ثقافة

الغرب .. تاريخ الفكرة وتفكيك وهم التفوق

تحليل: د. أحمد محمد إنبيوه …

بعد الحرب العالمية الثانية وصعود نجم النموذج الشمولي سياسيا وعسكريا، كان ثمة خشية من اكتساح فكري لهذا النموذج، فتمت تغذية ما يمكن تسميته السردية الغربية في مقابل السردية السوفيتية الماركسية. وكانت أهم أيقونة تم إنتاجها للتحذير من خطورة النموذج الشمولي على القيم الغربية، رواية ١٩٨٤، والتي تم إنتاجها للتحذير المزدوج ولم تكن ضد الاتحاد السوفيتي بالأساس، لكن الاستخدام السياسي والثقافي جعلها وثيقة أدبية ضد الشمولية الآتية من الشرق فقط. وهذه المفارقة هي التي حكمت التعاطي مع كل ما هو غير غربي بوصفه الخطر على قيم التحضر. أما كل ما هو غربي في النقيض المثالي.

ولهذا، ظلت لسنوات طويلة السردية المتحكمة في التعاطي مع كل ما هو غربي، واقعة تحت إطار التفوق الثقافي ورسوخ قيم الديمقراطية والعدالة والمساوة في خط تصاعدي يمتد إلى الإغريق والرومان. ومن ثم، تكون أي محاولة لإنتاج سردية بديلة أو مقولات أخرى تفسر العالم وفق أبجديات معرفية مغايرة تقابل كأنها نوع من التجديف الفكري، كون السردية الغربية المتماسكة أضحت من الرسوخ بدرجة لا يمكن التشكيك في بنيتها ولا نتاجاتها التأويلية. لكن هذا التماسك بدأ في التداعي منذ فترة، فمن فترة لأخرى تأتي محاولة لتفنيد السردية الغربية وتحاول أن تروي حكاية الغرب من وجهات نظر مختلفة وجديدة، لا تنتصر بالضرورة لمنطق التقدم الغربي بوصفه ثابت راسخ. بل تعمل فيه تفكيكًا وإعادة قراءة لهذه التجربة، التي أضحت بمرور الوقت خارج المساءلة، أو على الأقل فوق إمكانيات التفكير الجمعي في بناها الأولى وقيمها الأساس. ومن ثم تأتي قيمة قراءة كتاب نيشا ماك سويني«الغرب تاريخ جديد لفكرة قديمة»، الصادر عن منشورات تكوين بالكويت ٢٠٢٥، ومن ترجمة إيمان معروف، والذي سنحاول تقديم قراءة إجمالية لفكرته وبعض محتواه.    

يفكك الكتاب أسطورة التفوق، ويضرب وهم اكتساح المركز، ويؤصل لفساد ثنائية التفوق أمام التخلف والمتحضرين أمام البرابرة. وذلك عبر النفاذ لزمن البذور الأولى لفكرة الغرب وتتبعها عبر ١٤ فصل، تبدأ من اليونان والرومان وتنتهي لدى الغرب الحداثي الكولونيالي. الكتابة عن الثنائية في الذهنية الغربية محاولة، هي في ذاتها ترنو الاقتراب من أصل النقاء وأسطورة التفوق الأبيض، إثنيا وحضاريًا وجينيًا. ومع القراءة تأتي إمكانية التفكيك، فتحت ركام التاريخ الحقيقي ثمة سردية مغايرة للسردية الغربية الحالية التي ترى في ذاتها قمة قيم وأفكار التحضر.  ثمة سردية أخرى تُروي تقف هناك في الألفية الأولى من الميلاد، وتنتقل للآن لتحاول فك أسطورة الاعتياد التي صدرتها الذهنية الغربية قبل أن تصبح من الأفكار الأساس لأي تفكير يتعلق بنقد التفوق أو روايته من زوايا المغلوبين المقموعين في العالم غير الغربي.              

لكن ما هو الغرب، وما عمق وتاريخية المصطلح. يمكن تتبع بدايات تشابك وبناء المصطلح على النحو التالي.. يشيرُ مصطلحُ «الغَرب The West» إلى تحالفٍ جيوسياسيٍّ أو مجتمع ثقافي، ويُستخدم عادةً للإشارة إلى مجموعة من الدُّول القومية الحديثة التي تتشارك في السِّمات الثقافية والمبادئ السِّياسية والاقتصادية. من بين هذه المبادئ مُثُلُ الديمقراطية التمثيلية ورأسمالية السُّوق، وعلمانية الدولة اسميًّا؛ كونها تستند إلى خلفية أخلاقية يهودية-مسيحية، ونزعة نفسية نحو الفردية. ومن البداية يحدد المؤلف هدفه من بناء سرديته عن الغرب، إذ يقول: هذا ليس كتابًا عن صعود الغرب بصفته كيانًا ثقافيًّا أو سياسيًّا. إذْ يوجد بالفعل الكثير من الكتب التي تتناول هذا الموضوع، وتقدِّم تفسيراتٍ مختلفة لكيفية وصول الغرب إلى الهيمنة العالمية. بدلًا من ذلك، يتتبَّع هذا الكتاب نشوءَ نسخة معينة من تاريخ الغرب، وهي النسخة التي انتشرتْ على نطاق واسع، وتجذَّرتْ بعمق لدرجة أنها تُقبل غالبًا دون تمحيص، رغم أنها إشكاليةٌ أخلاقيًّا وخاطئةٌ من واقعيًّا. يفكِّكُ هذا الكتاب، ويتحرَّى، السردية الكبرى المعروفة بإسم حضارة الغرب. وقد استشرتْ السردية التقليدية للحضارة الغربية، إلى درجة أنها أصبحت أمرًا مسلَّمًا به، ونادرًا ما نتوقف للتفكير فيها، بل والأكثر ندرةً أن نطرحَ تساؤلاتٍ حولها. ورغم أنها تُواجه انتقادات متزايدة (وناجحة)، فإنَّ هذه السردية لا تزال في كلِّ مكان. في الكتب المدرسية ونصوص التاريخ الشعبي التي عند محاولتها شرح تاريخ الغرب، غالبًا ما تبدأ «بالإغريق والرومان، ثم تمرُّ عبر العصور الوسطى الأوروبية، وتركز على عصر الاستكشاف والغزو الأوروبيينِ، وأخيرًا تُحلِّل التاريخ الحديث». غالبًا ما تكون اللُّغة المستخدمة في وصف «حضارة الغرب»، في هذه الأعمال، مليئةً بالاستعارات الجينية، حيث توصف من خلال مفاهيم مثل «الإرث»، و«التطور»، و«النَّسب».

بل وتُستحضَر شجرة النسب الثقافية، المتخيَّلة للغرب، صراحةً في خطابات السياسيين الشعبويِّين، والخطاب الإعلامي، وتحليلات المثقَّفين. وتشكل الأساس الرمزي والمفاهيمي الذي يستخدمه أشخاصٌ من مختلف التيارات السياسية. من بين هذه المرجعيات، ثمَّة تركيز خاص على العصور القديمة اليونانية-الرومانية بوصفها مهْد الغرب، حيث تُستخدم الإشارات إلى اليونان القديمة وروما بكثرة في الخطاب السياسي المعاصر. فعلى سبيل المثال، عندما اقتحم حشد من المتظاهرين مبنى الكابيتول الأميركي في 6 يناير 2021، زاعمين أنَّهم يدافعون عن القيم الغربية، حملوا أعلامًا كُتب عليها عبارات إغريقية قديمة، ولوحات تُصور الرئيس السَّابق دونالد ترامب على هيئة يوليوس قيصر، في حين ارتدى بعضهم خوذات إغريقية قديمة، وارتدى آخرون الزي العسكري الروماني الكامل.  ولذلك كله، يجادلُ، هذا الكتاب، أنَّ السردية الكبرى للحضارة الغربية خاطئة من الناحية الواقعية. فالغرب الحديث لا يمتلك أصلًا واضحًا وبسيطًا في العصور الكلاسيكية القديمة، ولم يتطورْ من خلال سلسلة متصلة ومنفردة تمتد من العصور القديمة عبر المسيحية في العصور الوسطى، وعصر النهضة، والتنوير، وصولًا إلى الحداثة. ولم تُنقلْ الهوية والثقافة الغربية كما لو كانت «كتلة ذهبية صافية». مع ذلك، لا تزال طبيعة هذه التفاعلات الثقافية وتعقيداتها بحاجة إلى المزيد من الدراسة والفهم، فلم تتشكل بعدُ سردية كبرى جديدة تحلُّ محلَّ السردية التقليدية للحضارة الغربية. ويشير المؤلف إلى بعضًا من دوافعه لإنتاج هذا الكتاب، إذ يقول إن أحد دوافعه جاء من :  التأمُّل في حقيقة مثيرة للقلق، وهي أن جميع الأدلة التاريخية المتراكمة، وكل الإجماع الأكاديمي ضد هذه السردية، كان له تأثير محدود للغاية على الوعي العام. لا تزال هذه السردية حاضرةً بقوة في الثقافة الغربية المعاصرة. لماذا لا تزال (مجتمعات الغرب، بوجه عام) متمسكين بشدة برؤية للتاريخ فقدت مصداقيتها بالكامل؟ أيضًا، يجادل هذا الكتاب في أن اختراع السردية الكبرى للحضارة الغربية، ونشْرها، واستمرارها طويل الأمد، كل ذلك بسبب فائدتها الأيديولوجية. وُجِدت هذه السردية -ولا تزال قائمةً اليوم رغم دحضها علميًّا- لأنها تؤدِّي غرضًا بعينه. بوصفها إطارًا مفاهيميًّا، قدمت تبريرًا للتوسع الغربي والإمبريالية، كما دعمت استمرار أنظمة الهيمنة العِرقية البيضاء. ويكمل تبريره، أن هذا لا يعني أن السردية الكبرى للحضارة الغربية كانت من اختراع عقل مدبِّرٍ شرير، يتآمر بوعيٍّ لصياغة رؤية زائفة للتاريخ تخدم مصالحه. بل على العكس تمامًا. لقد نُسجت هذه القصة تدريجيًّا وعشوائيًّا، مصادفةً، بقدر ما كانت بحكم التخطيط المتعمد. إنَّها سردية كبرى تتكون من سرديات أصغر، مترابطة ومتشابكة، استُخدمت كل واحدة منها منفصلةً لخدمة أهداف سياسية محدَّدة.

المعادلة الكبرى التي أسست لأسطورة الغرب في الذهنية الغربية العامة: إنَّهم يصورون أثينا الكلاسيكية على أنَّها منارةٌ للديمقراطية، فتمثِّل ميثاقًا تأسيسيًّا للديمقراطية الغربية الحديثة. ويزعمون أن قدامى الرومان كانوا أوروبيين بالأساس، ممَّا أصَّلَ لفكرةِ التراث الأوروبي المشترك. ناهيك عن أسطورة الحروب الصليبية بوصفها صراعًا حضاريًّا بسيطًا بين العالم المسيحي والإسلام، وهي سردية استُخدمت لتبرير الجهاد المناهض للغرب من جهة، و«الحرب على الإرهاب» من جهة أخرى.

اليونان.. هيرودت القديم والحديث وفكرة الغرب

يستحضر المؤلف واقعه مثيره لغلبة المزاج العام، والوجدان العام المتعلق ببياض الغرب ونقاءه الإثني في مواجهة الاخر الملون بالأساس؛ وذلك كله عندما يستحضر البنية التحتية للاوعي الجمعي المحيطة بإنتاج أعمال فنية وسينمائية تتحدث عن الفترة التي جري العرف على تسميتها بالكلاسيكية في التراث الغربي؛ أي الماضي اليوناني الروماني للغرب. فعندما أطلق زاك سنايدر (Zack Snyder) فيلمه 300 في العام 2007، أثار جدلًا واسعًا لتصويره إسبرطيّي هيرودوت على أنهم أوروبيون بيض البشرة، محبّون للحرية، مقابل تصوير الفرس على أنهم آسيويون وأفارقة تتسم طباعهم بالانحلال الأخلاقي والتشوّه الجسدي. فهل هذه التصورات عن الفرس واليونان بوصفهم ممثلي الشرق والغرب صحيحة. أم إنها خاضعة لارتهان اللحظة الحالية ودائرة في فلكها المفاهيمي والأيديولوجي. ربما يعدو هذا إطارًا مناسبا للنفاذ لأحد المصادر المركزية في مراكمة بياض ومركزية وتفوق الغرب على ما عداه. سنحاول الاقتراب من نص هيرودوت الباقي، والذي أسس عليه كثير من مقولات الشرق والغرب. من المفهوم أن يُساء تفسير نصوص هيرودوت. ثمّة الكثير من المقاطع في نصّه توحي فعلًا بسرديّة من نوع صراع الحضارات (clash of civilisations). لكن ثمّة أيضًا الكثير من المقاطع التي توحي بعكس ذلك تمامًا. إذا قرأنا هيرودوت بعناية، نجد أنّه يقدّم فكرة صراع الحضارات من أجل أن يقوّضها وحسب. ونكتشف أن هيرودوت لم يقسم العالم إلى الغرب والبقية (the West and the Rest)، كما لم يفهم التاريخ بوصفه إعادة متكررة لنزاعٍ أبدي واحد. باختصار، لم يخترع هيرودوت نسخة مبكّرة من سرديّة «حضارة الغرب»، ولم ير نفسه أو الإغريق جزءًا من كتلة جغرافية-ثقافية تُوازي الغرب الحديث. بل إنّ مجمل عمله على مدار حياته يشير إلى الاتجاه المعاكس تمامًا. ومن مفارقات التاريخ أن يُستخدم هيرودوت، بعد وفاته بألفين وخمسمئة عام، لترويج الأيديولوجيا ذاتها المبنية على ثنائية (نحنُ ضدَّهم Us vs Them) تلك التي سعى هو نفسه إلى دحضها. إذن، من كان هيرودوت في الحقيقة؛ أهو أبو التاريخ أم أبو الأكاذيب؟ هل كان خياليًّا، مدافعًا عن البرابرة، وماهرًا في حبك الحكايات المبالغ فيها؟ أم كان مبتكرًا علميًّا، يدفع بحدود المعرفة البشرية عبر إعادة تصوّر العلاقة بين الإنسان والماضي؟ وربما يكون السؤال الأهمّ ي هذا السياق هو: هل صاغ هيرودوت رؤية مبكرة لـ«غرب أوليّ» (proto-West)، تشكّل الأساس للمفهوم الحديث عن الغرب (the West) اليوم؟ هل قدّم هيرودوت النموذج الأوّلي للسرديّة الكبرى لـ«حضارة الغرب»؟

كان تعريف الهيلينيين لأنفسهم، تعريفًا نسَبيًّا يعتمد على النَّسب، ومرتبطًا بفكرة التاريخ المشترك والسلف المشترك. لكن ينبغي الحذر من التفكير في «الهويّة الإغريقية» (Greekness) على أنها نوع من «العرق» بالمعنى الحديث للكلمة. فالهيلينيون القدماء لم يكونوا مجموعة عرقيّة متجانسة، منفصلة عن غيرها من الأعراق بحدود واضحة. إذ بحسب الإغريق القدماء، كانت الأنساب وسيلة لربط الناس ببعضهم، وكانت الأصول المتعدّدة مدمجة بطبيعتها في هذا البناء. ثمّة عامل آخر ربطَ بين الدويلات الإغريقية، وربما كان أقوى من فكرة النسب الهيليني المتخيّل، وهو الوعي بالثقافة المشتركة. فكانت هناك اللغة الإغريقية ونظام الكتابة الإغريقي، إلى جانب تقاليد أدبية متجذّرة، ومجموعة غنية من الأساطير والقصص المشتركة. وكان هناك أيضًا هيكل تعددي ديني يقوم على النظام الأوليمبي لتعدد الآلهة (Olympian polytheism)، ويتضمن طقوسًا وممارسات شعائرية متشابهة من مدينة إلى أخرى، فضلًا عن مفاهيم متقاربة حول ما يجعل المعبد يبدو «ملائمًا» من حيث الشكل. وكانت هناك عادات وأنماط حياة يومية مشتركة، تشمل أفكارًا متشابهة بشكل لافت في مجالات متنوعة مثل بنية الأسرة الأساسية، والقواعد الاجتماعية، والأعراف التعليمية، والتقاليد المعمارية، وأساليب العمل الحِرفي. لقد كان جزءٌ كبير من «كونك إغريقيًا» يتمثل في «ممارسة الأمور الإغريقية بطريقة إغريقية.

من الواضح أنّ تصوّرات الإغريق القدماء حول القارات كانت مختلفة عن تصوّراتنا الحالية. كما أنها لم تكن موحّدة؛ لم يتفق الجميع مع أرسطو على أنّ الأراضي المحيطة بالبحرين الأبيض والأسود، أي الأراضي التي يسكنها الإغريق، تقع في المنطقة الوسطى بين القارات. أما هيرودوت، فقد رأى أنّ فكرة تقسيم العالم إلى قارات فكرة سخيفة. وبفضل النسخة من التاريخ التي تُشكّل السرديّة الكبرى لما يُعرف  بـ«حضارة الغرب»، فإننا عندما نفكّر في أثينا، نميلُ إلى تصورها على أنها مهد الديمقراطية، المكان الذي كانت له الرّيادة في تطبيق حكم الشعب (demokratia) والمساواة أمام القانون (isonomia). على الرغم من أنّ هذا التصوّر صحيح جزئيًا، فإنّ واقع الديمقراطية الأثينية كان بعيدًا كلّ البعد عن المبادئ الحديثة للديمقراطية الليبرالية التي نربطها اليوم بالغرب. بدايةً، استبعدت النساء تمامًا، وكذلك آلاف العبيد الذين كان الاقتصاد الأثيني يعتمد على عملهم.

أما عن رؤية الإغريق للآخر في زمنهم، فنجد أنها لا تتوافق تمامًا مع منطق الثنائيات الحدي؛ فليس ثمة غرب كتلة واحدة في مواجهة آخر أقل درجة. وإذا قرأنا مقدمة هيرودوت بعناية، فلن يكون الصراع بين الإغريق وغير الإغريق هو الموضوع الرئيس البارز. صحيح أن «أسباب شنّ الحروب فيما بينهم» مذكورة ضمن الموضوعات، لكنها تأتي فقط «من بين أشياء أخرى». أما ما يشغل ذهنه بالدرجة الأولى، وعلى مدار صفحات كتاب التواريخ بأكمله، فهو «الأشياء التي أنجزها البشر»، لا سيّما «الأعمال العظيمة والعجيبة التي أظهرها كل من الهيلنيين والبرابرة». وما يلفت الانتباه هنا هو إنصافُ هذا التصريح وتوازنه. فليس الإغريق وحدهم من قاموا بأعمال عظيمة، بل غير الإغريق أيضًا. والإنجازات التي يسعى هيرودوت إلى توثيقها للأجيال القادمة هي، في جوهرها، إنجازات «البشر»؛ أو كما قال هو بنفسه: anthrōpoi (أي البشر عمومًا). ولا يكتفي هيرودوت بذكر ذلك في مقدمته، بل يظل ملتزمًا به طوال صفحات التواريخ. ففي هذا العمل، نسمع عن كرم الفراعنة المصريين، وبطولة ملكات السكيثيين (Scythians)، وبراعة مهندسي بابل، وجاذبية الرجال الإثيوبيين.. لقد كان التركيز الأساسي في التواريخ هو الاحتفاء بما أنجزه البشر، كلّ البشر، لا الإغريق فقط.

ولهذا، يمثّل الاعتقاد بأنّ العالم الإغريقي الكلاسيكي كان نسخةً مبكرة من «الغرب»، إساءة فهمٍ واضحة لهيرودوت. بدايةً، يتركّز «الغرب» الحديث تاريخيًا على أوروبا، ودول أميركا الشمالية ذات الأصول الأوروبية، وما يُعرف بالأنغلوسفير (Anglosphere) الأوسع. أما الإغريق القدماء، فلم يروا أنفسهم أوروبيين أصلًا. بل إن كتابات كلّ من أرسطو وهيرودوت تُظهر أن أوروبا كانت تُربط أحيانًا بالبربرية. وثمّة دلالة أخرى للغرب الحديث -وإن لم يُصرَّح بها غالبًا في الخطاب المهذّب- تتعلق بـ«العِرق الأبيض»، في مقابل «غير الغربيين» الذين يُوصمون غالبًا بأنهم «سود»، أو «سُمر»، أو «صُفر». في المقابل، كانت الهوية الهيلينية القديمة تُعرَّف جزئيًا على أساس النّسب والأصل العرقي، لكنها لم تُعبَّر عنها من خلال الفروق الشكلية، وبالتأكيد لم تُحدَّد قطُّ تبعًا للونِ البشرة. فقد كان لون الجلد ببساطة أقل أهمية في العالم الإغريقي القديم مما هو عليه في عالمنا المعاصر. وعلى الرّغم من أنّ لون البشرة استُخدم أحيانًا مؤشرًا لهويّة لبعض الشعوب (فالغاليّون (Gauls) غالبًا ما عُرِفوا ببشرتهم الحليبية، والحبشيون (Aethiopians) ببشرتهم الداكنة)، فإنّ لون البشرة لم يؤدِّ دورًا مهمًّا في الخطاب الإغريقي القديم عن الهوية.

لقد كان ثمة محاولة لإسقاط ظل الحاضر على نسيج الماضي وصبغة بصبغة الثنائيات المقيتة، ففي الغرب الحديث، من الصعب تفادي الصّور النمطية التي تصوّر الآسيويين بوصفهم مخنّثين لكن ماكرين، وهي صور تتكرر من حين لآخر في الثقافة الشعبية. ترى في أدب وفنون الإمبريالية الأوروبية، كما أشار إلى ذلك إدوارد سعيد، كما أنها حاضرة أيضًا في أفلام هوليوود، والروايات الأكثر مبيعًا، والرّسوم الكاريكاتورية في الصحف. في العصر الحديث، يُصاغ هذا التصوّر لـ«الآخر» غير الغربي في صورة معكوسة لـ«الغربي المثالي»، من خلال سلسلة من الثنائيات المفاهيمية: الغرب مقابل الشرق، الذكورة مقابل الأنوثة، القوة مقابل الضعف، الشجاعة مقابل الجبن، البشرة الفاتحة مقابل البشرة الداكنة. وفي الغرب اليوم، تبقى هذه الخطابات العنصرية كامنة تحت سطح الخطاب السياسي المقبول، ولا تظهر إلا بين الحين والآخر. أما في أثينا القرن الخامس قبل الميلاد، فقد كانت هذه العنصرية هي الخطاب السائد. أيضًا نجد في صفحات كتاب التواريخ، أنّ بعض الإغريق يعلنون فعلًا حبّهم للحرية، وهو مفهوم نميل اليوم إلى ربطه بالغرب الحديث. تظهر كلمة «الحرية» (eleutheria) مرارًا في سياق سعي الإغريق للتحرّر من الاضطهاد الفارسي. ومع ذلك، تظهر هذه الكلمة أيضًا في سياقات غير إغريقية بالكامل، مما يشير إلى أنّ الفرس، والمصريين، وغيرهم من غير الإغريق، كانوا هم أيضًا مدفوعين بحبّ الحرية. ولعلّ أكثر ما يثير الدهشة، هو أنّ الكلمة تُستخدم كذلك في سياق الحروب بين الإغريق أنفسهم، مما يدل على أنّ الحرية لم تكن مهددة فقط من قبل «البرابرة»، بل يمكن أن تُسلب أيضًا على يد أقرانٍ من الإغريق. وكان هذا المفهوم مناسبًا للغاية في الزمن الذي كتب فيه هيرودوت، إبان ذروة الحروب البيلوبونيسية (Peloponnesian Wars) بين أثينا وإسبرطة، حين عانت المدن الإغريقية الأصغر كثيرًا مما يجسّد «أضرارًا جانبية» في هذا الصراع.

ولهذا، فإن أحد النماذج الأيديولوجية التي نجدها في كلّ من عالم الإغريق القديم والغرب الحديث، هو نموذج التقابل الثنائي الثقافي بين «نحن» و«هم». ففي عالم الإغريق القديم، تمثّل ذلك في التقابل بين «الهيليني» و«البربري»، وهو صراعٌ متخيّل يعود إلى أجيال سابقة، يُقابل فيه «نحن» – الشجعان، الأقوياء، المحبّون للحرية – بـ«هم» – الجبناء، المخنثون، الخانعون. ورغم أنّ هذا التوصيف يبدو متطرفًا، فإن النموذج المفاهيمي الأساسي نفسه يقوم عليه خطاب «الغرب مقابل البقية» في عصرنا الحديث. ليسَ لأنّ الغرب الحديث قد ورث هذا النموذج مباشرة من اليونان القديمة، بل لأنّ النموذج يؤدي الوظيفة المفاهيمية ذاتها، ويخدم الغرض السّياسي نفسه في الحالتين؛ أي دعم أيديولوجيا توسّعية، عنصرية، وأبوية. وكما سنرى في الفصول اللاحقة من هذا الكتاب، فإن نشأة «الغرب» كمفهوم، واختراع تاريخه بوصفه «حضارة الغرب Western Civilization»، كان في الأصل أداة أيديولوجية وُظّفت في خدمة الإمبراطورية. ورغم أنّ هذا المفهوم تطوّر لاحقًا في أشكال ومعانٍ اجتماعية وثقافية عدّة، فإنّ نشأته الأولى كانت في سياقٍ إمبريالي [إمبراطوري]. وهذا ينطبق أيضًا على «الهيلينية» المسيسة التي استخدمتها الإمبراطورية الأثينية سلاحًا سياسيًا.

لقد، تصوّر هيرودوت عالمًا أكثر مرونةً وتغيرًا، عالمًا تُطمَس فيه الحدود الفاصلة بين البشر على أساس الثقافة، أو العِرق، أو المبادئ، أو الجغرافيا. وبالنظر إلى تجربته الحياتية الشخصيّة، لا شكّ أنّ هذا كان العالم كما عرفه هو. ولم يكن وحده في ذلك. فـ«هوميروس» (Homer)، على سبيل المثال، لم يصف حرب طروادة على أنّها صراع حضاراتٍ، بل صراعًا بين جماعاتٍ متقاربة، تربطها ثقافة وعادات مشتركة، بل وروابط زواج وقرابة أيضًا. أما مآسي يوربيديس (Euripides)، فقد قلبت الطاولة مرة أخرى، وطرحت تساؤلًا: من هو البربري الحقيقي في سلوكه، الإغريق أم غير الإغريق؟

الرومان.. كسر الثنائية لصالح ديكتاتورية الكوزموبوليتان

اليوم تبدو أسطورة ولادة الإمبراطورية الرومانية العظيمة من اصول إثنية آسيوية خرافة هدامة لوهم التقاء العنصري والتفوق الحضاري. لكن هذا اليوم، فماذا كان وضع هذه الأسطورة زمن الرومان أنفسهم، لنرى الآن. في منتصف القرن الأول الميلادي، زار يوليوس قيصر (Julius Caesar) طروادة ليُوجّه رسالةً سياسية. لكن هذه الرسالة لم تكن تتعلق كثيرًا بأساطير حرب طروادة الشهيرة، بل كانت ترتبط أكثر بالأسطورة التي تروي ما حدث بعد ذلك. تقول القصة إنّ الناجين من المدينة المنهوبة فرّوا، وأنّ اللاجئين الطرواديين، بقيادة الأمير التقي إينياس (Aeneas)، انتهى بهم المطاف في وسط إيطاليا (بعد إقامة مأساوية مع الملكة ديدو (Dido) في قرطاج)، وأنّ أحفاد إينياس، التوأمين رومولوس Romulus وريموس Remus، أسّسوا لاحقًا مدينة روما. قد تبدو هذه الخرافة في البداية غريبةً على الآذان المعاصرة. فمن غير المنطقي أن يدّعي الرومان، الذين يُذكرون كثيرًا اليوم في خطابات الأنساب الأوروبية عمومًا، وفي خطاب الاتحاد الأوروبي على وجه الخصوص، أنّ لهم أصولًا آسيويّة، لا أوروبيّة. ومن غير المنطقي أيضًا أن يرى الرومان أنفسهم، بكلّ ما امتلكوه من قوّة عسكرية ونفوذ إمبراطوري، من نسلِ اللاجئين، أيّ الطرف الخاسر في أشهر حرب في العصور القديمة. وقد بدا هذا التناقض صارخًا على وجه الخصوص خلال العقد الأخير أو نحو ذلك، في ظلّ معاناة إيطاليا من تدفّق أعداد كبيرة من اللاجئين اليائسين الذين يحاولون الوصول إلى شواطئها بحثًا عن الأمان والرخاء وحياة جديدة. أوجه التشابه بين هؤلاء اللاجئين المعاصرين وبين أسطورة إينياس (Aeneas) والطرواديين واضح، وهو ما أثار ردود فعلٍ غاضبة من بعض المجموعات الإيطالية المناهضة للهجرة، التي احتجّت بشدة قائلة: «!Enea non sia un rifugiato» (إينياس لم يكن لاجئًا!) .

ربما تبدو الآن، فكرة أنّ روما تنحدر من طروادة تبدو غير منطقية إذا نظرنا إلى التاريخ من خلال عدسة «حضارة الغرب». فبحسب السرديّة الكبرى، يُفترضُ أنّ الرومان ورثة الثقافة الإغريقية، وليسوا الورثة البيولوجيين لخصومهم الطرواديين. لكن الرّومان لم يكن لديهم أي مفهوم يُشبه مفهومَ «حضارة الغرب» الحديث. ولم يروا سببًا يجعلهم ينتمون إلى «الغرب» بدلًا من «الشرق»، أو إلى أوروبا بدلًا من آسيا. لم ينظروا إلى أنفسهم عادةً على أنّهم ورثةٌ للإغريق، بل على أنهم من فتحَ بلاد الإغريق. وأخيرًا، فقد تخيّل الرومان سلالتهم على أنّها مختلطة في جوهرها، تتشابك فيها التأثيرات، سواء البيولوجية أو الثقافية، من جميع الجهات. ويمكننا أن نرى الترويج لهذه السّلالة المتخيّلة من خلال صورة ليفيلّا (Livilla) العامة، المصمّمة بعناية.

لكن ماذا عن الرومان أنفسهم ونظرتهم لفكرة الاستعلاء الغربي في مقابل بربرية الآخر. حقيقة، قد تكون هناك إمبراطوريات قليلة أقلّ اهتمامًا بالنّقاء الثقافي والعرقي من إمبراطورية الرومان حتى لو وضعنا أسطورة إينياس جانبًا، فقد قيل إنّ روما كانت، منذ بداياتها، بوتقةً انصهر فيها الكثير من الأعراق والثقافات. وقد وصف الرومان مدينتهم بأنها متعددة الثقافات في الأجيال التي تلت تأسيسها. في الواقع، كانت روما منفتحة على التأثيرات الثقافية من طول واتساع إمبراطوريتها، بل ومن خارجها أيضًا فقد اعتنق الرومان عبادة الإلهة المصرية إيزيس (Isis)، والإله الفارسي ميثراس (Mithras)، والإلهة الفريجية كيبيلي (Cybele) كما جلبت التجارة عبر أرجاء الإمبراطورية تأثيرات متنوعة.. ولم تكن كل هذه الكوزموبوليتانية نتاج تعايش سعيد. فقد كانت تجربة الإمبريالية الرومانية في كثير من الأحيان تجربة وحشية، وكان «السلام الروماني» (Pax Romana) يُفرَض غالبًا بحدّ السيف..

ومع ذلك، ورغم كلّ هذه الوحشية، فإن الأيديولوجيا المركزية للإمبريالية الرومانية لم تكن مبنية على الإقصاء. في الواقع، كانت روما تفتخر بفكرة كونها أمة مختلطة وفي صميم ذلك كانت أسطورة أصول روما، قصة لاجئين قدموا من آسيا، تجوّلوا أولًا في اليونان ثم تونس، قبل أن يستقروا أخيرًا في إيطاليا، ويؤسّسوا دولة هجينة من خلال امتزاج أنسابهم. ومن منظور غربيّ حديث، يركّز على النقاء والأصالة، قد يبدو هذا في البداية متناقضًا مع السرديّة التي يرويها «الغرب» عن نفسه لكن من منظور روما، كانت أسطورة الأصول المختلطة بمثابة ميثاق إمبراطوري فقد قدّمت للرومان تبريرًا تاريخيًا وذخيرة أيديولوجية، حوّلت الإمبريالية الرومانية إلى «عودة إلى الديار»، وأعادت تصوير غزو شرق البحر المتوسط على أنّه استعادة مشروعة لإرث مفقود منذ زمن طويل. وتبنى الرومان فكرة هويتهم الآسيوية كلاجئين. فقد كانت إمبراطوريتهم قاريّة الطابع ومتعددة الثقافات، يحكمها طبقة عليا ترى نفسها، هي الأخرى، قاريّة ومتعددة.  

إنّ الإرث العابر للقارات الذي تبنّته روما عن وعي، وجذورها الممتدة إلى طروادة الآسيوية، تدّل جميعها على أنّ العالم الروماني لم يكن، في نظرِ من حكموه، عالمًا «غربيًا» أو «أوروبيًا». ومع ذلك، على الرغم من الكمّ الهائل من الأدلة على التنوع –المثالي والفعلي– للإمبراطورية الرومانية، فإنَّ الكثيرين من سكان الغرب المعاصرين لا يزالون متشبِّثينَ برؤية غير دقيقة عن روما القديمة. فمن يسعون إلى تصوير الرومان على أنّهم أسلاف «الغرب الحديث»، غالبًا ما يقدّمونهم على أنّهم من العرق الأبيض، ويطبّقون عليهم مفاهيم عرقية وفيزيولوجية حديثة، في حين كان الرومان يصنّفون أنفسهم بطرائق مختلفة تمامًا. فعلى سبيل المثال، في صيف عام 2019، أُثيرَ جدلٌ في بريطانيا بسبب رسوم متحركة أنتجتها هيئة الإذاعة البريطانية (BBC)، تُظهر عائلة رومانية مختلطة الأعراق تعيش قرب جدار هادريان (Hadrian ’s Wall)(132). وقد جاء الغضب نتيجة فكرة أنّ أشخاصًا من ذوي البشرة الداكنة كانوا ضمن الطبقات الحاكمة في روما؛ وهو أمر موثّق تاريخيًا بدقّة. باختصار، لم تكن روما القديمة على النحو الذي نتصوّره غالبًا؛ أي بيضاء عرقيًا، وأوروبية جغرافيًا، وغربيّة ثقافيًا. لم تكن نظيرًا قديمًا بسيطًا لمفهومنا الحديث عن «الغرب»، على الرغم من محاولات بعضهم تصويرها كذلك.

‏ما بعد روما.. زمن الحضارة الإسلامية

قدّمت السرديّات التقليدية لـ«حضارة الغرب» حقبة العصور الوسطى بوصفها عصرًا مظلمًا من التخلّف والهمجية. لكن العصور الوسطى لا تبدو مظلمة إلا إذا كان منظورك محصورًا في شمال وغرب أوروبا. ففي شرق البحر الأبيض المتوسط، كانت الإمبراطورية البيزنطية تشعُّ بالبذخ والرقي. وتزعم السرديّة التقليدية أنّ الإرث الكلاسيكي الثمين قد حُفظَ بفضل جهود الرهبان والراهبات (وإن كان معظمهم من الرهبان) الذين عملوا في مكتباتٍ ومعامل نسخٍ مجهولة في أنحاء أوروبا، ليحفظوا التراث الثقافي للعصور القديمة من أجل الأجيال القادمة. لكن هذه النظرة إلى العصور الوسطى خاطئة بصراحة. أولًا، لقد ساهمت الأبحاث خلال العقود القليلة الماضية في تبديد أسطورة «العصر الأوروبي المظلم»، من خلال تسليط الضوء على الإنجازات العلمية والفنية التي شهدتها تلك الحقبة. إذ خرجت ابتكارات ثقافية عدّة من البيئات الرّهبانية التي كان يُعتقد سابقًا أنها عقيمة. ثانيًا، لم يكن الرّهبان والرّاهبات في أوروبا الغربية وحدهم المسؤولين عن حفظِ ثقافات اليونان القديمة وروما.

فإلى الشرق الأبعد، كان هناك ورثة آخرون للثقافة اليونانية والرومانية. إذ بفضل النسخة السائدة من التاريخ التي تدرّس في الغرب ضمن إطار «حضارة الغرب»، لا يفكر الكثير من الناس في شبه القارة الهندية على أنّها جزء من العالم اليوناني، لكنها كانت كذلك. فقد وصلت فتوحات الإسكندر الأكبر (Alexander the Great) عام 327 قبل الميلاد إلى وادي البنجاب، فيما يُعرف اليوم بشمال الهند. وعندما غادر المنطقة، بقي بعض جنوده المقدونيين هناك، واستوطنوا في باكتريا Bactria (أفغانستان الحالية) بصورة دائمة. وفي الأجيال اللاحقة، نشأت في مناطق أفغانستان وباكستان وأجزاء من شمال الهند عدّة ممالك هندية-يونانية هجينة ثقافيًا. كان هذا «الشرق الهلنستي» جزءًا لا لبس فيه من العالم اليوناني القديم، يحافظ على اتصالات منتظمة مع حوض البحر المتوسط، ويؤثّر على وجه الخصوص في تطوّر الفلسفة اليونانية المتأخرة. أضف إلى ذلك، تُعدّ إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى من المناطق التي نادرًا ما يُنظر إليها على أنها تحمل إرثًا كلاسيكيًا، ومع ذلك، فقد تركت الثقافة الكلاسيكية بصمتها هناك أيضًا. وكما هو الحال في جنوب آسيا، كانت العناصر الثقافية اليونانية الأوضح حضورًا، أكثر من الرومانية، لكن بخلاف آسيا، ارتبطت هذه العناصر اليونانية في إفريقيا غالبًا بالمسيحية. فعلى سبيل المثال، عندما قام رهبان مثقفون من دير أبّا غريما (Abba Garima) في إثيوبيا بترجمة الأناجيل من اليونانية إلى اللغة المحلية الجعزية (Ge’ez)، بين القرنين الرابع والسابع الميلادي، زخرفوا مخطوطاتهم المذهّبة بأسلوب بيزنطي نموذجي، يُظهر الإنجيليين وهم يرتدون التوغاtoga . كما استُخدمت اللغة اليونانية في السودان حتى القرن الرابع عشر، ليس فقط في السياقات الدينية والرسمية، مثل الطقوس الكنسيّة ونقوش شواهد القبور، بل أيضًا في الاستخدامات اليومية، كحصر شحنات الحبوب، أو حتى في الكتابات على الجدران.  

تفترض نظرية «حضارة الغرب» أنّ الثقافة والمدنيّة انتقلتا بثباتٍ ويقينٍ نحو الغرب، من اليونان إلى روما، ومن هناك إلى أوروبا الغربية في العصور الوسطى. ومع أنّ أوروبا الغربية كانت بالفعل من ورثة العصور القديمة، فهي بالتأكيد لم تكن الوريث الوحيد. لقد انتقلت الموروثات الثقافية للعالمين اليوناني والروماني ليس غربًا وشمالًا فحسب، بل شرقًا وجنوبًا أيضًا. فإذا تتبّعت خيوط التراث العلمي والفكري الكلاسيكي عبر القرون منذ العصور القديمة، فلا بدّ أن تقودك تلك الخيوط، في نهاية المطاف، إلى شوارع بغداد في العصور الوسطى. فقد ارتبطَ «بيت الحكمة» ارتباطًا وثيقًا بما يُعرف بـ«حركة الترجمة»؛ وهي حركة جُمعت فيها النّصوص الفلسفيّة والعلميّة المكتوبة باليونانية القديمة (وبدرجة أقل بالسّريانية)، ثم تُرجمت إلى اللغة العربية. في الواقع، وفي نظر كثير من المنصفين في الغرب، يرون أنهم مدينون لهؤلاء النسّاخين والمترجمين العرب ببقاء الكثير من النّصوص اليونانية القديمة حتى يومنا هذا، لا سيّما الأعمال العلمية لـأرسطو، والمؤلفات الفلسفية لـأفلاطون، والنّصوص الطبية المنسوبة إلى جالينوس. في وقتٍ اختفت فيه اللغة اليونانية القديمة تقريبًا من أوروبا الغربية، وقوبلت الأعمال العلمية والفلسفية بالرّيبة من قبل البيزنطيين المسيحيين المتدينين، حافظت مدينة بغداد النابضة -عاصمة الخلافة العباسية الإسلامية- على هذا الخيط من الإرث العلمي اليوناني وحمته من الاندثار. وعلى الرغم من أن السرّديات التاريخية التقليدية تصوّر «حضارة الغرب» على أنّها شعلة انتقلت مباشرةً من اليونان وروما إلى أوروبا في العصور الوسطى، فإنّ ثمَّة حقيقةً غالبًا ما كانت تُغفل أو تُهمل، وهي أن العالم الإسلامي كان من أهمِّ حَمَلة هذه الشُّعلة.

تُظهر حياة الكندي (على سبيل المثال) وكتاباته أنّ السرديّة الكبرى لما يُعرف بـ«حضارة الغرب» سرديّة زائفة. فالعصور الوسطى لم تكن «عصرًا مظلمًا» خَبَت فيه شعلةُ الإرث الإغريقي الروماني الموحد، وحُفظت بشقّ الأنفس في أوروبا ليُعاد إحياؤها لاحقًا. بل كانت زمنًا اعتُبر فيه كل من الماضي الإغريقي والروماني ماضيين منفصلين ومتميزين، حيث سعت شعوبٌ عدّة إلى المطالبة بإرث كلٍّ منهما على حدة. في وسط أوروبا وغربها – المناطق التي نربطها اليوم بالـ «غرب»، والتي تفترض سرديّة «حضارة الغرب» أنّها الوريث الأساسي للثقافة الكلاسيكية – استمرّ الشعور بالصلة مع روما القديمة. فقلّما وُجد اهتمام فعلي بالماضي الإغريقي. أما في أراضي الإمبراطورية البيزنطية، فقد وُجّهت المطالبات بالوراثة إلى الإرث الروماني سياسيًا وثقافيًا ومن حيث النّسب أيضًا، في حين استمرت التفاعلات الفكرية مع التراث الإغريقي. لكن في العالم الإسلامي، الذي غالبًا ما يُستبعد من السرديّات التقليدية لـ«حضارة الغرب»، كانت المطالبة بإرث اليونان القديمة أوضح ما تكون، ليس فقط على أساس التقاليد الفكرية والاستمرارية الثقافية، بل أيضًا من خلال الأنساب الأسطورية. ولو رسمنا شجرةَ عائلة تبدأ باليونان وروما القديمتين، لكانت الحضارة الإسلامية، في العصور الوسطى، واحدةً من أغزرها أغصانًا وأكثرها ازدهارًا.

إن السّرد الحديث لما يُعرف بـ«حضارة الغرب» يتتبع نسبًا ثقافيًا مختلفًا. ففي هذا السرد، يُنظر إلى العصور الوسطى، باعتبارها حلقة وصلٍ تمتد زمنيًا نحو الحاضر، أي نحو الغرب العالمي الحديث، مرورًا بعصر النهضة والتنوير. كما يُنظر إليها أيضًا على أنّها حلقةٌ تصل الحاضر بالماضي الكلاسيكي، الذي يُفترض أنّه يجمع بين ثقافتي اليونان وروما في تمازج حضاري واحد. لكن غودفري ومعاصريه في العصور الوسطى لم يروا اليونانيين والرومان جناحين لحضارةٍ واحدة، كما نفعل نحن اليوم. ولم ينظروا إلى أنفسهم بوصفهم أمناء على تراث «كلاسيكي» مزدوج يوناني-روماني ينبغي الحفاظ عليه للأجيال القادمة. بل على العكس، لقد رَؤوا العالمين اليوناني والروماني عالمين متمايزين، منفصلين، بل ومتعارضين أحيانًا. إذ في حين كانوا يعدّون الماضي الروماني جزءًا مركزيًا من هويتهم التاريخية، فإنهم، وعلى عكس علماء بغداد في «بيت الحكمة» في القرنين التاسع والعاشر، لم يُبدوا اهتمامًا يُذكر بالتراث اليوناني القديم. في زمن غودفري، أي بعد قرابة قرنين من زمن شارلمان، لم يكن يُفهم مصطلح «أوروبا» على أنّه اسم قارّةٍ أو تصنيفٍ ثقافيّ لحضارة بعينها، بل كان يُستخدم بصفته مصطلحًا جغرافيًا ذي طابع سياسي–ديني. فقد كان يشير إلى المنطقة الواقعة في أوروبا الوسطى، والتي يشغلها في الغالب مسيحيون لاتينيون، وتقع – نظريًا على الأقل – تحت السّلطة الرّوحية للبابا في روما. واستخدم المصطلح تدريجيًا للفصل ما بين مجال النفوذ الذي تمثّله الإمبراطورية الرومانية المقدّسة في أوروبا الوسطى، وبين مجال نفوذ منافستها البيزنطية في أوروبا الشرقية وشمال غرب آسيا.

وقد يكون من المغري أن نربط ولادة الغرب الحديث بهذه الحقبة، فنصوغها بوصفها مرحلة ازدهار الإمبراطورية الرومانية المقدّسة. فبعض العناصر الأساسية التي نعتبرها اليوم محورية في هوية الغرب كانت قد بدأت تلوح في الأفق آنذاك: المسيحية، والتركيز الجغرافي على أوروبا، والشعور بامتلاك إرثٍ يوناني–روماني. ومع ذلك، فإنّ أيًا من هذه العناصر الثلاثة لا ينسجم تمامًا مع تلك الصورة. كانت الإمبراطورية الرومانية المقدسة في تلك الفترة غارقةً في الانشقاق والصّراعات الدينية، ولا تسعى إلى وحدة مسيحيّة جامعة. وبالرغم من أنّها كانت قوّة أوروبية بلا شكّ، فإن أراضيها تمركزت في أوروبا الوسطى، في حين اعتُبرت مناطق نعدّها اليوم أساسية في سرديّة «حضارة الغرب» مناطق هامشيّة، مثل جنوب شرق أوروبا الهيلينية، حيث يُفترض أنّ الغرب وُلد في العصور القديمة؛ وغرب أوروبا الأطلسي، حيث يُفترض أنه دشّن الحداثة؛ وكذلك شمال أوروبا الإسكندنافي. أما بخصوص الإرث اليوناني–الروماني، فقد كانت الإمبراطورية تزعم وراثتها لروما، لكنها في الوقت ذاته رفضت الإرث اليوناني رفضًا قاطعًا. لم يكن أبناء الإمبراطورية الرومانية المقدّسة أمثال غودفري يتصورون العالم مقسومًا إلى «الغرب والبقية»، والأهم أنّهم رأوا أنفسهم جزءًا من سلالة ثقافية مغايرة بوضوح لتلك التي يروّج لها خطاب «حضارة الغرب». وقد أسهم غودفري في صوغ هذه السّلالة الثقافية وترويجها من خلال مدوناته التاريخية الطّموحة، التي ادّعى فيها أنّه يروي التاريخ الشّامل للبشرية. وفي طريق تفكيك مركزية الغرب، ثمة محاولة لبناء الإجابة على سؤال كيف ومتى ولدت فكرة “نحن أوروبيون” وفكرة الغرب عموما. وهنا محاولة جيدة في طريق هذا البناء المهم، لفهم التشكيل السياسي لفضاء الفعل السياسي والثقافي لغرب اليوم وكيفية النظر إليه.

إنّ فكرة انتقال السّلطة الإمبراطورية (translatio imperii) كانت تدعم شرعية الحكم الإمبراطوري، إذ تشرح الإمبراطورية الرومانية المقدّسة وتبرّرها من خلال الرجوع إلى سلطة روما القديمة لكن مسألة الأصول الطروادية أكثر حساسية بعض الشيء إذ بحلول أواخر القرن الثاني عشر، بدأ يُنظر إلى الإمبراطورية الرومانية المقدّسة على نحو متزايد بوصفها «غربيّة» و«أوروبيّة» مقارنةً بمنافستها الحادي عشر والثاني عشر، بفعل النزاعات العقائدية المتواصلة بين روما والقسطنطينية بالنظر إلى هذا السياق، قد يبدو الادّعاء بأصول آسيوية خيارًا غريبًا لإمبراطورية كانت جغرافيًا راسخة في وسط أوروبا (فالطرواديون، في نهاية المطاف، جاؤوا من موقع يقع في تركيا الحديثة). ويبدو هذا الأمر غريبًا على وجه الخصوص في نظرِ المراقبين المعاصرين، المعتادين على التفكير في التاريخ من خلال سرديّة «حضارة الغرب»، ورؤية أوروبا على أنّها مفصولة عن آسيا ليس فقط جغرافيًا، بل حضاريًا وثقافيًا وعرقيًا أيضًا.

من جهة أخرى، ساهمت الحروب الصليبية بوصفها انتزاعا للحق من جوف الباطل، والخير من جوف الشر، في بناء اقنوم أسست عليه تنظيرات التوفق الغربي منذ العصور الوسطى وحتى اليوم. إذ  لا تزال الحملات الصليبية تحتلُّ مكانةً كبيرة في المخيال العام باعتبارها فصلًا حاسمًا في سرديّة «حضارة الغرب»، فصلًا وُلد فيه كيان «المسيحيَّة Christendom» في خضمِّ القتال ضد المسلمين، ثم صُقل في نسيمِ التعاون الأوروبي المنعش العابر للحدود من غير المفاجئ أن تَظهر الحملات الصليبية أيضًا بكثافة في خطابات الجماعات اليمينية المتطرفة والمدافعين. إن الأرضية التاريخية التي ولد عليها هذا الصراع ربما تختلف كثيراً، وتحمل في باطنها تعقيدا أعمق من هذا التبسيط المخل بين أخلاقية الغرب و بربرية الشرق الإسلامي. حقيقة كانت أعقد من ذلك بكثير فالحملات الصليبية التاريخية في بلاد الشام لم تكن صراعًا مباشرًا بين العالم المسيحي والخلافة، ولا مواجهة نهائية بين المسيحيّة والإسلام، بل كانت سلسلة من ألعاب السّلطة المعقدة والدموية، أدى خلالها الدين دورًا يتفاوت بين المركزية والتهميش، بحسب المرحلة والسياق. والأهم في ذلك أن هذه الحملات لم تقتصر على القتال بين المسيحيين وغير المسيحيين؛ بل كانت تُشن أحيانًا ما بين طوائف مسيحية مختلفة أيضًا.

نحن اليوم نتصوّر الحروب الصليبية بوصفها فترة يميّزها صراع الحضارات: الشّرق في مواجهة الغرب، وآسيا في مواجهة أوروبا، والعالم الإسلامي في مواجهة المسيحيّة ومما لا شكّ فيه أنّ هذا النوع من الخطاب كان شائعًا في العصور الوسطى، إذ انتشرت في أوروبا كتابات معادية للإسلام، كما انتشرت صور كاريكاتورية للـ  «كفار الأشرار» بوصفها أدوات دعاية ضد المسلمين لكن هذه لم تكن سوى صورة واحدة من بين صور عدّة، فقد اندلعت الحروب الصليبية في العصور الوسطى على جبهات عدّة من قبل أطراف متعددة، وكان بعضها –كما هو الحال في الحملة الصليبية الرابعة ضد البيزنطيين– مواجهة بين جماعات مسيحيّة متنازعة. كانت الوحدة المسيحيّة مجرّد وهمٍ، ولم يكن لما يسمى بـ «المسيحيّة الغربية في العصور الوسطى»، التي غالبًا ما تُقرن بأفكار ناشئة عن الغرب، أيّ وجودٍ ملموس. كانت الانقسامات بين الجماعات المسيحيّة المختلفة واضحة لا سيّما في زمن لاسكارس، حين شكّلت العداوة بين الأرثوذكسية البيزنطية والكاثوليكية اللاتينية الجغرافيا السياسيّة للعصور الوسطى وفي نظر لاسكارس، وغيره من البيزنطيين في زمانه، فإنّ فكرة «حضارة الغرب» بصفتها مفهومًا ثقافيًا يجمع بين التقليدين اليوناني واللاتيني لم تكن فقط محلّ سخرية، بل كانت مهينة أيضًا. في نظرهم، كان العالم الهيليني مختلفًا جوهريًا عن العالم اللاتيني الأوروبي، بل متفوقًا عليه في جوهره. وعلى الطرف المقابل، لم يكن اللاتينيون في أوروبا الوسطى والغربية يسعون إلى تتبع نسبهم الثقافي وصولًا إلى اليونان القديمة التي اعتبروها أصلًا لعدوّهم وخصمهم إذ كما رأينا في الفصل الرابع، كان اهتمامهم منصبًا على الإرث الروماني لا اليوناني، وكانوا يفضلون أن يُرجِعوا أصولهم – عبر روما – إلى طروادة وآسيا الغربية القديمة.

عصر النهضة. ولادة جديدة لمصطلح أريد له أن يكون قديما

اهل القرن السادس عشر لم يكونوا يرون بالضرورة أنّهم يعيشون لحظةَ «ولادة جديدة» لعالمٍ يوناني-روماني قديم، بل كانوا يخوضون نقاشًا حيًّا حول علاقتهم بالقدماء فمن كتاب كاستيليوني Castiglione الشّهير «كتاب رجل البلاط The Book of the Courtier»  إلى مؤلفات إلى مؤلفات توليا دي أراغونا، نجد كتّاب القرن السادس عشر يتخيّلون العصور القديمة ويعيدون رسم صلتهم بها بطرائق شتى ومتنوعة. إن تقسيم التاريخ إلى فتراتٍ وتسميتها يحدث غالبًا بأثرٍ رجعي وعصر النّهضة ليس استثناءً من ذلك فقد شاع استخدام مصطلح «النهضة» (Renaissance) في منتصف القرن التاسع عشر فقط، على يد المؤرخ السويسري ياكوب بوركهارت (Jacob Burckhardt) من خلال كتابه حضارة عصر النهضة في إيطاليا (The Civilization of the Renaissance in Italy) الصادر عام 1860 في هذا الكتاب، جادل بوركهارت بأنّ روح العصر يمكن تلمّسها من خلال ثقافته – في فنّه، وأدبه، وموسيقاه، وكذلك في آدابه، وأخلاقه، وسياسته، ودينه. كما رأى أنّ الثورات الثقافية التي شهدها

عصر النّهضة كانت انعكاسًا لثورات أوسع نطاقًا على الصّعيدَين النفسي والاجتماعي في الحالة الإنسانية ففي «الرّوح الجديدة العظيمة التي تميّزت بها حقبة النّهضة»، بحسب تعبيره، يمكن للمرء أن يتبيّن نشوء الفردانية، وصعود البُنى الحكومية المعقدة وغير الشخصيّة، والدّافع نحو البحث العلمي. من هنا، اعتبر بوركهارت أنّ عصر النهضة هو الذي بدّد ظلمات عقلية القرون الوسطى، وحرّر الإنسان من أغلال الخرافة والدّين، ومهّد السّبيل في نهاية المطاف إلى بزوغ العالم الحديث. وختم الفصل الأخير من كتابه بالقول بحماسة: «لا بدّ من اعتبار عصر النّهضة الإيطالية قائد العصور الحديثة»، بوصفه المحور التحوّلي الذي يفصل بين عالم العصور الوسطى والحداثة. إذا كانت النهضة -وفقًا لمخطط بوركهارت- تمثل ميلاد الحداثة، فإن الانخراط في التراث اليوناني-الروماني كان أشبه بالقابلة التي تولّت توليد تلك الحداثة.

ورغم أنّ بوركهارت يعترف، عرضًا، بأنّ بعض التحولات التي شهدتها تلك الفترة ربما كان من الممكن تصوّرها دون تأثير العصور القديمة، وبأنّ مصطلح «الولادة من جديد» قد «وقع الاختيار عليه على نحو أحادي الجانب ليختزل به حقبة كاملة»، فقد ظلّ مصرًّا على أنّ إلهام العصور الكلاسيكية وتأثيرها كانا في غاية الأهمية. كما جادل بأنّ «الثقافة، ما إن تحررت من قيود العصور الوسطى الخيالية، لم تكن لتجد سبيلها إلى فهم العالَمين الفيزيائي والفكري على الفور ومن دون عون لقد كانت بحاجة إلى مرشدٍ، ووجدته في الحضارة القديمة بما انطوت عليه من ثراء في الحقائق والمعرفة في كلّ اهتمامٍ روحي كما تبنّت شكل هذه الحضارة ومضمونها مع إعجاب ممتن؛ حتى أصبحت جزءًا محوريًا من ثقافة تلك الحقبة». الأهم من ذلك، أنّ الأمر لم يتعلق بإدخال مؤثرات دخيلة إلى إيطاليا عصر النّهضة، بل كان -على حدّ تعبيره- «تحالفًا بين عصرَين متباعدَين من حضارة شعبٍ واحد» لقد كان ذلك، في نظره، صحوةً لما هو كائن أصلًا، لا إدراجًا لشيء غريب؛ وولادة جديدة لأشكال ثقافية قديمة، لا استيعابًا لأخرى وافدة.

لكن، ومنذ القرن الخامس عشر فصاعدًا، ظهر تحوّل جذري في إيطاليا تمثّل في ميلٍ متزايد إلى إعادة تشكيل مفهوم «العصور القديمة» لا بوصفها مزيجًا من روما وآسيا الغربية، بل مزيجًا من روما واليونان وهكذا وُلد مفهوم «العالم الكلاسيكي اليوناني الروماني» بوصفه كيانًا موحدًا – لم يُبعث من جديد، بل أُنشئ لأوّل مرة. أصبح العالم الإغريقي القديم يُطعَّم تدريجيًا في الوعي التاريخي لأوروبا الوسطى والغربية، ويُمنَح مكانة السّلف الثقافي إلى جانب روما القديمة، وطروادة، وغرب آسيا التوراتي. صارَ اقتران اليونان بروما في المخيال الحديث راسخًا إلى درجة يصعب معها تصوّر زمن لم يكن فيه الاثنان مرتبطين على نحو تلقائي ومع ذلك، فإنّ هذا الاقتران لم يحصل إلا في عصر النهضة، حيث جرى وصْل الاثنين معًا لتكوين ماضٍ «إغريقي–روماني» متماسك ‫ ومع ذلك، فإنّ هذا التاريخ المدمج للإغريق والرومان لم يكن قد اكتسب بعد صفة «العصور الكلاسيكية» التي تستثني باقي الحضارات القديمة، كما لم تكن قد ظهرت بعد الفكرة القائلة بأن أوروبا الوسطى والغربية هي الوريث الشرعي والحصري لهذا الإرث المزدوج.  فالسرديّة الكبرى لـ «حضارة الغرب» لم تكن قد تشكّلت بعد. لكن بحلول أوج عصر النهضة في القرن السادس عشر، كانت كلّ العناصر قد اكتملت: مسيحية أقلّ انقسامًا مما كانت عليه في قرون سابقة، ومجال سياسي وثقافي متماسك يتمحور في وسط وغرب أوروبا، وتوجّه تاريخي نحو ماضٍ يضم كلًا من اليونان وروما. بيدَ أنّ العصور القديمة التي استلهم منها مفكرو النهضة لم تقتصر على اليونان وروما فحسب، بل امتدّت لتشمل أيضًا الحضارات الإترورية والمصرية، وحضارة بلاد الرافدين لم تكن النزعة الإقصائية الثقافية الملازمة لمفهوم «الغرب» قد ترسّخت بعد يمكننا أن نرى هذا بوضوح في أعمال توليا دي أراغونا –وهي امرأة لافتة من حيث إنجازاتها الفكرية والأدبية ومكانتها التاريخية– لكنها كانت في هذا الجانب، أي في تعاملها مع العصور القديمة بوصفها تشمل اليونان وروما إلى جانب ثقافات أخرى، انعكاسًا نموذجيًا لروح عصرها.

إنّ جذور الغرب الأصلية لا تنتمي، بخلاف ما تدّعيه السّرديّة الكبرى، إلى هذا التكتل الثقافي الإغريقي-الروماني وحده، كما أنّ العالَم الإغريقي-الروماني لا يُشكّل إرثًا حصريًا لأوروبا. وقد أدرك هذا الأمر عددٌ من كُتّاب عصر النّهضة مثل فازاري (Vasari)، الذي تخيّل ماضيًا قديمًا أوسع وأكثر تنوعًا مما ننسبه إليهم عادةً، وكذلك دي أراغونا، التي كانت تفترض ضمنيًا أنّ الإرث الإغريقي-الروماني يخصّ آسيا أيضًا. وإضافة إلى ذلك، فإنّ هؤلاء الكُتّاب لم يكتفوا بإحياء تقاليد إغريقية-رومانية راكدة، بل كانوا أكثر إبداعًا وتجديدًا مما تسمح به السّرديّة الكبرى. إذ رغم أنّهم استلهموا أساسًا من العالم الإغريقي-الروماني، فقد استقوا الإلهام من مصادر أخرى أيضًا، واستخدموا هذه التأثيرات المتنوعة لبناء تقاليدهم الخاصّة والجديدة في الأدب والفلسفة والفن، بدلًا من مجرّد محاكاة من سبقهم ‫ كما تُخطئ السّرديّة الكبرى في افتراضها بأنّ الازدهار الفكري لعصر النّهضة قاد بالضرورة إلى الهيمنة الغربية اللاحقة مستقبلًا ففي حين يمكننا أن نتلمّس بوادر هذه الهيمنة وقد زُرعت في القرنين الخامس عشر والسّادس عشر.

عثماني حليف لا عدو

 بما أننا أدركنا أن الغرب لم يكن نسيجًا متجانسًا بمفهوم اليوم، وكذا الشرق لم يكن مجرد فضاء جغرافي اكتسب وسمه وسمته الثقافي والسياسي من وقوعه على شرق الجسد الغربي. فمن المنطقي أن تكتشف حكاية غير مطروقة بين شرق وغرب غير التي اعتدناها، فيها اجزاء من الوجل، وكثير من الدبلوماسية وربما محاولات تحالف على المستوى الاستراتيجي والعسكري. سرديّة حضاريّة ترى في البروتستانت والمسلمين شركاء في صلة ثقافية ونَسَبية، يقفان معًا في معارضة جوهرية للعالم الكاثوليكي في أوروبا الوسطى. ففي منتصف القرن السّادس عشر، عبّر بعض البروتستانت، عن تفضيلهم أن يكونوا «أتراكًا لا بابويين». وفي هذا الإطار، جرى أحيانًا إبراز أوجه التشابه بين الإسلام والبروتستانتية، إلى درجة جعلت التقارب الطائفي بينهما أوثق من تقاربهما مع الكاثوليكية. لكن، كيف جرى رسم خطوط الإرث التاريخي في أوروبا خلال تلك الفترة، والدور الذي أدّته السّلطانة صفية في رسم هذه الخطوط..

هذا عن المنقسم ثقافيا ودينيا وبالتبعية أيديولوجيا بين كاثوليك وبروتستانت. لكن، ماذا عن العثمانيين قلب الشرق السياسي والعسكري وكذا الثقافي. كيف كانوا يرون أنفسهم؟ لم يرَ العثمانيون أنفسهم آسيويين بطبيعتهم، ينتمون إلى شرقٍ يعارض الغرب على نحوٍ دائم وحتمي. بل رؤوا أنفسهم قادةَ إمبراطورية عالمية شاملة، تمتد عبر ثلاث قارات، وتضمّ عددًا لا يحصى من الشّعوب واللغات والأديان. كانوا أوروبيين بقدر ما كانوا آسيويين، يحكمون من عاصمة تمتد عبر القارتين. في الواقع، وللتأكيد على هذه النقطة، أضاف السّلطان سليمان القانوني إلى ألقابه الرّسمية لقب «سلطان القارتين». لقد أدرك العثمانيون تمامًا أنّهم ورثة أمجاد الخلافة العباسية والعالم الإسلامي في العصور الوسطى، وكذلك روعة الإمبراطورية البيزنطية وإرثها الإغريقي-الروماني. ففي العام 1538، عبّر سليمان القانوني عن رؤيته لمكانته في العالم بقوله:  «أنا عبدُالله وسلطان هذا العالم. بفضل الله أنا رأس أمَّةِ محمَّدٍ. قوة الله ومعجزات محمد رفيقاي. أنا سليمان، الذي يُقرأ اسمه في الخُطبة بمكة والمدينة المنوَّرة. أنا الشَّاه في بغداد، والقيصر في أراضي الروم، والسُّلطان في مصر؛ أنا من يُرسل أساطيله إلى بحار أوروبا والمغرب والهند».  

في حين أنّ سليمان ربما كان سلطانًا، فقد كان أيضًا قيصرًا ووريثًا لجميع الأراضي التي احتلتها الإمبراطورية البيزنطية سابقًا بحقّ الفتح. لكن حقّ الفتح لم يكن السّبيل الوحيد الذي استخدمه العثمانيون للمطالبة بإرث روما. فقد وُجد تقليدٌ راسخ، يمكن تتبعه طوال العصور الوسطى، يفترض وجود صلة نَسَبٍ بين الرّومان القدماء و«الأتراك» القادمين من آسيا الوسطى والغربية. ووفق هذا التقليد، فإنّ كلا المجموعتين تنحدران من لاجئين طرواديين، فرّوا من دمار مدينة طروادة. لكن، بعد النجاح الذي حققته البعثة الدبلوماسية البريطانية وما حملته من رسائل سياسية متعددة الطبقات، تدهورت العلاقات الإنكليزية–العثمانية بسرعة. ففي غضون أربع سنوات، توفي كلّ من محمد، ابن صفية، وإليزابيث، وخلفهما حكّامٌ جدد يحملون أفكارًا جديدة جذريًا بشأن السّياسة الدّولية والتوجهات الثقافية. ففي إنكلترا، كان الملك الجديد جيمس الأول (James I) –الذي كان في الوقت نفسه جيمس السّادس ملك إسكتلندا – قد اتّخذ مسارًا جديدًا تمثّل في التقارب مع إسبانيا الكاثوليكية، والابتعاد عن الرّوابط الشرقية لصالح التوجّه نحو المستعمرات الغربية. وكان تأسيس مستعمرة جيمس تاون (Jamestown) في فرجينيا عام 1607، بوصفها أوّل مستوطنة إنكليزية دائمة في الأميركتين، إعلانًا ذا دلالة أيديولوجية وسياسية على حدّ سواء. وفي نظر أسرة ستيوارت (Stuarts)، لم يكن مستقبل المملكة المتحدة الناشئة في الشّرق، بل في الغرب. في الوقت نفسه، لكن على الطرف الآخر من أوروبا، تبنّى السلطان أحمد الأول سياسةً دبلوماسية تعكس نهج جيمس. فكان أحمد متدينًا محافظًا، وسعى للنأي بنفسه عن جدّته صفية وشبكة تحالفاتها الغربية، رغم حرصه على الإبقاء على قدر من العلاقات التجارية والدبلوماسية مع أوروبا. تركّز اهتمامه، واهتمام ابنه السّلطان مراد الرابع، على الشّرق لا الغرب، وعلى العلاقات مع الدولة الصّفوية في فارس على وجه الخصوص.

ومع تقدم القرن السّابع عشر، بدأت الضرورات السياسيّة والمصالح الاقتصادية التي جمعت يومًا بين البروتستانت والمسلمين في التلاشي. ومع زوال هذه الروابط، تلاشت معها –وربما على نحوٍ حتمي– الأفكار التي تحدّثت عن إرثٍ حضاري مشترك وماضٍ موحّد. اختفت الإشارات إلى نسبٍ واحد يجمع بين السّلاطين العثمانيين والملكات الإنكليزيات. واختفت السرديّات التي تتحدث عن عصور قديمة عالمية. وبدلًا من ذلك، بدأ يترسخ تصوّر بديل للعالم؛ وهو تصور ظهر في العصور الوسطى لكنه لم يكن سائدًا، وازداد رواجه خلال عصر النهضة. يتمثل هذا التصوّر في اعتبار أوروبا والمسيحيّة كيانًا مفاهيميًا واحدًا، في مواجهة مباشرة وثنائية مع آسيا، والإسلام، وبقية العالم. وهو تصوّر لا يزال حاضرًا بيننا اليوم، وغالبًا ما يُطلق عليه اسم: «صراع الحضارات». ومع هذا، تمثّل المراسلات بين السلطانة صفية والملكة إليزابيث الأولى، شهادةً على مسارٍ في التاريخ العالمي لم يُتبع، وطريق لم يُسلك في نهاية المطاف. ما يدعو  للتساؤل: ماذا لو صمدَ التحالف؟ ماذا لو أُحيط القلب الكاثوليكي لأوروبا في عهد آل هابسبورغ بتحالف بروتستانتي–مسلم؟ هل كانت فكرة «الغرب» الحديثة ستتبلور بالكامل، لتصبح الكتلة الجيوسياسية التي شكّلت معالم عالمنا المعاصر إلى هذا الحدّ؟ وهل كانت السرديّة الكبرى لـ«حضارة الغرب» ستتطور أصلًا؟

بعد هذه اللحظة، لم يمر وقت طويل حتى بدأت قصة «الصدام الحضاري»، التي نشأت عن الدّعاية الهابسبورغية المعادية للعثمانيين، تطغى على أساطير الأصول المشتركة التي كانت قد دعمت التحالف الإنكليزي–العثماني في وقت سابق. وهكذا، تبدّل السّرد السّائد. برزَ سردٌ جديد هيمن على المشهد. إحساس بـ«نحن» تمحور حول مفهوم «العالم المسيحيّ» (Christendom)، وهو تصور غطّى على الصّراع الطائفي الدموي بين البروتستانت والكاثوليك خلال القرن السابق، وتجاهل عمدًا الهوّة القديمة التي فصلَت بين الكنيستين اللاتينية واليونانية لقرون. أصبح هذا «العالم المسيحي» المتخيَّل أكثر ارتباطًا بأوروبا، من خلال ما يشبه النسيان المتعمّد، متجاهلًا وجود الكنائس الشّرقية العريقة في الشرق الأوسط وآسيا وإفريقيا. وصار يُنظر إلى هذا العالم الأوروبي-المسيحي المتخيَّل على أنه ينحدر من أصل مشترك واحد في العصور الإغريقية-الرومانية القديمة، وهذا ما سمح بنسب العناصر المشتركة في ثقافته وتوجهه السّياسي إلى هذا الإرث. وبالتدريج، بدأ يُنظر إلى عالم الماضي، كما الحاضر، باعتباره منقسمًا إلى جانبين متعارضين جوهريًا وأبديًا: «نحن» و«هم»، «مسيحي» و«غير مسيحي»، «أوروبا» وما وراءها، «الغرب» و«البقية».

الاستكشاف والتنوير وولادة أسطورة الغرب الحديثة

‏في القرنين السابع والثامن عشر كان ثمة سردية جديدة تولد لعصر كانت تُعاد فيه صياغة أسس المعرفة ذاتها جذريًا. فكانت هناك، أولًا، تحوّلات فيما يفكر فيه الناس؛ إذ إن النزعة الإنسانيّة (Humanism) التي ازدهرت في عصر النَّهضة حفّزت تطورات جديدة في مجالات اللاهوت والفلسفة والعلوم الطبيعية، كما أسهم انتشار الجماعات البروتستانتية الجديدة في تعزيز ظهور أفكارٍ جديدة تتعلق بالإيمان والدِّين. لكنّ هذا التغيير شمل طرائق تفكير النّاس أيضًا. فقد كانَ لبيكون، من بين آخرين، دورٌ محوريّ في إعادة تشكيل المفاهيم المرتبطة بالإبستمولوجيا – أي ما يمكن معرفته، وكيف يمكن بلوغ هذه المعرفة. وربما كان بيكون الرَّائد في صياغة ما نعرفه اليوم بـ«المنهج العلمي» (scientific method). لهذا السبب، كثيرًا ما تبدأ السرديّات التي تتناول عصر التنوير (Enlightenment) بـ بيكون، رغم أنّ التنوير بالمعنى الدقيق للكلمة غالبًا ما يُربط بمفكرين من أواخر القرن السّابع عشر والثّامن عشر مثل فولتير (Voltaire)، وروسو (Rousseau)، وكانط (Kant) . فقد كان لبيكون دورٌ أساسي في الترويج لفكرة المنهج العلمي، الذي تقوم فيه المعرفة على اختبار الوقائع موضوعيًا من خلال التجربة والملاحظة. وشكّلت هذه الفكرة حجرَ الأساس في التطورات العلمية والتقنية التي شهدها عصر التنوير، من الاكتشافات الفلكية لغاليليو (Galileo)، والإبستمولوجيا الراديكالية لكانط، إلى قوانين الفيزياء لنيوتن (Newton)، والرّياضيات الجغرافية لرينيه ديكارت (Descartes

أما الركيزة الثانية لعصر التنوير فتمثّلت في الفلسفة السّياسية، التي تناولت طبيعة الإنسان وآليات المجتمعات البشرية، وشملت صياغة جان جاك روسو (Rousseau) لنظرية «العقد الاجتماعي» (social contract)، وفكرة توماس هوبز (Hobbes) القائلة إنّ حياة الإنسان قبل قيام الدولة كانت «بائسة، ووحشية، وقصيرة»، ومفهوم جون لوك (Locke) عن «القانون الطبيعي»، وتفاؤل لايبنتز (Leibniz) السّياسي، ودعوة توماس بين (Tom Paine) إلى المساواة في إطار تصوّر مبكرٍ لحقوق الإنسان، وصولًا إلى النّسوية الراديكالية لماري وولستونكرافت (Mary Wollstonecraft)، التي وسّعت مفهوم حقوق الإنسان ليشمل النساء.

كان الخيطان الأساسيّان في الفكر التنويري – العلمي والتقني من جهة، والفلسفي والسّياسي من جهة أخرى– كلاهما يستمدّان الإلهام من العصور الإغريقية-الرومانية القديمة، تمامًا كما فعل الإنسانيّون في عصر النّهضة من قبلهم. ولم يكن التنوير محصورًا بأوروبا وأميركا الشمالية، على الرغم من أنّ السرديّات التقليدية في التاريخ الغربي تصوّره على هذا النّحو. بل كان التّنوير ظاهرةً عالمية بحقّ، ورغم أنّ مركزه النّشط والأكيد كان في أوروبا، فإنّ من الممكن العثور على نماذج من الفكر التنويري أيضًا في مدن مثل القاهرة، وكالكوتا، وشنغهاي، وطوكيو. في الواقع، حتى تلك التطورات العلميّة والفلسفيّة التي تحققت في قلب أوروبا غالبًا ما حفزتها أفكار جديدة من الخارج. على سبيل المثال، ألهمَ التعرّف على أنظمة الحكم والإعلان الصّينية الأوروبيين لإعادة تقييم مفاهيمهم الخاصّة حول شكلِ الدَّولة. وكان النموذج الصيني، على وجه الخصوص، مؤثرًا في أوساط مفكري التنوير الفرنسيين، حتى إنّ الفيلسوف الشهير والمحبّ للصين فولتير ذهب إلى القول إنّ «الرّوح البشرية لا يمكنها أن تتصوّر حكومةً أفضل» من تلك القائمة في الصين. كما شكّلت الكونفوشيوسية (Confucianism) على وجه الخصوص مصدر إلهام للفلسفة السّياسية، ودافع عنها مفكر عظيمُ الشّأن هو العالِم والدبلوماسي الألماني متعدد المعارف غوتفريد لايبنتز (Gottfried Leibniz ). وعلى نطاق مختلف، ربما دفعت الاحتكاكات والنّقاشات مع السّكان الأصليين في الأميركتين إلى إعادة التفكير جذريًا في بعض التقاليد الأوروبية. قيلَ، على سبيل المثال، إنّ خطاب جان جاك روسو المعنون في أصل التفاوت بين النّاس (Discourse on the Origins of Social Inequality) يستند جزئيًا إلى نصٍّ شائعٍ كان متداولًا في صالونات أوروبا الرّاقية آنذاك، زُعم أنّه يسجّل التأملات الفلسفية لكانديارونك (Kandiaronk)، رجل الدّولة في أمّة الويندات Wendat Nation . ومع الأسف، فإنّ إنجازات العلماء والفلاسفة من الأميركيين الأصليين، والأفارقة، وشعوب الشّرق الأوسط، وإسهاماتهم في تطور الفكر التنويري في أوروبا، لم تحظَ باعتراف واسع في ذلك الوقت.

‫ لقد جرى عصر التنوير في سياقٍ خلفيّ من الاستكشاف الأوروبي والانخراط المتزايد مع العالم الأوسع –وهو انخراط لم يكن سلميًا دائمًا . وكان مدينًا بدرجة كبيرة لهذا التفاعل العالمي الواسع. بل إنّ التنوير والاستكشاف يرتبطان ارتباطًا وثيقًا في حلقة تغذية راجعة من السّببية المتبادلة. فالكثير من التفكير التنويري الأوروبي نشأ نتيجة للاحتكاك مع العالم الخارجي. ومن ثم، فإن أصل «حضارة الغرب»، بوصفها نظرية تأريخية، يكمنُ في هذا التداخل بين الاستكشاف، والتنوير، والإمبراطورية. ففي مكان ما داخل هذه الحلقة التبادلية بين اللقاءات العالمية والثورات الفكرية، جرى اختراع فكرة النَسَب الثقافي للغرب. وكان من بين أولئك الذين ساهموا في هذا التصوّر: فرانسيس بيكون. وإذا كانَ القرن السَّادس عشر عصرَ الاستكشاف الغربي الذي حفّز نشوء أفكار جديدة في أوروبا أرسَت أسس عصر التنوير، فإنَّ القرن السَّابع عشر مثّلَ لحظة التحوّل الحاسِم من ذلك التوسع إلى إمبريالية غربية مكتملة الأركان.

أمريكا..حداثة غربية جديدة

ومع انتقال جديد لمفهوم حضارة الغرب من ضفة الأطلسي للأخرى. كان هذا إيذانا بميلاد جديد لمفهوم “حضارة الغرب”. في امريكا ومع المجتمع الوليد غادرت «حضارة الغرب» ميدان التنظير الأكاديمي، ودخلت حيّز الواقع السّياسي والاجتماعي. كانت أمريكا مختبرا مثالياً لقياس معادلة التفوق الثقافي والحضاري لكونك غربيا أيضاً. واجهَ الثوّار في أمريكا إشكالًا فكريًا محوريًا فمن جهةٍ، أرادوا الدفاعَ عن الحرّية ورفض الإمبريالية ومن جهةٍ أخرى، لم يرغب معظمهم في الدّفاع عن الحرية كحقٍّ عالمي، ولا في رفض الإمبريالية بالمطلق فقد سعى المستوطنون المنحدرون من أصول بريطانية إلى تأكيد حقّهم غير القابل للتصرف في الحرية وتقرير المصير، لكن لم يكن هناك دعم يُذكر لتوسيع هذه الحقوق نفسها لتشمل الأفارقة الأميركيين المستعبَدين. وبالمثل، في الوقت الذي رأى فيه الكثير من هؤلاء الثوار أنَّ الخضوع لإمبريالية بريطانيا أمر لا يُطاق، لم يعارضوا ممارساتها على الآخرين – لا الإمبريالية التي مارسها المستوطنون البيض على السّكان الأصليين لأميركا، ولا تلك التي مارسَها الأوروبيون في مناطق أخرى من الأميركتين وإفريقيا وآسيا طرحت هذه المفارقة الأيديولوجية معضلةً مفاهيميّة جوهرية: كيف يمكنهم المطالبة بالحرية لأنفسهم دون دعم الحرية للآخرين؟ وكيف يرفضون أن يكونوا خاضعين لإمبراطورية دون رفض فكرة الإمبراطورية أساسها من حيث المبدأ؟ تتجلّى هذه المعضلة بوضوحٍ في خُطب ورسائل ومنشورات الثوّار، التي تكررت فيها الإشارات إلى «استعباد» البريطانيين للمستعمرين، وإلى اعتبارهم غزاةً إمبرياليين ‫ خلال حرب الاستقلال الأميركية، صرّح جورج واشنطن (George Washington) – القائد العسكري للثوّار، والذي أصبح لاحقًا أول رئيسٍ للولايات المتحدة المستقلة (وكان أيضًا مالكًا لعدد كبير من العبيد من أصل إفريقي) – بأنّ المستعمرين يطالبون بالاستقلال لأنّ «روح الحرية فينا كانت أعظم من أن تخضع للعبودية».

لقد كانت العبودية المجازية التي ربطها هؤلاء القادة البيض بحكم بريطانيا تمثّل لهم أمرًا مرفوضًا تمامًا، حتى في الوقت الذي كانوا فيه يمارسون الاستعباد الحقيقي على الآخرين. فعلى سبيل المثال، ورغم رفضهم للعبودية كمفهومً نظري، لم يلغِ لا واشنطن ولا جيفرسون هذه الممارسة عندما أصبحا رئيسين، بل استمر كلّ منهما في امتلاك المئات من العبيد حتى وفاته. ويبدو أنّ ثوّار أميركا الشّمالية في أواسط وأواخر القرن الثامن عشر كانوا يرون أنّ الخضوع للعبودية أمر مرفوض لأنفسهم، لكنّه مقبول عندما يُمارس على الآخرين. ونجد هذا التناقض أيضًا في الخطاب السّياسي المتعلق بـالإمبراطورية والاستعمار. إذ بالرغم من إدانته لانتهاكات الإمبريالية البريطانية، لم يتردد واشنطن في وصف الولايات المتحدة المستقلة حديثًا بأنّها «إمبراطورية ناشئة».

من جهة أخرى حدث نوع ما من بناء سياق جديد لجسر، حضاري ممتد من اليونان والرومان بالحداثة الغربية على الأرض الأمريكية الوليدة. وذلك عبور تبني عدد من الاباء المؤسسين: الفكر والأسماء، بل والأقنوم اليوناني الروماني شبه مكتملاً.. فبعد الانتصار في الحرب، دارت النقاشات الدستورية بين الفيدراليين ومناهضي الفيدرالية مستخدمةً خطابًا مُفعمًا ببلاغة خطباء الإغريق والرومان. وفي السّنوات التي تلت، استُمدَّت الكثير من عناصر الدستور الأميركي الجديد -من تسمية مجلس الشيوخ (Senate) إلى الطراز المعماري الكلاسيكي لمبنى الكونغرس (Capitol)- من النماذج اليونانية والرومانية. وفي هذا كما في غيره، بنى الآباء المؤسسون على الفلسفات السياسية لعصر التنوير، مستلهمين بعمق من أعمال جون لوك (John Locke)، وتوماس هوبز (Thomas Hobbes)، وجان جاك روسو (Jean-Jacques Rousseau). في مواجهة التحدي المتمثل في إنشاء نظام سياسي جديد من الألف إلى الياء، لم يفكر الآباء المؤسسون في الأمر على أنّه نظام جديد جذري على الإطلاق، بل تنقيحًا مدروسًا للبُنى السياسيَّة لأسلافهم القدامى. قدمت الحضارة اليونانية-الرومانية للآباء المؤسسين لغةً مشتركة، أو مجموعة موحدة من المرجعيات والمُثُل. ربما كان ثمة توقع أن تؤدي المسيحيّة هذا الدور، لكن الانقسامات الطائفية بين الجماعات المسيحيّة المختلفة في أميركا الاستعمارية حالت دون ذلك. فقد كان الكاثوليك والأنجليكان يصطدمون مع الكويكرز (Quakers)، والميثوديين (Methodists)، واللوثريين وغيرهم من الفرق والطوائف. كانت الفروق الطائفية بين هذه الجماعات عميقة ومُؤثرة، بل إنَّ كثيرين من أتباعها غادروا أوروبا إلى أميركا الشَّمالية جزئيًا طمعًا في قدرٍ أكبر من حرية المعتقد. وكانت المسيحية لدى مزارعي الشّمال المتدينين تختلف جذريًا عن مسيحية كبار المُلّاك في الجنوب، وهذه تختلف بدورها عن الإنسانية الكوزموبوليتية cosmopolitan humanism التي بدأت تظهر في بعض المدن الكبرى. وفي ظلّ انقسامهم الديني، أصبح الرجوع إلى ماضٍ يوناني-روماني مشترك عنصرًا محوريًا في توثيق عُرى اللحمة السّياسيَّة بين الآباء المؤسسين. خلال الحملة الثوريّة، كان استخدام الصور والإشارات المأخوذة من اليونان وروما القديمتين ذا دلالة خاصَّة. فعلى النقيض من النزعة الفيلهلينية (Philhellenism) التي اجتاحت أجزاء واسعة من أوروبا القارية آنذاك، مالَ الثوار في أميركا الشّمالية إلى استلهام نموذج روما الجمهورية (Republican Rome) في تصوّرهم لذواتهم.

كانت روما تُصوَّر لديهم باعتبارها نموذجًا متقشفًا لكنه أرستقراطي، منضبطًا أخلاقيًا لكنه شديد التمسّك بالحريات الفردية، وهذا جعلها النموذج الأيديولوجي المثالي لحركة الاستقلال الناشئة. كما رأى الثوار أنّ روما تمثل نموذجًا أفضل من اليونان القديمة، لأنّ الديمقراطية الراديكالية لأثينا في القرن الخامس قبل الميلاد كانت مفتوحة وخطيرة جدًا، مما يجعلها عرضةً للديماغوجية وحكم الغوغاء وقد يبدو هذا غير متوقع من منظور معاصر نظرًا لما تتمتع به الديمقراطية الليبرالية من مكانة في الخطاب السياسي الغربي الحديث، فضلًا عن أنّه مخالف للواقع التاريخي، إذ إن ديمقراطية أثينا كما عايشها هيرودوت في أواخر القرن الخامس قبل الميلاد، كانت في الواقع إقصائية، تستبعد النّساء والعبيد وجميع المقيمين الذين لا يستطيعون إثبات «نقاء الدم» الأثيني لديهم. لهذا السّبب تحديدًا، وجد الآباء المؤسسون لأميركا الشمالية في روما نموذجًا أكثر جاذبية من اليونان، كمصدر تخيلي للإرث السياسي. كانوا يستحوذون على الإرث الثقافي لـ«حضارة الغرب». وها هم الثوار الأميركيون يأخذون هذا المفهوم إلى نتيجته المنطقية: عبور المحيط الأطلسي. ففي حين بدأ بيكون ومن جاء بعده يتتبعون سلسلة نَسَبِ «حضارة الغرب» من العالَم الإغريقي-الروماني وصولًا إلى عالم التنوير في أوروبا الغربية، فإنّ الثوار الأميركيين زعموا أنّ شعلة «حضارة الغرب» انتقلت الآن إلى أميركا الشَّمالية.

أصبحت فكرة أنَّ أميركا الشَّمالية الناطقة بالإنكليزية تمثل ذروة «حضارة الغرب» رائجة في أواخر القرن الثامن عشر، بفضل شخصيَّات مثل جوزيف وارن. غير أنًّ هذه الفكرة لم تكن محلّ إجماعٍ في كلّ مكان، حتى داخل القارتين الأميركيتين إذ جسّدت إشكاليةً في نظر سكان الولايات المتحدة الجديدة الذين ظلّوا محرومين من الحقوق رغم الخطاب الثوري، كما سنرى في الفصل التالي… ولم تكن هذه الرؤية الأيديولوجيا السَّائدة في الأراضي الواسعة في الشَّمال التي كانت لا تزال تحت السّيطرة البريطانية، والتي ستُشكِّل لاحقًا دولة كندا كما أنها لم تكن بالضرورة مهيمنة في المناطق من أميركا الشَّمالية التي ضمّت جالياتٍ فرنكوفونية كبيرة، رغم أنَّ الحكم الاستعماري الفرنسي في البر الأميركي انتهى رسميًا عام 1763 بموجب معاهدة باريس. مع أنَّه استمر لوقت لاحق في منطقة الكاريبي. وبكلّ تأكيدٍ، لم تكن هذه الرؤية مشتركة لدى شعوب «إسبانيا الجديدة»، أي المناطق التي تُشكّل اليوم أميركا الوسطى والجنوب الغربي من أميركا الشَّمالية، ولا لدى سكان الكاريبي وأميركا الجنوبية.

في حين أنّ السرديَّة الكبرى لما يُعرف بـ«حضارة الغرب» أصبحت تيارًا سائدًا في العقود الأخيرة من القرن الثامن عشر، إلا أنّها لم تكن سرديّة موحّدة أو مقبولة في عموم القارّة الأميركية بل كُرّست هذه السرديّة بعمقٍ في الخطاب السياسيّ للولايات المتحدة الناشئة، ووفّرت أساسًا أيديولوجيًا يُمكّن الثوّار من المطالبة بالحريّة وإنهاء الاستعمار من جهة، مع الحفاظ في الوقت نفسه على بُنى القمع الداخلية والاستعمار من جهة أخرى. على الرغم من ضرورة الإقرار بالخلل المفاهيمي المتجذّر في صُلب المشروع الأميركي الوليد، ينبغي أيضًا الاعتراف بنجاحه في ابتكار نظام سياسي جديد (وإن لم يكن كاملًا)، هدفَ إلى موازنة السّلطة بين الولايات والمؤسسّات الحاكمة المختلفة، وكرّس مبدأ المساواة السياسيّة (من حيث المبدأ على الأقل ولكن دون الممارسة العملية). وبالمثل، ورغم أنَّ الثورة الأميركية أنتجت سرديَّة تاريخية ذات طابع أيديولوجي واضح استجابت لضروراتها السياسيَّة الآنية، لا ينبغي أن نُحمّل أصحابها نوايا تآمرية أو مخادعة على وجه الخصوص. فلقد أعاد الناس –مرارًا– تشكيل التاريخ وفقًا لمتطلبات السّياق السياسي، وكيف أنَّ السرديَّات المختلفة للتاريخ لا تهيمن بالضرورة إلا حينما تسمح الظروف الأوسع بذلك.

ظهور البياض كتيمة عرقية التمايز الحضاري والثقافي

لم يظهر العِرق الأبيض بوصفه فئة قانونية مميزة ذات امتيازات خاصة إلا في أوائل القرن الثامن عشر. فعلى سبيل المثال، وبموجب قوانين العبيد في فرجينيا للعام 1705، تمكّن حتى أفقر العمّال البيض المُلزمين بعقود خدمة من المطالبة بامتيازات لم تكن متاحة لأيٍّ من «السّود» -حتى الأحرار منهم- مثل امتلاك الأسلحة، والاحتكام إلى محاكم منفصلة، والحقّ في استئجار عمّال أو توظيفهم. أفضى هذا النظام إلى تقويض إمكانات بناء تكافلٍ قائم على الطبقة، واستبداله بتكافلٍ قائم على العرق. وقد أوضح حاكم فرجينيا آنذاك أنّ الهدفَ من مثل هذا التشريع هو «جعل الزنوج الأحرار يدركون أنّ هناك فرقًا ينبغي أن يُراعى بين نسلهم ونسل الرجل الإنكليزي».

مع تأسيس الولايات المتحدة الأميركية، أصبح مفهوم التراتبية العرقية مفيدًا سياسيًّا بطرائق جديدة وجوهرية. وأدّى السَّرد التاريخي العظيم لـ«حضارة الغرب» دورًا محوريًّا في أيديولوجيا الثوّار، إذ مكّنهم من المطالبة بالمساواة، بل وحتى التفوّق على مستعمريهم البريطانيين السّابقين، بالاستناد إلى مبدأ نقل الإمبراطورية (translatio imperii)، وبوصفهم الورثة النهائيين والأسمى لـ«حضارة الغرب». لكن إن كانت أميركا الشّمالية هي المحطة الأخيرة لـ«حضارة الغرب»، فمن هم، من بين سكّانها، مَن يحقّ له الادّعاء بأنّه وريثها الشّرعي؟ من خلال دمج فكرة التراتبية العرقية مع فكرة الحضارة الغربية، تمكّنت الجمهورية الأميركية الناشئة من حلّ معضلتها الأيديولوجية المستعصية إذ بوسعها أن تحتفل بنهاية العبودية المجازية المتمثلة في «الضّرائب دون تمثيل» التي عاناها المستوطنون المنحدرون من أصول بريطانية، وفي الوقت نفسه تواصل استعباد الأفارقة وذوي الأصول الإفريقية داخل حدودها، بالإضافة إلى إخضاع السّكان الأصليين والآسيويين لعقود الخدمة القسرية. كما أصبح بوسعها من الناحية المنطقية الاعتراض على خضوع مواطنيها من أصول بريطانية للإمبريالية، دون أن تشعر بتناقض حين تفرض أو توسّع هي نفسها هيمنتها الإمبريالية على الشّعوب الأصلية، حتى لاحقًا في أميركا الوسطى وآسيا. إذا كانت سرديّة «حضارة الغرب» الكبرى قد وفَّرت للولايات المتحدة المبرّر الأيديولوجي لاستقلالها، فإنَّ اقترانها بفكرة التراتبية العرقية هو ما أتاح لها تبرير الإبقاء على نظام صارم من التفاوت والتمييز. لقد شهدت أميركا الشمالية، خلال النّصف الثاني من القرن الثامن عشر، ليس فقط شيوع مفهوم الحضارة الغربية، بل أيضًا طابعه العرقي العنصري المتزايد. نشرَ أحد مهندسي الاستقلال الأميركي، توماس جيفرسون، رسالةً في العام 1784، بعد أقل من عقدٍ على كتابته لإعلان الاستقلال، زعمَ فيها أنَّ «الأميركيين من أصول إفريقية، سواء كانوا ينحدرون من عِرق مميز في الأصل، أو تشكّل تميّزهم بمرور الزّمن والظروف، فهم أدنى منزلة من البيض في خصال الجسد والعقل على حدٍّ سواء».

لكن، إذا كانت السرديّة الكبرى قد تخلّقت في القرن السّادس عشر وولدت في القرن السّابع عشر، فإنّها لم تبلغ رشدها إلا في النصف الثاني من القرن الثامن عشر. في هذه المرحلة بالتحديد، اكتسبت سرديّة «حضارة الغرب» شعبيةً واسعة، ودخلت حيّز الخطاب السياسيّ السّائد في دولة قومية جديدة. كان هذا ممكنًا، جزئيًا، بفضل فائدتها السّياسية، إذ مكّنت الولايات المتحدة الأميركية الناشئة من تبرير استقلالها عن بريطانيا على أساس «انتقال الحضارة». شهد النصف الثاني من القرن الثامن عشر أيضًا بداية «عنصَرة» مفهوم «حضارة الغرب»، إذ بات اضطهاد الشعوب غير الغربية مبرَرًا ليس فقط من خلال تصنيفها بناءً على معايير بيولوجية وطبيعية مزعومة، بل أيضًا بسبب عجزها، كما افترض الغرب، عن المشاركة الكاملة في الإرث الثقافي لـ«حضارة الغرب» وهكذا، أُسقطت التصنيفات العِرقية الحاضرة على الأنساب الثقافية الماضية. في النصف الثاني من القرن الثامن عشر استثمرت العصور القديمة اليونانية الرومانية لإضفاء الشعور بالقيمة المطلقة المتعاظمة، والمكانة المتفوّقة. فقد أصبحت هذه العصور تُوصَف بـ«الكلاسيكية» ومفاد هذه «الكلاسيكية» الجديدة أنّ تلك العصور لم تكن فقط متميزة ومنفصلة عن بقية العوالم القديمة، وليست مجرّد تراث حصريّ للغرب تتناقله سلالات جغرافية وعرقية بعينها، بل كانت أيضًا ذات جودة موضوعيّة عالية، وأهميّة فائقة وهكذا، زعمت السرديّة الكبرى لـ«حضارة الغرب» أنَّ أصول الغرب هي ببساطة أفضل وأكثر أهمية من أصول «البقيّة». أصبحت هذه السرديّة تبريرًا لهيمنة الغرب.

شهد القرن التاسع عشر أوج السرديّة الكبرى لـ«حضارة الغرب». وكان من بين ما ميّز الغرب أيضًا قوّته. ففي القرن التاسع عشر، كانت الهيمنة العالمية للغرب مطلقةً وغير قابلة للطعن. لقد هيمنت الدول الغربية على الاقتصاد العالمي، وحكمت إمبراطورياتها مساحاتٍ ممتدة عبر خمس قارات، كما كانت الأفكار الغربية -حول العلم، والأخلاق، والتاريخ- تُصدَّر إلى العالم بأسْره، وغالبًا ما حلّت محلّ النظم المعرفية المحليّة. لقد كانت هيمنة الغرب في تلك اللحظة من التاريخ واسعةَ النطاق ومطلقة إلى درجة جعلت من الصَّعب تخيّل أنّها لم تكن موجودة دائمًا ومثلما فرضَ واقع القرن التاسع عشر مسارًا للغرب (السّيادة)، وآخرَ لغيره (الخضوع)، بات من الصَّعب أيضًا تصوّر التاريخ خارج إطار سردية «حضارة الغرب». ومن ثمّ، في منتصف القرن التاسع عشر، شهدت أوروبا تحوّلًا أيديولوجيًا مشابهًا، لا نتيجةً لإستراتيجية سياسية متعمّدة (كما كان الحال في أميركا، حيث كان تهدئة الفقراء «البِيض» هدفًا مقصودًا للمشرّعين)، بل نتيجة طيفٍ واسع من التحوّلات الثقافية المتشابكة. إذ ساهمت في هذا التحوّل كلٌّ من الثنائية المتصاعدة بين «الغرب» و«البقيّة»، وظهور العلوم العنصرية الزائفة، ونظريات التطور الاجتماعي. كذلك فعلت صناعة التاريخ. فقد وُصف القرن التاسع عشر بأنّه عصر «اختراع التقاليد»، وتميّز باهتمام جديد بالتواريخ الوطنية والمحلية، سواء في سياق بناء الإمبراطوريات أو في سياق مقاومة الاستعمار. وحيثما فشلت هذه السرديَّات التاريخية في تلبية التطلعات، جرى تدعيمها بتقاليد -بعضها جرى «اكتشافه» مجددًا، وبعضها الآخر اختُلِقَ علنًا- بهدف ترسيخ شعور المجتمع المعاصر بماضوية جذوره.

هذه النزعة الجديدة إلى تأريخ الماضي منحتِ الغرب الصَّاعد شعورًا بأنَّ تاريخه هو -أي السرديّة الكبرى لـ«حضارة الغرب»- ذو دلالة كونية وعالمية. فكما كان يُفترض أنّ شعوب الغرب أفضل وأرقى وأكثر أهمية من غيرها، وتسيطر على الشعوب غير الغربية في الحاضر، كذلك كانت الأصول الغربية تُعدّ أفضل وأرقى وأكثر أهمية من العصور القديمة غير الغربية، بحيث طغت على تلك الشعوب حتى في الماضي. بحسب هذا التصوّر، وحدها الأصول الغربية هي التي يمكن تصوّرها «كلاسيكية».

إدوارد سعيد.. نقد الفكرة

منذ منتصف القرن العشرين فصاعدًا، ظهر عدد متزايد من الأصوات الغربية التي بدأت تُراجع الأيديولوجيات الأساسيّة التي بُني عليها الغرب قديمًا، وتُشكك في سرديّة «حضارة الغرب». تتباين أهداف هؤلاء النقّاد كثيرًا. بعضهم، مثل الإسلاميين المتطرّفين المنتمين إلى تنظيم «داعش»، يسعى إلى تدمير الغرب كليًا، معلنًا العداءَ له صراحةً في حين يسعى آخرون، مثل المتطرفين اليمينيين والإرهابيين الذين يزعمون الدّفاع عن الغرب من خلال تقويض مؤسساته ومهاجمة شعوبه، إلى «إعادة تشكيل» الغرب على نحو يُطَهّر منه العناصر التي يرونها غير مرغوب فيها. (من اللافت أنّ بعض أعلى الأصوات التي تحذّر من «الهجوم على الغرب» تنتمي إلى هذا المعسكر نفسه، الذي يُعد في جوهره تهديدًا للقيم والمبادئ الغربية. أما آخرون – ومنهم الشخصية المحورية في هذا الفصل، إدوارد سعيد Edward Said، فقد سعوا إلى إجراء تحسينات أكثر تواضعًا، من خلال نقد الغرب من أجلِ فهمه بصورة أفضل، وفهمِ العالم المترابط الذي يُشكّل جزءًا منه. 

ورغم تنوّع نقّاد الغرب في أهدافهم وانتقاداتهم، فإنهم جميعًا خرجوا من رحمِ العملية التاريخية ذاتها: تراجع الهيمنة السّياسية والعسكرية والاقتصادية الغربية. إذ يحتفي «أعداء الغرب» المعلنون بهذا التراجع، ويعززون كراهيتهم له عبر استحضارهم لجرائم الاستعمار. لقد بتنا في بيئة سياسية مركبة، ومع ذلك لا يزال عددًا متناقصًا من الغربيين، يفكرون في «الغرب» بصفته كيانًا عرقيًا في المقام الأول، كما فعل جوزيف وارن وفيليس ويتلي في القرن الثامن عشر، أو كما فعل ويليام غلادستون في القرن التاسع عشر، مع الإشارة إلى أنّ هناك استثناءات من هذه القاعدة. وأصبح النّهج العرقي القديم في تعريف الغرب عتيقًا، ليس لأنّه لم يعد فعّالًا ببساطة، بل لأنّه يتعارض مع المبادئ التي يعتبرها معظم الغربيين اليوم جوهرية لترسيخ هويّة الغرب؛ مثل مبادئ المساواة الإنسانيّة الأساسيّة، والحقوق، والليبرالية الاجتماعية، والتسامح. مرّة أخرى، يوجد أشخاصٌ داخل الغرب لا يعتنقون هذه المبادئ، ويفضّلون بدلًا منها النزعة اللاأخلاقية والتعصب. ولا تزال عملية إعادة تصوّر الغرب غير مكتملة، لكنها دخلت في فترةٍ من التحوّلات الجذرية خلال منتصف وأواخر القرن العشرين، عندما تغيّر كلٌّ من الموقع الجيوسياسي للغرب والأساس الجوهري الذي تُبنى عليه هويته. فخلال القرن العشرين، أصبحت التعريفات العرقية والجغرافية للغرب، والتي كانت سائدة خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، غير صالحة، ولم تعد منسجمةً مع الواقع السّياسي أو مع التجارب المُعاشة في الغرب، كما لم تعد تمثّل الأساس الأيديولوجي الذي تقوم عليه هُويّة الغرب اليوم. بيدَ أنّ إعادة تصوّر الغرب لا تقتصر على إعادة تعريف حاضره، بل تستلزم أيضًا مراجعة جذرية لتاريخه، أي التشكيكِ في سَرديته الكبرى، والطّعن في رواية «حضارة الغرب» كما جرى تسويقها عبر القرون.

ولعلّ أعظم إرثٍ خلّفه سعيد يتمثل في إعادة النظر في «حضارة الغرب».  هذا الإرث الذي خلّفه إدوارد سعيد يتيح لنا إعادة التفكير في مفهوم «حضارة الغرب» قبل أواخر القرن العشرين، كان معظم الناس ينظرون إلى الهوية الحضارية باعتبارها أمرًا بديهيًا؛ شيئًا طبيعيًا وثابتًا لا يتغيّر (ولا يزال كثيرون حتى اليوم يفكّرون بهذه الطريقة). مع ذلك، يظهر بوضوح أنّ الحدود والتعريفات الحضارية لم تكن يومًا جامدة. لقد اختلفت الأفكار حول «الغرب» و«الهوية الغربية» باختلاف الأفراد، وباختلاف الزمان والمكان. فقد كانت رؤية فرانسيس بيكون للغرب مغايرة لرؤية جوزيف وورن، لأن كلًّا منهما متجذر في سياق تاريخي مختلف، كما أن خلفيتهما الاجتماعية والشخصية كانت مختلفة. وبالمثل، فإنّ الولاءات الثقافية لبريطانيا تصوّرها كلّ من السلطانة صفية وويليام غلادستون بطرائق متباينة، للأسباب نفسها. ومن كل منظور تاريخي فريد كانت تنطلق منه هذه الشخصيات، كانت صورة الغرب و«حضارة الغرب» تتشكّل على نحوٍ مختلف. لهذا السبب، نجد أنّ كلّ شخصية من الشخصيات التي تناولها الكتاب عاشَت الغرب وصوّرته بطريقتها الخاصة ‫ اختار بعضهم أن يصوغ الهوية الحضارية بصورة مدروسة، منسجمة مع أهداف سياسية محددة في أذهانهم من بين السير الواردة هنا، تُعد شخصياتٍ مثل هيرودوت، وغودفري من فيتربو، وجوزيف وارن أمثلة واضحة على هذا النهج المتعمّد لكن لم يتعامل الجميع مع الهوية الحضارية بهذه الدرجة من الوعي والتخطيط؛ فبعضهم عبّر عن تصورات حضارية بدت منطقية له في ظلّ زمانه، ومكانه، وسياقه الاجتماعي.

في نظر سعيد أن الشرق والغرب هي مصطلحات ابنة السياق التاريخي والثقافي، وطبقات من النمو. وقد لخّص سعيد هذا المنظور في قوله: «لقد بدأتُ من افتراض أنّ الشرق ليس حقيقة طبيعية خاملة، ليس مجرّد شيء موجود، تمامًا كما أنّ الغرب نفسه ليس كذلك أيضًا… باعتبارهما كيانين جغرافيين وثقافيين -ناهيك عن كونهما كيانين تاريخيين- بالتالي، فإنّ هذه المواقع أو المناطق، مثل «الشرق» و«الغرب»، هي من صنع البشر. لذلك، فالشرق، بقدر الغرب تمامًا، فكرة لها تاريخ وتقاليد فكرية وصورية ولغوية منحته حضورًا وواقعية في أعين الغرب ومن أجله. وهذان الكيانان الجغرافيان يدعمان ويعكس أحدهما الآخر إلى حدٍّ ما». إذن، لا الشرق ولا الغرب كانا موجودين وجودًا أصيلًا أو أوليًا. يقول سعيد: «لا يتمتّع مصطلح الشرق ولا مفهوم الغرب بأي ثبات أنطولوجي»؛ «كلاهما نتاج جهد بشري، يقوم جزئيًا على تأكيد الذات، وجزئيًا على توصيف الآخر.

وبحسب سعيد، كانت النتيجة الأهم لاختراع الشرق -ومعه اختراع الغرب- هي توفير التبرير الأيديولوجي للهيمنة الإمبريالية. إنَّ تصوّر الشرق على أنه مختلف جوهريًا عن الغرب وأقلُّ شأنًا منه بالضرورة جعل من السّهل والممكن أيديولوجيًا للغربيين الهيمنة على شعوب الشرق الأوسط. بدأت هذه الهيمنة سياسيًا مع الاستعمار المباشر في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر وأوائل القرن العشرين، لكنها، كما يقول سعيد، استمرت لاحقًا على المستوى الثقافي والفكري في القرن العشرين. لخّص سعيد هذه الفكرة الشهيرة بقوله: «يمكن مناقشة الاستشراق وتحليله بوصفه المؤسسة المنظَّمة للتعامل مع الشرق، والتعامل معه من خلال إصدار تصريحات بشأنه، ومنح الشرعية للآراء التي تطرح عنه، ووصفه، وتعليمه، وتوطينه، وحكمه؛ وباختصار، الاستشراق بوصفه أسلوبًا غربيًا للهيمنة على الشرق، وإعادة تشكيله، وامتلاك السلطة عليه».

حرب العوالم.. وجهات نظر

 اليوم، وبعد نضوج فكرة الغرب والشرق على نيران المصالح تارة وتضاربات السياسة وإرث الثقافة والتاريخ تارات أخرى. أضحى الغرب والشرق مفاهيم أكثر عمقا لدى دوائر التلقي، ‫فلم يَعُد الغرب يهيمن على العالم هيمنةً مطلقة، بلا منازع، كما كان في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، إذْ بات للغرب اليوم منافسون. ولا أعني بـ«منافس» الغرب فردًا أو منظمةً أو دولةً تعلن نفسها معادية للغرب فحسب؛ فالغرب في القرن الحادي والعشرين كتلةُ قوى عظمى عابرة للدول، تضم في داخلها دولًا كثيرة لا تتوافق دائمًا وقد تتنافس أحيانًا، لكنّها تشترك مع ذلك في رؤية عالمية عامة وإحساسٍ واعٍ بالهوية. لذا يجب أن يكون منافِسُ الغرب كيانًا جيوسياسيًا كبيرًا قادرًا على التموضع خارج النظام الدولي الذي يهيمن عليه الغرب، ويتمتع بمنظومة دولية بديلة خاصّة به. ومن ثمّ، لا يمكن اعتبار دولٍ بعينها مثل كوريا الشَّمالية، التي تقع خارج المنظومة الدولية الغربية، منافسًا للغرب؛ المسألةُ مسألة حجم، إذ إن كوريا الشَّمالية صغيرة للغاية بحيث لا تصلح أن تمثّل تحدّيًا عالميًا فعّالًا، على الرغم من قدراتها النووية.

وخلال أوّل عقدين من القرن الحادي والعشرين، كان أحد التهديدات الخارجية التي تُناقَش كثيرًا في وسائل الإعلام الغربية هو الإسلام الجهادي، ولا سيّما منظمتان اعتبرتا نفسيهما منافستين للغرب هما تنظيما “القاعدة وداعش” نشأت فكرة الإسلام الجهادي بصفته منافسًا محتملًا للغرب في الوعي العام العالمي على نحو عنيف في 11 سبتمبر 2001، حين نفّذ عناصر القاعدة هجماتٍ منسّقة في الولايات المتحدة، تمثَّلتْ بخطف طائراتٍ تجارية وصدمها عمدًا بمبانٍ عامة مكتظّة ومجمّعاتٍ حكومية بالغة الحساسية. أسفرت تلك الهجمات عن مقتل الآلاف وألحقت الأذى بحياة كثر آخرين. غير أنّها، بدلًا من أن تُحدث خوفًا وانقسامًا داخل أميركا وتضعف مكانة الولايات المتحدة في المجتمع الدولي، أدت إلى العكس تماماً.  

وفي النهاية، لقد صيغتْ سردية «حضارة الغرب» الكبرى، ونُشرت، بين القرنين السابع عشر والتاسع عشر لأنّها أدّت وظيفة أيديولوجية محدّدة. إذ وفّرت أسطورةً تأسيسية تبرّر الهيمنة وتُضفي شرعية على الخضوع استنادًا إلى ماضٍ مجيد ومتعالٍ. غير أنّ هذه الوظيفة الأيديولوجية باتت اليوم متقادمة؛ لم يعد معظم الناس في الغرب الحديث يرغبون في أسطورة أصلٍ تدعم الاضطهادَ العرقي أو الهيمنةَ الإمبريالية. لذلك جرت محاولاتٌ لجعل تلك السردية منسجمة أكثر مع مبادئ الديمقراطية الليبرالية الحديثة: كالتشديد على ديمقراطية أثينا الكلاسيكية، وبزوغ التسامح الديني في العصر الحديث المبكر، واحتفاء التنوير بالحريات الفردية بوصفها ركيزةً للمُثل الليبرالية الاجتماعية المعاصرة. لكن هذه المحاولات كثيرًا ما اصطدمت بمشكلة طبيعة المادة التاريخية ذاتها. فأثينا الكلاسيكية -رغم جزئية ديمقراطيتها- كانت عنصريةً وإمبرياليةً وأبوية، واعتمدت على استعباد البشر؛ والتسامح الديني الحديث لم يَبزُغ إلا بعد حروب دامية مروّعة (صُلح وستفاليا Treaty of Westphalia) ولم يُنهِ الصراعَ الديني في أوروبا؛ أما الحريات الفردية في زمن التنوير، فلم تُطبَّق بالتساوي، بل استُثني منها الكثيرون بداعي العِرق والجنس. وعلى الرغم من إعادة النظر، بنجاحٍ، في بعض عناصر تلك السردية، فإنَّ تعديلها لتوافق حساسية القرن الحادي والعشرين أمرٌ متعذِّر؛ فهي أسطورةُ كانت حاسمةً للغرب في الماضي، لكنها لم تعُد تخدمه في الحاضر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى