الوحدة في التنوع، قراءة سودانية في مانيفستو السلام والمجتمع الديمقراطي (مقاربة تحليلية مع الحالة السودانية)

تحليل: أ.د. هداية تاج الأصفياء حسن البصري … أكاديمية وباحثة سودانية
مدخل افتتاحي :
لقد شكل عبدالله أوجلان الرمز المغذي للمد الثوري المتمدد في بلداننا حيث أبقى الفكر التحرري متقدا جيلا بعد جيل. فقد اتسمت حقبة الثمانينات من القرن العشرين، بعلواسم عبدالله أوجلان في الأرجاء حيث يتردّد ذكره في أوساطنا وأوساط الحركات الثورية والطلابية واليسارية بوصفه رمزًا للنضال التحرري. فهو قد مثّل بالنسبة لنا وعلى مستوى جيلٍ كامل قدوةً صلدة في مواجهة الأنظمة الدكتاتورية، وصوتًا يعبّر عن أحلامنا وأحلام المجتمعات المضطهدة في الحرية والعدالة. ذلك على الرغم من مختلف أشكال إرهاب الدولة التي مارسته ضد المجتمع الكردي ليس في تركيا فحسب، بل في كل أماكن تواجد الكرد( شيخو، 2025 ).
إننا قد كنا ننظر إلى نضاله المسلّح والسلمي معًا باعتباره الشعلة التي تضيء لنا الطريق نحو مستقبل تتجسّد فيه قيم المساواة والديمقراطية، حيث تتحقق المواطنة الحقة لكل الشعوب المهمّشة والمقهورة في المنطقة.
ثمّ يقود أوجلان اليوم تحولا نوعيًا، ليخبرنا نحن الأجيال القديمة والأجيال الجديدة والقادمة بأن مسيرة النضال لم تتوقف عند حدود الكفاح المسلّح، بل تواصلت بمراجعات فكرية عميقة فرضتها تحولات العالم في نهايات القرن العشرين، مع انهيار المعسكر الاشتراكي وبروز مرحلة البريسترويكا، ثم اجتياح العولمة بفلسفتها النيوليبرالية، حيث وجد أوجلان نفسه أمام ضرورة إعادة صياغة مشروع التحرر.
عليه بدأ الانتقال من خطاب يركّز على الدولة القومية والتحرر الوطني الكلاسيكي إلى رؤية جديدة تتأسس على السلام والحداثة الديمقراطية، حيث يصبح المجتمع، لا الدولة، هو الفاعل المركزي في صناعة الحرية. يجدر بنا أن نشير هنا إلى مالفتت إليه أفيندار آرارات بأن عملية السلام والمجتمع الديمقراطي التي أطلقها القائد آبو، بقولها : “على مر التاريخ، عُقدت العديد من الاجتماعات والاتفاقات ووقف إطلاق النار بين قوات الكريلا والدول، لكن لم يكن أي منها يُضاهي العملية الحالية التي أطلقها القائد آبو، عادةً ما يكون إلقاء السلاح هو الخطوة الأخيرة، لكن القائد قرر أولاً حلّ الحزب ووقف الكفاح المسلح، وهذا يدل على جدية القائد”(آرارات، 2025 ). بهذه المبادرة غير المسبوقة في تاريخ الأمم، قد أوفى هذا القائد الكوني مشروع التحرر الذي صار مشروعا مفتوحًا لكل المهمشين في العالم.
نذكر هنا أنه بهذا المعنى، فقد مثّل أوجلان رمزًا مزدوجًا. إذ لا يزال يمثّل رمزًا للنضال التحرري المسلّح ضد الاستبداد والتهميش. كما يمثّل رمزًا للتحول نحو مشروع سلام ديمقراطي إيكولوجي، يضيئ في آخر النفق لكل الشعوب المقهورة ، فهو يتجاوز الحدود القومية الضيقة ليقدّم بديلًا فلسفيًا وسياسيًا لأزمات الشرق الأوسط والعالم.
موجز بالإطار العام للقراءة :
يقول أوجلان إن هذا المانيفستو يعد انتصارا لمانيفستو الطريق إلى كردستان( كردستان 24 ). فهو حقا و بكامل تفاصيله لا يرسم خارطة الطريق إلى كردستان فحسب ، بل إنه يرسم خارطة طريق تحرر لكل ثوار وشعوب العالم. فهذا المانيفستو يعبد الطريق من كردستان إلى السودان.
بهذا، فمما لا شك فيه أن مانيفستو السلام والمجتمع الديمقراطي (9/5/ 2025) . يمثل وثيقة فكرية تأسيسية وضعها عبد الله أوجلان في عزلة سجنه، وهو نص يزاوج بين النقد العميق للحضارة الحديثة والبحث عن بدائل إنسانية قادرة على إعادة الاعتبار للمجتمع. يقوم المانيفستو على أسئلة الحرية والهوية والمصير المشترك، ويقترح بديلًا يُعرف بـ الحداثة الديمقراطية. يشتمل على مدخل وسبعة فصول. في هذه القراءة التحليلية نحاول مقاربة مضامين المانيفستو في ضوء التجربة السودانية المعاصرة، حيث يلتقي السياق الكردي والسوداني عند قضايا مشتركة مثل الدولة القومية، إنكار التنوع، عسكرة السياسة، وإمكانية بناء أمة ديمقراطية.
الفصل الأول/ الطبيعة والمعنى، قراءة تحليلية مع المقاربة السودانية
يضع أوجلان في هذا الفصل أساسًا فلسفيًا لفكرته عن السلام والمجتمع الديمقراطي، حيث يرى أن الطبيعة ليست مادة جامدة تُستغل، بل فضاء حيّ يتشارك فيه الإنسان الحر مع محيطه. أما المعنى، فهو نتاج التفاعل الحي بين الإنسان والطبيعة والمجتمع. فهو بهذا يبتعد عن الماركسية المادية الصلبة، متبنّيًا ديالكتيكًا مرنًا يفتح المجال للبعد الرمزي والإنساني.
حيث يُبرز فيه أوجلان مسار الفكر الإنساني من المحاكاة إلى الأسطورة، ومن الدين والفلسفة إلى العلم والديالكتيك. في كل مرحلة، حمل الإنسان معاني تخص علاقته بالحرية. والمفتاح الأساسي عنده هو التحول من منطق السيطرة إلى منطق المشاركة، إذ لا يتحقق السلام عبر إخضاع الآخر أو الطبيعة، بل من خلال التشارك في إنتاج المعنى. هكذا يصبح المجتمع الديمقراطي هو مجتمع المعنى، الذي تُبنى وحدته على التفاعل لا على الهيمنة.
فيعكس هذا التطور انتقال أوجلان من خطاب الصراع الثوري وحده إلى خطاب السلام عبر إعادة إنتاج المعنى المشترك، ما يجعله أساسًا لبناء مشروعه اللاحق حول الكومونة، المرأة، والحداثة الديمقراطية.
فتوضح هنا المقاربة السودانية أن تجربة السودان تكاد تكون صدى مباشرا لأفكار أوجلان. فقد عانت الدولة السودانية من هيمنة خطاب السيطرة: سيطرة المركز على الأطراف، والهوية الأحادية على التعدد الثقافي والإثني (محمد، 2015، 35) فقد حوّلت هذه السيطرة التعددية الطبيعية إلى صراعات دامية. لذلك عند تولي عبد الله حمدوك رئاسة الحكومة الانتقالية، حاول تأسيس حكم تشاركي (مدني–عسكري–مجتمعي) ليجسد روح المشاركة، لكن انقلاب 2021 أعاد البلاد إلى منطق السيطرة وأفشل إمكانية صناعة معنى جديد للثورة (البصري، 2025، 13).
كما أن تجاوز أوجلان للماركسية الصلبة يقابله في السودان ضرورة تجاوز النماذج الجامدة (الطائفية، القومية الأحادية، المركزية) نحو وعي جديد يستند إلى المشاركة والاعتراف المتبادل. يبدأ سلام السودان كما يتفق مع رأينا أوجلان، عندما يكف الفاعلون عن التعامل مع الآخر بوصفه موضوعًا للسيطرة، ويعترفون به شريكًا في صياغة المستقبل (البصري، 2025، 130).
يؤسس أوجلان في هذا الفصل لقاعدة فكرية تقول إن السلام يبدأ من المشاركة في إنتاج المعنى لا من السيطرة. فذلك ما حاول حمدوك أن يترجمه سياسيًا بخطابه التشاركي “لن ينجح الانتقال بدونكم”،( البصري، 2025، 127 ). غير أن الردة العسكرية أجهضت هذه الرؤية. فالدرس السوداني من أوجلان هنا هو أن الوحدة في التنوع لا تُبنى بالهيمنة بل بالشراكة.
الفصل الثاني / الطبيعة المجتمعية والإشكالية – قراءة تحليلية مع المقاربة السودانية
يركّز أوجلان في هذا الفصل على الطبيعة المجتمعية للإنسان، مؤكدًا أن الإنسان لا يُفهم إلا داخل المجتمع. فالمجتمع عنده ليس كيانًا مادّيًا جامدًا بل شبكة من رموز وقيم وعلاقات. حيث تحتل المرأة فيه موقعًا مركزيًا ف
وفقاً لهذا التصور، إذ هي من أسست ثقافة الكلان ورعت قيم التعاون، قبل أن يقصيها النظام الأبوي مع ظهور الدولة والسلطة الذكورية. من هنا يرى أوجلان أن الإشكالية المجتمعية لا تُختزل في الصراع الطبقي فحسب، بل في التهميش التاريخي للمرأة وتحويلها إلى كائن ثانوي . لذلك عند أوجلان السلام يعني استعادة هذا التوازن الأصلي، الذي تتحول الاختلافات من مصدر صراع إلى مصدر غنى. فالمجتمع الديمقراطي إذن هو مجتمع يُعيد الاعتبار إلى المرأة وقيم المشاركة، ويرى أن تحريرها شرط لبناء سلام حقيقي وليس مسألة ثانوية.
فعند المقاربة يعكس المشهد السوداني بجلاء أطروحة أوجلان. فالمرأة السودانية ظلّت قوة فاعلة في الريف والحضر، من الزراعة والتجارة إلى العمل السياسي والثقافي. حيث كن في طليعة ثورة ديسمبر، خصوصًا نساء دارفور من معسكرات النزوح اللواتي تحوّلن إلى رموز مقاومة وصمود (البصري،2025، 89 ).لكن على الرغم من ذلك لا يزلن يتعرضن للتهميش البنيوي في السياسة والقرار، فضلًا عن أشكال العنف القائم على النوع، بل والاغتصاب كسلاح حرب في النزاعات الأخيرة.
فالسودان مثلما أشار أوجلان، قد حوّل الاختلافات الإثنية والثقافية إلى صراعات، بدلا من جعله لها مصدر قوة ووحدة في التنوع. فبينما رفعت الثورة شعار “حرية، سلام، وعدالة” بوصفه مشروعًا لإعادة الاعتبار للتنوع، لكن أعادت الردة بعد انقلاب 2021 منطق الإقصاء، على الرغم من أن مقترح حمدوك في مبادرته “الأزمة الوطنية وقضايا الانتقال – الطريق إلى الأمام” مثّل محاولة عملية لترجمة هذا التصور، بجعله الشعب طرفًا أصيلاً في الحل السياسي (البصري، 2025، 97 ).
عليه فإن هذا الفصل الثاني يقدّم بعدًا اجتماعيًا لفكر أوجلان في قوله : المجتمع يتأسس على الفكر والمرأة والاختلاف، والإشكالية تبدأ حين يختزل الغنى الإنساني في سلطة ذكورية أو طبقية. فالدرس للسودان هنا وبحسب محمد أن بناء سلام حقيقي يتطلب تمكين النساء كقوة محورية، وتحويل التنوع الثقافي والإثني من عامل صراع إلى أساس للوحدة في التنوع( محمد، 2007،135 ).
الفصل الثالث/ الدولة والكومونة في المجتمع التاريخي، قراءة تحليلية مع المقاربة السودانية
يرى أوجلان أن الدولة لم تكن تعبيرًا عن الإرادة الجماعية بقدر ما كانت أداة سيطرة ذكورية وطبقية، صادرَت طاقات المجتمع وحوّلت التنوع إلى صراع دموي. يصفها بـ “القاتل المجتمعي”، لأنها احتكرت القوة والقرار. في المقابل فهو يقدّم مفهوم الكومونة تجسيدًا للتنظيم التشاركي والديمقراطي، مستلهمًا من القبائل والمجتمعات المحلية التي بنت ثقافة التعاون قبل أن تسيطر الدولة المركزية.
يوضح أوجلان في نقده للدولة القومية الحديثة أنها عاجزة عن إنتاج سلام حقيقي، لأنها تبني سلطتها على نفي الآخر وقمع التنوع. فالبديل عنده ليس إسقاط الدولة فحسب ، بل بناء شبكات كومونالية (إدارة ذاتية، بلديات ديمقراطية، تنظيمات قاعدية) تمكّن المجتمع من استعادة دوره بوصفه فاعلا مركزيا.
أما عند المقاربة مع الحالة السودانية، فإن التجربة السودانية توازي بدقة أطروحة أوجلان. فمنذ الاستقلال، احتكرت الدولة المركزية السلطة والثروة، وأقصت الأطراف والهويات المتعددة، فكانت مصدرًا للحروب الأهلية والانقسامات (محمد،2015،27). فقد أجهضت الدولة إمكانية الوحدة في التنوع عبر القمع والتهميش، وهو ما يجعلها بحق “المُجهضة للتنوع”. في المقابل، حافظت المجتمعات السودانية على أشكال كومونية تقليدية مثل الإدارة الأهلية والأعراف المحلية، وبرزت حديثًا لجان المقاومة بعد ثورة ديسمبر. هذه اللجان كما أشرنا سابقا (البصري، 2025، 130-131) تعد تجسيدًا معاصرا لفكرة البلدية الديمقراطية التي طرحها أوجلان، إذ مثلت تنظيمًا قاعديًا يعكس قوة المجتمع الذي ينبغي أن يكون أساسًا للدولة .
خلاصة القول فإن أوجلان قد أضح في هذا الفصل الثالث أن الدولة القومية ليست غاية بل تقف عائقا أمام الحرية والسلام، فيما يكمن الحل في إحياء روح الكومونة بصيغ حديثة. سيما أنه بالنسبة للسودان، فإن الطريق لا يمر عبر إعادة إنتاج مركز سلطوي، بل عبر بناء مؤسسات قاعدية ديمقراطية تعيد التوازن بين المركز والأطراف، وتؤسس لوحدة تقوم على التنوع لا على القهر.
الفصل الرابع / الحداثة وفرسان المحشر الثلاثة، قراءة تحليلية مع المقاربة السودانية
يشنّ أوجلان نقدًا جذريًا للحداثة الرأسمالية التي يصفها “بفرسان المحشر الثلاثة”: الدولة القومية، الرأسمالية الاحتكارية، والصناعوية المدمرة للطبيعة. هذه القوى الثلاث، بحسبه، تعمل معًا لتفكيك المجتمعات وإخضاعها، فلا يمكن تحقيق سلام في ظل هذه المنظومة “الثالوث”. فيقدم أوجلان في مواجهتها مفهوم الحداثة الديمقراطية، والتي تقوم على:
الأمة الديمقراطية بدلًا من الدولة القومية والاقتصاد الإيكولوجي بدلًا من الرأسمالية الجشعة، والمجتمع الكومونالي بدلًا من الصناعوية المفرطة. هكذا ، ينتقل أوجلان من مشروع قومي محلي إلى مشروع كوني بديل يقدّم فيه رؤيته للحضارة الإنسانية بأكملها، حيث السلام ليس هدنة بل تحولا حضاريا شاملاً.
عند المقاربة بالحالة السودانية نجد أن السودان كان أحد ضحايا هذه “الحداثة المدمرة”: فالرأسمالية الاحتكارية تجسدت في التبعية الاقتصادية، وبيع الموارد، وإفقار المجتمعات. كما مارست الدولة القومية المركزية القمع والإقصاء، وفرضت هوية أحادية على مجتمع متنوع. والصناعوية العشوائية ألحقت أضرارًا بالبيئة الزراعية والرعوية، وأدت إلى نزاعات حول الأرض والمياه (محمد، 2015، 147). كذلك فقد ظهرت لجان المقاومة أثناء وبعد ثورة ديسمبر 2018 م المجيدة ومازالت تقاوم. فهي تجسد عمليا المجتمع القاعدي البديل القادر على إرساء أسس تنمية تشاركية وحياة ديمقراطية، بما يقترب من تصور أوجلان للحداثة الديمقراطية. غير أن الردة العسكرية أعادت إنتاج النموذج القديم المرتبط بالرأسمالية العالمية، والفاشية الدينية في أسوأ صورها.
جديرا بالذكر أن الفصل الرابع يمثل الذروة الفكرية لأوجلان، حيث يقدم نقدًا جذريًا للحداثة الرأسمالية مع تقديم البديل الحضاري الشامل. أما في السودان، فالخلاصة هي أن لا سلام ولا ديمقراطية تحت سلطة أي دولة مركزية أحادية خاضعة لأي منظومة رأسمالية أو دينية عالمية ، بل ينبغي ابتداع حداثة ديمقراطية سودانية تستلهم قوتها من التنوع والتوازن مع الطبيعة.
الفصل الخامس / الحقيقة الكردية وإنكار الوجود، قراءة تحليلية مع المقاربة السودانية
يضع أوجلان القضية الكردية في قلب النقاش، مبينًا أن المأساة لم تكن في القمع السياسي فقط، بل في مشروع شامل لإنكار الهوية عبر محو اللغة والثقافة والتاريخ. لكنه في الوقت ذاته ينتقد النخب الكردية التي حصرت الحل في إقامة دولة قومية كردية، معتبرًا أن ذلك لا يعدو أن يكون إعادة إنتاج لنموذج الدولة القومية الذي مارس الإقصاء على الكرد أنفسهم. فالبديل عنده هو الأمة الديمقراطية، حيث يعيش الكرد داخل حدود الدول القائمة دون المطالبة بخطوط جديدة، لكن مع ضمان الحكم الذاتي الديمقراطي وحماية لغتهم وثقافتهم. فالسلام لا يعني هدنة بين الكرد والدول، بل اعترافًا متبادلاً بالوجود، وبناء مجتمع ديمقراطي متعدد الهويات.
فعند المقاربة بالحالة السودانية تبرز تجربة السودان التي تكشف ملامح مشابهة. فقد عانت شعوب عديدة مثل النوبة في أقصى الشمال والأنقسنا والبجة وشعوب دارفور والنيل الأزرق وجبال النوبة من تهميش وإنكار وجود، تمامًا كما واجه الكرد. وكانت النخب السودانية في أحيان كثيرة تنساق إلى مشاريع قومية أحادية (عربية أو إسلامية أو انفصالية)، فأعادت إنتاج الأزمة.
لكن ثورة ديسمبر 2018 م المجيدة أبرزت الوجه الآخر المشرق ، إذ توحّد السودانيون عبر أجسام مدنية ديمقراطية، وتجسّد التنوع في ميدان الاعتصام أمام القيادة العامة، قبل أن تجهضه المذبحة الشهيرة (البصري، 2025، 48). فكما صاغ أوجلان بديله في “الأمة الديمقراطية”، قدّم حمدوك في مبادرته “الأزمة الوطنية وقضايا الانتقال – الطريق إلى الأمام” تصورًا لدولة مواطنة ديمقراطية تقوم على الاعتراف بالتنوع وتنظيمه. فتقابل عباراته “سنعبر وسننتصر” مقولة أوجلان “سنسير إلى الأمام وسنحقق النصر”. فكلاهما يعكسان الإيمان بالثورة المستمرة. أي الثورة اللا منقطعة( البصري، 2025 ، 25 ).
بالتالي يمثل الفصل الخامس جوهر التحول الأوجلاني: من دولة قومية كردية إلى أمة ديمقراطية متعددة الهويات. ففي السودان، الدرس هو نفسه: لا سلام ولا تحرر دون الاعتراف بالتنوع وحمايته. فالحل لا يكمن في مركز أحادي ولا في انقسام متكرر، بل في دولة مواطنة ديمقراطية تتبنى الوحدة في التنوع.
الفصل السادس / حزب العمال الكردستاني والحل (الفسخ)، قراءة تحليلية مع المقاربة السودانية
يقدّم أوجلان في هذا الفصل مراجعة نقدية جذرية لتجربة حزب العمال الكردستاني. فمع إقراره بتضحياته الكبرى، يرى أن الحزب وقع في فخ العسكرة وأعاد إنتاج منطق الدولة داخل بنيته. فالحرب الطويلة قد استنزفت المجتمع، وأنتجت عقلية عسكرية جامدة لم تعد قادرة وحدها على تحقيق الحرية، حيث تبرز معمعة الأزمات البنيوية لكن يجب على للحركات الديمقراطية والتحررية أن تؤسس الكيانات القادرة على تحديد معالم المستقبل على المدى الطويل( اوجلان، 2018، 65).
هنا قد قدم أوجلان فكرة الفسخ، لا بمعنى الانهيار، بل تعني تفكيك البنية السلطوية داخل الحزب وإعادة بنائه على قاعدة المجتمع الديمقراطي. فالبديل هو حزب مرن، قاعدي، تعددي، مندمج في المجتمع، لا سلطة فوقه. ففي هذا الإطار، بلور مفهوم الدفاع الذاتي الديمقراطي، أي حماية المجتمع نفسه دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة لا تنتهي.
تبدو هنا المقارنة واضحة مع السودان، حيث نشأت حركات مسلحة كردّ فعل على التهميش (الحركة الشعبية، حركات دارفور). نجحت هذه الحركات في رفع مطالب المهمشين، لكنها أحيانًا أعادت إنتاج منطق العسكرة على حساب المشروع المدني الديمقراطي. من هنا يصبح درس أوجلان مهمًا، فالكفاح المسلح قد يكون ضرورة تاريخية، لكنه لا يكفي، بل يجب أن يتحول إلى وسيلة لبناء مجتمع ديمقراطي. فكرة “الدفاع الذاتي الديمقراطي” عند أوجلان تلتقي مع ما قدمه دوسة (دوسة، 2025، 216) في الدعوة إلى تأسيس “قوات حرس الديمقراطية”، كآلية لحماية التحول المدني من الانقلابات المتكررة التي عطلت بناء الدولة.
نخلص إلى أن أوجلان قد أوضح في الفصل السادس أن التحرر لا يمكن أن يقوم على الحزب أو السلاح وحدهما، بل على تفكيك البنى السلطوية حتى داخل الحركات الثورية نفسها. وفقًا لذلك ففي الحالة السودانية، فإن التحول من عسكرة السياسة إلى بناء مؤسسات ديمقراطية قاعدية قادرة على حماية المجتمع هو شرط لسلام مستدام.
الفصل السابع / التوجيهات الأساسية للمستقبل، قراءة تحليلية مع المقاربة السودانية
يمثل هذا الفصل الخلاصة العملية لمشروع أوجلان الذي يقدم فيه بعد نقده للدولة القومية والحداثة الرأسمالية وتجربة حزبه، رؤيته الاستراتيجية لما يسميه الحداثة الديمقراطية. يقوم هذا المشروع على ثلاث ركائز مترابطة هي : الأمة الديمقراطية وتعني لديه :” هوية تعددية مفتوحة، تتجاوز القومية الضيقة وتتيح التعايش داخل أطر سياسية مرنة” . والاقتصاد الإيكولوجي وتعني لديه : ” تنمية متوازنة تحترم البيئة وتخدم حاجات المجتمع، بدلا عن اقتصاد النهب” والرأسمالي. الإدارة الذاتية الديمقراطية وتعني لديه : “مؤسسات محلية وقاعدية تدير شؤون المجتمع من القاعدة إلى القمة، للحد من استبداد المركز”.
يؤكد أوجلان في برنامجه السياسي أن الحل الكردي يمكن أن يصبح نموذجًا لحلول ديمقراطية في الشرق الأوسط، يقوم على التعاون بين الشعوب، وتأسيس حركات نسوية وبيئية وثقافية إلى جانب البعد السياسي. أما استراتيجيته فتقوم على: الدفاع الذاتي الديمقراطي، والقانون الأخلاقي الجديد، وبناء مؤسسات المجتمع الديمقراطي.
فالمقاربة هنا بالنسبة للسودان الخارج من حروب وانقسام، فإن هذه التوجيهات تبدو بمثابة خارطة طريق. فبلادنا تحتاج إلى أمة سودانية ديمقراطية تقوم على الاعتراف بالتنوع الثقافي والإثني والديني، لا على إنكاره. واقتصاد اجتماعي إيكولوجي يوازن بين الزراعة والرعي والبيئة، ويحمي الموارد من النهب (محمد، 2025، 77)، وإدارة ذاتية محلية من خلال الحكم الفدرالي أو اللامركزي القاعدي، بما يمكّن الأقاليم من إدارة شؤونها . فالسلام في السودان، كما نرى نحن وكذلك يرى أوجلان في السياق الكردي، لا ينبغي أن يظل اتفاقًا بين النخب فحسب ، بل يجب أن يكون عملية إعادة تأسيس للمجتمع على قيم المواطنة والعدالة والتنمية العادلة.
نخلص إلى أن أوجلان قد وضع في الفصل السابع الرؤية النهائية للحداثة الديمقراطية طريقا نحو السلام العالمي الشامل. الأمر الذي نوافقه فيه لموضوعيته وتطابقه مع الحالة التي نعيشها في السودان. فإن الدرس للسودان هنا، هو أن مستقبل السلام لا يقوم على المركزية ولا على اتفاقيات جزئية، بل على إعادة بناء المجتمع السوداني كأمة ديمقراطية متعددة، باقتصاد عادل وإدارة ذاتية محلية، تحقق وحدة في تنوع أصيل.
الخاتمة :
ختاما فإن مانيفستو السلام والمجتمع الديمقراطي لعبد الله أوجلان يمثل نقلة نوعية في الفكر التحرري، فقد انتقل من قائد حزب مسلح إلى مفكر سلام كوني. لأنه تحوّل من الماركسية الصلبة إلى ديالكتيك مفتوح على الحرية والمعنى، ومن مشروع قومي ضيق إلى أمة ديمقراطية متعددة الهويات، ومن عسكرة الثورة إلى الدفاع الذاتي الديمقراطي، ومن تحرر محلي إلى مشروع إنساني عالمي.
أما بالنسبة للسودان، فتتقاطع هذه التحولات مع مساره المعقد. حيث تحولت الدولة المركزية إلى “قاتل مجتمعي” عبر إقصاء الأطراف وتهميش الهويات الأصلية وتبني هويات مزيفة وفرضها عليها، ومطالبتها بتبنيها قسرا، دون مراعاة وحسن إدارة التباينات الثقافية والإثنية. بينما المجتمعات المحلية (الإدارة الأهلية، لجان المقاومة) قد جسّدت روح الكومونة والديمقراطية القاعدية. إضافة إلى أن إنكار التنوع الإثني والثقافي كان سببًا في النزاعات، لكن ثورة ديسمبر أبرزت قدرة الشعب على الوحدة في التنوع( البصري، 2025، 127 ). لذلك، فإن بناء سلام سوداني حقيقي يتطلب إعادة تأسيس المجتمع على قيم المواطنة والعدالة، كذلك تمكين المرأة، وحماية البيئة، واعتماد اقتصاد اجتماعي إيكولوجي( محمد، 2015،54)، وحكم لا مركزي ديمقراطي.
فالخلاصة النهائية في هذه القراءة هي، أن الدرس المشترك من كردستان إلى السودان هو، أن السلام ليس اتفاقا بين النخب بل عملية تحول مجتمعي شاملة وطويلة الأمد، تقوم على العدالة والمشاركة. فالوحدة الحقيقية تنبع من الاعتراف بواقع التنوع الموجود في السودان وحسن إدارته من أجل التغيير الديمقراطي لا إنكاره، ومن الشراكة لا من السيطرة. بهكذا يصبح فكر أوجلان مصدرا لإلهام السودان في سعيه لبناء أمة ديمقراطية تحقق الحرية والسلام والعدالة.
الهوامش :
- شيخو، أحمد. نحو إعادة صياغة العلاقة بين الكرد والدولة التركية. أغسطس 2025
https://www.vetogate.com/5490241تمت زيارة الموقع الإلكتروني، يوم الثلاثاء 16/08/2025.
- أفيندار آرارات، الدولة التركية لا تتعامل مع عملية السلام والمجتمع الديمقراطي بجدية وصدق. على قناة Stêrk.
https://arabic.anf-news.com/contact، الزيارة بتاريخ 19 /9/2025 م.
- أوجلان، عبدالله. كردستان 24، على متصفح قوقل، زيارات متكررة، تاريخ آخر زيارة 17/09/2025م.
أوجلان يحث على المضي قدماً في عملية السلام https://share.google/FxNnnyFgZZfBalEA7
4.محمد، سليمان يحيى، الفولكلور السوداني، الوحدة في التنوع. المجلة العربية، ملف العدد، مجلة شهرية، دار المجلة العربيّة للنشر والترجمة، 2015م. ص 35.
5.البصري، هداية تاج الأصفياء، وحدتنا تصنع السلام. دار نفرتيتي للدراسات والنشر والترجمة، 2025، القاهرة، مصر. ص 13.
6.البصري،هداية تاج الأصفياء، بين السلاح والكلمة الحجاج السياسي بخطاب عبدالله حمدوك في زمن الثورة. دار نفرتيتي للدراسات والنشر والترجمة، 2025، القاهرة. مصر. ص 130.
7.البصري، هداية تاج الأصفياء، بين السلاح والكلمة الحجاج السياسي بخطاب عبدالله حمدوك في زمن الثورة، دار نفرتيتي للدراسات والنشر والترجمة، 2025 م، القاهرة، مصر. ص 127.
8. البصري، هداية تاج الأصفياء، وحدتنا تصنع السلام. دار نفرتيتي للدراسات والنشر والترجمة، 2025، القاهرة، مصر.. ص 89.
9. البصري، هداية تاج الأصفياء، بين السلاح والكلمة الحجاج السياسي بخطاب عبدالله حمدوك في زمن الثورة، دار نفرتيتي للدراسات والنشر والترجمة، 2025 م، القاهرة، مصر. ص 97.
10.محمد، سليمان يحيى،الفولكلور وتنمية المرأة الريفية : الأمثال الشعبية. شركة مطابع العملة السودانية المحدودة، 2007،الخرطوم. السودان. ص 135.
- محمد ، سليمان يحيى،الفولكلور وتنمية المرأة الريفية : الأمثال الشعبية. شركة مطابع العملة السودانية المحدودة، 2007،الخرطوم. السودان. ص 27..
- البصري ،هداية تاج الأصفياء، بين السلاح والكلمة الحجاج السياسي بخطاب عبدالله حمدوك في زمن الثورة. دار نفرتيتي للدراسات والنشر والترجمة، 2025، القاهرة. مصر. ص 130-131.
- محمد، سليمان يحيى،الفولكلور وتنمية المرأة الريفية : الأمثال الشعبية. شركة مطابع العملة السودانية المحدودة، 2007،الخرطوم. السودان. ص 147.
- البصري، هداية تاج الأصفياء، وحدتنا تصنع السلام، دار نفرتيتي للدراسات والنشر والترجمة، 2025 م، القاهرة، مصر. ص 48.
- البصري، هداية تاج الأصفياء. الحجاج الثوري العاطفي في الخطاب السياسي لرئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك، مجلة الكاجَا : علمية محّكمة، نصف سنوية. تعنى بالفكر والثقافة والآداب والإبداع، رقم الإيداع القانوني 2021 / 0091: ISSNالمجلد الثالث العدد(05) يوليو 2023 م. ص 25.
- جلان، عبدالله. مانيفستو الحضارة الديمقراطية، المدنية، المجلد الأول، الطبعة الثالثة. 2018 م، مركز القاهرة للدراسات الكردية، القاهرة، مصر. ص 65.
- .دوسة، عبد الجبار محمود، الكتاب المفتوح وعلى المكشوف الطريق إلى وقف الحرب في السودان وبناء دولة الحرية والسلام والعدالة. دار نفرتيتي للدراسات والنشر والترجمة، 2025 م. القاهرة. مصر. ص 216.
- محمد، سليمان يحيى،الفولكلور وتنمية المرأة الريفية : الأمثال الشعبية. شركة مطابع العملة السودانية المحدودة، 2007،الخرطوم. السودان. ص 77. .
- 5.البصري، هداية تاج الأصفياء، وحدتنا تصنع السلام. دار نفرتيتي للدراسات والنشر والترجمة، 2025، القاهرة، مصر. ص 127.
- محمد، سليمان يحيى،الفولكلور وتنمية المرأة الريفية : الأمثال الشعبية. شركة مطابع العملة السودانية المحدودة، 2007،الخرطوم. السودان. ص 54. .
المصادر والمراجع :
أولاً / المصدر الأساس :
أوجلان، عبدالله. مانيفستو السلام والمجتمع الديمقراطي، سجن طراز ف إمرالي9/5/2025
ثانيًا /المصادر الورقية والمواقع الإلكترونية :
- أفيندار آرارات، الدولة التركية لا تتعامل مع عملية السلام والمجتمع الديمقراطي بجدية وصدق. على قناة Stêrk.https://arabic.anf-news.com/contact
- البصري،هداية تاج الأصفياء، بين السلاح والكلمة الحجاج السياسي بخطاب عبدالله حمدوك في زمن الثورة. دار نفرتيتي للدراسات والنشر والترجمة، 2025، القاهرة. مصر.
3.البصري، هداية تاج الأصفياء. الحجاج الثوري العاطفي في الخطاب السياسي لرئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك، مجلة الكاجَا : علمية محّكمة، نصف سنوية. تعنى بالفكر والثقافة والآداب والإبداع، رقم الإيداع القانوني 2021 / 0091: ISSNالمجلد الثالث العدد(05) يوليو 2023 م
4.البصري، هداية تاج الأصفياء، وحدتنا تصنع، دار نفرتيتي للدراسات والنشر والترجمة، 2025 م، القاهرة. مصر.
5.أوجلان، عبدالله. مانيفستو الحضارة الديمقراطية، المدنية، المجلد الأول، الطبعة الثالثة. 2018 م، مركز القاهرة للدراسات الكردية، القاهرة، مصر.
6. أوجلان، عبدالله. كردستان 24، على متصفح قوقل، زيارات متكررة، تاريخ آخر زيارة 17/09/2025م. أوجلان يحث على المضي قدماً في عملية السلام https://share.google/FxNnnyFgZZfBalEA7
7. دوسة ، عبد الجبار محمود، الكتاب المفتوح وعلى المكشوف الطريق إلى وقف الحرب في السودان وبناء دولة الحرية والسلام والعدالة. دار نفرتيتي للدراسات والنشر والترجمة، 2025 م. القاهرة. مصر.
8. شيخو، أحمد. نحو إعادة صياغة العلاقة بين الكرد والدولة التركية. أغسطس 2025 م.
https://www.vetogate.com/5490241تمت زيارة الموقع الإلكتروني، يوم الثلاثاء 16/08/2025 م.
9. محمد، سليمان يحيى،الفولكلور وتنمية المرأة الريفية : الأمثال الشعبية. شركة مطابع العملة السودانية المحدودة، 2007،الخرطوم. السودان.



