التصوير في زمن الحرب كعامل فاعل للمقاومة الثقافية والمسارات النضالية في السينما الكردية

تحليل: د.مرام محمود ثابت
قدّم المخرج الكردي أرسين جليك (Ersin Çelik) فيلمًا حربيًا من إنتاج كومين فيلم روج آفا(Komîna Fîlm a Rojava). ووصفته اللجنة المنظمة للمهرجان بأنه فيلم حرب بالمعنى الكلاسيكي للمصطلح. والفيلم هو (من أجل الحرية) (Ji bo Azadiyê) إنتاج 2019، يروي قصة حصارٍ حقيقية لمقاومة مجموعة من الشباب الكرد ضد الجيش التركي خلال حصار مدينة صور في ديار بكر عام 2015، ويجسد شخصيات الفيلم بعض الناجين من الحصار مما يزيد من القوة الدرامية، من خلال ما تشاهده عيون شابة كردية تعود إلى موطنها الأصلي. شكل (12).

يقدّم فيلم (من أجل الحرية) (Ji bo Azadiyê) سردًا سينمائيًا يستند إلى وقائع حقيقية من مقاومة حيّ سور في مدينة آمد، حيث يتابع تجربة مقاومة المئة يوم التي خاضها شباب وشابات حيّ سور في آمد(ديار بكر) بشمال كردستان. يقدّم الفيلم حكاية مجموعة من الشباب الكرد يقودهم شخصية محورية هو القيادي جياكر، حيث يخوضون مواجهة غير متكافئة مع أفراد الأمن التركي الذين يشكلون الحصار العسكري المشدد والهجمات الواسعة التي شنّتها الدولة التركية على الحي في سياق حصار طويل، ويقدّم الفيلم هذه المقاومة بوصفها فعلًا جماعيًا نابعًا من إرادة محلية، حيث نظّم الأهالي أنفسهم وأعلنوا إدارة ذاتية رفضًا لسياسات القتل والتدمير التي استهدفت المجتمع الكردي، في سياق أوسع شمل الهجوم على مناطق روج آفا. لا يكتفي الفيلم بتوثيق فعل المقاومة بوصفه حدثًا عسكريًا، بل يعالجه دراميًا كتجربة إنسانية جماعية تتقاطع فيها الشجاعة بالخوف، والإصرار بالفقد، والوعي السياسي بالاختبار الأخلاقي.
تقوم الحبكة على تصاعد التوتر داخل فضاء محاصر، مع تشديد القصف العنيف بالدبابات، ما أدى إلى تدمير أجزاء واسعة من الحي ونزوح معظم سكانه، بينما بقيت مجموعات من وحدات المقاومة المحلية تواجه القوات التركية بإمكانات محدودة، وتنجح في صدّ محاولات الاقتحام وإلحاق خسائر بالمهاجمين. حيث تتكثف العلاقات بين الشخصيات تحت ضغط الحرب، وتتحول اليوميات البسيطة إلى لحظات مصيرية. ويبرز البعد الدرامي في الفيلم من خلال التركيز على الاختيارات الفردية داخل الجماعة: البقاء أو الانسحاب، التضحية أو النجاة، الحياة أو الشهادة. هذا التوتر المستمر يمنح السرد طابعًا واقعيًا خشنًا، بعيدًا عن البطولة الزائفة، ويُظهر المقاومة كفعل وجودي قبل أن تكون فعلًا سياسيًا. شكل (13).

تتصاعد الحبكة، ويبلغ السرد ذروته مع استمرار المقاومة حتى استشهاد معظم المقاتلين، في بناء درامي لا يمجّد الحرب بقدر ما يكشف كلفتها الإنسانية ويجعل من الصمود قيمة مركزية في مواجهة العنف المنهجي. لا يكتفي الفيلم بتوثيق الحدث، بل يسعى إلى كشف حقيقة ما جرى في سور للرأي العام العالمي، وفضح الخطاب الرسمي التركي القائم على التعتيم والتشويه. وقد صُوّر العمل في مدينة كوباني، حيث أُعيد تشكيل أحد أحيائها ليحاكي شوارع وبيوت سور، بدعم مباشر من الأهالي والمؤسسات المحلية، في ظروف بالغة الصعوبة تزامنت مع الحرب ضد تنظيم داعش والهجمات على عفرين. ومن ثم، يُنظر إلى إنجاز الفيلم ذاته بوصفه فعل مقاومة ثقافية موازية للمقاومة العسكرية. شكل (14)

على المستوى الفني، شارك في العمل أكثر من مئتي شخص، واعتمد بدرجة كبيرة على مقاتلين حقيقيين جسّدوا أدوارًا قريبة من تجاربهم الواقعية، ما أضفى على الأداء قدرًا عاليًا من الصدق العاطفي، رغم افتقار معظمهم للخبرة التمثيلية. وقد تطلّب ذلك تدريبًا طويلًا ومكثفًا، فيما زاد من ثقل التجربة استشهاد عدد من المشاركين في الفيلم لاحقًا، بمن فيهم ممثلون وشخصيات أساسية في فريق الإنتاج، الأمر الذي منح العمل بعدًا تراجيديًا إضافيًا، وجعل استكماله أشبه بأداء رسالة وفاء للذاكرة الجماعية. ومنه يستمد الفيلم قوته دراميًا، حيث اعتماده على ممثلين عاشوا التجربة نفسها أو شهدوا وقائع مشابهة، ما يمنح الشخصيات عمقًا إنسانيًا يتجاوز التمثيل التقليدي.
في مجمله، يقدّم فيلم «من أجل الحرية» عملًا سينمائيًا تتداخل فيه الدراما الواقعية مع الذاكرة الجماعية، ويطرح المقاومة بوصفها سردية إنسانية مفتوحة، لا تنفصل عن الألم، ولا تُختزل في الانتصار، ما يجعله عملًا ذا بعد توثيقي ودرامي في آن واحد، ونقطة فارقة في مقاربة السينما الكردية للحرب والحرية. وبهذا، لا تُعرض المقاومة سينمائيًا كملحمة خطابية، بل كمسار مليء بالانكسارات، والخسارات، واللحظات الهشّة التي تُعرّي الإنسان في مواجهة العنف.
حظي الفيلم بتفاعل واسع في عروضه الدولية، خاصة في الهند وأوروبا، حيث لامس الجمهور بقصته الإنسانية، وفتح نافذة للتعرّف على القضية الكردية من منظور سينمائي واقعي. وفي هذا السياق، يُنظر إلى فيلم «من أجل الحرية» بوصفه تجربة مفصلية في السينما الكردية المعاصرة، لا من حيث موضوعه فحسب، بل من حيث إصراره على إنتاج سينما مقاومة رغم محدودية الإمكانات.
ويمكن من خلال هذا الفيلم أن نستشف أن التجربة السينمائية في كوردستان العراق لا تزال في بداياتها، وتعتمد على جهود فردية وجماعية محدودة، ما يجعل تطويرها مرهونًا بتوفير بنية مؤسساتية، وتدريب احترافي، وصالات عرض، بما يسمح للسينما بأن تؤدي دورها بوصفها أداة ثقافية فاعلة في توثيق الثورة والذاكرة والواقع الاجتماعي.
سينما المقاومة النسائية الكردية ضد عنف الجماعات الإرهابية لتنظيم الدولة الإسلامية (داعش)
تُمثل المقاومة جوهر السينما الكردية، حيث تُستخدم كأداة ثقافية لمواجهة الاضطهاد والإبادة الجماعية. فبعد هجوم داعش دخلت السينما الكردية مرحلة حرجة، خاصة في إقليم كردستان العراق، وتوقف الإنتاج السينمائي حتى بعد هزيمة داعش. وقد سُجلت هذه المرحلة في تاريخ السينما الكردية كحدث جديد. أي أن الأمر أصبح، من ناحية سرد القصص والمواضيع، وضعاً جديداً ووثيقاً، كأداة للسينما الكردية. واجه الأكراد في روج آفا وضعاً مشابهاً، فكان الخطر قائماً. هُزم تنظيم داعش بالتعاون مع التحالف الدولي لمحاربة داعش، لكن بحلول ذلك الوقت، كانت القرى والمدن الكردية قد تحولت إلى ساحات معارك.
تحليل سردي لفيلم (أخوات في السلاح) (Sisters in Arms)
يتناول فيلم “أخوات في السلاح” (Sisters in Arms) والذي يحملطابع حربي لمجموعة من النساء الكرديات، حاولن تقديم نموذج نضالي ملهمللعمل العسكري ضد تنظيم “داعش”،وهو عمل سينمائي ذو صبغة درامية، أُنتج عام (2019) من إخراج الفرنسية كارولين فورست، ويروي قصة مقاومة نسائية ملهمة في مواجهة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) ضمن الحرب المستعرة في الشرق الأوسط. شكل (15)

يعد فيلم “أخوات في السلاح” «Sisters in Arms» أول فيلم روائي طويل للصحفية والكاتبة الفرنسية كارولين فورست، وتم عرضه في ضمن فعاليات مهرجان السليمانية السينمائي الدولي الرابع. يستند الفيلم إلى سردية إنسانية – سياسية جريئة، تتمحور حول تجربتين نسويتين قادمتين من خلفيتين ثقافيتين ودينيتين مختلفتين: “كاهنة” وهي فرنسية من أصول جزائرية مسلمة، و”ساشكا” يهودية من أصول إسرائيلية. تسافر الاثنتان إلى كردستان، حيث تنخرطان طوعًا في وحدة عسكرية نسوية دولية تقودها امرأة كردية، وتشارك فعليًا في القتال إلى جانب وحدات المرأة الحرة وقوات حماية المرأة والبيشمركة وقوات التحالف الدولي ضد تنظيم داعش.
بالتوازي مع هذا الخط السردي، يقدّم الفيلم قصة “زارا” وهي فتاة إيزيدية نجت في التحرر من أسر تنظيم داعش، لتنضم لاحقًا إلى الوحدة النسوية ذاتها، مدفوعة برغبة عميقة في الانتقام لمقتل والدها، والسعي لتحرير شقيقها الأصغر. تمثل “زارا” نموذج يعيد التذكير بالجرح الإيزيدي، وصوت الضحية التي تتحول إلى فاعلة في مواجهة العنف. (رووداو – باريس، 2019)
تتكون هذه الوحدة العسكرية من سبع مقاتلات، تحمل كل واحدة منهن حكاية أمة وتجربة تاريخية مختلفة. يلتقين في جبال كردستان، ويعقدن عهدًا رمزيًا على أن يصبحن «أخوات في السلاح» في مواجهة الإرهاب، وهزيمة تنظيم متوحش متورط بالاعتداء على نساء وشباب المنطقة واستعبادهم وقتلهم. في مشهد يجمع بين التضامن العابر للحدود والالتزام الإنساني المشترك.
السبب الرئيسي والقصة الخفية للفيلم وراء محاربة التطرف الديني
في لقاء مع كاتبة ومخرجة الفيلم أوضحت كارولين فورست أن فيلم (Sisters in Arms)يسلط الضوء على المقاومة ضد الدولة الإسلامية (داعش) التي وحدت المقاتلين الكرد تحت علم واحد، وقالت: الفيلم يبين أحلك قصص الظلم من خلال ما حدث بالفعل للأيزيديين وقصص الشجاعة، وقصة المقاتلين الكرد، ومن خلاله تريد أن تعرف العالم كله ما فعله الكرد من أجلنا. فمنذ 20 عاماً، عملت فورست على إبراز التهديد الذي يمثله المتطرفون الدينيون على حقوق المرأة، حيث قالت: “نظراً لأنني استُهدفت من قبل الأصوليين الإسلاميين لسنوات، وبعد هجوم 7 كانون الثاني (2015) على صحيفة “تشارلي إبدو” حيث فقدت الكثير من الأصدقاء، لم أعد أستطيع محاربة الدعاية الأصولية دون أدواتي (الكتابة والكلمات).”
كما أشارت إلى أنها كانت غاضبة للغاية من وحشية مقاتلي الدولة الإسلامية، لدرجة أنها فكرت في الذهاب إلى الجبهة لدعم جميع أولئك الذين يقاتلون، وتابعت: “عندما انتشرت القصص الأولى لنساء إيزيديات اختطفهن تنظيم الدولة الإسلامية، فهمت أخيراً كيف أستطيع أن أكون مفيدةً من وراء عدسة الكاميرا، فقررت أن أصنع فيلماً بميزة ملحمية تستحق كل من الوقت، والمقاتلين، وهذه الحرب.”
وأشارت (فورست) إلى أن أحد الأهداف الرئيسية للفيلم هو إظهار كيف قاتل الكرد على الرغم من انقساماتهم المختلفة ضد الدولة الإسلامية، وأنقذوا العالم من هذا التهديد. فمنذ قرون كانت السياسة ولعبة الدول تسعى جاهدة لتقسيم الكرد من أجل التحكم بهم بشكل أفضل، وفكرة أن الفيلم يمكن أن يجمعهم ولو في الخيال.
يستعرض الفيلم لقطات من فصائل كردية متعددة، بما في ذلك المقاتلون من حزب (PAK) الكردستاني الإيراني، ووحدات حماية المرأة الكردية (YPJ) في سوريا، ووحدات حماية الشعب (YPG) والبيشمركة، ووحدت حماية شنكال من الإيزيديون، وقالت فورست: “اليوتوبيا هي أن أشيد بجميع الكرد دون تمييز بينهم، بحيث يتذكرون يوماً ما أن لديهم هذا النصر المشترك، وربما مستقبلاً مشتركًاً، فالعالم والمشاهدون لن يفرقوا على الأرجح بين الفصائل الكردية المختلفة، وعند مشاهدة الفيلم سيقولون ببساطة: لقد أنقذنا الكرد، يجب ألا ننساهم، ليس عندما يقصفهم الأتراك في سوريا، ولا عندما تعلن كردستان العراق عن الاستقلال”. وتابعت: “لهذا السبب صنعت أيضاً عالماً خيالياً رسمته، وهو مستوحى من ألوان كردستان، أعلم أن الأمر سيكون مربكاً بالنسبة لأولئك الذين يعرفون جيداً في هذا المجال، لكن سترون زي وحدات حماية الشعب وقوات تحرير كردستان والبيشمركة تقاتل جنباً إلى جنب في هذا الفيلم، هذه ليست الحقيقة لكنها حقيقة هذه الحرب.”
تنقّلت كارولين فورست أثناء العمل الصحفي بين شنكال وإقليم كردستان العراق، قبل سقوط الموصل وبعده، المدينة التي شكّلت سابقًا عاصمة لتنظيم «الدولة الإسلامية» في العراق. وخلال هذه الرحلات الميدانية، التقت ناجين ومقاتلين ينتمون إلى أطياف متعددة، من بينهم عناصر البيشمركة، وحزب العمال الكردستاني (PKK)، ووحدات حماية المرأة (YPJ)، ما أتاح لها رؤية مركّبة للتجربة الكردية في مواجهة العنف والإرهاب.
توضح فورست أن طموحها منذ البداية كان إنجاز عمل سينمائي ذي طابع ملحمي يليق ببطولة هؤلاء المقاتلين، بعيدًا عن تحويل الفيلم إلى خطاب سياسي أسير الانقسامات الداخلية والصراعات الفصائلية. وبرغم أن تناول هذه الانقسامات كان سيضفي واقعية أكبر، إلا أنه -برأيها- كان سيخاطب جمهورًا محدودًا سبق له الاقتناع بتلك السرديات.
وتعرب فورست عن أملها في أن يصل فيلمها إلى فئة الشباب في الغرب، ولا سيما أولئك المعرضين للاستقطاب الأيديولوجي عبر الإنترنت من قبل الجماعات المتطرفة، والذين قد يظنون أنهم قادرون على “إنقاذ العالم” عبر الانضمام إليها. وتشير إلى المفارقة المتمثلة في التحاق مئات المتطوعين الأجانب بالقوات الكردية لمواجهة تنظيم «داعش»، مؤكدة: إذا كان الشباب متعطشين للمثالية، فإنني أفضل أن يجدوا القدوة في هؤلاء الأبطال المجهولين على شاشات التلفزيون، لا في صور الإرهابيين، أولئك المتطوعين الذين تركوا كل شيء خلفهم لينضموا إلى المقاومة الكردية.
وعلى صعيد الاختيارات الفنية، ورغم تصوير الفيلم في المغرب، شددت فورست على ضرورة إسناد الأدوار الرئيسية إلى ممثلين أكراد وأيزيديين، حفاظًا على المصداقية الثقافية والإنسانية. فقد أدّت ديلان غوين دور «زارا»، بينما جسّد دور كولونيل في البيشمركة الممثل كوركماز أرسلان، الذي تعرّفت عليه فورست من خلال تعاونها السابق مع المخرج الكردي هنر سليم. (PYD Roja Java. 2019)
كما واجهت عملية الإنتاج تحديات لوجستية، من بينها منع السلطات المغربية ممثلة أيزيدية عراقية من دخول البلاد، ما استدعى الاستعانة بالممثلة الأيزيدية الألمانية شانيز حما علي لأداء دور امرأة في سوق السبي. أما أدوار المتطوعات الدوليات، فقد أُسندت إلى ممثلات أوروبيات، من بينهن أميرة كازار التي أدت دور القائدة، وتعلّق فورست بأن ما يجهله كثيرون هو انحدارها من عائلة كردية مقاتلة في إيران.
وتضيف فورست أن فهمها العميق للقضية الكردية لم يأتِ فقط من رحلاتها، بل أيضًا من شبكة علاقاتها الممتدة مع صحفيين ودبلوماسيين ومثقفين، من بينهم المراسل الحربي جيريمي أندريه، والدكتور فريدريك تيسو – القنصل الفرنسي السابق في أربيل – وباتريس فرانسيسكي، الذين أسهموا جميعًا في إثراء رؤيتها. كما تابعت عن كثب نشاط المقاتلين الأكراد من مختلف التشكيلات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مؤكدة في الوقت ذاته أن هدف الفيلم لم يكن توثيق واقع الانقسامات الداخلية بقدر ما كان السعي إلى التقاط الحقيقة الشعورية والإنسانية للتجربة، إذ لو كان الأمر غير ذلك، لتحوّل العمل إلى فيلم وثائقي خالص.
تمثيل المقاومة النسائية الكردية في فيلم “أخوات في السلاح”
في أرضٍ مزقتها الحرب والعنف والكراهية، تروي هذه الملحمة النسائية لتخرج من وسط المعاناة معبرة الأزمة الكردية بطابع أنثوي ولكن مناضل، تدور أحداث الفيلم في سياق الحرب في سوريا وأجزاء من العراق خلال منتصف العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، حيث يتم اختطاف الفتاة الإيزيدية (زارا)، وتُباع كأسيرة من السبي في أيدي مقاتلي داعش، قبل أن تتمكّن من الفرار والانضمام إلى وحدة مقاتلات نسائية دولية متحالفة مع المقاومة الكردية من قوات البيشمركة. وخلال رحلتها، لا تكتشف قوة التضامن فحسب، بل تكتشف أيضًا الرعب الذي تُثيره هؤلاء المقاتلات في نفوس المتعصبين، الذين يرتعبون من فكرة القتل على يد امرأة.
يُظهر الفيلم التطوّر الدرامي والنفسي الذي يلحق بشخصية (زارا) وشخصيات أخرى من المتطوعات الأخريات، وهم نساء من خلفيات ثقافية مختلفة، مثل الفرنسيّتين “كنزة” و”يايل”، وغيرهنّ من النساء اللواتي يجتمعن في جبهة واحدة، متحدّيات أيديولوجية داعش المتطرفة، والقمع الذي فرضته على المجتمعات المحلية، خاصةً على المرأة. فكرة الفيلم مستوحاة من قصص حقيقية لمقاتلات وناجيات كرديات.
يركّز الفيلم على تجسيد الروح الجماعية والمقاومة النسوية المسلحة من منظور حيوي وواقعي ومقبول منطقيًا، إذ يتم تصوير المقاتلات بوصفهنّ قويات جسديًا ونفسيًا، قادرات على تحمّل القتال في ظروف صعبة، والتعاون والمشاركة الفاعلة بينهم برغم اختلاف الأيدولوجيات، والتأثير في صفوف العدو الذي يُصوَّر مذعورًا من تقبل فكرة أن تُقتل مقاتلات على أيدي النساء. يمزج الفيلم بين العنف الواقعي لساحة القتال والتحولات النفسية للشخصيات التي تمر بها البطلات، مثل تجاوزهنّ لصدمة الاختطاف، وتشكيل رابطة أخوة أعمق من الانتماء العسكري وحده، وصولًا إلى فكرة التضحية من أجل الحرية.
تمثل الدلالات الرمزية والثقافية التي ظهرت بالفيلم فكرة تمكين المرأة ودورها في النضال الحربي، فالفيلم تعبير سينمائي عن تمكين المرأة وتشديد على دورها في مقاومة التطرف والإرهاب، ما يجعله نموذجًا لروايات نسوية في سياق الصراع المعاصر. كذلك يستعيد الفيلم ذاكرة المقاتلات اللواتي خضن معارك حقيقية ضد داعش في سوريا وشمال العراق، بما في ذلك سردًا رمزيًا لمسائل الحرية، والهوية، والعدالة.
قدمت المخرجة الفرنسية (كارولين فورست) تنوعًا للعديد من القصص النسائية، قصة فرنسيتين (كاهنة، المسلمة الجزائرية الأصل، وساشكا، اليهودية الإسرائيلية) وذهابهما طوعًا إلى إقليم كوردستان وتشارك جنباً إلى جنب المقاتلين والبيشمركة وقوات التحالف الدولي في الحرب ضد داعش. الخط الثاني من الفيلم يروي قصة فتاة إزيدية اسمها (زارا) انضمت إلى هذه الوحدة بعد نجاتها من أسر داعش، وهي تريد الانتقام لمقتل أبيها، وتحرير أخيها الصغير.
يسلط أخوات في السلاح الضوء على مقاومة النساء ضد داعش كقوة تحررية في قلب الصراع السوري–العراقي، ويؤكّد أن دور المرأة في الحرب لا يقتصر على الدعم أو الجانب الإنساني فحسب، بل يشمل القتال الفعلي والتحرير الدولي للضحايا والمجتمعات المهددة. بهذا الصدد يُعد الفيلم مساهمة سينمائية مهمة في توثيق تاريخ المقاومة النسائية، وتقديمه لجمهور عالمي بأسلوب درامي مؤثر.
النقد السينمائي الموجه إلى فيلم “أخوات في السلاح” من الناحية الدرامية
يتمثّل المسار الأول لتحويل شخصيات «أخوات في السلاح» ورفاقهن إلى مادة نمطية في تقديمهم بوصفهم نسخًا متشابهة من حيث جمالية الظهور، حيث تُختزل طلعتهم في صورة أقرب إلى الخطاب الدعائي منها إلى التمثيل الإنساني المركّب. فتبدو الشخصيات، بدءًا من زارا الإيزيدية وصولًا إلى رفيقاتها ورفاقها المختلفين، وكأنها خرجت مباشرة من إعلان تلفزيوني مصقول، لا من واقع صراعي معقّد. وبهذا الشكل، لا يتشكّل اجتماعهم بوصفه كتيبة أممية قائمة على تجربة مشتركة، بل كـ «تشكيلة متعددة الجنسيات والهويات»، محمّلة بكل ما يستدعيه هذا التعدد من تنميط مسبق؛ سواء في صورة المحاربة الكردية، أو الجندية الأمريكية، أو اليسارية الإيطالية، أو الشابة الفرنسية من أصل جزائري، أو المتطوعة اليهودية، فضلًا عن زارا الإيزيدية نفسها بوصفها نموذجًا افتتاحيًا لهذا البناء النمطي. شكل (16).

ويتكرّس هذا الاختزال أيضًا على مستوى الحوار، الذي يُقدَّم بطريقة مؤدلجة ومبسّطة، لا سيما حين يتناول قضايا شائكة مثل الصراع العربي / الإسرائيلي أو حرب العراق، حيث تتحوّل النقاشات إلى إعادة إنتاج لتصورات جاهزة ومتداولة. ونتيجة لذلك، يغدو اجتماع الشخصيات أشبه بـ اسكتش تمثيلي تمرّ خلاله صور نمطية مألوفة، قبل أن ينقلب، في لحظة حاسمة، إلى رسم كاريكاتوري فجّ. وتتجلّى هذه اللحظة تحديدًا في تمثيل الحرب نفسها، التي أشار بيان «المجموعة الفرانكوفونية» إلى أن الشريط قدّمها بوصفها ضربًا من الترفيه، لا تجربة إنسانية مأساوية ذات أبعاد سياسية وأخلاقية عميقة.
التحليل البصري لفيلم كوباني (Kobanê) انتاج 2022
فيلم “كوباني” هو فيلم حربي كردي انتاج 2022، للمخرج أوزلم ياشار (Özlem Yasar)، وإنتاج روج آفا السينمائيةRojava Film Commune بالتعاون مع حركة الثقافة والفن (TEV-ÇAND). يروي الفيلم أحداث معركة كوباني التاريخية التي دارت بين أكتوبر 2014 ويناير 2015، حيث دافع مقاتلو ومقاتلات وحدات حماية الشعب (YPG) ووحدات حماية المرأة (YPJ) عن المدينة ضد هجمات تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وكان صراعًا داميًا، انتهت المعركة بتحرير المدينة رغم الفوارق الكبيرة في العدد والعتاد.
صُوّرت أحداث الفيلم في الطبقة بسوريا، وركّز على دور المرأة الكردية في القتال. يروي الفيلم قصة زهرة وهي امرأة كردية وعضوة في القوة التي تقاتل لصدّ هجمات داعش، حيث بدأت الأحداث في عام 2014، وفي أوج قوة وسيطرة تنظيم داعش على أكثر من نصف سوريا والعراق، كانت زهرة تتقدم مع الجنود بثبات نحو مدينة كوباني الكردية السورية. لكن رغم جهودهم، يواصل تنظيم داعش تقدمه بقوة وحشية. مع وصول الغزو إلى قلب كوباني، ينتاب القائد الكردي البارز “روجوار” الخوف ويتخلى عن المقاتلين، وتتولى زهرة مكانه وتقود المقاومة. يبرز الفيلم شجاعة وتضحيات المقاتلين الأكراد خلال الحصار. شكل (17).

يُبطئ وصول المقاتل المتمرس جلهات ورفاقه، وهم مقاتلون متمرسون في حرب العصابات، على دراية بحرب المدن، من تقدم داعش. لكن الأكراد كانوا أقل عددًا وعدة، وتمكن داعش من محاصرة المدينة. يومًا بعد يوم، ومع تناقص أعدادهم ومواردهم، تخسر المقاومة الكردية أراضٍ. تنهار خطتهم لاستعادة المدينة عندما يشن داعش هجومًا ساحقًا متعدد الجوانب، ويسقط العديد من المقاتلين الأكراد شهداء، بمن فيهم جلهات. ومع ذلك، لا تستسلم زهرة ورفاقها. مع تراجع معنويات عناصر داعش وتفرقهم، تقود هي عملية فك الحصار، معلنةً فجر تحرير المدينة. شكل (18).

من العناصر البارزة في الفيلم هو تصوير رجال ونساء المقاتلين والرغبة في توثيق دور النساء وسرد القوة والوعي الذي يتحلّين به أمام عدسة الكاميرا. تتضمن لقطات الحرب تصادمات شوارع، دخان، دمار مباني، نيران رشّاشات وبطولات فردية، مما يمنح الفيلم إحساسًا بصريًا مكثفًا يوازي واقع القتال الحقيقي. شكل (19)

التحديات التي واجهت فريق العمل أثناء تصوير الفيلم
يؤسس فيلم كوباني لعمل فني يحاول نقل الذاكرة الجماعية للأكراد واختزانها في قصة توثق أحداث واقعية، لتفضح وحشية داعش والظروف التي فرضتها الحرب على المدنيين والمقاتلين على حدّ سواء، كما يبدو في تصوير التضحية، الصداقة، الخسارة، والأمل داخل الظلال القاتمة للصدام. يحاول فيلم كوباني سرد مشاعر الإيمان والخوف، الحرب والمقاومة، الصداقة والخيانة؛ والاحتفاظ بداخل طياته بقصة حب وفقدان وتخليد لحظات البطولة والتضحية وسط أتون الحرب والثورة. شكل (20).

أشار مخرج فيلم كوباني إلى أن التراث الثقافي والتاريخي، والقيم العظيمة التي انبثقت من المقاومة الكردية، والتي سطرت أروع صور النضال في ساحة المعركة، تستحق أن تظهر بشكل أوضح من خلال الفن، وأنهم يحاولون عكس هذه القيم الناشئة في السينما. لذا كانت فكرة تحويل قصة المقاومة التي صنعت تاريخ الثورات العالمية بمواجهة تنظيم داعش في كوباني إلى فيلم سينمائي.
يشير مخرج الفيلم “ياشار” إلى أنهم صوّروا الفيلم في كوباني، وذكر قائلاً: “لم نُغيّر أيًا من معالم الموقع الذي تدور فيه أحداث القصة. لم نبنِ موقع تصوير منفصلًا للفيلم. كان هذا مهمًا بالنسبة لنا. مع ذلك، كان هناك تغيير ملحوظ في معالم المنطقة. لم تكن كوباني كما كانت قبل الحرب ولا كما كانت بعد الحرب. جزء صغير جدًا من المنطقة يحمل آثار تلك الفترة. حرصنا بشكل خاص على تقدير المواقع التي تدور فيها أحداث القصة. وقد علّمتنا هذه المواقع الكثير أيضًا.”
أضاف المخرج قائلاً: “لم يكن بإمكاننا إنجاز هذا الفيلم لولا أهالي كوباني. لقد شاركوا بكل حماس في عملية صناعة الفيلم”، قال يشار، مضيفًا: “عندما علموا بتصوير فيلم عن الحرب في مدينتهم، لم يتردد أحد في المشاركة. في الواقع، تلقينا أكبر دعم من الأهالي. لا يوجد في الفيلم أي ممثلين محترفين، بل جميعهم ممثلون هواة. كان الأمر صعبًا للغاية على من لم يسبق لهم التواجد في موقع تصوير من قبل، وكان صعبًا علينا أيضًا”. وأشار يشار إلى أن الأطفال ساهموا أيضاً في عملية إنتاج الفيلم، قائلاً: “لقد أرشدنا أطفال كوباني. أخبرونا عن المقاتل الذي قاتل في أي موقع، وكيف قاوم، وأين لفظ أنفاسه الأخيرة. الأطفال يحافظون على ذكرى الحرب حية، حيث كانت مساهمات الأطفال في الفيلم لا تُنسى”.
تنتهي القصة بكسر الحصار، وهزيمة داعش تدريجيًا، مع مشاهد تبث روح الزهد والتضحية والثبات على الرغم من الخسائر الكبيرة. في النهاية، يستخدم الفيلم لقطات أرشيفية للمعركة الحقيقية وللمقاتلين الذين فقدوا حياتهم. الفيلم يعتمد تصويرًا في المناطق التي دارت فيها الأحداث، مما يقدم مناظر أرضية مفكّكة وجدرانًا مهشّمة وشوارع خالية من الحياة، كل ذلك يجعل المشاهد يشعر بأنه جزء من ساحة حرب حقيقية وليس مجرد تمثيل. شكل (21).

حظي الفيلم بإشادة واسعة لتصويره الواقعي للحصار وتجارب المقاتلين الأكراد. عُرض الفيلم في العديد من المهرجانات السينمائية، مما يؤكد على أهمية الثقافة والتاريخ الكردي في السينما المعاصرة.
https://yeniyasamgazetesi9.com/bir-zafer-filmi-kobane/
المقاومة النسوية في سينما الحرب في إقليم كردستان.. قراءة بصرية لفيلم “بنات الشمس”
فيلم “Girls of the Sun” (بالفرنسية: Les filles du soleil) للمخرجة إيفا هاسون (Eva Husson) هو دراما حربية نسوية أُنتج في عام 2018، وهو إنتاج فرنسي رئيسي مع تعاون بلجيكي وجورجي في بعض الجوانب الإنتاجية. يركز الفيلم على قصة وحدة نسائية كردية (مستوحاة من اليزيديات) تقاتل تنظيم الدولة الإسلامية داعش (ISIS) لتحرير مدينتها المحتلة، واستعادة حرّيتها في ظل الحرب الأهلية في العراق وسوريا بداية 2010. مستنداً إلى أحداث حقيقية وقعت في عام 2014 في جبال سنجار بكردستان العراق. الفيلم يصور النساء كقوة مقاومة قوية، حيث يتحولن من ضحايا الاختطاف والاغتصاب إلى مقاتلات شجاعات، مستفيدات من اعتقاد الجهاديين بأن القتل على يد امرأة يحرمهم من الجنة.
يُظهر الفيلم وجوه الحرب بعيون نساء كرديات، فهو يشبه في تصويره للمقاومة النسوية أعمالاً أخرى تتناول دور النساء في الحروب، مثل تلك التي تركز على التحول الشخصي أمام الوحشية. الفيلم حظي باهتمام دولي كبير، وشارك في المسابقة الرسمية بمهرجان كان السينمائي عام 2018. شكل (22)

لا يقتصر فيلم “بنات الشمس” على تحليل نضال النساء ضد داعش، بل يُبرز أيضًا روح القتال لدى النساء في سنجار. ويشير إلى أن بعض الجماعات المقاتلة من الرجال لم تشارك في الكفاح المشترك هناك. فالنساء تحت قيادة بهار يُحاربن داعش وعقليته. يُسلط الفيلم الضوء على الجانب القتالي والمقاوم للمرأة الكردية، وجوانبها العاطفية والإنسانية الرقيقة. وتُشير الأغاني باللهجة السورانية والرقصات إلى جانبًا من الحياة اليومية للمقاتلات الكرديات. يُظهر الفيلم محاولات إنقاذ النساء المستعبدات وظروف النساء اللاتي تم بيعهن، ويُشيد بالدور الإيجابي الذي لعبه بعض الأئمة في عملية الإنقاذ. ويُفرّق المخرج بوضوح بين الإسلام وداعش.
ينتهي الفيلم بمشهد تستخدم فيه المقاتلات الكرديات الأنفاق لمداهمة مقر داعش. يفقد بعض المقاتلين أرواحهم في الغارة، بينما تُصاب ماتيلد بجروح في قصفٍ شنّه التحالف خلال اشتباكاتٍ في المدينة. يتضمن الفيلم بعض الملاحظات والمعلومات حول مجازر داعش في سنجار عام 2014، ونساء وأطفال الإيزيديين المختطفين، والنساء اللواتي يُحاربن هذا التنظيم. ويظهر طفل بهار من بين مئات الأطفال الذين تم إنقاذهم في نهاية الفيلم.
الأسلوب الفني في تصوير المواقع والمناظر الطبيعية لفيلم (بنات الشمس) (Girls of the Sun)
لا يظهر الفيلم الأحداث التي صورت داخل الفيلم في مكانٍ معلوم ومُحدَّد داخل إقليم كردستان، لكن يظهر كتيبة من المقاتلات المحاربات تُدعى “بنات الشمس”، يقودهنَّ القيادية بهار (تؤديها غولشيفتيه فراهاني)، وهي امرأة كردية كانت محامية قبل الحرب تم أسرها على يد داعش، ثم أصبحت مقاتلة بعد فقدان أسرتها. هدفها الأساسي هو تحرير مدينتها واستعادة ابنها الذي اُختُطف.
على الرغم من أنّ الأحداث تجري في كردستان العراق أثناء توسّع تنظيم داعش (حوالي 2014–2015)، فإن التصوير الفعلي تم في الجمهورية الجورجية بين شهرَي سبتمبر ونوفمبر 2017، حيث وفّرت الطبيعة الجورجية جبالًا ووديانًا ومشاهد ريفية تشبه البيئة الجغرافية في كردستان، ما أتاح للفيلم طابع حرب مفتوحة ومساحات واسعة للتصوير القتالي. شكل (23)

بصرياً، يعتمد الفيلم على تصوير ماتياس ترويلستروب، الذي يجعل المشاهد القتالية حية وشعرية، مستخدماً الدخان والتأثيرات لتصوير “ضباب الحرب”، مع لقطات طائرات بدون طيار (drone shots) تدور حول المقاتلات لتعزيز الدراما. في مشاهد الأسر، يستخدم إطاراً مظلماً وألواناً قاتمة ليبرز الرعب، مثل المشاهد في الأقبية حيث تُعامل النساء كعبيد، مع موسيقى بيانو بسيطة تعزز حالة الحزن والأسى.
كانت المناظر الطبيعية في الفيلم غالبًا ما تُظهر الجبال والضباب والمساحات القاحلة، مما يعزز إحساس الصراع في الفضاء المفتوح، ويخلق قطيعة بصرية تعكس الوحشة والحرية في آن واحد. كما يتم توظيف الطبيعة كخلفية رمزية للأمل في التحرير، وكذلك للدهشة من ضخامة الحرب ومآسيها. كما أنه يرتبط بمخيلة الأكراد الذين نشأوا بين الجبال الصلبة والتي نحتت من قلوبهم شخصيات تتسم بالشجاعة والبأس والجلد.
الفيلم يستخدم تقنية الفلاشباك بفعالية ليُظهر مشاهد الأسر والذكريات المؤلمة لبطلة الفيلم “بهار”، ثم رحلة الهروب والتحول إلى مقاتلة، ثم التنويه عبر ومضات إلى العلاقة بين ماضيها وحاضرها في المقاومة. هذا الأسلوب يربط الماضي بالحاضر بصريًا، ويمنح رؤية وجدانية ونفسية أعمق للصراع.
انتهجت الكاتبة والمخرجة إيفا هوسون مع مدير التصوير نهجًا مختلفًا تمامًا عن السائد في تقديم النساء في أفلام الحروب والمعارك، إذ يستخدمان أسلوبًا بصريًا رومانسيًا فخمًا يُذكّر بأفلام ديفيد لين الملحمية. مع ذلك ربما اختارت هوسون هذا الأسلوب لتسليط الضوء على روح الصمود والتفوق الأخلاقي للنساء اللواتي تسلط الضوء عليهن، إلا أنه في نهاية المطاف يُضعف التأثير العاطفي الذي يتطلبه فيلم “بنات الشمس”. إلا أن اللقطات المقربة البراقة التي رُسمت لبطلة الفيلم فراهاني توحي بأن الأهوال التي عانتها بهار قد تركت ندوبًا دائمة على روحها. شكل (24).

حاولت المخرجة إيفا في الفيلم الاعتماد على تصوير مزيجًا بصريًا يجمع بين اللقطات القريبة على وجوه الشخصيات لتُظهر حالة التعب والألم، ما يعزّز الارتباط العاطفي للمشاهد بالشخصيات، وكذلك تصوير مشاهد قتالية ديناميكية في المناطق الطبيعية الواسعة، ما ينقل إحساس القتال الواقعي داخل الحرب. بينما يوضح المونتاج والتصوير التباين بين الضوء والظلال، حيث تُعرض مشاهد القتال في ضوء نهاري صارخ وشديد، يعكس عنف الحرب، مقابل لقطات الذاكرة في نور خافت أو ظلّ قاتم يرمز إلى الألم والذكرى. شكل (25).

السينما الهجينة بين الوثائقي والروائي في قلب الصراع الكردي
تمثل السينما الهجينة بين الوثائقي والروائي نمطًا سينمائيًا فريدًا يتحدى التقسيمات التقليدية بين الواقع والخيال، ويُعرف غالبًا بـ”سينما الصراع المحلية” أو “vernacular cinema of conflict”. وفي سياق الصراع الكردي، يبرز هذا النمط بشكل خاص من خلال أعمال مثل فيلم “بريتان” (2006) لخليل داغ، حيث يُصوَّر الفيلم في جبال كردستان بمشاركة مقاتلين حقيقيين من حزب العمال الكردستاني كممثلين وطاقم، مما يمزج بين التصوير الوثائقي الخام (كاميرا محمولة، إضاءة طبيعية، لقطات عفوية تعكس الحياة اليومية في المقاومة) والعناصر الروائية (سرد درامي مبني على قصة حقيقية لمقاتلة كردية تحولت إلى رمز).
استخدام أسلوب الهجين في السينما يخدم غرضًا مزدوجًا، أولا: توثيق الذاكرة الجماعية والمقاومة اليومية ضد القمع، ثانيًا: بناء سرد درامي يعزز الهوية الكردية والثقافة المقاومة. يتجاوز الفيلم حدود الوثائقي التقليدي بإضفاء طابع أسطوري على الشخصيات، ويتجاوز الفيلم الروائي نظيره التجاري باستخدام الواقعية الشديدة والمواقع الحقيقية، مما يجعله أداة فعالة للتعبئة الثقافية والسياسية داخل المجتمع الكردي، ويعكس في الوقت ذاته التحديات الإنتاجية تحت ظروف الحرب والحظر.
يُعد فيلم “بريتان” (Bêrîtan) أول سرد سينمائي كردي يركز على سياسات حركة النساء الكرديات في التسعينيات، ويُصنف كجزء من “سينما الصراع” التي تعكس التمرد والذاكرة الجماعية الكردية. تم انتاج فيلم (بريتان) عام 2006 وساهم المخرج خليل داغ (Halil Dağ) في صنع فيلم يعكس طبيعة نشاط حركة المقاومة الكردية (PKK) التي كان ضمن أعضاءها. الفيلم مستوحى من قصة حقيقية للمقاتلة الكردية غولناز قراطاش (Gülnaz Karataş)التي انضمت إلى حزب العمال الكردستاني (PKK) في أوائل التسعينيات، وتوفيت في معركة عام 1992. شكل (26)

يُعتبر هذا الفيلم أحد أبرز الأعمال في السينما الكردية “المحلية” أو “الفيرنكيولار” (vernacular cinema)حيث يمزج بين تصوير العناصر الوثائقية والروائية ليجسد حالة الصراع الكردي ضد القمع التركي، مع تركيز على دور النساء في المقاومة، وقد صُور بميزانية محدودة في ظروف صعبة.
الأسلوب الإبداعي في تصوير المشاهد في فيلم “بريتان” (Bêrîtan)
يقسّم الفيلم حياة شخصية البطلة “بريتان” إلى مراحل، بداية كفتاة كردية عادية، ثم انضمامها إلى PKK، وأخيرًا معاركها في الجبال. ومن أبرز المشاهد التي ركز عليها الفيلم مشاهد الجبل، حيث اللقطات الطويلة للمقاتلين يتنقلون في الوديان الوعرة، مع أصوات الرياح والأسلحة، تعكس الصمود اليومي. وكذلك مشاهد القتال، التي كانت مكثفة وخام، مثل المعركة النهائية حيث ترفض بريتان الاستسلام، مصورة بكاميرا محمولة لتشعر بالفوضى والشجاعة.
كما تم تصوير المشاهد التي بها انفعالات وجدانية عالية، من خلال تقنية الفلاشباك بالرجوع للماضي وتقصي حياتها السابقة، مع لقطات قريبة على وجهها لنقل التحول من الضعف إلى القوة. ثم تصوير المشاهد الجماعية التي تصور تجمعات المقاتلين وهم يغنون أغاني كردية، وهي مشاهد مصورة بلقطات واسعة لتعزيز الروح الجماعية لديهم. كل هذه المشاهد تميز الفيلم بطابعه الوثائقي، حيث تبدو كتسجيلات حقيقية للحياة في الجبال. شكل (27)

يمكن هنا التأكيد على تماسك أفلام المخرج الكردي داغ. إذ يرتكز عمله على موضوعات شاملة تتمحور حول الصراع والمقاومة والحياة اليومية للمقاتلين، ويمكن ملاحظة اللغة البصرية وأساليب الإنتاج نفسها في جميع أفلامه. في بعض الأفلام، تعاون داغ مع منتج مشارك، لكنه كان في الغالب هو المبدع الرئيسي. أنتج داغ ستة أفلام في المجمل، تتراوح مدتها بين 29 و162 دقيقة. في هذه الأفلام، يمزج داغ تجاربه كمقاتل في صفوف الثوار مع اللغة السينمائية الرمزية والاستعارية التي بدأ يُقدّرها من خلال دراسته لنظرية السينما.
يمكن تصنيف بعض هذه الأعمال التي أخرجها داغ كأفلام وثائقية، مثل فيلم “Kilamek ji Zagrosé” (أغنية واحدة لزاغروس)، وفيلم “Di Jiyana Gerîla xweza û ajal” (الطبيعة والحيوان في حياة مقاتل). تقدم هذه الأفلام نظرة معمقة على حياة المقاتلين، وتغطي جوانب مختلفة كالتدريب وأوقات الفراغ وظروف المعيشة. وتُجرى مقابلات مع مقاتلين من مختلف الرتب والخلفيات. وتُعدّ البيئة الطبيعية، وكيفية انسجام المقاتلين معها، جزءًا أساسيًا من هذه الأفلام الوثائقية. وتُدمج لقطات مقرّبة للزهور والحيوانات (خاصة الطيور والوعول الجبلية) ومشاهد بانورامية واسعة للمناظر الجبلية الكردية بين مشاهد المقاتلين ومعسكراتهم.
القصة الحقيقية وراء تجربة فيلم بيريتان للمخرج خليل داغ
بالاقتراب أكثر من تجربة المخرج داغ الذي أنتج فيلمه الأكثر شهرة وهو”بيريتان”. وقد اعتبره داغ “أول فيلم حقيقي له”. إذ يُعد الفيلم تكريمًا للمقاتلة بيريتان (الاسم الحركي لغولناز كارتاش)، التي أصبحت شهيدة معروفة في الحركة الكردية. انضمت كارتاش إلى حزب العمال الكردستاني عام 1990، واستشهدت في أكتوبر 1992، بعد أن ألقت بنفسها من أعلى جرف لرفض الاستسلام لمقاتلي الحزب الديمقراطي الكردستاني (الذي كان حزب العمال الكردستاني طرفًا في صراع مع حزب العمال الكردستاني في العراق). وكان الحزب الديمقراطي الكردستاني قد شنّ هجومًا على قوات حزب العمال الكردستاني، بالتعاون مع الجيش التركي.
كما هو الحال في أفلام داغ التي أخرجها سابقًا، تدور أحداث هذا الفيلم بالكامل تقريبًا في مواقع طبيعية وفي معسكرات حرب عصابات حقيقية. لا وجود لحياة خارج نطاق حرب العصابات، ولا إشارة إلى حياة بيريتان قبل انضمامها إلى حزب العمال الكردستاني. بدلاً من ذلك، يُظهر الفيلم تدريبات ومعارك وأنشطة يومية للمقاتلين، ما يُبرز تصميمهم وشجاعتهم وتضامنهم. شكل (28)

علاوة على ذلك، يُسلط الفيلم التركيز على شخصية بيريتان ورفيقاتها الضوء على خطاب حزب العمال الكردستاني الذي يُصوّر المرأة رمزًا قويًا للقوة والمقاومة. يُختتم الفيلم بمشهد مؤثر يُظهر وفاة بيريتان، يليه مشاهد لموكب جنائزي يُحيي فيه الرفيقات ذكرى بيريتان، بالإضافة إلى صور لجولناز كاراتاش الحقيقية. شكل (29). ورغم أن الإنتاج السينمائي الكردي للأفلام الروائية الطويلة لا يزال محدودًا بسبب ضغوطات الرقابة والتمويل، فإن هذا النمط الهجين يزدهر في الأفلام القصيرة والمهرجانات الرقمية، مما يجعله أكثر مرونة وانتشارًا. إذ يُعتبر تطورًا طبيعيًا يعكس التحول من “سينما تحت القمع” إلى “سينما مقاومة عابرة للحدود”، مع استمرار دوره في توثيق الذاكرة الكردية وبناء سرديات مقاومة جديدة.

د.مرام محمود ثابت
باحثة في الدراسات السينمائية والأنثروبولوجيا البصرية، تتركز اهتماماتها البحثية على السرد البصري في أفلام سينما المؤلف مع دراسة تمثيلات الهوية في السينما، خاصة القضايا المرتبطة بالهوية العربية. كما تهتم بتحليل تأثير العوامل الاجتماعية والثقافية والسياسية في تشكيل الخطاب البصري في سينما المنطقة.



