بعد مرور 47 عامًا على الثورة .. النظام الإيراني أمام تحديات داخلية وضغوط خارجية عديدة

تحليل: شروق صابر
يواجه الداخل الإيراني بعد سبعة وأربعين عامًا على انتصار الثورة تحديات مركبة، بين نظام سياسي يتمتع بصلابة مؤسسية وقدرة عالية على احتواء الأزمات، لكنه يواجه في الوقت ذاته ضغوطًا اجتماعية واقتصادية متنامية، وتحديات إقليمية ودولية متشابكة. تتطلب منه انتقالًا من إدارة الأزمات إلى إصلاح فعلي ملموس، فصمود النظام أمام الأزمات الداخلية مهما طال أمده، لا يغني عن الحاجة إلى إعادة إنتاج شرعية لا تعتمد على التعبئة الرمزية وحدها.
وإقليميًا، تدير إيران اليوم محور المقاومة وفق منطق “التحكم بالقدرات والحد من المخاطر” وليس “تصدير الثورة”، إذ تسعى إلى الحفاظ على نفوذها، مع تقليل الانخراط المباشر في صراعات قد تكلف الداخل ثمنًا باهظًا. فالتجارب الأخيرة أبرزت حدود القدرة الإيرانية على الاحتفاظ بالهيمنة المطلقة، ما دفع النظام إلى تبني استراتيجيات أكثر براجماتية، تعتمد على إدارة الاشتباك وليس المواجهة المفتوحة، وإعادة هندسة أدوات القوة بما يوازن بين الطموح الأيديولوجي والواقع الجيوسياسي.
على الصعيد الدولي، تواجه إيران بيئة متقلبة تجمع بين ضغوط غربية متصاعدة، ورهانات محدودة على الشراكات الشرقية، وحسابات دقيقة للتوازن بين الردع النووي والتكلفة الاقتصادية والسياسية. فالبرنامج النووي، إلى جانب المحور الإقليمي، باتا ركيزتين أساسيتين للردع، لكنه لا يخلو من أعباء دائمة، إذ يفرض على طهران إدارة المخاطر بذكاء، مع الحفاظ على هامش مناورة في مواجهة واشنطن وتل أبيب، واعتبار الشركاء الشرقيين أدوات تكتيكية لا ضمانًا مطلقًا لدعم طويل الأمد.
أولًا: الداخل الإيراني.. بين الأزمات المتصاعدة والمطالبات بالإصلاحات
على مدى عدة سنوات راهنت واشنطن على سياسة “الضغوط القصوى” لإحداث تحول في سلوك طهران الإقليمي والنووي، مستندة إلى افتراض مفاده أن تراكم الكلفة سيفضي حتمًا إلى تآكل داخلي يقود إلى تغيير سياسي. وبالفعل، خلفت العقوبات آثارًا ملموسة على مؤشرات الاقتصاد الكلي ومستوى المعيشة، وأثقلت كاهل الطبقات الوسطى والدنيا. غير أن النتيجة السياسية جاءت مغايرة للتوقعات؛ إذ لم ينفرط عقد الدولة، ولم تتصدع مؤسساتها المركزية. بل استطاع النظام توظيف الضغوط الخارجية لإعادة صياغة سرديته الداخلية، مقدمًا العقوبات بوصفها امتدادًا لصراع سيادي طويل، وهو ما أتاح له تحويل جزء من الكلفة الاقتصادية إلى رصيد تعبوي يعزز خطاب الصمود ويحصن شرعيته في مواجهة ما يصوره كاستهداف خارجي ممنهج.
مع ذلك، لا يمكن اختزال التحدي الاقتصادي في أثر العقوبات وحدها. فالتضخم، وتراجع قيمة العملة الوطنية، واتساع معدلات البطالة، وتآكل الطبقة الوسطى، تمثل جميعها مؤشرات على أزمة حوكمة تتجاوز العامل الخارجي. وقد كشفت احتجاجات أواخر عام 2025، التي اندلعت على خلفية ارتفاع الأسعار وتدهور مستوى المعيشة، عن عمق الفجوة بين قطاعات اجتماعية، خصوصًا الشباب، وطموحاتهم الاقتصادية من جهة، وقدرة المؤسسات على الاستجابة الفعالة من جهة أخرى. ولم تقتصر بعض الشعارات في تلك الاحتجاجات على المطالب المعيشية، بل تجاوزتها إلى التشكيك في كفاءة البنية السياسية ذاتها، وصولًا في بعض الحالات إلى الدعوة لتغيير النظام، بما يعكس تحولًا في طبيعة الخطاب الاحتجاجي. ورغم تمكن الدولة من احتواء هذه الموجة، فإن دلالتها السياسية تكمن في أنها مؤشر على ضغوط كامنة قابلة للتجدد ما لم تعالج جذورها الهيكلية.
في المقابل، يتعامل الخطاب الرسمي في طهران مع الأزمة الاقتصادية بوصفها امتدادًا مباشرًا للصراع الجيوسياسي، لا مجرد خلل في السياسات العامة أو نتيجة اختيارات داخلية قابلة للتعديل. فالتدهور المعيشي يقدم ضمن إطار أوسع باعتباره كلفة حتمية للحفاظ على الاستقلال الوطني، وليس ثمنًا لقرارات يمكن التراجع عنها بسهولة. ومن هذا المنظور، تعاد صياغة الضغوط الاقتصادية باعتبارها اختبارًا لصلابة الدولة، لا مؤشرًا على هشاشتها.
تعزز هذا الطرح تحذيرات شخصيات نافذة داخل النظام من أن أي تسوية تفرض تحت وطأة الضغط الخارجي قد تفضي إلى اختراق سياسي يمس بنية الدولة ذاتها. فقد شدد علي أكبر ولايتي، مستشار المرشد الأعلى، على أن التفاوض مع الولايات المتحدة لا يوفر ضمانات أمنية حقيقية، مستحضرًا تجارب دول أخرى واجهت ضغوطًا مماثلة، ومؤكدًا في الوقت ذاته أن إيران ومحور حلفائها باتوا أكثر قدرة على الصمود مما كانوا عليه سابقًا. أيضًا جاءت رسالة المرشد علي خامنئي في ذكرى الثورة لتؤكد ثنائية “الشعب–العدو” وربط إحباط العدو بالمشاركة الشعبية في المسيرات الاحتفالية. باعتبارها البنية الرمزية المؤسسة للشرعية السياسية. فالمشاركة في تلك المسيرات لا تقدم باعتبارها فعلًا احتفاليًا، بل كآلية دورية لإعادة تجديد العقد السياسي بين القيادة والقاعدة الاجتماعية الداعمة، ووفقًا لرؤية المرشد تعتبر الإرادة الشعبية الضمانة الوحيدة لتغيير المعادلات الدولية وحماية الأراضي الإيرانية وإفشال محاولات فصم العلاقة بين الشعب والقيادة، وبهذا يرتبط الاستقرار الداخلي مباشرة بمواجهة الضغوط الخارجية.
إلا أن هذا التماسك الرمزي يخفي وراءه توترات بنيوية في آليات الحكم. فالمؤتمر الوطني للسياسة الخارجية، الذي روجت له الصحيفة الرسمية باعتباره تجسيدًا لـ “وحدة الصوت”، أظهر عبر التغطيات الإعلامية تباينات واضحة في مقاربة إدارة الأزمة. إذ تبنى وزير الخارجية عباس عراقجي خطابًا يؤكد أولوية المقاومة والتشدد في الملفات السيادية، بينما عكس خطاب الرئيس مسعود بزشكيان في فعالية “سلام للسفراء” نزعة براجماتية تقوم على الانفتاح التفاوضي المشروط بالاحترام المتبادل. هذه الازدواجية لا تعني انقسامًا مؤسسيًا حادًا بقدر ما تكشف تعددية داخل النخبة الحاكمة حول أدوات إدارة المرحلة المقبلة.[1]
الأكثر حساسية في المشهد الداخلي هو الجدل المتصاعد بين التيارين الأصولي والإصلاحي بشأن مستقبل البرنامج النووي. فداخل بعض الدوائر الأصولية برزت أصوات ترى أن الضغوط الغربية المتواصلة، واستمرار التهديدات الإسرائيلية، يبرران الانتقال من سياسة “الاقتراب من العتبة النووية” إلى امتلاك قدرة ردع مكتملة، معتبرين أن امتلاك القنبلة قد ينهي حالة الابتزاز المستمر. في المقابل، يحذر التيار الإصلاحي وشخصيات براجماتية من أن امتلاك سلاح نووي سيؤدي إلى عزلة دولية شبه كاملة، ويغلق ما تبقى من منافذ اقتصادية، ويحول إيران إلى نموذج شبيه بدول معاقبة استراتيجيًا على المدى الطويل.
يبرز هذا الانقسام بوضوح في ردود الفعل العنيفة التي واجهت بيان “جبهة الإصلاحات”، لإحداث تغييرات جوهرية في سياسات المؤسسة الحاكمة، بما في ذلك التوقف عن تخصيب اليورانيوم وخفض حدة التوتر مع المجتمع الدولي؛ حيث اعتبر المحافظون أن دعوات التوقف عن تخصيب اليورانيوم هي “خيانة عظمى” وتكرار لخطاب الأعداء، بينما يراها الإصلاحيون “عقلانية اضطرارية” تهدف لانتزاع فتيل حرب شاملة قد لا تقوى البنية التحتية المنهكة اقتصاديًا على تحمل تبعاتها. هذا الجدل يعكس انقسامًا حول تعريف “المصلحة الوطنية”: هل تتحقق عبر تعظيم الردع مهما كانت الكلفة، أم عبر تجنب القطيعة الكاملة مع النظام الدولي؟[2]
وتعد موجة الاعتقالات الأخيرة في صفوف قيادات جبهة الإصلاح مؤشرًا دالًا على طبيعة الانقسام داخل البنية السياسية الإيرانية ذاتها، لا بين النظام ومعارضيه الخارجيين فحسب. فاعتبار النظام هذه الإجراءات توجهًا نحو “تأمين المجال السياسي” عبر توظيف تهم فضفاضة، يكشف عن تصاعد منطق الضبط الأمني في إدارة التعددية المقيدة داخل النظام. وفي سياق أعقب احتجاجات ديسمبر وتزامن مع مسار تفاوضي خارجي حساس، تبدو هذه المقاربة محل جدل عميق؛ إذ حذرت نخب إصلاحية من أن التشدد الأمني يقوض ما تبقى من رأس المال الاجتماعي للنظام، ويضعف قنوات الوساطة الداخلية القادرة على امتصاص الاحتقان. كما أن غياب الشفافية القضائية يعزز الانطباع بأن الرسائل سياسية أكثر منها قانونية، بما يعمق الفجوة بين التيار الأصولي، الذي يميل إلى أولوية الانضباط والسيطرة، والتيار الإصلاحي، الذي يرى أن الحفاظ على استقرار الدولة يمر عبر توسيع الهامش السياسي لا تضييقه. وعليه، فإن إدارة هذا الانقسام تمثل أحد الاختبارات الجوهرية لقدرة النظام على تحقيق توازن بين الأمن السياسي ومتطلبات الشرعية المجتمعية في مرحلة دقيقة من تاريخه.[3]
ثانيًا: البعد الإقليمي.. من تصدير الثورة والانخراط الخشن إلى إدارة الصراع طويل الأمد
اعتمدت الاستراتيجية الإقليمية الإيرانية على نموذج يعرف بـ “الانخراط الإقليمي الخشن”، الذي يقوم على توظيف وكلاء من قوى ما دون الدولة لتحقيق أهداف الردع وتوسيع النفوذ الإقليمي بأدنى كلفة مباشرة ممكنة، مع الحفاظ على الداخل الإيراني بعيدًا عن ساحات المواجهة المباشرة. وقد شكلت شبكة الوكلاء هذه الركيزة الأساسية للنموذج، لما توفره من مرونة عسكرية وسياسية تمكن طهران من التأثير في معادلات الأمن الإقليمي دون الانخراط في حروب تقليدية واسعة النطاق. وفي هذا الإطار، حرصت إيران على بناء شبكة متعددة المستويات من الحلفاء المسلحين، مما أتاح لها إدارة صراع منخفض الكلفة نسبيًا، وفي الوقت ذاته مراكمة أوراق ضغط استراتيجية في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل، مستفيدة من المرونة التكتيكية والسياسية التي يوفرها هذا النموذج.
ففي لبنان، يشكل حزب الله الركيزة الأساسية للاستراتيجية الإيرانية في المنطقة. فالعلاقة بين طهران والحزب، التي بدأت بدعم ظرفي في مطلع الثمانينيات، تحوّلت تدريجيًا إلى تحالف استراتيجي متين، تجلّى بوضوح خلال حرب يوليو 2006 وما أعقبها من أحداث. كما أن احتفاظ الحزب بسلاحه بعد اتفاق الطائف وتحوله إلى فاعل سياسي وعسكري محوري، أتاح لإيران امتلاك أداة ردع مباشرة على الحدود الشمالية لإسرائيل، مع الحفاظ على نفوذ مستدام في الداخل اللبناني. ورغم الاستهدافات العسكرية والمالية المباشرة وفقدان الحزب بعض قياداته، استمرت طهران في اعتبار سلاح حزب الله عنصرًا أساسيًا للردع ضد إسرائيل، ووسيلة لتعظيم نفوذها في لبنان والمنطقة، ومع تصاعد الضغوط الأمريكية والإسرائيلية والتحولات السياسية داخل لبنان، التي تسعى لحصر السلاح بيد الدولة، أصبح ملف سلاح حزب الله أداة ضغط إقليمية ودولية، مما قلص هامش المناورة أمام إيران وزاد من كلفة الحفاظ على هذا النفوذ.
وفي سوريا، أسهمت عمليات إضعاف قدرات “حزب الله” في سرعة سقوط نظام بشار الأسد، الذي كان يرتكز بشكل أساس على الميليشيات الموالية لإيران، مقابل سيطرة حكم سني بقيادة الرئيس أحمد الشرع على الحكم في سوريا، ولعل ذلك يصب في صالح تركيا التي ورثت النفوذ الإيراني بعد وصول نخبة جديدة للحكم في سوريا. إذ إن إيران كانت ترى هذا النفوذ ورقة ضغط قوية تستخدمها في إدارة صراعها مع إسرائيل، خاصة أن سوريا كانت أيضًا همزة الوصل التي كان الدعم الإيراني يمر عبرها للتنظيمات الأخرى الموالية لها، خاصة حزب الله اللبناني، لتتحول إيران إلى موقف دفاعي وإعادة النظر في استراتيجيتها في الداخل السوري التي قد تسعى للتحالف مع التنظيمات الموالية لها وبقايا نظام الأسد، كمحاولة لإفساد فرصة إعادة بناء الدولة السورية في شكلها الحالي المناهض للنفوذ الإيراني.[4]
أما العراق، ومن خلال دعم فصائل مسلحة متعددة، نجحت طهران في بناء شبكة نفوذ سياسي وأمني عميقة. وقد تعزز هذا النفوذ مع تأسيس قوات الحشد الشعبي عام 2014 في مواجهة تنظيم داعش الإرهابي. ومع ذلك، شهدت السنوات الأخيرة تصاعد الضغوط الأمريكية والإسرائيلية لتقليص هذا النفوذ، عبر محاولات لإعادة هيكلة الفصائل ودمجها ضمن مؤسسات الدولة، ما يعكس تحول العراق من ساحة نفوذ شبه مفتوحة إلى ميدان تنافسي استراتيجي شديد التعقيد. إذ مارست الولايات المتحدة ضغوطًا مباشرة على كبار المسئولين العراقيين لوضع خطة “موثوقة” لنزع سلاح الفصائل المدعومة من إيران، بالتوازي مع جهود للتأثير في تشكيل الحكومة لضمان استبعاد هذه الفصائل من دوائر القرار، في إطار استراتيجية شاملة لكبح النفوذ الإيراني في بغداد. كما استخدمت واشنطن أدوات اقتصادية لضمان الالتزام، أبرزها تهديدات بالحد من التدفقات المالية الناتجة عن صادرات النفط العراقية، والتي تعد شريانًا حيويًا لميزانية الدولة، وكانت الولايات المتحدة قد توقفت مؤقتًا عن تحويلها في 2015 خوفًا من تحويلها إلى إيران أو تنظيم داعش الإرهابي.[5]
وبشأن الدور الإيراني في اليمن، تطورت العلاقة مع جماعة أنصار الله الحوثي تدريجيًا من تأثير فكري محدود إلى دعم عسكري وسياسي واضح، خاصة بعد سيطرتهم على صنعاء عام 2014. وقد تحولت الساحة اليمنية إلى ورقة استراتيجية لطهران في البحر الأحمر، تستخدم عبر تكتيك التهدئة والتصعيد المحسوب في مواجهة واشنطن وتل أبيب، بما يمنح إيران قدرة على التأثير في أمن الممرات البحرية دون انخراط مباشر.إلا أن القدرات العسكرية للحوثيين تأثرت بشكل كبير نتيجة الحملات الجوية الإسرائيلية والأمريكية التي استهدفت مراكز القيادة والبنية التحتية العسكرية واللوجستية في شمال اليمن، بما في ذلك اغتيال رئيس أركان الجماعة محمد الغماري في أكتوبر 2025، وهو ما شكل ضربة قيادية مؤثرة للجناح العسكري للجماعة. بالتوازي، أدى تراجع الدعم الإيراني الجزئي نتيجة الضغوط الاقتصادية والسياسية على طهران، إلى الحد من التدفق المستمر للأسلحة والصواريخ والطائرات المسيرة.
ويمكن القول أن على الرغم من الضغوط المتصاعدة التي تتعرض لها إيران، وكذلك القيود والتحديات التي واجهها محور المقاومة في مختلف ساحات الصراع، لا تعتزم طهران التخلي عن هذا المحور أو التراجع عن دعمه، إذ تعتبره ركيزة أساسية لمكانتها الإقليمية ولأدوات نفوذها الاستراتيجي. إلا أنها تنظر إليه اليوم باعتباره أداة لإدارة صراع طويل الأمد في المنطقة، تتيح لها التوازن بين التمسك بمبادئها الثورية والطموحات الأيديولوجية من جهة، ومتطلبات التعامل الواقعي مع الضغوط الإقليمية والدولية من جهة أخرى. في هذا الإطار، تتعامل طهران مع حلفائها في لبنان، العراق، سوريا، وفلسطين واليمن وفق منطق التحكم بالقدرات والحد من المخاطر، بحيث يتم الحفاظ على نفوذها العسكري والسياسي دون الانزلاق إلى مواجهات مباشرة غير محسوبة قد تكلف الداخل الإيراني ثمنًا باهظًا.
البعد الدولي.. بين الضغوط الغربية وسياسة التوجه شرقًا
تحول البعد الدولي في السياسة الإيرانية إلى أحد المحددات الرئيسية لمكانة طهران في النظام العالمي. فلم تعد علاقاتها الخارجية تفهم فقط من منظور أيديولوجي، بل باتت ترتبط بحسابات الردع النووي، وشبكات التحالف، وتوازنات القوى بين الشرق والغرب. وقد جعل البرنامج النووي إيران في صلب معادلة الأمن الدولي، بين ضغوط غربية متصاعدة ومحاولات للانفتاح على قوى كبرى كروسيا والصين، وهو ما يمكن تناوله فيما يلي:
1- الضغوط الأمريكية والإسرائيلية.. بين التهديد والتفاوض المشروط: تشكل الضغوط الأمريكية والإسرائيلية على إيران مزيجًا من الضغط الاقتصادي، التهديدات العسكرية المحتملة، والتفاوض الدبلوماسي المشروط، اتسمت سياسة دونالد ترمب تجاه إيران في 2026 بتصعيد الخطاب والضغط على طهران في الملف النووي، مع سعي واضح لتطويع سلوكها دون الوصول لحرب شاملة. إدارة ترامب سعت إلى خفض صادرات النفط الإيرانية، خاصة إلى الصين التي تمثل السوق الأكبر للنفط الإيراني، بهدف تقليل عائدات طهران المالية والضغط عليها لقبول شروط أمريكية أكثر صرامة في إطار التفاوض النووي. كما عززت واشنطن وجودها العسكري في المنطقة بنشر حاملات طائرات وتعزيزات جوية وبحرية، في خطوة قُرِئت كأداة ضغط وردع أمام أي رد إيراني أو تصعيد مفاجئ.
على الصعيد العسكري، استمرت التهديدات العسكرية الأمريكية مفترضة في الخلفية، بما يشمل تعزيز الدفاعات الجوية وتحذيرات أمريكية من إمكانية شن غارات جوية محدودة إذا تدهور الوضع أو رفضت إيران التقدم في المفاوضات النووية. هذا الاستخدام الممكن للقوة يُعد جزءًا من استراتيجية الضغط التي تمارسها واشنطن مع الحفاظ على هوامش دبلوماسية مفتوحة.
من جانبها، أكدت إسرائيل أن أي اتفاق نووي جديد مع إيران يجب أن يشمل قيودًا أشد على المنشآت النووية وقدرات التخصيب، بما في ذلك تفكيك البنية التحتية وليس مجرد وقف التخصيب.[6] كما سعت تل أبيب إلى إبقاء المسار التفاوضي تحت الضغط مع إظهار تباين في بعض الأحيان مع الحصص الأمريكية في التنفيذ العملي للشروط، في مؤشر على أن إسرائيل تريد ضمانات أمنية أقوى تجاه تهديداتها الاستراتيجية
تجسدت الضغوط الأمريكية والإسرائيلية أيضًا، في جولات التفاوض المتجددة بين إيران والولايات المتحدة، بمشاركة وساطة عمانية، والتي جاءت وسط تهديدات أمريكية مبطنة بعمل عسكري وخلفية من الصراع العسكري السابق في يونيو 2025. ورغم استمرار المباحثات، بدا واضحًا أن شروط واشنطن، بما في ذلك تناول البرنامج الصاروخي والبرنامج النووي، تمثل خطوطًا حمراء على طهران، مما يعمق تحديات التوصل لاتفاق نهائي.
ردًا على هذه الضغوط، أكدت إيران التزامها بحقوقها النووية وحقها في الاحتفاظ بقدرات الردع، لكنها أبدت استعدادها للحوار ضمن شروطها الخاصة. كما نفذت مناورات عسكرية استراتيجية في مضيق هرمز، لتؤكد جاهزيتها الدفاعية وقدرتها على حماية مصالحها الإقليمية، مع الحفاظ على توازن دقيق يمنع الانزلاق إلى مواجهة شاملة.
2- الدول الأوروبية.. بين الاحتواء وضعف الثقة: تمر العلاقات بين إيران والدول الأوروبية اليوم بحالة من التوتر المركب، تجمع بين الرغبة في الاحتواء والرقابة الدبلوماسية وبين انعدام الثقة المتزايد بسبب المسارات النووية والسياسات الأمنية الإيرانية. فقد اعتمدت القوى الأوروبية الكبرى، خصوصًا فرنسا وألمانيا وبريطانيا، على استراتيجية الاحتواء كخيار أقل كلفة مقارنة بالمواجهة العسكرية، مع الحفاظ على آليات دبلوماسية متعددة الأطراف لتنظيم البرنامج النووي الإيراني.
إلا أن ارتفاع مستويات تخصيب اليورانيوم، وتقييد وصول مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى المنشآت الإيرانية، أدى إلى تآكل الثقة الأوروبية بشكل ملحوظ. فقد أشار المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، رافائيل غروسي، إلى وجود نحو 400 كيلوجرام من اليورانيوم المخصب بنسبة 60% في منشأة تحت الأرض بأصفهان، ما يضع إيران على مسافة قصيرة من القدرة النووية العسكرية إذا ما تم رفع التخصيب إلى 90%.[7] كما أن تعذر الوصول للمنشأة الجديدة زاد من المخاوف الأوروبية وفي 28 أغسطس 2025، أبلغت دول الترويكا مجلس الأمن بأن إيران في حالة “عدم أداء جوهري” لالتزاماتها، ما أدى إلى بدء سريان آلية “سناب باك” التي نص عليها القرار 2231، وبالتالي إعادة تفعيل العقوبات الدولية السابقة. هذه الخطوة مثلت تصعيدًا دبلوماسيًا مهمًا من جانب القوى الأوروبية ضد طهران، وجعلت العلاقات الإيرانية–الأوروبية أكثر توترًا، بينما رفضت إيران شرعية هذه الخطوة واعتبرتها “غير قانونية” وتستخدم كورقة ضغط غربية لفرض شروط سياسية.
تشابكت هذه المخاوف الأوروبية مع الدعم العسكري الإيراني المستمر لروسيا في أوكرانيا، مما عمق حالة عدم الثقة بين الطرفين. في الوقت نفسه، حاولت طهران استثمار علاقاتها الأوروبية لتخفيف العزلة الدولية والتقليل من آثار العقوبات الأمريكية، لكنها وجدت أن الاستجابة الأوروبية بقيت مشروطة، مرتبطة بالحفاظ على الاستقرار في الشرق الأوسط وتوازن المصالح مع الولايات المتحدة.
3- روسيا والصين.. الشرق كبديل للغرب: في ظل تصاعد الضغوط الأمريكية والأوروبية، برز التوجه شرقًا كخيار استراتيجي تسعى طهران من خلاله إلى إعادة تموضعها في بنية النظام الدولي. غير أن هذا التوجه، رغم زخمه الخطابي والسياسي، لم يتحول إلى بديل كامل عن الغرب، بقدر ما شكل رافعة تكتيكية لإدارة الضغوط وتوسيع هامش المناورة.
فقد احتلت الصين موقع الشريك التجاري الأول لإيران خصوصًا في مجال الطاقة، حيث ظلت بكين الوجهة الأساسية للصادرات النفطية الإيرانية، سواء عبر قنوات مباشرة أو ترتيبات مالية معقدة للالتفاف على العقوبات. بالنسبة لطهران، تمثل الصين شريانًا اقتصاديًا حيويًا يخفف من وطأة العقوبات الغربية ويضمن تدفقًا نسبيًا للعملات الصعبة. إلا أن العلاقة لم تكن قائمة على تحالف استراتيجي مطلق، بل على براجماتية اقتصادية متبادلة. فبكين حرصت على موازنة مصالحها مع إيران بعلاقاتها الأوسع مع أوروبا ودول الخليج، ما جعل دعمها لطهران محسوبًا بدقة، دون الانخراط في مواجهة مباشرة مع تلك القوى من أجلها. وعليه، يمكن وصف الصين بأنها شريك اقتصادي مهم، لكنها ليست مظلة سياسية أو أمنية شاملة لإيران.
أما روسيا، فقد تعمقت شراكتها مع إيران في سياق المواجهة الأوسع مع الغرب، خاصة في ظل استمرار الحرب في أوكرانيا. ورغم استمرار التعاون العسكري والتقني بين البلدين، إضافة إلى تنسيق سياسي في ملفات إقليمية مثل سوريا والقوقاز وآسيا الوسطى. إلا أن هذه العلاقة، رغم طابعها الأمني الواضح، بقيت محكومة بمنطق تقاطع المصالح لا التحالف البنيوي. فموسكو تنظر إلى إيران كفاعل إقليمي مفيد في إعادة تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط، لكنها لا تتبنى التزامات أمنية شاملة تجاهها، كما أن أولوياتها الاستراتيجية تظل متمركزة حول الصراع مع الناتو وأمنها الأوروبي المباشر.
بذلك، لم يكن التوجه شرقًا خيارًا أيديولوجيًا بقدر ما كان استراتيجية موازنة قوى تهدف إلى تقليل الاعتماد على الغرب، دون القدرة على الاستغناء الكامل عنه. فالرهان الإيراني على الشرق يوفر متنفسًا اقتصاديًا وسياسيًا، لكنه لا يشكل ضمانة مطلقة للاستقرار أو الحماية. ويكشف تصريح جلال دهقاني فيروزآبادي في 12 فبراير 2026 عن إدراك إيراني متقدم لحدود الرهان على الشرق، إذ أكد أن أي حرب ستضر بالصين وتهدد أمن الطاقة العالمي، لكنه شدد في الوقت ذاته على ضرورة وجود “توقعات واقعية” من موسكو وبكين، في إشارة واضحة إلى أن دعمهما لطهران يظل محكومًا بحسابات المصالح لا الالتزامات الأمنية. يعكس هذا الخطاب انتقالًا من تصور “التحالف الاستراتيجي” إلى مقاربة أكثر براجماتية تقوم على الموازنة والاستفادة المتبادلة دون افتراض دعم غير مشروط.
ختامًا، إيران اليوم ليست أمام تحدٍ أحادي، بل أمام معادلة مركبة تجمع بين الأزمات الداخلية، والتحديات الإقليمية، والضغوط الدولية المتزايدة. هو ما يفسر التحول في استراتيجيتها من منطق “المواجهة المفتوحة” إلى مقاربة أكثر براجماتية تقوم على “إدارة الزمن الاستراتيجي”، حيث يصبح الصمود أداة نشطة لإدارة الأزمات، وليس مجرد آلية لمقاومة الانهيار. وقد نجح النظام من خلال هذا النهج في تثبيت شرعيته بعد موجة الاحتجاجات الأخيرة عبر التعبئة الرمزية وإرساء منطق الردع الوجودي، في الوقت الذي أبقى فيه نافذة التفاوض مع الغرب مفتوحة كأداة لتخفيف الضغوط الاقتصادية، دون أن يترجم ذلك حتى الآن إلى تحول في العقيدة أو تنازل أمام الضغوط الغربية.
[1] خطاب تعبوي.. وفجوة رمزية.. وازدواجية السلطة.. وهشاشة اقتصادية، إيران إنترناشيونال، 10 فبراير 2026، متاح على:
[2] شروق صابر، إيران أمام معادلة الحرب والسلام.. قراءة في الخطابين الرسمي والمعارض، دورية الملف المصري، مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، العدد 135- فبراير 2026، متاح على:
[3] الصحف الإيرانية: مفاوضات تحت حافة الانفجار واقتصاد يغرق في الركود التضخمي، جنوبية، 11 فبراير 2026، متاح على:
[4] د. محمد عز العرب، تعزيز النفوذ.. كيف توظف تركيا التحولات الجيوسياسية بعد سقوط الأسد؟، مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، 1 يونيو 2025، متاح على:
[5] تقرير: أميركا تضغط على العراق لنزع سلاح الفصائل المدعومة من إيران «بسرعة»، الشرق الأوسط، 23 يناير 2026، متاح على:
[6] نتنياهو: اتفاق أمريكا مع إيران يجب أن يشمل تفكيك البنية التحتية النووية، رويترز، 15 فبراير 2026، متاح على:
[7] غروسي: اليورانيوم الإيراني المخصّب بنسبة 60% يكفي لصنع عدة قنابل نووية، إيران إنترناشيونال، 12 فبراير 2026، متاح على:



