفرس لكونهم طبقة واحدة. وفي داخل كل جماعة عرقية ثمة علاقات من المحسوبية والمحاباة بين الأشخاص والتي تمنعهم من القيام بأي عمل على أساس المصلحة الطبقية. يُقال أن المكانة الاجتماعية ولا سيما في المجتمعات القبلية أكثر أهمية بما لا يقاس من الطبقة الاجتماعية. ولكن كانت هناك بعض الانتفاضات الفلاحية ضد ملاكي الأراضي في الخمسينات في كردستان العراق وكردستان إيران على حد سواء والتي بدت إلى حد بعيد الحركات ذات الأساس الطبقي. وفي الستينات [من القرن الماضي] قام الشاه بإجراء إصلاحات أدت إلى تكوين طبقة من ملاكي الأراضي المستقلين. لذلك كان بروينسن مهتماً كيف سيتبدّى ذلك على المستوى المحلي. وبالتالي، كان تفكيره في العيش في قرية في كردستان إيران لمدة دورتين زراعيتين كاملتين وملاحظة المعاملات الاقتصادية ودراسة علاقات التبعية والمحسوبية وما شاكلها. لكن لماذا إيران على سبيل التحديد، ولماذا ليست تركيا أو العراق على سبيل المثال.
يقول الرجل: “إذا أردت إجراء دراسات أنثروبولوجية، فأنت بحاجة إلى تصاريح من الحكومة. والأنثروبولوجيون غير مرحّب بهم عادة. في تركيا، لم يكن من الممكن أن أتوقع الحصول على تصريح للبحث في شؤون الكرد، لكن تركيا لم تكن في ذهني أصلًا. أما العراق—وقد بدأت التخطيط في أوائل السبعينيات—فكنت أعلم أن حربًا جديدة ستندلع. وهكذا بقيت إيران. كانت إيران دولة موالية للغرب، وكان الأنثروبولوجيون مرحّبًا بهم هناك، وكان كثيرون، ولا سيما الأمريكيين، يجرون دراسات قروية. فطلبت تصريحًا لإجراء بحث في إيران. لم أكن أعلم أنه حتى في إيران لا يمكنك دراسة الكرد. وحين لم يصلني الرد، ذهبت إلى إيران بمفردي. أخبرت مشرفي أنني سأنتظر التصريح في طهران. وبدأت ألتقي هناك بالأنثروبولوجيين الأمريكيين. كان الجميع يضحك مني لأنني اعتقدت أنني أستطيع دراسة الكرد: “ألم تكن تعلم أنه لا يمكنك دراسة هذا الموضوع؟”. ولحسن الحظ، لم أكن أعلم. وهكذا، ومن دون تصريح، بدأت أذهب إلى كردستان، وأقضي هناك أسابيع وأشهرًا. لم يأتِ التصريح. رُفض طلبي، فطلبت تصريحًا آخر، ثم رُفض، فطلبت ثالثًا. ومع ذلك لم يطردوني من البلاد. كنت أستطيع القيام بزيارات قصيرة للمنطقة”.
ويستمر في القول: “كنت أتعلم الكردية في مقهى كردي في طهران، حيث كنت أجلس يوميًا وأتحدث مع الناس عن القرى التي قدموا منها. كنت قد تعلمت الفارسية قبل ذهابي، وكنت أعرف بعض التركية أيضًا، تعلمتها بنفسي. وهكذا تعلمت الكردية السورانية في ذلك المقهى. كوّنت صداقات في مهاباد. كنت قد زرت مهاباد من قبل، وعرفت بعض العائلات التي أقمت لديها، وساعدتني أيضًا في تنظيم دورة ذاتية لتعلم الكردية. لكن بسبب عدم حصولي على التصريح، لم أكن أستطيع البقاء طويلًا في مكان واحد. لم أُعتقل، لكن كان هناك أشخاص يقتربون مني ويقولون لي إن من الأفضل أن أرحل، وكنت أشعر أن هذا لا بد أن يكون جهاز السافاك. خضعت للاستجواب عدة مرات. لذلك كنت مضطرًا للتنقل من مكان إلى آخر، ولم أستطع أبدًا إنجاز البحث الذي خططت له. لكن ذلك كان مثيرًا للاهتمام، لأنني بدأت ألاحظ الفروق بين مكان وآخر: ففي مكان توجد قبيلة واحدة، وفي آخر توجد قبائل عديدة، وفي ثالث لا توجد قبائل أصلًا. كما تختلف أنماط علاقات السلطة. وخلال السفر، التقيت أيضًا بكرد من كردستان العراق. وكانت الحرب قد اندلعت، وظهر لاجئون في المنطقة، لكن كان هناك أيضًا كثير من البيشمركة العراقيين يتنقلون. وفي مرات عدة، أقمت في الغرفة نفسها في فندق صغير أو نُزل مع مسافرين عراقيين من هذا النوع. وعندما كنت أشرح لهم ما أفعله، كانوا يقولون: “لماذا لا تأتي إلى كردستان العراق؟ لدينا مناطق محررة لا تستطيع فيها أي حكومة أن تمنعك من البقاء!”. كان للكرد العراقيين مكتب في طهران، فذهبت إليه عندما عدت إلى طهران، ومنحوني إذنًا للبحث. أظن أنهم لم يكونوا يعرفون ما هو البحث الأنثروبولوجي. ربما اعتقدوا أنني صحفي أو عميل استخبارات، وكلاهما كان مرحبًا به لأنهم أرادوا علاقات جيدة مع الدول الغربية. لاحقًا ربما اكتشفوا أن الأنثروبولوجيين يطرحون أسئلة محرجة، لكنني كنت قد وصلت بالفعل”.
وعن الصعوبات الميدانية التي لاقاها في أثناء تجواله البحثي بين إيران والعراق ثم تركيا نجده يقول: “لم أحصل قط على تصريح في إيران، وطُردت من كردستان العراق. كنت هناك في شتاء 1974/1975. أتذكر أنه في نوروز 1975 اضطررنا إلى المغادرة، لأن الكرد كانوا قد تخلوا عن الكفاح. لقد تخلّى عنهم الشاه والأمريكيون. انسحبت القوات الإيرانية وقطعت إيران كل أشكال الدعم. واضطر الكرد إلى الاستسلام. فرّ نحو خمسين ألف شخص إلى إيران، وكنت معهم. بعد ذلك واصلت ما كنت أفعله سابقًا، أي السفر عبر كردستان الإيرانية. وفي تلك الأثناء تغيّر تصميم بحثي: أصبح أكثر مقارنة وأقل تعمقًا في موقع واحد. أصبحت المقابلات أكثر أهمية، وركزت أكثر على ما يمكنني معرفته عن علاقات السلطة والسيطرة على الموارد الاقتصادية. وقررت أن أُدخل تركيا وسوريا أيضًا في هذه المقارنة. وفي المحصلة، قضيت عامين كاملين في المنطقة، لكن متنقلًا بين أجزائها المختلفة.” ومن ثم ينتقل إلى تركيا، ولنتابع معه هذا التجوال الثري والصعب في آن. “أول ما قمت به هو أنني عبرت الحدود من إيران إلى يوكسيكوفا. ذهبت إلى وانوان، ومن هناك اتجهت جنوبًا وسرت على قدمي حتى جزيرة (جزيرة ابن عمر – Cizre). كان ذلك في فصل الربيع، وكان الرحّل يقيمون في الجبال. كنت قد قرأت دراسة سابقة مهمة جدًا عن رحّل تلك المنطقة أنجزها الجغرافي الألماني فولفغانغ هوترُوث (1959، 1961)، وهي دراسة بالغة الجودة. أردت أن أرى الأماكن التي زارها وأن ألتقي ببعض الرحّل الذين كتب عنهم. وللمرة الأولى في حياتي نمت في خيمة للبدو الرحّل. كان الشعور آنذاك أشبه بانعدام وجود الشرطة؛ إحساس كبير بالحرية. كان ذلك قبل ظهور حزب العمال الكردستاني بزمن طويل، أي في عام 1975.
يكمل بروينسين: “في جزيرة، وجدت نوعًا آخر من “الحماية”، وهو شيخ. كنت قد التقيت بعدد من الشيوخ في إيران، وكانت فتنتي بالتصوف قد بدأت بالفعل. سمعت عن عائلة مشيخية هناك، وكان الشيخ شابًا جدًا. نشأت بيننا صداقة قوية، وبفضل ما كان يتمتع به من قدر من الاستقلال، استطاع أن يستضيفني في بيته، ثم في قريته، من دون إثارة كثير من الأسئلة. وبما أن كثيرين كانوا يزورونهم، فقد أتاح لي ذلك إجراء مقابلات. إضافة إلى ذلك، وبفضل اتصالاتي السابقة باللاجئين السياسيين وعَمَلي في لجنة تضامن، كانت لدي بالفعل شبكة علاقات في أماكن عدة في تركيا، من بينها دياربكر، حتى قبل أن أبدأ البحث. بعض هذه العلاقات كانت مع معلمين. قبل انقلاب 1971، كان هناك اتحاد للمعلمين، لكنه حُظر لاحقًا. وبما أن المعلمين لا يُعدّون عمّالًا، فلم يكن لهم حق الإضراب، وبالتالي لم يعد لهم اتحاد نقابي، بل جمعية هي TÖB-DER (جمعية اتحاد وتضامن معلمي تركيا). ومن خلال هذه الجمعية، التقيت بمعلمين يعملون في القرى. كنت أزور عددًا من هذه القرى، وكان الإقامة عند المعلم تمنحني قدرًا من الشرعية. ومع الوقت، تعلّمت من الكردمانجية المحكية ما يكفي لأبدو – ليس ككردي حقيقي تمامًا – ولكن حين أقول: «أبي من هنا، لكنني نشأت في أوروبا»، كان ذلك مقبولًا. فاللغة الكردية غير مُقنّنة، ولا يتصور الناس أن من يتحدث الكردية قد لا يكون كرديًا. كما أنني كنت أضع شاربًا كثيفًا ظننت أنه يجعلني أبدو محليًا إلى حد ما، وكنت أشتري ملابسي من السوق المحلي حتى لا أبدو مختلفًا. بدأت أقلد لغة الجسد أيضًا. أعتقد أنني لم أكن لافتًا للنظر. لذلك كنت أستطيع البقاء في القرى في كثير من الأحيان. لكن كانت هناك دائمًا الدرك (الجندرمة)، وسرعان ما كانوا يسمعون بوجود غريب في القرية، فيأتون ليسألوا عما أفعله. حسنًا، كنت أزور صديقًا معلمًا، لكن إلى متى يمكن للمرء أن يزور صديقًا؟ لذا كان عليّ أن أختلق أعذارًا مختلفة، وأن أغيّر أماكن إقامتي. ومع ذلك، نجح الأمر. وكانت سنوات 1975–1976 ربما الأكثر حرية؛ بعد ذلك أصبح الوضع أصعب بكثير”.
وعن الكيفية التي كان يجري بها العمل الميداني: ” كنت أجري مقابلات، وغالبًا ما كانت المقابلة مجرد حديث عادي، أدوّن ملاحظاته مساءً. نادرًا ما كنت أسجّل المقابلات. كان لدي جهاز تسجيل، لكنه يثير الشكوك، لذلك تجنبت استخدامه.
جزء كبير من عملي كان قائمًا على الملاحظة. كنت أجلس في “غرفة القرية” حيث يجتمع الناس. وإذا تابعت الأحاديث، تبدأ في ملاحظة الفوارق في المكانة الاجتماعية. إنه مكان رائع لدراسة كيفية تموضع الناس اجتماعيًا. فـ”الخريطة الاجتماعية” تُسقَط على المخطط الفيزيائي لتلك الغرفة. وعندما لا يكون الجميع راضين عن النظام الاجتماعي، يمكنك أن ترى ذلك، وقد يصبح الناس مستعدين للحديث عنه لاحقًا. كنت سعيدًا للغاية بإجراء البحث هناك؛ شعرت أنني بدأت أدخل ذلك المجتمع وأفهمه. أحببت الناس حقًا. وعلى مستوى تطوري الشخصي، ككائن اجتماعي، كان ذلك مهمًا للغاية. كنت قبل ذلك شخصًا ميّالًا للعزلة، أستمتع بالكتب أكثر من البشر. البحث فرض عليّ أن أكون اجتماعيًا، وأن أتعلم كيف أتعامل مع الناس. أعتقد أن الكرد هم من جعلوني إنسانًا أكثر. أشعر بالامتنان لهم؛ لقد كانوا مهمين جدًا في حياتي”.
وأتت نتيجة هذا الجهد حينما نشر وترجم كتابه الأول «الأغا والشيخ والدولة»، فكيف كانت كواليس اللبنة الأولى في البناء المعرفي الذي أرساه مارتن فان بروينسن :” قدّمت أطروحتي عام 1978، وطبعت على نفقتي الخاصة نحو 800 نسخة وجدت طريقها إلى المجتمع الكردي. لذلك كان كثير من الكرد يعرفون الكتاب، وما زلت حتى اليوم ألتقي كرد ا كبارًا في السن يحتفظون بنسخ منه في بيوتهم. أحيانًا يأتي إليّ طالب ومعه نسخة قديمة ويقول: «وجدت هذه النسخة، هل توقّعها لي؟». بسبب نمط حياتي غير المنتظم وكثرة تنقلي، لم أجد وقتًا للبحث عن ناشر إلا لاحقًا. في عام 1992، نشرته دار Zed Books بعد تنقيح طفيف، لكنها لم تكن طبعة مرضية تمامًا. لم أكن حاضرًا آنذاك، وكانوا بحاجة إلى تصحيح المصطلحات الكردية. استعانوا بشخص يعرف العربية وكان يعتقد أن الكردية نوع من العربية، فـ«صحّح» كثيرًا من الأمور، حتى أسماء أشخاص! واضطررت لاحقًا إلى إعادة تصحيحها. لذلك لست راضيًا تمامًا عن الكتاب. لدي أصدقاء في ألمانيا ترجموا الكتاب إلى الألمانية أثناء وجودي في إندونيسيا. لم تكن الترجمة ممتازة أيضًا، لكنها جعلتني معروفًا في ألمانيا (ونُشرت لاحقًا نسخة محسّنة كثيرًا عام 2003). وبما أن ألمانيا تضم جالية كردية كبيرة، فقد انتشر الكتاب هناك، ومن الألمانية تُرجم لاحقًا إلى السورانية. ثم عُرضت عليّ وظيفة في برلين بشكل غير مباشر بسبب هذه الترجمة، وأصبحت أستاذًا زائرًا للدراسات الكردية في جامعة برلين الحرة (1996–1997). وكان الفضل في ذلك إلى حد كبير لهذا الكتاب. أما ردود الفعل، فكثيرًا ما يكتب إليّ كرد أو يتصلون بي أو يراسلونني إلكترونيًا بشأن أقارب يتعرّفون عليهم في الكتاب، أحيانًا لتصحيحي أو لإضافة معلومات. وغالبًا ما تدعوني جمعيات كردية لإلقاء محاضرات، وعادة ألبّي هذه الدعوات. أجريت نقاشات كثيرة، وتعلمت دائمًا الكثير من مواجهة أفكاري مع الناس. قيل لي أحيانًا: «هناك كتب كثيرة عن الحركة السياسية الكردية، لكن كتابك واحد من القلائل عن مجتمعنا». عمومًا، كانت ردود الفعل الكردية إيجابية جدًا، حتى عندما كنت ناقدًا لهم أو لقادتهم. كنت سعيدًا جدًا بترجمة الكتاب إلى التركية ليتمكن كرد تركيا من قراءته. الترجمة العراقية إلى السورانية كانت ضعيفة، لكنها سمحت للناس بقراءته. توجد الآن ترجمة فارسية ممتازة، أفضل من الأصل، وستصدر قريبًا نسخة عربية جديدة في العراق.
أعتقد أن من المهم جدًا للأنثروبولوجي أن يتمكن الأشخاص الذين درسهم من قراءة ما كُتب عنهم، وأن ينتقدوه ويدخلوا معه في نقاش. أنا أتعلم كثيرًا من ذلك”.
ولهذا كله يمكن المجازفة البلاغية بالقول إن فان بروينسين يعد أحد أبرز الباحثين الغربيين الذين أسهموا بعمق في إعادة تشكيل محاولات فهم المجتمع الكردي وتاريخه الحديث، لا بوصفه موضوعًا إثنوغرافيًا جامدًا، بل كفاعل تاريخي معقّد داخل فضاءات السلطة والدولة والقومية. وقد دعم هذا التميز في نتاجاته المعرفية كونه ينتمي إلى تقليد أنثروبولوجي-تاريخي نقدي، يتجاوز المقاربات الاستشراقية الكلاسيكية التي عادة تختزل الكرد في البنية القبلية أو “الهامش الإثني”. ولهذا نجد أن مارتن فان بروينسين اشتغل بدلًا من ذلك على تفكيك البنى الاجتماعية والسياسية التي حكمت تشكّل الكيانية الكردية عبر القرون، خصوصًا في سياق الدولة العثمانية وما بعدها. وجاءت رؤيته البحثية لتمزج بين التحليل الاجتماعي التاريخي وقراءة نقدية للهوية والقومية، متجاوزًا بذلك الفهم الأحادي المبني على نماذج القومية الأوروبية الكلاسيكية. وهذا، يضعه غالبًا، في موقع مركزي لفهم السردية الكردية بوصفها مشروعًا معرفيًا وتاريخيًا معقّدًا، لا كتجلي بسيط لوعي قومي موحّد.. وتمثلت مساهمته الجوهرية هنا في إدخال أدوات الأنثروبولوجيا النقدية؛ فلم يعد الكردي في كتاباته هو ذلك “الجبلي الغامض”، بل أصبح “ذاتاً سياسية” فاعلة تخضع لظروف اقتصادية وسياسية ملموسة. اعتمد فان بروينسن منهجية “الملاحظة بالمشاركة”، حيث عاش في القرى والمدن الكردية، مما مكنه من نقد النظريات التحديثية السطحية التي كانت تروجها الدول المركزية (تركيا، إيران، العراق). ففي حين كانت هذه الدول تدعي أن القبلية “بقايا رجعية” ستختفي مع التحديث، أثبت فان بروينسن ببراعة أن هذه الدول نفسها قامت بـ “تسييس القبلية” واستخدامها كأداة للسيطرة (مثل نظام حراس القرى في تركيا أو الجحوش في العراق). هذا التأسيس المعرفي قدم للكردولوجيا درعاً نقدياً ضد البروباغندا الحكومية، وجعل من دراسة الكرد مدخلاً لفهم “فشل الدولة القومية” في الشرق الأوسط ككل.
في عمله المرجعي Agha, Shaikh and State، قدّم فان بروينسن تصورًا بالغ الأهمية عن التكوين الاجتماعي والسياسي لكردستان، قائمًا على ثلاثية الزعامة القبلية (الأغا)، والسلطة الدينية الصوفية (الشيخ)، والدولة المركزية. لا تكتفي هذه الثلاثية بوصف الواقع، بل تُستخدم كأداة تحليل لفهم كيف تشكّلت أشكال السلطة والشرعية داخل المجتمع الكردي، وكيف أنتج هذا التداخل نموذجًا تاريخيًا مغايرًا لمسارات تشكّل القومية الأوروبية الكلاسيكية. بهذا المعنى، أسهم فان بروينسن في زحزحة فكرة “تأخر” القومية الكردية، مبرزًا خصوصيتها البنيوية بدل مقارنتها بنموذج معياري واحد. ولهذا، يُعد مشروع مارتن فان بروينسن نقطة علام فارقة في دراسة المجتمعات الكردية، حيث استطاع من خلال عمله الرائد آنف الذكر، أن يحرر الكردولوجيا من الصور النمطية والروايات السطحية، واضعاً إياها في سياق أكاديمي رصين يجمع بين الأنثروبولوجيا الميدانية والتاريخ السياسي.. وتتمثل الملامح الجوهرية لمشروعه في محاولاته تفكيك البنية الاجتماعية (القبيلة والطريقة): إذ تميز مشروعه بالتركيز على “الديناميكيات الداخلية” للمجتمع الكردي. لم ينظر للكرد ككتلة صماء، بل حلل بعمق تداخل السلطة بين زعيم القبيلة (الآغا) والزعيم الديني (الشيخ)، وكيف يعاد إنتاج هذه السلطة في مواجهة سلطة “الدولة” المركزية. وكان لديه قدرة فائقة على قراءة المجتمع الكردي من “الداخل”، ليس ككيان فلكلوري جامد، بل كمختبر ديناميكي تتصارع فيه قوى تقليدية وحديثة. في دراسته العميقة، استطاع فان بروينسن أن يثبت أن “الكردولوجيا” لا يمكن أن تستقيم دون فهم الثالوث البنيوي: القبيلة (كواحدة اجتماعية)، الطريقة الصوفية (كإطار روحي وسياسي)، والدولة (كقوة تدخلية خارجية). لقد جادل بروينسن بأن الزعامة الكردية ليست مجرد نتاج للوراثة، بل هي نتاج لعملية “توسط” مستمرة. فـ “الآغا” (زعيم القبيلة) يكتسب شرعيته من قدرته على حماية أتباعه وتوزيع الموارد، لكن هذه الشرعية تظل مهددة بالانقسامات القبلية، وهنا يأتي دور “الشيخ” (الزعيم الديني الصوفي) الذي يمثل سلطة “عابرة للقبائل”. هذا التحليل المعمق كشف عن كيف أن الطرق الصوفية (مثل النقشبندية والقادرية) وفرت للكرد أول شبكة تنظيمية “قومية” قادرة على توحيد الولاءات المتناثرة، وهو ما تجلى في ثورات كبرى مثل ثورة الشيخ سعيد بيران. ومن خلال هذا الفهم، أسس فان بروينسن لقاعدة معرفية تقول إن القومية الكردية لم تهبط من الفراغ، بل نمت في رحم هذه المؤسسات التقليدية التي أعادت إنتاج نفسها في قوالب سياسية حديثة.
أيضا أسس عبر إنتاجه المعرفي لتجاوز الرؤية الاستشراقية؛ ذلك أنه في الوقت الذي ركز فيه المستشرقين الأوائل على الفلكلور واللغة أو “غرائبية” الطوائف، ركز بروينسن على “القومية الكردية“ كظاهرة سياسية واجتماعية حديثة، ناتجة عن تفاعل معقد بين التحديث الإداري للدول والوعي القومي الناشئ. ومن ثم أسس لمنهجية عابرة للحدود، فلم يحصر مشروعه في جغرافيا واحدة، بل كان من الأوائل الذين درسوا الشتات الكردي في أوروبا (خاصة في ألمانيا وهولندا) ودوره في صياغة الهوية القومية، معتبراً أن “كردستان المتخيلة” في المهجر لا تقل أهمية عن الواقع الميداني. لقد كان لدوره في دراسة “الشتات الكردي” (The Kurdish Diaspora) أثر تأسيسي لا يضاهى؛ حيث اعتبر أن الهوية الكردية المعاصرة لم تعد تُصاغ في جبال قنديل أو جبال حمرين فحسب، بل تُصاغ أيضاً في برلين وستوكهولم وبروكسل. هذا المنظور العابر للحدود سمح بفهم كيف تحولت الكردولوجيا من دراسة “أقلية مضطهدة” إلى دراسة “أمة عالمية” تساهم في الثقافة الإنسانية من خلال أدب المنفى والنشاط السياسي الدولي. بفضل هذا التأصيل، أصبح الباحثون ينظرون إلى المسألة الكردية باعتبارها قضية “حقوق وهوية” كونية، وليست مجرد مشكلة أمنية تخص حدوداً مرسومة في معاهدات قديمة.
حاول فان بروينسن في مشروعه أن يؤسس لنسق معرفي قائم على رفض صارم للأساطير القومية، سواء كانت تلك التي تروجها الدول أو تلك التي يتبناها الخطاب القومي الكردي الرومانسي. لقد أسس لما يمكن تسميته بـ “الكردولوجيا الواقعية”. فهو لم يتردد في تسليط الضوء على “التناقضات الكردية-الكردية”، مثل الصراع الإثني بين الكرمانجية والزازا، أو الاختلافات المذهبية بين السنة والعلويين والإيزيديين. ولم يكتفِ فان بروينسن بتقديم قراءة سوسيولوجية للمجتمع الكردي، بل لعب دوراً محورياً في “تبيئة” (Indigenization) العلوم الاجتماعية داخل الفضاء الكردي نفسه. إن مساهمته الجوهرية هنا تكمن في كونه لم يمارس دور “المستشرق الذي يملي معرفته على الآخر”، بل عمل كـ “شريك معرفي” لجيل كامل من الباحثين الكرد الشباب الذين وجدوا في منهجيته العلمية أدوات قوية لتحليل مجتمعاتهم بعيداً عن العاطفة القومية المفرطة أو الضغوط الأيديولوجية للحركات السياسية. لقد أسس فان بروينسن لمدرسة فكرية ترفض الاختزال؛ فهو الذي دفع الباحثين إلى التساؤل: “من يتحدث باسم الكرد؟ وكيف يتم تمثيلهم؟”. ومن خلال إشرافه على عشرات الأطروحات العلمية ومشاركته في تأسيس معاهد متخصصة (مثل المعهد الكردي في باريس)، خلق فضاءً أكاديمياً أتاح للكردولوجيا أن تتحول من “دراسات منطقة” (Area Studies) إلى “دراسات نقدية للهوية والحداثة”. هذا الدور التأسيسي مكن الأكاديميين الكرد من امتلاك لغة علمية عالمية، مما سمح لهم بتقديم قضيتهم في المحافل الدولية لا كضحايا فحسب، بل كباحثين ومنتجين للمعرفة، وهو ما يمثل ذروة التحرر المعرفي (Epistemic Liberation) الذي سعى إليه في مشروعه.
لا يمكن قراءة مشروع فان بروينسن دون التوقف عند شجاعته في تفكيك “الأيديولوجية الرسمية” للدولة التركية (الكمالية) تجاه المسألة الكردية. لقد كان بروينسن من أوائل الباحثين الأجانب الذين واجهوا السردية الرسمية التي أنكرت وجود الكرد، مستخدماً أدوات الأركيولوجيا السياسية لفضح زيف مصطلحات مثل “أتراك الجبل”. إن إنتاجه المعرفي في هذا السياق لم يكن مجرد رد فعل سياسي، بل كان تشريحاً بنيوياً لكيفية بناء “دولة قومية” على أنقاض التعددية العثمانية. لقد حلل بروينسن كيف استخدمت الدولة التركية أدوات العلم (من علم اجتماع وعلم أثار وتاريخ) لخدمة مشروع “التتريك”، وقابل ذلك ببناء سردية علمية مضادة تستند إلى الوثائق التاريخية والواقع الميداني. هذا الجانب من مشروعه وفر “أسلحة نقدية” للمثقفين الأتراك والكرد على حد سواء لمساءلة بنية الدولة والبحث عن صيغ ديمقراطية للتعددية الثقافية. إن دور فان بروينسن هنا يتجاوز الأكاديميا ليصبح دوراً في “أخلاقيات المعرفة”، حيث أثبت أن الباحث الحقيقي هو من يمتلك الجرأة على تحطيم “الأصنام الأيديولوجية” في سبيل الحقيقة التاريخية.
ويمكن تلخيص دوره التأسيسي في ثلاث نقاط مركزية: أولاً: التحول من “الوصف” إلى “التحليل”: قبل بروينسن، كانت الدراسات الكردية تعتمد غالباً على مذكرات الرحالة أو التقارير الاستخباراتية. قدم بروينسن أدوات تحليلية (ماركسية، فيبرية، وبنيوية) مكنت الباحثين اللاحقين من دراسة المجتمع الكردي كأي مجتمع إنساني آخر يخضع لقوانين التطور الاجتماعي. ثانياً: مأسسة الحقل الأكاديمي: ساهم بشكل فعال في جعل الدراسات الكردية حقلاً مستقلاً في الجامعات الأوروبية، بعيداً عن كونه مجرد “فرع هامشي” من الدراسات التركية أو الإيرانية أو العربية. ثالثاً: النزاهة العلمية والشجاعة الأكاديمية: أسس لمدرسة “النقد المزدوج”؛ فهو من جهة فكك خطابات الدول المركزية التي أنكرت الوجود الكردي (كما في نقده لسياسات التتريك)، ومن جهة أخرى، نقد الخطاب القومي الكردي عندما كان يبالغ في أسطرة التاريخ أو يتجاهل الانقسامات الداخلية.
السردية الكردية بوصفها مشروعًا معرفيًا
يلعب فان بروينسن دورًا محوريًا في إعادة صياغة السردية الكردية بوصفها سردية متعددة الأصوات، لا تختزل في خطاب قومي صلب أو في مقاومة الدولة فحسب. ففي عدد من مقالاته، خاصة حول القومية الكردية في مواجهة الدول القومية الحديثة (تركيا، إيران، العراق)، يبيّن أن القومية الكردية لم تكن نتاجًا مباشرًا لـ”وعي قومي” متجانس، بل حصيلة صراعات تاريخية بين أنماط مختلفة من الانتماء: الديني، القبلي، المحلي، ثم القومي. هذه المقاربة تضع السردية الكردية في موقع تاريخي ديناميكي، لا في إطار أسطوري أو تلفيقي.
ولعل أحد إسهاماته الأكثر تأثيرًا يتمثل في نقده لآليات كتابة التاريخ عن الكرد ومن دونهم. ففي مقاله حول “الكرد بوصفهم موضوعًا وذاتًا في التأريخ”، يكشف فان بروينسن كيف جرى إنتاج المعرفة التاريخية عن الكرد غالبًا من خارجهم، ضمن أرشيفات الدول الإمبراطورية أو القومية، ما أدى إلى تهميش الصوت الكردي الذاتي. غير أن أهميته لا تكمن فقط في هذا النقد، بل في مساهمته العملية في إعادة الاعتبار للمصادر المحلية، الشفوية، والدينية، بوصفها عناصر أساسية في بناء سردية تاريخية كردية بديلة. يمكن القول إن دور مارتن فان بروينسن في بناء السردية الكردية لا يتمثل في “التحدث باسم الكرد”، بل في إعادة فتح السردية على تاريخها الاجتماعي المركّب، وتحريرها من الثنائيات الاختزالية: تقليدي/حديث، قبلي/قومي، ديني/سياسي. وبذلك، أصبح مرجعًا لا غنى عنه في الدراسات الكردية المعاصرة، ليس فقط كمؤرخ أو أنثروبولوجي، بل كمنظّر ضمني لخصوصية التجربة الكردية داخل تاريخ القوميات الحديثة. وقد جادل برونسين بأن الهوية القومية الكردية ليست جوهراً ثابتاً، بل هي “بناء اجتماعي“ تطور بوضوح كـ “رد فعل” على سياسات بناء الدولة في تركيا وإيران والعراق وسوريا، حيث حاولت هذه الدول صهر الكرد في هويات وطنية موحدة (تركية أو عربية أو فارسية)، مما أدى إلى بروز الوعي القومي الكردي كآلية للمقاومة والحفاظ على الذات.
وفي سياق تطور السردية، يوضح برونسين أن النخبة التقليدية (الآغوات والمشايخ) لعبت دوراً محورياً في المراحل الأولى، حيث ارتبطت المطالب القومية بملكية الأرض والشعور بالإقليمية، مما جعل الأرض العامل الحاسم في تشكيل الهوية. ومع ذلك، فإن التحول الجوهري حدث عندما انتقلت قيادة الحركة القومية في السبعينيات من أيدي “الأعيان” والطبقة الإقطاعية إلى المثقفين الحضريين والمنظمات الراديكالية (مثل حزب العمال الكردستاني و”كومله”)، التي ربطت النضال القومي بالصراع الطبقي ورفضت التبعية “للكولونيالية” المحلية. وأكد برونسين أيضاً على وجود “وعي بهوية كردية شاملة“ يتجاوز التنوع اللغوي والديني الكبير (بين الكرمانجية والسورانية والزازا، وبين السنة والعلويين والإيزيديين)، وهو وعي موثق في المصادر العثمانية منذ القرن السادس عشر. وقد ساهمت الحركة القومية الحديثة في “إعادة اختراع التقاليد“ لتعزيز هذا الوعي، مثل تحويل عيد “النوروز” إلى رمز قومي موحد بعد أن كان ممارسة ثقافية متنوعة، مما خلق “مجتمعاً متخيلاً” يربط الأجزاء المشتتة من كردستان. وقد شهد فكر برونسين تحولاً عميقاً بخصوص مفهوم “الإبادة الجماعية“؛ فبعد أن كان متشككاً في البداية، راجع فهمه القانوني والسياسي ليقر بأن المجازر الكبرى في التاريخ الكردي (مثل إبادة “درسيم” 1937-1938 وعمليات “الأنفال” في العراق) تمثل حالات إبادة فعلية لأن القتل فيها كان متعمداً واستهدف الجماعة “بصفتها تلك“ . هذا الاعتراف القانوني ساهم في تعميق “مظلومية السردية الكردية” وتحويلها من مجرد نزاع حدودي إلى قضية حقوقية ووجودية كبرى أمام المجتمع الدولي.
وأخيراً، سلط برونسين الضوء على دور “الشتات الكردي“ في أوروبا كمختبر لإنتاج الهوية؛ حيث وفرت الديمقراطيات الغربية مساحة من الحرية سمحت للمثقفين الكرد بتطوير اللغة والأدب وإنشاء قنوات إعلامية عابرة للحدود (مثل البث الفضائي) [132، 423]. يرى برونسين أن الهوية الكردية في المنفى أصبحت أحياناً أقوى وأكثر نقاءً مما هي عليه في الداخل، لأن الكرد المهاجرين لجأوا إليها كوسيلة لاكتساب الاحترام والاعتزاز بالذات في مواجهة التهميش والعنصرية اليومية التي يواجهونها كمهاجرين في المجتمعات الأوروبية. ويما قوله اختزالا، إن السردية الكردية، كما يحللها فان برونسين، هي نتاج تفاعل معقد بين “الجذور” (القبيلة والدين) و”المسارات” (المنفى والسياسة الحديثة)، حيث تتحول الذاكرة التاريخية والمظالم المعاصرة إلى وقود لبناء أمة تسعى لتعريف نفسها في عالم تهيمن عليه الدول القومية.
السردية الكردية بوصفها مشروعا معرفيا
وفي دراسته الشهيرة “Kurdish society, ethnicity, nationalism and refugee problems”، يقدم فان بروينسن تحليلًا معمقًا لبُنى المجتمع الكردي المتعددة – القبائل، الجماعات الدينية، الفِرَق الإثنية المختلفة – وكيف تتفاعل هذه البُنى مع سياسات الدولة الحديثة. يرفض هنا فكرة “أصل قومي موحد”، مؤكدًا بدلاً من ذلك أن الهوية الكردية تنشأ من تنويعات اجتماعية متداخلة داخل المجتمع الكردي نفسه. ويقول فان بروينسن : “ومن الخطأ اختزال “المسألة الكردية” في كونها صراعًا بين الكرد والعرب أو الأتراك، أو بين الكرد والحكومات المركزية، على الرغم من أن الخطاب السائد على الطرفين قد يوحي بذلك. فكردستان مجتمع معقّد، يزخر بصراعات داخلية وتنافسات متعددة، تميل إلى التفاقم بفعل التحولات الاقتصادية والصراعات السياسية على مستوى الدولة. وقد تشابكت علاقات القوة والصراع المحلية مع تلك القائمة على مستوى الدولة وما بين الدول، وتطوّرت أشكال مختلفة من التعاون المكثف بين حاملي السلطة المحليين وأجهزة الدولة (أو الحركة الكردية، بوصفها فاعلًا شبيهًا بالدولة). وهو ما يجعل من الصعب رسم حدٍّ فاصل واضح بين الاضطهاد الذي تمارسه الدولة وأشكال القمع المحلية البحتة”.
يرى فان بروينسن أنه على مدى القرون القليلة الماضية على الأقل، امتلك الكرد وعيًا عامًا بكونهم شعبًا متميزًا، مختلفًا عن الفرس والأتراك والعرب، وكذلك عن الجماعات المسيحية المختلفة التي تعيش بينهم. وكان هناك أيضًا، لا سيما لدى المتعلمين، تصور واضح نسبيًا عمّن يُعدّ كرديًا ومن لا يُعد كذلك، وعن المناطق التي يقطنونها. ويُعدّ هذا الوعي بالهوية والوحدة أمرًا لافتًا، بالنظر إلى كثرة العوامل التي كانت – وما تزال – تقسّم الكرد. فاللغة والدين يُعدّان، بالنسبة إلى كثير من الكرد، عنصرين أساسيين في الهوية، غير أن الكرد لا يعتنقون جميعًا الدين نفسه، ولا يتحدثون اللغة نفسها.
وبنظره أن المجتمع الكردي يتسم بتراتبية اجتماعية حادة، تهيمن فيها نخبة قبلية على الفلاحين المستقرين. وقد أسهمت الصراعات بين القبائل، والعلاقات الاستغلالية بين الطبقات المهيمنة والخاضعة، في تعميق الانقسامات داخل المجتمع الكردي. كما حالت المصالح المتعارضة، على الدوام، دون قيام فعل جماعي، حتى ضمن نطاق الكرد في الإقليم الواحد. فضلًا عن ذلك، تعيش بين الكرد أقليات غير كردية متعددة، ترتبط بهم بشبكات معقّدة من العلاقات الاجتماعية والاقتصادية.
تعامل مارتن فان بروينسن مع تعريف “القومية” كاستجابة بنيوية لا كظاهرة طارئة. ولهذا، تُعد هذه النقطة هي الحجر الزاوية في فكره، حيث نقل بها السردية الكردية من حيز “الاضطراب السياسي” إلى حيز “الحتمية السوسيولوجية”. في كتابه Kurdish Ethno-Nationalism versus Nation-Building States، يفكك بروينسن المفهوم السائد بأن القومية الكردية مجرد طموح نخبوي أو صنيعة ظروف سياسية عارضة، ليعيد تعريفها كاستجابة بنيوية عميقة.. يجادل بروينسن بأن القومية الكردية لم تولد من فراغ، بل كانت النتيجة المنطقية والوحيدة لمحاولة الدول الحديثة (خاصة تركيا الكمالية وإيران البهلوية) فرض نموذج “الأمة الواحدة”. في هذه البنية، يرى أن الدولة عندما بدأت في تفكيك الاستقلال الذاتي التقليدي للمناطق الكردية (عبر إلغاء الإمارات والزعامات المحلية)، لم تترك للكرد خياراً سوى بناء “هوية قومية حديثة” تحل محل الهويات القبلية المفتتة. هنا، تصبح القومية “استجابة بنيوية” لإعادة خلق التوازن المفقود بين المجتمع والسلطة..
قبل بروينسن، كان الكثير من المؤرخين الغربيين والشرقيين يصفون الحركات الكردية بأنها “رجعية” أو “إقطاعية” تتدثر برداء القومية. بروينسن عكس هذه السردية؛ فقد أثبت أن استخدام الكرد للبنى التقليدية (كالطرق الصوفية والتحالفات القبلية) في حراكهم القومي لم يكن دليلاً على عدم نضج وعيهم، بل كان استخداماً بنيوياً ذكياً للأدوات المتاحة لمواجهة آلة الدولة الحديثة. القومية هنا هي “بنية فوقية” استوعبت “البنى التحتية” التقليدية ووظفتها في صراع الهوية.. يطرح بروينسن رؤية ديالكتيكية عميقة: إن ممارسات “بناء الأمة” القسرية (مثل فرض اللغة التركية أو الفارسية) هي التي منحت القومية الكردية “محتواها البنيوي“. فمن خلال التهميش والإنكار، حددت الدولة للكرد “حدود هويتهم”. السردية الكردية في هذه الحالة ليست “ظاهرة طارئة” ظهرت بسبب زعيم معين أو حزب، بل هي إفراز طبيعي لعملية التحديث القسري التي فشلت في استيعاب التنوع، مما جعل من “الكردية” كياناً سياسياً صلباً ينمو كلما زاد ضغط الدولة.. يعمق بروينسن هذه النقطة بإثبات أن القومية الكردية أصبحت هي “الوعاء” الذي جرت داخله التحولات الاجتماعية الكبرى. فمع تراجع دور الآغا التقليدي وظهور المثقفين والعمال المهاجرين، لم تختفِ الهوية الكردية، بل أعادت تشكيل نفسها داخل إطار “القومية العرقية”. هذا يعني أن القومية الكردية هي بنية ديناميكية قادرة على استيعاب التحولات الطبقية، مما يفسر قدرتها على البقاء والاستمرار رغم التغيرات الجذرية في شكل المجتمع الكردي من الريف إلى المدينة.
يتمحور جوهر مشروع فان بروينسن حول فكرة ثورية مفادها أن المجتمع الكردي، عبر تاريخه الطويل من الحرمان من “دولة قومية” مركزية، قد طوّر بالضرورة نمطاً فريداً من “الحداثة الاجتماعية العابرة للحدود“. بروينسن لم يرَ في غياب الدولة الكردية مجرد “نقص سياسي”، بل رآه فرصة سوسيولوجية أنتجت مجتمعاً يمتلك مرونة فائقة (Resilience) لا تمتلكها المجتمعات المؤطرة داخل دول شمولية. في هذا المشروع، نجد أن الكردولوجيا تتحول إلى دراسة لـ “الفضاءات الثالثة“؛ حيث تلتقي القبيلة بالحزب، والقرية بالمنفى، والشفهية بالرقمنة. الخلاصة هنا هي أن الكرد، بفضل بنية مجتمعهم التي حللها بروينسن (تداخل سلطة الشيخ والآغا ثم المثقف والقائد الحزبي)، قد استبقوا عصر “عولمة الهويات”. إنهم يمثلون اليوم نموذجاً لـ “الأمة الشبكية” التي لا تعتمد على الجغرافيا السياسية الصلبة بقدر ما تعتمد على الروابط الثقافية والأيديولوجية المرنة. هذا التأسيس المعرفي يمنحنا مفتاحاً لفهم كيف يمكن لمجتمع ما أن يظل موحداً وجامحاً رغم تمزقه بين أربع خرائط سياسية متصارعة.
ينظر مشروع بروينسن إلى المستقبل من خلال عدسة “تفكيك الحدود الذهنية“ قبل السياسية. في ظل المتغيرات الجيوسياسية الراهنة — من تراجع هيمنة الدول المركزية في العراق وسوريا إلى بروز فواعل من غير الدول — تكتسب تحليلات بروينسن حول “كردستان العابرة للحدود” (Transnational Kurdistan) صبغة نبوئية. إن المشروع يطرح رؤية استشرافية ترى أن الصراع القادم في المنطقة ليس صراعاً على رسم حدود جديدة فحسب، بل هو صراع بين “منطق الإنكار“ الذي لا تزال تمارسه بعض الأنظمة الإقليمية، وبين “منطق الاعتراف السوسيولوجي“الذي فرضه الواقع الكردي. بروينسن يدفعنا للتنبؤ بأن الثقل الكردي سيزداد ليس فقط كقوة عسكرية، بل كـ “نموذج لإدارة التعددية”. فالمناطق الكردية، سواء في إقليم كردستان العراق أو في الإدارة الذاتية بشمال سوريا، أصبحت مختبرات عملية لما نادى به بروينسن نظرياً: التوفيق بين الخصوصية الثقافية والمواطنة السياسية. المستقبل، وفقاً لهذا المنظور، يتجه نحو “كونفدرالية مجتمعية” تحتية تتجاوز الحدود الرسمية، حيث يصبح التواصل الثقافي واللغوي والسياسي بين أجزاء كردستان أقوى من محاولات الفصل السيادية للدول.
إذن يبرز فان بروينسن كمهندس لـ “الاستقلال المعرفي الكردي“. إن النظر إلى المستقبل من خلال أعماله يفرض علينا إدراك أن “المسألة الكردية” قد انتقلت نهائياً من كونها “مشكلة أمنية” للدول إلى كونها “ضرورة ديمقراطية“ للمنطقة بأكملها. إن إرث بروينسن يخبرنا أن استقرار الشرق الأوسط في ظل التحولات الكبرى (مثل التنافس الإيراني التركي، والتدخلات الدولية، وأزمات الهوية) مرهون بمدى القدرة على استيعاب “الفعل الكردي” كشريك أصيل وليس كعنصر هامشي. إن “الأكاديميا الكردية الجديدة” التي ساهم في تأسيسها مدعوة اليوم لقيادة عملية “تحرير التاريخ” من التزييف، وبناء خطاب سياسي يتجاوز المظلومية نحو “المبادرة الحضارية”. إن مشروع مارتن فان بروينسن يظل، في نهاية المطاف، منارة هادية للأجيال القادمة؛ تؤكد لهم أن الحقيقة التاريخية هي السلاح الأمضى، وأن الفهم العميق لبنى المجتمع هو الطريق الوحيد لانتزاع الحق في الوجود والسيادة، ليس فوق الأرض فحسب، بل في عقول وقلوب المجتمع الدولي.
حقيقة، إن مشروع مارتن فان بروينسن هو في جوهره “مشروع إنصاف معرفي”؛ فقد ساهم في أن يعود للكرد فاعليتهم التاريخية كلاعبين أساسيين في الشرق الأوسط، وليس كضحايا سلبيين للجغرافيا أو السياسة الدولية. وعبر كتاباته، لم تعد الكردولوجيا مجرد جمع للمعلومات، بل أصبحت مجالاً لفهم كيفية تشكل الأمم والهويات في قلب الصراعات الحديثة. وبالمنتهى، يمكن القول، لقد تمثل الدور الجوهري لمارتن فان بروينسن في قدرته على المساهمة في انتشال الحكاية الكردية من فضاء “المظلومية العاطفية” ومن خانة “التمردات المعزولة”، ليضعها في سياق سردية كبرى متماسكة تتسم بالندية الأكاديمية. بروينسن لم يكتب تاريخ الكرد كـ “ملحق” لتاريخ الإمبراطوريات، بل أعاد بناء السردية من الداخل عبر تشريح “البنى التحتية” للمجتمع (القبيلة والطريقة)؛ حيث أثبت أن هذه البنى لم تكن عوائق أمام التطور كما تدعي الدول المركزية، بل كانت “متاريس هوية” وآليات دفاع اجتماعي ذكية حافظت على كينونة الأمة في غياب الدولة. من خلال توثيقه الدقيق للتحولات من “الولاء للشيخ” إلى “الولاء للحزب القومي”، منح بروينسن للكرد “شرعية استمرارية“؛ فأصبح النضال الكردي المعاصر في سرديته ليس “وليد الحرب الباردة”، بل هو تتويج لمسار تاريخي طويل من التراكم المعرفي والسياسي، وبذلك حوّل “كردستان” من مجرد حلم رومانسي إلى حقيقة سوسيولوجية صلبة لا يمكن تجاوزها في أي نقاش حول مستقبل الشرق الأوسط.
وفي استشرافه للمستقبل، يتجاوز فان بروينسن منطق “رسم الخرائط بالدم” ليتنبأ بنشوء جيوسياسية جديدة تعتمد على “السيادة السوسيولوجية“ بدلاً من السيادة الحدودية التقليدية. يرى بروينسن أن مستقبل المنطقة لن يُحل عبر “سايكس بيكو ثانية”، بل عبر تحلل نموذج “الدولة القومية المركزية” لصالح هويات مرنة وعابرة للحدود؛ فالكرد، الذين درس بروينسن تداخلهم الاجتماعي والجغرافي المذهل، يمثلون الطليعة لهذا المستقبل. استشرافه يشير إلى أن “المسألة الكردية” ستظل هي المحرك الرئيسي لدمقرطة المنطقة؛ إذ لا يمكن لتركيا أو إيران أو العراق أو سوريا أن تستقر دون الاعتراف بهذا الكيان السوسيولوجي العابر للحدود. المستقبل في رؤية بروينسن هو مستقبل “الفضاءات المفتوحة“؛ حيث تتحول كردستان من “ساحة صراع” بين القوى الإقليمية إلى “مركز ثقل” يفرض نوعاً من الفيدرالية الثقافية والاقتصادية التحتية، وهو ما نراه يتحقق اليوم من خلال قوة الشتات الكردي وتأثيره في السياسات الدولية، ومن خلال صمود المؤسسات الكردية المحلية التي بدأت تمارس سيادتها “المعرفية والاجتماعية” بعيداً عن اعتراف الدول المركزية المتعنتة.
لقد ترك بروينسن للأجيال القادمة حقيقة فلسفية مفادها: “أن الأمة التي تمتلك بنية اجتماعية متماسكة ووعياً نقدياً بذاتها، هي أمة لا يمكن إبادتها وإن حُرمت من الجغرافيا السياسية”. إن دوره في بناء السردية هو الذي ساهم بدرجة معتبره في منح الفعل السياسي الكردي اليوم “عموداً فقرياً” علمياً، واستشرافه للمستقبل هو الذي يمنح الأمل في أن المنطقة تتجه نحو “تعددية ديمقراطية” سيكون الكرد هم مهندسوها الأوائل.
للمزيد يمكن الرجوع إلى :
مقابلة مع مارتن فان برونسين – الجزء الأول
Martin van Bruinessen: ‘I would be sitting in the village room where people gather.’ Interview with Martin van Bruinessen
Martin van Bruinessen, https://www.kurdipedia.org/default.aspx?q=2013081622433389134&lng=8
Martin van Bruinessen: Kurdish society, nationalism and ethnicity, refugee problems. In Philip G. Kreyenbroek and Stefan Sperl (eds): The Kurds: a contemporary overview. London: Routledge,1992, pp. 33-67.



