متابعات

قراءة في إعادة تشكيل الأوضاع داخل سوريا

تحليل: الباحث/ محمد صابر

منذ اندلاع الصراع السوري عام 2011، لم تكن المسألة الكردية مجرد نتاج ظرف أمني طارئ أو فراغ سلطوي مؤقت، بل عودة مكثفة لتاريخ طويل من الإقصاء غير المحسوم داخل الدولة السورية الحديثة، حيث أن الكرد، بوصفهم مكوّنًا وطنيًا أصيلًا ممتدًا جغرافيًا وديموغرافيًا، دخلوا مرحلة الحرب وهم محملون بإرث مزدوج يجمع بين التهميش القانوني والسياسي السابق، والفرصة الاستثنائية التي أتاحها انهيار المركز لإعادة تعريف موقعهم في الدولة.

تجربة الإدارة الذاتية، التي تشكلت لاحقًا بدعم عسكري دولي في سياق الحرب على “داعش”، لم تكن اختراعًا مصطنعًا ولا انحرافًا عن التاريخ، بل محاولة واقعية لملء فراغ السيادة، وإدارة مجتمع معرض للفوضى والتدخلات. غير أن اختزال المسألة الكردية في تجربة “قسد” وحدها يُغفل حقيقة أوسع، في أن ما كان مطروحًا منذ البداية هو سؤال المواطنة والاعتراف داخل الدولة، لا مجرد حكم ذاتي ظرفي.

مع تبلور ميزان القوى الإقليمي والدولي بين 2019 و2025، وجدت القيادات الكردية نفسها أمام خيارين كلاهما عالي الكلفة، وقد تمثل الخيار الأول في الاستمرار بمسار المواجهة المفتوحة، عبر تثبيت كيان سياسي–عسكري شبه مستقل دون اعتراف دولي، في بيئة معادية إقليميًا، ومع تراجع تدريجي للدعم الأمريكي، هذا المسار كان ينطوي على خطر التدمير الشامل، مع التهديدات باجتياح تركي واسع، أو بصدام مباشر مع الدولة السورية مدعومًا بتوافقات دولية، أما الخيار الثاني كان التسوية، بالقبول بالاندماج داخل الدولة المركزية، مقابل ضمانات حقوقية وثقافية، ولم يكن هذا الخيار تعبيرًا عن ضعف، بل عن قراءة واقعية لسقوف القوة، وكلفة البقاء خارج الدولة.

وتأسيسًا على ما سبق، ينطلق هذا التحليل من مقاربة متعددة الأبعاد، تفكك اتفاق ٢٩ يناير 2026 عبر خمسة مفاهيم حاكمة، على رأسها الهوية، القوة، الشرعية، الجغرافيا، وقابلية الاستمرار، فالهوية الكردية ليست محل تفاوض، لكن تموضعها السياسي قابل لإعادة الصياغة. في هذا السياق، لا يُقرأ الاتفاق بوصفه انتصارًا أو هزيمة، بل كتكيّف استراتيجي فرضته الواقعية السياسية، أعاد تعريف العلاقة بين الكرد والدولة من صراع مفتوح إلى تسوية عقلانية ذات كلفة متبادلة.

تفكيك الاتفاق:

تعكس هذه الصيغة مقاربة مؤسساتية تحافظ على التماسك البنيوي وتمنع التفكك إلى أفراد داخل وحدات تقليدية، كما تشير إلى محاولة إدارة الانتقال العسكري بأقل قدر من الاضطراب، مع الحفاظ على الانضباط القيادي والوظيفي.

ومن أهم مكاسب الاتفاق من الزاوية الكردية أنه جنب المجتمع الكردي سيناريو حرب شاملة متعددة الأطراف، حيث كان استمرار الوضع السابق يعني تراكم ثلاثة مخاطر متزامنة، تشمل تدخل تركي واسع، صدام مباشر مع دمشق، وانسحاب أمريكي يترك فراغًا أمنيًا قاتلًا.

بالتالي، فإن هذا الاتفاق خفض الكلفة دفعة واحدة، بكونه يوفر حماية للبنية الاجتماعية الكردية من التصعيد العسكري والعمليات العسكرية القمعية، ما يحمى المدن والقرى من التحول إلى ساحات تصفية إقليمية، وهنا يظهر الاتفاق كآلية تقليل خسائر، لا كصفقة انتصار أو هزيمة.

كما أن الاعتراف بالحقوق الثقافية واللغوية لم يكن تفصيلًا تجميليًا، فإدراج اللغة الكردية في التعليم المحلي، والاعتراف بالكرد كمكون وطني أصيل – حال التطبيق بالدستور – سيمثل تحولًا نوعيًا في بنية الدولة السورية، مقارنة بعقود من الإنكار. فهذا الاعتراف باللغة الكردية يظل بداية غير كافية ما لم يُكرس دستوريًا. لأن تثبيت الحقوق في الدستور يوفر ضمانة استدامة تتجاوز الطبيعة المؤقتة للمراسيم، فالفارق بين الاعتراف الإجرائي والاعتراف البنيوي يبقى أحد مفاتيح تقييم الاتفاق على المدى الطويل، الخسارة هنا بنيوية، لكنها محددة؛ إذ لم تمتد إلى الوجود أو الهوية، بل إلى الشكل السياسي فقط.

استيعاب مشروط:

يمثل اتفاق 29 يناير 2026 تحولًا في مقاربة دمشق للمناطق الكردية، من إدارة أمنية تقليدية إلى إدماج سياسي–إداري مشروط، فالحالة الناشئة لا يمكن توصيفها باللامركزية الإدارية التقليدية، بل هي لامركزية جديدة وخاصة تمنح خصوصية تنظيمية للمناطق الكردية ضمن إطار الدولة. والفرق بين الإقصاء والإدماج لا يكمن في النوايا المعلنة بل في الأدوات.

فقد اختارت دمشق الاستيعاب لا الكسر لأنها أدركت أن كلفة إعادة السيطرة العنيفة أعلى من كلفة التنازل المحدود. خاصًة بعد 2026، حيث لم تعد المسألة الكردية ملفًا أمنيًا بحتًا، بل قضية مواطنة وإدارة تنوع. وفي هذا الإطار يمكن تفكيك موقع الكرد داخل الدولة السورية الجديدة عبر المحاور التالية:

(١) المواطنة القانونية: إنهاء ملفات انعدام الجنسية والتهميش المتعمد قانونيًا وتثبيت الحقوق المدنية أعاد الكرد إلى قلب العقد الاجتماعي وتنقل هذه الخطوة الكرد من موقع التفاوض الوجودي إلى موقع المنافسة السياسية الطبيعية داخل الدولة.

(٢)  اللغة والهوية: الاعتراف باللغة الكردية في المناهج التعليمية والإدارة المحلية يعيد تعريف الهوية الوطنية بوصفها مركبة لا أحادية، دون تفكيك الدولة.

(٣) المشاركة الأمنية والعسكرية: يحول دمج الكرد في الجيش والأمن الكرد من فاعل مسلح مستقل إلى شريك في احتكار العنف الشرعي، مع ما يحمله ذلك من مسؤوليات أو مخاطر.

(٤) الاقتصاد والتنمية: إعادة ربط مناطق الجزيرة بالمركز الاقتصادي تفتح فرص تنمية، لكنها تنهي في المقابل استقلالية القرار الاقتصادي المحلي.فدمج هذه المناطق في الدورة الاقتصادية الوطنية يعني عودة السياسات المالية، النقدية، وإدارة الموارد السيادية إلى مؤسسات الدولة المركزية، بما يحمله ذلك من مزايا تتعلق بتوحيد السوق، تدفق الاستثمارات، وإعادة تأهيل البنية التحتية على نطاق أوسع. غير أن هذا التحول يفرض تحديات معقدة، أبرزها كيفية توزيع عائدات النفط والموارد الزراعية بصورة عادلة وشفافة، وضمان ألا تتحول المركزية الاقتصادية إلى آلية لإعادة إنتاج التفاوت التنموي السابق.

(٥) مخاطر التهميش الجديد: الإدماج لا يلغي خطر إعادة إنتاج تهميش ناعم عبر البيروقراطية أو التوزيع غير العادل للموارد. قد يتجسد ذلك في إبطاء الخدمات، وتعقيد الإجراءات، وتراجع تمثيل الأطراف في صنع القرار، بما يحول الإدماج الشكلي إلى عبء إداري يكرس فجوات التنمية بدل ردمها.وبالتالي، يبقى نجاح الاتفاق مرهون بقدرة الدولة على بناء ثقة تدريجية، لا افتراض الطاعة ولا استدعاء الماضي الأمني.

رسائل أعمق:  

يعكس الموقف الأمريكي عودة إلى منطق دعم استقرار الدولة المركزية، مع تخفيف الانخراط المباشر في ترتيبات محلية طويلة الأمد، بينما تنظر أنقرة إلى الاتفاق بوصفه خطوة في تفكيك الجناح العسكري للكرد بما يحقق لتركيا هدفها الأمني دون تدخل، لكن مع بقاء المجتمع الكردي داخل سوريا.

وبذلك، أعاد هذا الاتفاق إدخال الكرد إلى المعادلة الإقليمية بوصفهم جزءًا من دولة، لا طرفًا مهمشًا – حال الالتزام بدسترة كل ما تم الاتفاق عليه – ما يمنحهم حماية قانونية، وهو مطلب مشروع للكرد تم قمعهم لسنوات خلال المطالبة به.

وختاماً، يمكن القول إن اتفاق 29 يناير 2026 لا يشكل هزيمة لطرف أو انتصارًا لآخر، بل إنه يمثل نقطة توازن فرضتها الجغرافيا والواقعية السياسية. الاتفاق أعاد تعريف العلاقة بين دمشق والمناطق الكردية عبر نموذج لامركزية جديدة وخاصة، مع ترتيبات عسكرية وأمنية ذات طابع خصوصي، والمكاسب والتحديات ستتحدد بمرحلة التنفيذ، عبر دسترة الحقوق، وضوح الصلاحيات، وعدالة الترتيبات الإدارية والاقتصادية، فالمعيار النهائي ليس النص، بل قدرة الدولة السورية على إدارة تنوعها بصورة مستدامة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى