فوتوغرافيا الوجود .. الصورة وبناء التاريخ في السياق الكردي

تحليل: هدير مسعد عطية .. الذاكرة دوما هي فعل مخاتل مراوغ لا يمكن الارتكان إليها وحدها في بناء معرفة تاريخية، دوما ثمة حاجة لسند أكثر موثوقية يأتي من مظان صلبة أكثر تماسكا ويمكن تفكيكها والبناء عليها في بناء سرد تاريخي متماسك. ولهذا ثمة تنوعًا مستمرًا في الأوعية التي تحتمل الأخذ منها للبناء التاريخي أولًا والتعبير عن الذات الجماعية ثانيًا، مصادر تتنوع وتُعاد صياغتها باستمرار عبر السياسات، الحدود، الخطابات، وأنماط العيش اليومية. من هنا، لا تعمل الذاكرة بوصفها استعادة لما كان، بل بوصفها مقاومة لما يُراد له أن يُنسى. إن ما يجعل هذه الذاكرة إشكالية هو أنها لا تملك لحظة اعتراف تاريخي تُغلق الجرح، ولا تملك سردية سيادية تمنحها شكلًا متماسكًا. لذلك، تبقى الذاكرة (المأزومة) في حالة توتر دائم بين الحضور والغياب: حاضرة في التجربة المعاشة، غائبة في التدوين الرسمي. هذا التوتر هو ما يجعل الذاكرة ليست مجرد محتوى، بل وضعية وجودية يعيشها الفرد والجماعة في آن واحد. الزمن في الذاكرة (المأزومة الجريحة) لا يسير إلى الأمام، بل يلتف حول ذاته.
ومن ثم حين تُنتَج الفوتوغرافيا داخل هذا الزمن الدائري، لا توثق لحظة استثنائية، بل تلتقط استمرارية العنف في تفاصيل الحياة اليومية. الصورة هنا ليست لحظة مجمدة من الماضي، بل قطعة من زمن غير محسوم، زمن لا يعرف الفرق الحاسم بين “كان” و”لا يزال”. تمثل الفوتوغرافيا إذن في السياق الكردي أكثر من مجرد وسيلة للتوثيق البصري؛ إنها تتحول إلى أداة وجودية لمقاومة النسيان وإثبات الحضور التاريخي لشعب مقسّم جغرافياً ومهمّش سياسياً. في غياب الدولة المركزية والمؤسسات الوطنية الرسمية، تصبح الصورة الفوتوغرافية بمثابة “الأرشيف السيادي البديل” الذي يحفظ الذاكرة الجماعية ويؤسس لسردية تاريخية مضادة. ولهذا، تنطلق هذه الدراسة من إشكالية محورية: كيف يمكن للفوتوغرافيا أن تساهم في بناء فكرة الأمة لشعب يفتقر إلى السيادة الجغرافية والاعتراف السياسي؟ وكيف تتحول الصورة من مجرد لحظة مجمدة في الزمن إلى وثيقة حية تقاوم المحو وتعيد بناء النسيج الاجتماعي الممزق؟
في هذا الفراغ الأرشيفي، تظهر الفوتوغرافيا لا كوثيقة بديلة، بل كأفق أخلاقي للذاكرة. الصورة الفوتوغرافية، في السياق الكردي، لا تأتي لتملأ نقص التاريخ، بل لتكشف حدود التاريخ نفسه. إنها لا تدّعي الموضوعية، ولا تقدم نفسها بوصفها “دليلًا” بالمعنى القانوني، لأنها تدرك أن القانون ذاته جزء من بنية الإقصاء. لذلك، تتحرّك الصورة في منطقة رمادية بين الشهادة والتخييل، بين الأثر والتمثيل. إنها تقول: لا أستطيع أن أُثبت ما حدث، لكنني أستطيع أن أُظهر أن شيئًا ما كان يستحق أن يُتذكَّر. هذا التحول من منطق الإثبات إلى منطق الاستدعاء هو ما يمنح الفوتوغرافيا بعدها الفلسفي العميق في سياق الذاكرة المهزومة. من هنا، يتحول الأرشيف من مخزن للذاكرة إلى ساحة صراع عليها. الأرشيف الرسمي يفترض دولة، مؤسسات، واستمرارية سيادية؛ وهو ما تفتقده الجماعات المأزومة تاريخيًا. لذلك، لا يكون غياب الأرشيف الكردي نتيجة إهمال تقني، بل نتيجة إقصاء بنيوي. في هذا السياق، تتشكل الأرشفة البصرية بوصفها ممارسة مضادة: أرشيف غير مكتمل، مفتوح، هش، ومعرّض للفقدان في أي لحظة. هذه الهشاشة ليست ضعفًا، بل جزء من أخلاقيات الذاكرة؛ لأنها ترفض ادعاء الامتلاك النهائي للحقيقة. الصورة المؤرشفة هنا لا تقول “هذا ما حدث”، بل تقول “هذا ما نجا من المحو”.
ولا يعمل الخيال الفوتوغرافي هنا ضد الحقيقة، بل ضد اكتمالها الزائف.فحين يُختزل التاريخ في رواية المنتصر، تصبح الحقيقة مكتملة شكليًا لكنها فارغة أخلاقيًا. وهنا يتدخل الخيال لا ليخترع وقائع، بل ليعيد فتح ما أُغلق قسرًا. وكثير ما تبقى عناصر أسايسية من الصورة الكردية خارج الإطار: الحدث المباشر، الفاعل، السبب. هذا الغياب لا يُقصد به الغموض الجمالي، بل هو تعبير عن واقع معرفي قاسٍ؛ فالحدث لم يكن متاحًا أصلًا للتصوير، أو كان تصويره مستحيلًا دون تعريض المصوِّر والمصوَّر للخطر. ويصبح الخيال، في هذه الحالة، شكلًا من أشكال الأمان المعرفي؛ وسيلة لحماية الذاكرة من الاستباحة، دون التخلي عن مسؤولية التذكّر. كما لا يسعى الخيال الفوتوغرافي الكردي في المنفى إلى إعادة إنتاج “الوطن المفقود”، لأن هذا الوطن ذاته أصبح فكرة أكثر منه مكانًا. بدلًا من ذلك، تشتغل الصور على حالات العبور، الانتظار، اللا استقرار. المطارات، الغرف المؤقتة، الحدود غير المرئية، كلها تتحول إلى مسارح للذاكرة المهزومة. ولا تستدعي الصورة هنا الحنين، بل تكشف هشاشته؛ إذ تُظهر كيف يتحول الوطن إلى طيف بصري، حاضر بوصفه فقدًا أكثر من كونه حضورًا.
حين يغيب التاريخ وتبقى الصورة
ثمة فرضية مفادها؛ أن التاريخ لا يُبنى دائمًا من الوثائق الرسمية ولا من السرديات السيادية المستقرة. ففي كثير من السياقات، ولا سيما سياقات الشعوب التي لم تمتلك دولة قومية مكتملة، يتشكّل التاريخ في مناطق ظلّ، على تخوم الأرشيف، وفي فجوات الاعتراف. هنا، لا يكون الغياب مجرد نقص في المادة، بل يتحوّل إلى بنية معرفية قائمة بذاتها. فحين يُقصى شعب بأكمله من التدوين الرسمي، لا يصبح السؤال: كيف نكتب تاريخه؟ بل: ما الذي يمكن أن يقوم مقام التاريخ؟ في السياق الكردي، يتخذ هذا السؤال طابعًا وجوديًا. فالتاريخ الكردي، كما كُتب في معظم الأحيان، هو تاريخ مكتوب من الخارج، مجزّأ وفق خرائط الدول القومية، ومؤطَّر ضمن سرديات أمنية أو إثنوغرافية أو استعمارية. أما الداخل الكردي، فظلّ لفترات طويلة محكومًا بذاكرة جريحة، شفوية في الغالب، محاصَرة بالقمع، ومهدَّدة بالنسيان. في هذا الفراغ، تظهر الفوتوغرافيا لا بوصفها أداة توثيق محايدة، بل كوسيط وجودي، أخلاقي، ومعرفي، يشتغل على حافة التاريخ، لا في قلبه.
لا تأتي الصورة الفوتوغرافية هنا لتعويض غياب التاريخ، بل لتكشف حدود التاريخ نفسه. فهي لا تعد بتقديم سردية مكتملة، ولا تدّعي امتلاك الحقيقة، لكنها ترفض، في المقابل، أن يمرّ الغياب بصمت. من هنا، تتشكّل الفوتوغرافيا الكردية بوصفها ممارسة مقاومة رمزية، لا تستهدف كتابة الماضي بقدر ما تستهدف تعطيل نسيانه. هذه الدراسة تنطلق من فرضية مركزية مفادها أن الفوتوغرافيا، في السياق الكردي، ليست مجرد وسيط بصري، بل أفق معرفي بديل لإنتاج المعنى التاريخي، وأداة لإعادة التفكير في مفاهيم الذاكرة، الأرشيف، والزمن. وفي هذا الجزء الأول، سيتم التركيز على الإطار النظري الذي يسمح بفهم هذا الدور: الذاكرة بوصفها وضعية وجودية، الزمن بوصفه بنية غير خطية، والأرشيف بوصفه ساحة صراع لا مخزنًا محايدًا.
حقيقة، لا تُنتج الفوتوغرافيا الكردية ذاكرة جماعية جاهزة، بل تتيح إمكان تشكّلها. فالذاكرة الجماعية، في معناها الكلاسيكي، تفترض توافقًا سرديًا وحدًا أدنى من الإجماع. لكن في سياق جماعة مقسّمة جغرافيًا وسياسيًا، يصبح هذا الافتراض نفسه إشكاليًا. فالصورة لا توحّد التجربة بقدر ما تفتحها على التعدد. كل صورة تحمل قابلية تأويل مختلفة بحسب الموقع، الجيل، والمنفى. وهنا تكمن قوتها: بدل أن تفرض معنى واحدًا، تتيح شبكة من المعاني المتجاورة، المتعارضة أحيانًا، لكنها تشترك في رفض النسيان. الذاكرة، بهذا المعنى، ليست مضمونًا، بل عملية تفاوض مستمرة. ويتحول الجسد في الصورة الكردية إلى وسيط زمني، لا إلى موضوع بصري فحسب. الجسد هنا لا يُقدَّم بوصفه حامل هوية إثنية أو علامة ثقافية، بل بوصفه أثرًا متراكمًا لتاريخ لم يُروَ. الجسد المتعب، الصامت، غير المسرحي، هو جسد يعرف أكثر مما يقول. يحمل ذاكرة لا يمكن اختزالها في حدث واحد، ذاكرة القرى الممحوة، التهجير المتكرر، الانتظار الطويل، والخوف المتوارث. ورغم هذا لا تظهر الفوتوغرافيا هذه الذاكرة بشكل مباشر، لكنها تتيح لها أن تتجلّى في التفاصيل الصغيرة: وضعية اليد، اتجاه النظرة، المسافة بين الجسد والعدسة. هكذا يصبح الجسد أرشيفًا غير رسمي، لا يُقرأ بالوقائع بل بالإيماءات. ويتحول الصمت من كونه اختيارًا جماليًا، لضرورة أخلاقية. فالكلام قد يتحول بسهولة إلى تبسيط، إلى خطاب جاهز، إلى إعادة إنتاج لسرديات لا تخص أصحاب التجربة. بينما الصورة الصامتة، في المقابل، ترفض أن تمنح المشاهد وهم الفهم السريع. إنها تُبقي المسافة مفتوحة بين ما يُرى وما يُفهم، وتجبر المتلقي على التوقف، وربما على الاعتراف بعجزه عن الإحاطة بالتجربة. هذا الصمت ليس فراغًا دلاليًا، بل موقفًا ضد الاستهلاك البصري للألم، وضد تحويل المعاناة إلى مادة سردية مريحة.
لا تسعى الفوتوغرافيا الكردية إلى إنقاذ الماضي، بل إلى تعطيل نسيانه. هي لا تعد بالعدالة التاريخية، ولا تدّعي أنها تُعيد كتابة ما مُحي، لكنها ترفض أن يمر المحو بصمت كامل. الصورة هنا ليست وعدًا بالخلاص، بل أثرًا للمقاومة الرمزية، مقاومة النسيان، مقاومة الاختزال، مقاومة تحويل الذاكرة إلى مادة أرشيفية باردة. إنها ممارسة تقول، بهدوء شديد: “لسنا في التاريخ، لكن التاريخ ليس بريئًا من غيابنا”. وليست السياسة في هذه الفوتوغرافيا خطابًا مباشرًا، بل بنية كامنة في الشكل. اختيار الأبيض والأسود، التكوين البسيط، الإضاءة الطبيعية، وحتى الرداءة التقنية أحيانًا، ليست قرارات جمالية محضة، بل استجابات سياسية لشروط القمع والندرة. الشكل هنا يحمل أثر السياسة دون أن يصرّح بها. هذه السياسة الصامتة أكثر فاعلية من الشعارات، لأنها تعمل على مستوى الإدراك لا على مستوى الخطاب. المشاهد لا يُقنَع، بل يُزعزَع. الخيال الفوتوغرافي، في هذا الإطار، لا ينتج صورًا جميلة، بل صورًا ضرورية. الضرورة هنا ليست أخلاقية فقط، بل وجودية. الصورة تُنتَج لأن عدم إنتاجها يعني قبول الفراغ، وقبول الفراغ يعني الانخراط في منطق المحو. لذلك، لا تهتم هذه الفوتوغرافيا كثيرًا بقيم السوق أو التداول الفني العالمي، بقدر ما تهتم بإبقاء أثر ما. إنها فوتوغرافيا تعرف أنها قد لا تُرى، لكنها تُنتَج رغم ذلك، لأن فعل الإنتاج نفسه هو شكل من أشكال البقاء الرمزي.
يرتبط التصوير الفوتوغرافي، في المخيال الحداثي، بفكرة اللحظة الحاسمة، بالقطع الزمني الذي يفصل بين “قبل” و“بعد”. غير أن هذا الفهم يفترض وجود زمن خطي مستقر، وهو افتراض لا يصمد في سياقات العنف البنيوي. في الزمن الدائري، لا توجد لحظة حاسمة، لأن كل لحظة مشبعة بما سبقها ومفتوحة على ما سيكررها. تُنتَج الفوتوغرافيا الكردية داخل هذا الزمن غير المحسوم. لذلك، لا يمكن قراءتها بوصفها توثيقًا لحدث، بل بوصفها أثرًا. الأثر، هنا، لا يشير إلى واقعة مكتملة، بل إلى شيء نجا من المحو، إلى بقايا زمن لم يُحسم بعد. الصورة ليست شاهدًا على الماضي، بل دليلًا على أن الماضي لم يصبح ماضيًا. هذا التحوّل من منطق الحدث إلى منطق الأثر يمنح الصورة بعدها الفلسفي العميق. فهي لا تطلب من المشاهد أن “يفهم” ما حدث، بل أن يعترف بأن هناك ما لا يمكن فهمه بالكامل. وبهذا المعنى، ترفض الفوتوغرافيا الكردية أن تُدرج ضمن اقتصاد التفسير السريع أو الاستهلاك البصري للألم.
يفترض الأرشيف، في تعريفه الكلاسيكي، وجود دولة، مؤسسات، واستمرارية سيادية. وهو ما يفتقده السياق الكردي. لذلك، لا يكون غياب الأرشيف الكردي نتيجة إهمال تقني، بل نتيجة إقصاء بنيوي. ما لم يُعتبر جديرًا بالحفظ لا يُحفظ، وما لا يُحفظ يُمحى من التاريخ. في هذا الفراغ، تتشكّل الأرشفة البصرية بوصفها ممارسة مضادة. إنها أرشفة غير مكتملة، هشّة، مفتوحة على الفقدان. لكنها، في هشاشتها هذه، ترفض ادعاء الامتلاك النهائي للحقيقة. فالصورة المؤرشفة لا تقول: هذا ما حدث، بل: هذا ما نجا من المحو. يتحوّل الأرشيف، بذلك، من مخزن للذاكرة إلى ساحة صراع عليها. من يملك الحق في التصنيف؟ من يقرّر ما يُحفظ وما يُهمل؟ في الأرشيفات الغربية، غالبًا ما يُصنَّف الكرد ضمن فئات إثنوغرافية أو قومية تابعة لدول أخرى، مما يعيد إنتاج الإقصاء داخل الأرشفة نفسها. أما محاولات الأرشفة الكردية، فتسعى، بوعي أو بدونه، إلى تفكيك هذا المنطق، عبر جمع الشذرات، الصور العائلية، اللقطات الناجية، وتحويلها إلى نسيج مفتوح للمعنى.
لا تتحرك الفوتوغرافيا الكردية ضمن منطق الإثبات القانوني. فهي تدرك أن القانون ذاته جزء من بنية الإقصاء. لذلك، تحتل الصورة منطقة رمادية بين الشهادة والتخييل، بين الأثر والتمثيل. هذا التوتر ليس ضعفًا، بل مصدر قوتها. لخيال هنا لا يعمل ضد الحقيقة، بل ضد اكتمالها الزائف. فعندما يُختزل التاريخ في رواية المنتصر، تصبح الحقيقة مكتملة شكليًا لكنها فارغة أخلاقيًا. الخيال الفوتوغرافي يعيد فتح ما أُغلق قسرًا، دون أن يدّعي اختراعه. إنه يحمي الذاكرة من الاستباحة، دون أن يحوّلها إلى خطاب جاهز. حقيقة، لا تسعى الفوتوغرافيا في السياق الكردي إلى إنقاذ الماضي، بل إلى تعطيل نسيانه. إنها لا تعد بالعدالة، ولا تدّعي كتابة التاريخ، لكنها ترفض أن يمرّ الغياب بلا أثر. في الجزء الأول من هذا المقال، جرى تأسيس الإطار النظري الذي يسمح بقراءة الصورة بوصفها ممارسة وجودية، وأداة لإعادة التفكير في الذاكرة، الزمن، والأرشيف.
الأرشيف البصري بوصفه سيادة بديلة
إذا كان الجزء الأول قد اشتغل على تأسيس الفوتوغرافيا بوصفها أفقًا معرفيًا بديلًا للتاريخ الرسمي، فإن هذا الجزء ينطلق من سؤال أكثر حدّة: ماذا تفعل الصورة حين تغيب السيادة؟ في غياب الدولة، الأرشيف، والمؤسسة التاريخية، لا تختفي الحاجة إلى التمثيل، بل تتحوّل إلى ممارسة موزّعة، غير مركزية، ومشحونة بالأخلاق. هنا، لا تعود السيادة مفهومًا قانونيًا صرفًا، بل تتحوّل إلى قدرة على الحفظ، على التسمية، وعلى مقاومة المحو. تشتغل الفوتوغرافيا الكردية داخل هذا الفراغ السيادي. فهي لا تطلب الاعتراف من الدولة، بل تُنتج اعترافها الخاص، عبر تراكم الصور، الأجساد، والأماكن التي ترفض الاختفاء. في هذا المعنى، يصبح الأرشيف البصري ممارسة سيادية رمزية، لا تهدف إلى السيطرة، بل إلى البقاء.
الأرشيف، في صيغته الكلاسيكية، هو نتاج الدولة الحديثة: مؤسسات، قوانين، معايير حفظ، وسرديات رسمية. لكن في السياق الكردي، حيث لم تتشكّل دولة قومية قادرة على إنتاج أرشيف وطني، يظهر الأرشيف البصري بوصفه ممارسة موزّعة، غير مكتملة، وغالبًا ما تكون شخصية أو عائلية أو منفية. هذا الأرشيف لا يدّعي الشمول، بل يقرّ منذ البداية بنقصه. غير أن هذا النقص ذاته هو ما يمنحه قوته الأخلاقية. فهو لا يخفي هشاشته، ولا يتستّر خلف ادعاء الموضوعية. إنه أرشيف يعرف أنه مهدّد دائمًا بالفقدان، ولذلك يتصرّف على هذا الأساس: كل صورة هي نجاة مؤقتة من المحو.
في الأرشيفات الرسمية، تُصنّف الصور وفق منطق ثابت: تواريخ، أماكن، تسميات قومية أو إدارية. أما الأرشيف البصري الكردي، فيعمل غالبًا بمنطق الشذرة. الصورة لا تُدرج ضمن سلسلة متماسكة، بل تُترك لتجاور صورًا أخرى دون أن تذوب فيها. هذا التجاور لا ينتج سردية مكتملة، بل شبكة من العلاقات المفتوحة. صورة مقبرة جماعية قد تجاور صورة عائلية، وصورة مظاهرة قد تقف بجانب صورة لطفل نائم. هذا التفكك الظاهري ليس عيبًا أرشيفيًا، بل مقاومة لمنطق الإغلاق الذي تمارسه السرديات الكبرى.
حين يُحرم شعب من تدوين تاريخه، يتحوّل الجسد إلى موقع تخزين للذاكرة. الجسد الكردي، المثقل بالتجارب القسرية من تهجير، عنف، فقدان، وقمع، لا يحمل الذاكرة بوصفها ذكرى، بل بوصفها أثرًا متجسدًا: في المشي، في النظرات، في طريقة الوقوف أمام الكاميرا. الفوتوغرافيا تلتقط هذا الجسد لا بوصفه موضوعًا جماليًا، بل بوصفه وثيقة حية. الجسد هنا لا يروي قصة، بل يشير إلى أن هناك قصة لم تُكتب. إنه شاهد صامت، لا لأن الكلام مستحيل، بل لأن اللغة الرسمية غير متاحة. يطرح تصوير الجسد المعنّف إشكالية أخلاقية مركزية: كيف يمكن للصورة أن تشهد دون أن تستبيح؟ في السياق الكردي، تتخذ هذه الإشكالية طابعًا مضاعفًا، لأن الجسد الكردي صُوِّر تاريخيًا من خارج سياقه، ضمن نظرات إثنوغرافية أو أمنية. تحاول الفوتوغرافيا التي تنبع من داخل التجربة تفكيك هذا الإرث. فهي لا تبحث عن الصدمة البصرية، ولا تسعى إلى إثارة الشفقة، بل تشتغل على استعادة الكرامة عبر التفاصيل الصغيرة: نظرة مباشرة إلى الكاميرا، وضعية جسد غير خاضعة، حضور صامت يرفض الاختزال.
ربما يمكن القول أن المقبرة الجماعية هي ذروة الصمت التاريخي. هي موقع مكتظ بالوقائع، لكنه محروم من اللغة. في السياقات القانونية، تُقرأ المقبرة بوصفها دليلًا جنائيًا، مادة لإثبات جريمة. لكن في السياق الكردي، حيث غالبًا ما يغيب المسار القضائي، تتحوّل المقبرة إلى شيء آخر: أرشيف مدفون. وحين تواجه الفوتوغرافيا المقبرة، لا تستطيع أن “تشرح” ما حدث. لكنها تستطيع أن تشير إلى حجم ما لا يمكن شرحه. إنها لا تحوّل الموت إلى سردية، بل تتركه معلقًا، مقاومًا للتبسيط. ذلك أن التصوير في مواقع المقابر الجماعية لا يشبه التصوير في فضاءات الحياة اليومية. إنه أقرب إلى الحفر، لا بالمعنى الفيزيائي فقط، بل بالمعنى المعرفي. المصوّر لا يلتقط صورة من الخارج، بل ينخرط في فعل مواجهة مع ما لا يمكن استيعابه بالكامل. هذا الحفر لا يهدف إلى كشف الحقيقة النهائية، بل إلى الاعتراف بوجودها. فحيثما دُفنت الأجساد سرًا، دُفنت معها سرديات كاملة. الصورة هنا لا تُخرج هذه السرديات إلى النور، لكنها تؤكّد أنها موجودة، وأن تجاهلها خيار أخلاقي لا حيادي.
كثير من الفوتوغرافيا الكردية أُنتجت في المنفى، أو عُرضت من خلال مؤسسات خارج السياق الجغرافي الكردي. هذا الوضع يخلق توترًا دائمًا: الصورة تُنتج من موقع فقدان، لكنها تُخاطب جمهورًا قد لا يشارك هذا الفقدان. المنفى هنا ليس مجرد مكان، بل شرط معرفي. إنه يفرض مسافة بين المصوّر وموضوعه، لكنه يمنحه في الوقت نفسه قدرة على التأمل وإعادة التركيب. الصورة المنفية لا تسعى إلى استعادة الوطن، بل إلى حمايته من الاختزال. يعيد المنفى طرح سؤال التمثيل: لمن تُلتقط هذه الصور؟ ومن يملك حق تفسيرها؟ في الأسواق الفنية والمؤسسات الغربية، تُستقبل الصور غالبًا ضمن أطر جاهزة: حقوق الإنسان، الضحية، الصراع. هذه الأطر، رغم أهميتها، قد تعيد إنتاج نوع آخر من المحو، عبر اختزال التجربة في بعد واحد.
تنتج الدول القومية سردياتها البصرية الخاصة: صور النصر، النظام، الاستقرار. في المقابل، تشتغل الفوتوغرافيا الكردية بوصفها ذاكرة مضادة، لا عبر تقديم سردية بديلة مكتملة، بل عبر تعطيل سردية الدولة. الصورة لا تقول: هذه هي الحقيقة الكاملة، بل تقول: هذه الرواية ناقصة. إنها تدخل في صراع غير متكافئ مع خطاب يمتلك المؤسسات والشرعية، لكنها تراهن على شيء آخر: الاستمرارية. ولا تبحث الفوتوغرافيا الكردية عن لحظة انتصار بصري. فهي تدرك أن الانتصار، حين يُختزل في صورة، قد يتحوّل إلى نهاية زائفة للصراع. بدلًا من ذلك، تراهن على الاستمرارية: تراكم الصور، تراكم الأجساد، تراكم الأماكن التي ترفض أن تُنسى. ربما تبيّن إذن، أن الفوتوغرافيا الكردية لا تعمل داخل فراغ، بل داخل صراع معقد على المعنى، الذاكرة، والتمثيل. إنها لا تملك سيادة قانونية، لكنها تمارس سيادة أخلاقية: حق الحفظ، حق الشهادة، وحق رفض الاختزال.
الفوتوغرافيا. منظور أرشيفي لنسق كردي
تعد الفوتوغرافيا الأداة الأكثر دقة في رصد التغيرات البنيوية داخل المجتمع الكردي. فمن خلال تتبع الأرشيفات الصورية، يمكن قراءة التحول من المجتمع القروي/الجبلي التقليدي إلى مجتمعات المدن والشتات الأوروبي. تعكس الصور كيف تكيفت الهوية الكردية مع الحداثة دون فقدان جوهرها؛ فنجد صورة الكردي في المهجر متمسكاً برموزه البصرية، مما يجعل الفوتوغرافيا ‘خيطاً ناظماً’ يربط بين أجيال لم تلتقِ قط. إنها عملية ‘خياطة’ للنسيج الاجتماعي الممزق جغرافياً، حيث تصبح الصورة هي الرابط الذي يجمع بين كردي في أربيل وآخر في برلين، مما يعزز الشعور بالانتماء لنسيج واحد عابر للحدود. ومن ثم، تتحول الفوتوغرافيا في السياق الكردي من مجرد وسيلة للتوثيق البصري، إلى “أرشيف سيادي بديل” يعوض غياب المؤسسات الوطنية المركزية. فبما أن الكرد شعب وُزعت جغرافيته بين دول عدة، فقد حاولت الصورة لعب دور “الوطن المتخيّل” الذي يجمع الشتات. إن تجميع الصور الشخصية، العائلية، والسياسية في منصات رقمية أو كتب توثيقية (مثل مشروع سوزان ميسيسلاس) يخلق نسيجاً مترابطاً يثبت وجود الأمة تاريخياً وجغرافياً. الصورة هنا ليست مجرد لقطة للذكرى، بل هي “وثيقة ملكية” للأرض وللهوية، حيث تُستخدم الفوتوغرافيا لمواجهة محاولات المحو الثقافي، محولةً الذاكرة الفردية الضعيفة إلى ذاكرة جماعية قوية ومحصنة.”
يمثل الفوتوغراف في النسيج الكردي أداة لإبراز التمايز الثقافي من خلال التركيز على التيمات البصرية التقليدية. إن إعادة تداول صور الكرد بزيّهم التقليدي، سواء في الجبال أو في المناسبات القومية، يعمل كفعل من أفعال المقاومة البصرية. تعكس هذه الصور كيف يتماسك النسيج الكردي حول رموز موحدة؛ فالصورة الفوتوغرافية للبيشمركة، أو للمرأة الكردية المقاتلة، أو حتى للطقوس الاحتفالية مثل “نوروز”، لا تنقل حدثاً عابراً، بل تعيد إنتاج “الأيقونة الكردية” التي تربط الماضي البطولي بالحاضر النضالي. هذا الالتزام البصري بالهوية يحول الفوتوغرافيا إلى لغة عالمية تخاطب الآخر وتؤكد على خصوصية النسيج المجتمعي الكردي واستعصائه على الذوبان. وقد أحدث التحول نحو “الأرشفة الشعبية” أو “الديمقراطية البصرية” طفرة في النسيج الكردي المعاصر. فبعد أن كان تصوير الكرد يخضع لعدسات الرحالة الأجانب أو المستشرقين، انتقلت سلطة التصوير والأرشفة إلى الكرد أنفسهم. من خلال منصات مثل (Kurdistan Photo Library)، أصبح النسيج الاجتماعي الكردي هو من يروي قصته بنفسه. هذا الفعل البصري هو نوع من “استرداد السردية”؛ حيث يتم اختيار الصور التي تعبر عن التطور المدني، الفنون، والحياة اليومية، بعيداً عن صور المعاناة والحروب فقط. الفوتوغرافيا هنا تعمل كمرآة تعيد للكردي ثقته في نسيجه الثقافي، وتسمح له بصياغة تعريف جديد لـ “الأمة” يتجاوز الحدود السياسية المفروضة.
ولا توثق الفوتوغرافيا البشر فحسب، بل توثق “العلاقة مع الأرض”. فالأرشيفات البصرية للأمم التي تفتقر لدولة تعمل كأداة “مسح أثري” بصري. عبر إثبات الحضور التاريخي، فالصور القديمة للقرى الكردية، والينابيع، والجبال، تُستخدم اليوم كدليل بصري ضد عمليات التغيير الديموغرافي أو تدمير القرى. الصورة هنا تتحول إلى “شاهد ملك” في المحافل الدولية لإثبات أن هذا النسيج العمراني والاجتماعي كان موجوداً ومزدهراً قبل وقوع الصراعات. كذلك أرشفة المكان المفقود، فالصورة الفوتوغرافية للجبل ليست مجرد منظر طبيعي، بل هي رمز للملجأ والمقاومة، مما يجعل “فوتوغرافيا الأرض” جزءاً لا يتجزأ من النسيج العاطفي والسياسي للأمة. حقيقة يمكن القول بشيء من المبالغة المنطقية، إن الفوتوغرافيا هي الخيط الذي يربط أجزاء كردستان الأربعة والشتات. عندما تُنشر صورة لمهرجان في “ديار بكر” ويراها كردي في “أربيل” أو “مهاباد” أو “ستوكهولم”، فإنها تخلق “لحظة زمنية موحدة”. هذا التزامن البصري يعيد رتق النسيج الاجتماعي الذي مزقته الاتفاقيات السياسية. ولهذا فالأرشيف الكردي ليس ساكناً في المتحف، بل هو “أرشيف حي” ينمو يومياً عبر منصات التواصل الاجتماعي، حيث تساهم العائلات بصورها الشخصية لتصبح جزءاً من السردية الكبرى، مما يجعل كل فرد “حارساً” للنسيج الجمعي.
وتلعب الفوتوغرافيا دوراً جوهرياً في معالجة “الصدمات الجماعية” داخل النسيج الكردي، إذ تعمل على تحويل الضحية إلى شاهد، عبر صور المآسي (مثل حلبجة أو الأنفال) فلا تُستخدم فقط للبكاء، بل يتم أرشفتها بصرياً لتتحول من “ذكرى ألم” إلى “قوة دفع سياسية”. كما أن الأرشيفات اليصرية للأمم المقهورة تعمل كآلية للدفاع (Defense Mechanism)، حيث تُخلد الصورة الجريمة لمنع تكرارها، وتصبح جزءاً من التكوين النفسي للأجيال الجديدة. وفي مقابل صور المعاناة، هناك إنتاج مكثف لصور “البطولة”، وهي صور مقاتلي والمقاتلات بملابسهم الجبلية. هذه الصور تعيد موازنة النسيج النفسي للمجتمع من الانكسار إلى المقاومة. كل هذا يؤسس ل “فكرة الأمة”، فإن الأمة ليست حقيقة جغرافية فقط، بل هي “تخيّل” يحتاج لوسائط ليدعمه. فعبر طقوس التصوير أصبح التقاط الصور بالزي الكردي في يوم “نوروز” طقساً سنوياً يعيد إنتاج الهوية. إن الفوتوغرافيا هنا ليست “ناقلة” للحدث، بل هي “صانعة” له. بدون هذه الصور التي تغزو الفضاء الرقمي، يضعف الشعور بالانتماء للنسيج الواحد. ومن خلال الفوتوغرافيا، تم تحويل شخصيات تاريخية (مثل القاضي محمد أو الملا مصطفى بارزاني) إلى أيقونات بصرية عابرة للأجيال، مما يوفر للنسيج الاجتماعي “آباء روحيين” بصريين يجمعون شتات الهوية تحت نظرة واحدة.
إن الفوتوغرافيا في النسيج الكردي، كما يُفهم من سياق كتاب “أرشيف الصور وفكرة الأمة”، ليست مجرد “ترف بصري”، بل هي “تكنولوجيا لبناء الأمة”. إنها الأداة التي حولت الشتات إلى جسد واحد، والذاكرة الشفهية المهددة بالضياع إلى أرشيف بصري صلب، والجغرافيا الممزقة إلى خريطة وجدانية موحدة. الصورة في كردستان هي “الوطن الذي يمكن حمله في الجيب” و”الأرشيف الذي لا تستطيع الجيوش مصادرته”. فالأرشيف الفوتوغرافي ليس وعاءً محايداً للصور؛ بل هو تراكم عضوي. إن أصول كل أرشيف وتاريخه—بما يحمله من دلالات سياسية وثقافية متغيّرة—تمنح الأجزاء المكوِّنة له قيمة إضافية؛ والصور الفوتوغرافية مثال بارز على ذلك. ففي سياق الأرشيف تكتسب الصور مكانتها الأكثر سلطة بوصفها وثائق، وهناك يُنجَز جزء كبير من سيرتها بوصفها أشياء مادية. وبالمثل، فإن الأرشيفات الفوتوغرافية كائنات دينامية فاعلة في الزمان والمكان، قد تغيّر أدوارها وخصائصها، ويتعيّن فهمها من حيث ماديتها وسيرتها الاجتماعية.
إن استكشاف التقاطع بين حقلي، أرشيفات الصور وفكرة الأمة، قد يسدّ فجوة، ويمكن أن يشكّل حافزاً لمزيد من البحث. ذلك أن الموضوع بالغ الأهمية، ليس من منظور علمي فحسب، بل أيضاً من منظورين سياسي وأخلاقي، إذا ما أخذنا في الحسبان بعض السيناريوهات الجيوسياسية
كلمة “أرشيف“ تمتلك اليوم مكانة فكرية رفيعة في العالم الأكاديمي، ومرتبطة بأعمال فوكو، ودريدا، وغيرهما، الذين يرون الأرشيف ليس كمؤسسة أو مجموعة مؤسسات، بل كنظام يُمكّن وينظّم إنتاج المعرفة. في تكنولوجيا المعلومات، يستخدم الأرشيف كفعل واسم للإشارة إلى البيانات المحفوظة والمخزنة بطريقة يمكن الوصول إليها بسهولة. كما يُستخدم مرادفًا لـ”مجموعة” للدلالة على جمع فريد، مميز ومركّب من الوثائق. يشير مصطلح الأرشيفات الفوتوغرافية إلى مجموعات منظمة وملموسة، وفي الوقت نفسه، فردية أو وهمية. وربما يشمل معنى “الأرشيفات الفوتوغرافية” المحتويات في الأرشيفات الوطنية أو مؤسسات التراث الأخرى، أرشيفات الاستوديوهات الفوتوغرافية، أرشيفات الصحف، ألبومات الصور، والسياقات المادية والاستعارية لإنتاج المعنى. عند دراسة صورة كجزء من أرشيف فوتوغرافي أو تحليلها بمصطلحات أرشيفية، ما يهم أكثر حينها السياق الحرفي والمجازي الذي يحيط بالصورة ويمنحها المعنى، أكثر من الشكل المادي للأرشيف نفسه.
ويمتد تاريخ الفوتوغرافيا الكردية إلى بدايات القرن العشرين حين بدأت الكاميرات تدخل مناطق كردية مختلفة، لكنها لم تكن مجرد أدوات لتسجيل الحياة اليومية أو المناسبات الرسمية، بل كانت وسيلة للتواصل مع العالم الخارجي، للتأكيد على الوجود في زمن غابت فيه الدولة أو المؤسسات الرسمية، وللتوثيق الذاتي في مواجهة سرديات مركزية غالبًا ما تجاهلت أو اختزلت الشعب الكردي في الصور النمطية للثورة والعنف والمجتمع القبلي. خلال هذه المرحلة، برزت الفوتوغرافيا كأداة لتسجيل الهويات المحلية، ليس بالمعنى الوطني الحديث فقط، بل بوصفها وسيلة للحفاظ على أشكال الحياة اليومية والطقوس الاجتماعية والعلاقات بين الإنسان والمكان، وهو ما يميز الفوتوغرافيا الكردية عن مجرد التوثيق السياسي أو الصحفي.
كانت البنية الاجتماعية التي استقبلت الفوتوغرافيا في كردستان مركبة، فهي تتنوع بين المجتمعات الحضرية في مدن مثل حلب ودهوك والسليمانية، وبين المجتمعات الريفية والجبلية التي شهدت تدخلات متكررة من القوى الإقليمية والدولية. في هذه البيئات، لم تكن الصور مجرد تسجيل للماضي، بل وسيلة لإعادة ترتيب العلاقات بين الأفراد والجماعات، وإعادة إنتاج الذاكرة الجماعية في غياب المدارس الرسمية أو الأرشيفات الوطنية. الفوتوغرافيا هنا تتداخل مع الثقافة الشفوية، فتتشارك مع الحكايات الشعبية والأغاني والملاحم في إنتاج سردية مستمرة عن الوجود، وهو سرد بصري يلتقي مع السرد الشفوي في إنتاج معنى مقاوم للغياب، ومع ذلك فهو لا يقف عند حدود التوثيق، بل يفتح المجال للتحليل الفلسفي والاجتماعي، حيث يصبح كل تصوير لحظة للتأمل في العلاقة بين الإنسان والمكان، بين المعاناة والأمل، بين الفرد والجماعة.
ومن الناحية الفكرية، يمكن القول إن الفوتوغرافيا الكردية تتماشى مع مفهوم “الذاكرة المقاومة” الذي يعكسه كتابات الباحثين في الحقول الأنثروبولوجية والتاريخية، فكل صورة تحمل إمكانيات لتشكيل سرديات بديلة، وهي بمثابة شهادات حية تعمل ضد محاولات التهميش والنسيان، وتعيد ترتيب العلاقة بين الأحداث التاريخية والأفراد والجماعة. كما أنها تتعامل مع التناقضات والهشاشة والقصص الهامشية، فتسلط الضوء على التجارب اليومية الصغيرة، التي غالبًا ما تتجاهلها السرديات الكبرى، وتجعل من الوعي الاجتماعي والفني أداة لبناء الأمة المتخيلة بطرق عملية وحية، بعيدًا عن المبالغات البطولية أو الصورة النمطية للجماعة. تستمر الفوتوغرافيا في أداء هذا الدور حتى اليوم، سواء في المهجر أو داخل المناطق الكردية، فهي لا تقتصر على نشر الصور أو تسجيل الأحداث، بل تتعدى ذلك لتصبح ممارسة فكرية وأخلاقية، حيث يضع المصورون والمتلقون أنفسهم أمام أسئلة متكررة عن الهوية والوجود والعدالة، وعن حدود التمثيل البصري للألم والمعاناة، وعن كيفية استخدام الصورة كأداة للوعي والمقاومة، وليس كأداة للسيطرة أو الاستغلال. بهذا المعنى، الفوتوغرافيا الكردية ليست مجرد أداة تاريخية، بل هي ممارسة مستمرة للوجود، ومجال للتفكير الأخلاقي والسياسي، وأداة لتأكيد حق الجماعة في التمثيل وفي كتابة تاريخها بنفسها.
مع بداية القرن الحادي والعشرين، شهدت الفوتوغرافيا الكردية تحولات نوعية نتيجة التطورات التكنولوجية وانتشار وسائل الاتصال الحديثة، إذ أصبحت الكاميرات الرقمية والهواتف الذكية منصات جديدة لتوثيق الحياة اليومية والاحتجاجات والممارسات الثقافية، كما وسيلة لإنتاج سرديات بديلة عن الهويات والمكان. هذه التحولات سمحت بمستوى أكبر من الاستقلالية في الإنتاج البصري، فالمصورون الأفراد والجماعات أصبحوا قادرين على تسجيل تجاربهم ونشرها دون الاعتماد على مؤسسات مركزية أو وسيط إعلامي، وهو ما يعزز دور الفوتوغرافيا كأداة سياسية وثقافية مقاومة للهيمنة على السرد التاريخي. الصور المتداولة عبر الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي لم تعد مجرد وثائق، بل أصبحت أدوات للتعبير عن الذات والجماعة، وللتواصل مع الجمهور العالمي، ونشر الوعي حول القضايا الكردية على المستويين المحلي والدولي.
تتسم الفوتوغرافيا الكردية المعاصرة بقدرتها على التقاط التناقضات الاجتماعية والسياسية، حيث تظهر الصور الصراعات اليومية والتمييز العرقي والسياسات القمعية، وفي الوقت نفسه توثق الجوانب الحياتية والثقافية التي تعكس قوة الجماعة وقدرتها على الاستمرار. هذا المزيج بين التوثيق والمعنى يجعل من الفوتوغرافيا ممارسة فكرية، فالمصور لا يلتقط الحدث فقط، بل يختار الزوايا والإطار واللحظة ليعكس فهمه للواقع ويشارك رؤيته مع الآخرين، ما يحول كل صورة إلى مشروع معرفي يتداخل فيه التاريخ والسياسة والفلسفة والجماليات البصرية. وتواجه الفوتوغرافيا الكردية تحديات كبيرة، تتراوح بين القيود السياسية، والخطر على المصورين في المناطق الساخنة، إلى مشكلات التوثيق الأرشيفي في المهجر، حيث يظل جمع الصور وحفظها ونشرها أمراً معقداً. ومع ذلك، فإن هذه الصعوبات لم توقف إنتاج الفوتوغرافيا المقاومة، بل ساهمت في تعميق وعي الجماعة بأهمية الصورة كأداة للحفظ والتواصل والمقاومة. في هذا الإطار، تتداخل الفوتوغرافيا مع التعليم والثقافة، حيث تستخدم الصور في المدارس والمراكز الثقافية لتعليم التاريخ والفنون، ولإعادة بناء الذاكرة الجماعية بطريقة تشاركية، تعكس تنوع التجارب والتحديات، وتعيد الاعتبار للشخصيات والأحداث التي غالباً ما غابت عن السرديات الرسمية.
ومن منظور نقدي، يمكن النظر إلى الفوتوغرافيا الكردية على أنها فضاء لتجربة متعددة الأبعاد، تجمع بين الأداء السياسي والاجتماعي والثقافي والفني، فتخلق سردية مرنة وقادرة على استيعاب الأحداث المعقدة والتحولات التاريخية. الصور ليست مجرد وثائق، بل أدوات للمعرفة والمقاومة، حيث تعمل على تحدي السلطة المركزية والتأويلات الرسمية، وإظهار القدرة الذاتية للجماعة على إنتاج تاريخها وصور هويتها. هذه العملية تتطلب وعيًا نقديًا من المصور والمتلقي على حد سواء، إذ يصبح كل التقط صورة أو شاهدها جزءًا من مشروع مستمر لإعادة إنتاج الواقع وإعادة تأويل التاريخ، بحيث يتجاوز التوثيق البسيط ليصبح أداة للتغيير الاجتماعي والفكري. وفي السياق الأكاديمي، بدأت الدراسات المعاصرة تركز على تحليل الفوتوغرافيا الكردية بوصفها ممارسة معرفية وسياسية، بحيث يمكنها كشف التفاعلات بين الأفراد والجماعات والسلطات، وإظهار كيف تشكل الصور تجربة جماعية وتاريخية. الدراسات الحديثة تستخدم مناهج متعددة، من التحليل البصري الأنثروبولوجي إلى الدراسات التاريخية والنقدية، لفهم دور الصور في تشكيل الذاكرة الجماعية وصناعة السرديات البديلة. هذه الدراسات تؤكد أن الفوتوغرافيا الكردية ليست مجرد نشاط فني أو ثقافي، بل أداة حيوية لفهم التاريخ الاجتماعي والسياسي والثقافي، وللتفاعل مع القضايا المعاصرة مثل النزوح، والهوية، والمقاومة، والحق في التمثيل البصري.
كما أن الفوتوغرافيا الكردية المعاصرة تسهم في إعادة تعريف العلاقة بين المكان والهوية، فهي توثق الجغرافيا الثقافية والمجتمعية، وتعيد إنتاج معنى الانتماء والارتباط بالأرض، سواء في المناطق الأصلية أو في المهجر، وتخلق حسًا بالاستمرارية والانتماء الجماعي. الصور تصبح هنا وسيلة لفهم العلاقة بين التاريخ والمكان، بين الذاكرة الفردية والجماعية، وبين الذات والجماعة، وهي بذلك تتجاوز وظيفة التوثيق المباشر لتصبح ممارسة معرفية وسياسية وأخلاقية متكاملة. حقيقة، إن الفوتوغرافيا الكردية، سواء في الماضي أو الحاضر، تكشف أن الصورة ليست مجرد انعكاس للواقع، بل أداة لإنتاجه وإعادة إنتاجه، وهي وسيلة للتعبير عن المقاومة، وإعادة بناء الذاكرة، وصناعة الهوية، وفهم التحولات الاجتماعية والسياسية والثقافية. كل صورة، مهما كانت بسيطة، تحمل إمكانيات كبيرة لفهم التجربة الكردية المعقدة، من التقاليد المحلية إلى النزاعات السياسية، من الحياة اليومية إلى الاحتجاجات الجماعية، ومن الفرد إلى الجماعة، وتظل دائمًا مجالًا للتأمل النقدي والفكري، وفضاءً لإعادة إنتاج التاريخ والهوية بصياغة أكثر عمقًا وثراءً.
الفوتوغرافيا والذاكرة المضادة
تعمل الفوتوغرافيا في النسيج الكردي كآلية لإنتاج “ذاكرة مضادة”. فبينما تحاول السرديات الرسمية للدول القائمة تصوير الكرد كـ “أقلية” أو “جماعات متمردة”، تأتي الأرشيفات البصرية لتقدم سردية بديلة تتحدث عن “شعب” له لغته، فنه، عمارته، وتقاليده الراسخة. إن أرشفة صور المخطوطات القديمة، الطقوس الدينية (مثل طقوس الإيزيديين أو اليرسان)، والاحتفالات الشعبية، ليست مجرد توثيق للفولكلور، بل هي بناء لدرع يحمي السردية القومية من الذوبان. الصورة هنا هي “الحقيقة التي تُرى”، والتي يصعب دحضها بالخطابات السياسية، مما يجعل الفوتوغرافيا حجر الزاوية في بناء شرعية الوجود الكردي أمام العالم. وقد انتقلت السردية الكردية بفضل الفوتوغرافيا من الحيز المحلي إلى المشهد العالمي. لم يعد المصور الكردي مجرد ناقل للخبر، بل أصبح “حارساً للذاكرة العالمية”. من خلال جودة الصورة، وتوظيف الإضاءة، واختيار الكادرات التي تبرز الجمالية الكردية وسط الركام، تحولت المأساة الكردية إلى “قضية بصرية” عالمية. هذا الانتقال حول النسيج الكردي من مجرد موضوع للدراسة الأنثروبولوجية إلى طرف فاعل في الثقافة البصرية المعاصرة، حيث تصدرت صور النساء الكرديات، مثلاً، غلافات المجلات العالمية، ليس كلاجئات، بل كرمز كوني للحرية، مما منح السردية الكردية بعداً إنسانياً عالمياً يتجاوز المطالب السياسية الضيقة.
وفي سياقات تاريخية وجيوسياسية أخرى، قد يستجيب تكوين الأرشيفات الفوتوغرافية في خدمة فكرة قومية مباشرةً لمشروعٍ هيمني؛ ومن الأمثلة على ذلك أرشيف الصور الملوّنة للإمبراطورية الروسية الذي أنشأه سيرغي ميخائيلوفيتش بروكودين-غورسكي بين عامي 1909 و1915. فمنذ عام 1905 طوّر الكيميائي والمصوّر بروكودين-غورسكي تقنية لإنتاج صور ملوّنة: إذ كان يُنتج على اللوح الزجاجي نفسه ثلاث صور سلبية بالأبيض والأسود للموضوع ذاته، باستخدام مرشّح أحمر ثم أخضر ثم أزرق. ومن هذه السلبيات الثلاثية كان يُنتج شرائح تُعرض، بواسطة جهاز إسقاط خاص، عبر المرشّحات الثلاثة المتوافقة، ثم تُراكَب فوق بعضها. أما المطبوعات الفوتوغرافية المستخرجة من السلبيات نفسها والمجمّعة في ألبومات، فكانت إيجابيات «عادية» بالأبيض والأسود. وباستخدام تقنية الكروماتوغرافيا الرقمية بات ممكناً اليوم إعادة تركيب المصفوفات الثلاث لكل صورة وإنتاج شيئين جديدين كلياً: أولاً، صور ملوّنة جديدة—وإن كانت رقمية—تشبه إلى حدّ بعيد تلك التي كانت تُعرض آنذاك لأغراض تعليمية وتوضيحية، لكنها لم توجد قط بوصفها أشياء مادية في زمن بروكودين-غورسكي، ونراها اليوم بعد إخضاعها لمستويات مختلفة من المعالجة اللاحقة؛ وثانياً، ونتيجة لذلك، أرشيف فوتوغرافي مختلف عن ذلك الذي خلّفه المصوّر.
لقد ارتبط الأثر الدرامي للتصوير الملوّن—الذي كان كثيرون يجرون تجارب عليه آنذاك دون أن يكون واسع الانتشار—باللحظة العابرة للأداء والعرض. وكانت فاعلية هذه التقنية كبيرة إلى درجة أنها أقنعت القيصر نيقولا الثاني عام 1909 بدعم مشروع بروكودين-غورسكي الطموح لوجستياً ومالياً لإنشاء سجل بصري ملوّن كامل للإمبراطورية الروسية. وحتى عام 1915 جاب المصوّر أرجاء هذا الإقليم الشاسع مصوّراً تنوّع المناظر الطبيعية، وتعدّد المعالم الأثرية، وكثرة الشعوب الخاضعة لحكم القيصر. وبذلك يستوفي هذا المتن معايير متعددة لأرشفة التراث الوطني فوتوغرافياً بمختلف معانيه: المدينة والريف، المعالم المعمارية والأعمال الفنية (المصوَّرة داخل الكنائس والأديرة مع ملاءة بيضاء مرتجلة خلفيةً لها)، الصناعة والبنية التحتية (بما في ذلك السكك الحديدية الناشئة والمجاري المائية)، وأخيراً تنوّع الشعوب والمِهن والجماعات الدينية. وفي العرض الرقمي الحالي، تُقدَّم هذه الفئة الأخيرة تحت عنوان مُهذّب نسبياً هو «التنوّع الإثني»؛ غير أن تصوير التتار والداغستانيين والأرمن والأوكرانيين والكازاخ بلباسهم التقليدي بتكليف من القيصر لم يكن يلبّي حاجةً إلى إظهار الامتداد الجغرافي للإمبراطورية فحسب، بل—وقبل كل شيء—إلى إعلان تفوّق الإمبراطورية نفسها إزاء الهويات القومية الفردية التي كانت تفتقر إلى كيان دولتي خاص بها. فالبلاغة الوطنية الروسية هنا تقترن بنظرة إمبريالية واستشراقية تُجزّئ الشعوب المصوَّرة بوصفها أقليات ضمن كلٍّ أكبر. ومع ثورة عام 1917 تلاشت مبررات مشروع بروكودين-غورسكي. وعندما غادر المصوّر روسيا عام 1918 صودرت بعض الصور والسلبيات التي اعتُبرت ذات أهمية استراتيجية. وفي عام 1948 باع ورثته الأرشيف إلى مكتبة الكونغرس في واشنطن، التي شرعت منذ عام 2000 في ترميم المجموعة كاملة ورقمنتها وإتاحتها على الإنترنت، وعددها يزيد على 2600 صورة. ومن المثير للاهتمام التساؤل عن الدوافع الكامنة وراء اقتناء مؤسسة حكومية أمريكية، في مطلع الحرب الباردة، سجلاً بصرياً للماضي القيصري لروسيا، في وقت كانت فيه الإمبراطورية الروسية الهائلة لا تزال قائمة—وإن تحت السيطرة السوفيتية.
تثير هذه الأمثلة القليلة طيفاً واسعاً من الأسئلة حول الصور والنصوص، والوثائق والمصادر الفوتوغرافية والورقية (بوصفها انعكاساً للواقع ولذاتها)، والأرشيفات الواقعية والافتراضية، والأرشيفات المُختلَقة، ودرجات المادية المختلفة للصور والأرشيفات، وإمكان الوصول إلى المصادر والأرشيفات، وهجرة الأرشيفات ومشكلات الترسيب المتنوعة، وحضور العمليات العفوية أو الموجَّهة في تشكيل الذاكرة الجمعية، والفاعلين الرئيسيين المشاركين في إنشاء الأرشيف وحفظه. وكانت هذه هي المحاور الأساسية التي تناولها مؤتمر «الأرشيف الفوتوغرافي وفكرة الأمة»، الذي عُقد في معهد تاريخ الفن بفلورنسا في أكتوبر/تشرين الأول 2011 ضمن سلسلة مؤتمرات «أرشيفات الصور». وقد دُعي باحثون من تخصّصات مختلفة إلى مساءلة إمكانات الهوية الجمعية التي تنبثق من ممارسات ترسيب الصور الفوتوغرافية، منذ بدايات تاريخها.
فـ«القرن التاسع عشر الطويل» عند هوبسباوم—الذي يُحدَّد في الغرب بصعود الدول القومية—هو أيضاً قرن «اختراع» التصوير الفوتوغرافي وانتشاره، وكذلك نشأة علم الأرشفة الحديث. وسرعان ما وُضع التصوير في خدمة الاحتياجات الأيقونية للدول القومية، أو للمنظمات المستلهمة أيديولوجيات قومية ولم تُدمج بعد في نظام دولتي. وهكذا أدّت المجموعات والأرشيفات الفوتوغرافية، العامة والخاصة، التي تأسست بين النصف الثاني من القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، وظيفة جمع صورة الأمة المجزأة، المتجلية—على سبيل المثال—في التراث الفني والمعماري (كما في إيطاليا)، أو في عجائب الطبيعة (كما في أميركا الشمالية)، أو في تقاليد السكان وعاداتهم (كما في روسيا أو إيرلندا).
غير أن إشكالية تمثيل الهوية القومية لا تنحصر بوضوح في تلك الحقبة. فبين الحربين العالميتين، في عصر إعادة الإعمار والأنظمة، اكتشفت فكرة الأمة أيضاً—في فضاء الدالّ وفي نظام الأرشيف الفوتوغرافي—إمكانات تعزيز صورتها الخاصة وتحديدها وإعادة تحديدها، وصوغ سردياتها، والنهل منها بوصفها مستودعاً لكتابة التاريخ وتصويره. وبعد الحرب العالمية الثانية وما تلاها من تفكك للنظام الاستعماري العالمي، ثم بعد سقوط جدار برلين، عادت المسألة القومية إلى صدارة الاهتمام، ولكن هذه المرة ببعدٍ كوني. وقد جعلت أحداث السنوات الأخيرة «الربيع العربي» إلى الاضطرابات في أوروبا الشرقية—هذا الموضوع شديد الراهنية، وأضفت أبعاداً جديدة على النقاش حول الأسس التي تقوم عليها الهوية القومية. وهكذا يتمزّق الجدل في العالم المعاصر بين العولمة وأشكال الخصوصية القومية، بل ودون القومية. كما يواجه سؤال تكاثر الصور في عالم معولم، في عصر الوسائط الرقمية والإنترنت والشبكات الاجتماعية، وما يرافق ذلك من تبسيط إنتاج الصور (أو فرط إنتاجها) وإمكان الوصول إليها.
مشروع سوزان ميسيلاس: نموذج للأرشفة التشاركية
يمثل مشروع سوزان ميسيلاس “Kurdistan” نموذجاً مهماً للأرشفة التشاركية. تقول ميسيلاس: “كنتُ أنا أيضاً واحداً من أولئك الرحّالة. بدأتُ أتساءل أين صارت تلك الصور الأولى، متخيّلة مسارات انتقالها”. الأرشيفات أراضٍ غريبة، لكلٍّ منها نظامه الخاص. كثيراً ما تسكن الصور ملفات بلا تسجيل لتاريخ أو اسم أو مكان أو حدث. العثور على صورة يشبه التقاط قطعة من صندوق أحجية بلا غلاف – لا إحساس بالكُلّ. في الأرشيفات الغربية نادراً ما تُفهرس كلمة “كردستان”. يُصنَّف الكرد وفق البلدان التي يعيشون فيها كأقليات؛ وغالباً ما يظهرون في الفهارس بوصفهم “أنماطاً إثنية”. إن كل صورة تحكي قصة، وخلفها قصة أخرى: من المصوَّر؟ من التقطها؟ من عثر عليها؟ كيف نجت؟ لدينا الشيء المادي، لكنه قائم منفصلاً عن سردية صُنعه. ما شدّ ميسيلاس هو تقاطع وتفاعل الذين شكّلوا الحياة الكردية مع حيوات المدوّنين الذين صوّروها – المصوّرون والمصوَّرون، نقاط التبادل الثقافي، وكيف تقاطعت مسارات الفاعلين المختلفين.
تقول سوزان : يعرف بعض الكرد الكثير عن الذين مرّوا بأراضيهم خلال القرن الماضي. تطفو أسماء الرحّالة الغربيين والمبشّرين والضباط العسكريين والإداريين الاستعماريين إلى جانب أسماء أبطالهم الكرد. حدّثني صديقي بختيار أمين عن ميجور نويل، الذي نصح البريطانيين عام 1919 بالحذر في التمييز بين الكرد وجيرانهم في الشرق الأوسط. ورغم أن يوميات نويل محفوظة في مكتب السجلات العامة في لندن، فإنها لم تُنشر بالكردية إلا حديثًا. وأخبرني كرد آخرون أنهم قرؤوا بعض المذكرات الغربية المكتوبة عنهم. كتب مغبرّة، قليلة الصور، نفدت طبعاتها منذ زمن، أُخرجت من رفوف خلفية في بيوتهم وعُرضت عليّ بفخر بوصفها شهادات ثمينة. وبينما أقلب الصفحات، فكّرتُ في كل الصور التي التُقطت ثم أُخذت بعيدًا عن كردستان.
كنتُ أنا أيضًا واحدًا من أولئك الرحّالة. بدأتُ أتساءل أين صارت تلك الصور الأولى، متخيّلة مسارات انتقالها—محمولة باليد على هيئة ألواح زجاجية أو نيترات، أو مشحونة في صناديق—لتُلصق في ألبومات أو تُودع أرشيفات، أو لتختفي في علّيات البيوت. أردتُ تتبّع طرق أولئك الرحّالة الغربيين الأوائل والعثور على تذكارات رحلاتهم وذكرياتهم. كما تقول سوزان: « إن معظم الصور والمواد المكتوبة التي بقيت عن الكرد بقيت في الغرب. يعود ذلك جزئيًا إلى قلّة الأمان ومحدودية الموارد لدى الكرد لصيانة المتاحف والمكتبات أو حماية المجموعات الخاصة. ومن المفارقات أن تأويلات ثقافتهم التي قدّمها غرباء—مبشّرون وإداريون استعماريون ورحّالة مبكّرون—غدت مصادر لا غنى عنها للمعلومات المكتوبة والبصرية. في هذا العمل حاولتُ إعادة خلق لقاء الكرد مع الغرب، ودعوة القرّاء إلى المشاركة في اكتشاف شعب من مكان بعيد من دون معرفة مسبقة إلى أين سيقود هذا المسار. وليس هذا تاريخًا نهائيًا للكرد. تُقدَّم النصوص والصور بوصفها شذرات، لكشف الجزئية الملازمة لمعرفتنا. إنه كتاب اقتباسات، بسرديات متعددة ومتداخلة مأخوذة من مصادر أولية—المواد الخام التي يُبنى منها التاريخ. تجعل مقتطفات اليوميات والوثائق ما كان سجلًا شخصيًا أو تبادلًا خاصًا أمرًا عامًا. وتُظهر قصاصات الصحف وأجزاء مختارة من المذكرات—دلالةً على عشوائية صنع التاريخ—ما قدّمته وسائل الإعلام وما كان شائع الاعتقاد آنذاك. وتتنازع الروايات الشفوية الكردية المضمَّنة منظور الغرب للحياة الكردية، وكذلك رؤية القوى الإقليمية المحلية. ويعيد تصميم الكتاب إنتاج الصور بكل علامات العمر والترحال، بحيث يكشف السطح ذاته تاريخ البقاء. أؤكد على الصورة بوصفها كائنًا ماديًا، أثرًا، كان يومًا في يدٍ ما، وممزّقًا الآن وملطّخًا. الصورة وثيقة تقاوم المحو. بدل أن يظهر المشروع لغزًا مكتملًا تتلاءم فيه القطع بسلاسة، كشف عن فسيفساء—لا يتّضح شكلها إلا من مسافة. إنه إعادة بناء قائمة على ما تبقّى وما استُعيد؛ لا يمكننا معرفة ما فُقد. بالتأكيد، الكثير مفقود.
إن اعتراف ميزيلَس بجهلها بالمنطقة دفعها إلى التخلّي عن موقع «الشاهد السلطوي»، والتركيز بدلاً من ذلك على الدور المهم والتخريبي الذي تؤديه الصور الفوتوغرافية في «غابة الأشياء والعلامات» داخل الثقافة الكردية، لا بوصفها مجرد تذكارات لذوي الأحبة المفقودين فحسب، بل أيضاً كتأكيد تخريبي على الاستقلالية الثقافية. وكما تكتب ميزيلَس في مقدمة الكتاب: «ما كان يهمّني هو التقاطع والتفاعل بين أولئك الذين شكّلوا الحياة الكردية وحياة من قاموا بتدوينها بصرياً. المصوّرون ومن جرى تصويرهم، نقاط التبادل الثقافي، وكيف تقاطعت مسارات الفاعلين المختلفين مع بعضهم بعضاً». وقد مضى مشروع «كردستان» ليجمع مزيجاً انتقائياً من الصور الفوتوغرافية، يمتد من بطاقات بريدية شبه أنثروبولوجية تعود إلى القرن التاسع عشر، مروراً بصور الاستوديو واللقطات العائلية، وصولاً إلى الصور الشرطية والصحفية للصراعات العديدة والدامية من أجل الاستقلال الكردي. ومن المهم أن هذه الصور تُستخدَم جنباً إلى جنب مع طيف متنوع من الوثائق الأخرى، مثل السجلات الحكومية الرسمية، والتقارير الإخبارية، والشهادات الشخصية.
تفتتح الصفحة الرئيسية لموقع AKAKurdistan بالنص التالي: «يوفّر هذا الموقع، بوصفه فضاءً بلا حدود، فرصة لبناء ذاكرة جماعية مع شعب لا يملك أرشيفاً وطنياً». يُكثّف هذا التقديم الوظيفة البسيطة والطموحة لانخراط ميزيلَس في الإقليم. غير أنها، من خلال ابتكار التجليات المختلفة لهذا المشروع، خلقت أداة قوية تُسهم في الفعل السياسي المتعلّق بتخيّل جماعة كردستان. فعلى سبيل المثال، يتكوّن الموقع في معظمه من خط زمني يمكن النفاذ إليه من أي نقطة، غير أن صورة خريطة تحيط به من الجانبين، وهي الخريطة التي قدّمتها «رابطة كردستان» في مؤتمر سان فرانسيسكو بتاريخ 30 آذار/مارس 1945. إن إظهار هذه الخريطة، بوصفها تجسيداً جمالياً لتطلّع سياسي/ثقافي، يوضّح بجلاء الطابع التنازعي لهذا المشروع؛ إذ نرى أن المطالب الإقليمية الكردية تمتد عبر إيران والعراق وسوريا وتركيا، وحتى إلى أرمينيا وأذربيجان.
وبالطبع، ثمة خطر يواجه ميزيلَس في خلق «كردستان» المتخيَّلة هذه. فقد تغري الصور المجمّعة الحركات السياسية الكردية بصياغة سردية غير إشكالية عن القمع الكردي وما تلاه من نضال بطولي من أجل الحرية، مستخدمة صور ميزيلَس لتكريس «توزيع للمحسوس» بديل، لكنه لا يقل صلابة. غير أن الاستعانة بنداء رانسيير إلى التحرّر الفكري تبيّن أن ميزيلَس تفادت هذا المأزق، من خلال خلق تكافؤ أو «مساواة في الذكاء» بين جميع السجلات التاريخية، سواء كانت صوراً عائلية أم وثائق حكومية، مع إبراز الطابع المادي والهش والإنساني لهذه «الأدوات الصغيرة للتاريخ». فالصور التي جمعتها ميزيلَس في هذا المشروع تُدرَك بوصفها أقوالاً ناقصة تعتمد في قيمتها الثقافية على إطار خطابي خارجي. وإن نزع هذه الصور من سياقاتها المعتادة ووضعها: جنباً إلى جنب، أو فوق بعضها، أو في مواجهة بعضها البعض، يسلّط الضوء على الطبيعة التفتتية الجوهرية للصورة الفوتوغرافية. إن الإطار المفهومي لبناء هذا الأرشيف يعادل، في جوهره، ممارسة تمثيلية تقوم على المونتاج. فبحسب بن هايمور، «ثمّة إمكانات هائلة للمونتاج في توليد أشكال نقدية من القراءة، عبر جعل التناقضات والخصومات داخل المجال الاجتماعي صريحة». وبوصفه ممارسة فنية، يقوم المونتاج على «رفض صهر هذه العناصر المتنوعة في كلّ متجانس». فبدلاً من تجميع هذا الرصيد الانتقائي من الصور المرتبطة بكردستان في وحدة مكتملة المعنى، تقدّم ميزيلَس وابلًا من المواد التي تقاوم الانغلاق السردي، بما يسمح بإبراز وضعها بوصفها تعبيراً مفتوحاً. والمونتاج، حين ينجح، «هو جمالية تجريبية تعترف بأن الواقع يتجاوز دائماً إجراءات تسجيله».
الصورة مقاومة وحضور في مقابل النسيان
تُذكِّر الصور الأحياءَ بمن ضحّوا بحياتهم الشخصية ومستقبلهم من أجل القضية الكردية، فتستدعي طيفًا واسعًا من العواطف والانفعالات، من الفخر والإجلال والأمل، إلى القلق والحزن والشعور بالذنب. وكما جادل مؤرخ الفن جون تاغ (1988:4)، فإن ما يجعل الصورة أكثر من «قطعة ضئيلة من ورق تغيّر لونه كيميائيًا» هو وضعها داخل تاريخ من الممارسات والمؤسسات والعلاقات الاجتماعية التي تمكّنها من «إثارة الخيال، واكتساب المعنى، وممارسة الأثر». وبذلك، فإن الصور تفعل في العالم بفضل السياق الذي تُوضَع فيه. وفي الوقت نفسه، فإن إمكانات التصوير—أي نطاق معانيه وآثاره الممكنة—تتحدّد أيضًا بخصائص كامنة في شكل الوسيط ذاته. وفيما يلي، أستكشف قوة صور الشهداء الكرد من خلال النظر إلى بعض خصائصها الشكلية—ولا سيما ما يتصل منها بالزمن—وإلى المعاني التي تكتسبها نتيجة للسياقات التي تُدمَج فيها.
إن فهم قوة هذه الصور يقتضي التعامل معها لا بوصفها مجرد نمطٍ من إحياء الذكرى أو وسيلة لتوثيق الماضي، بل باعتبارها مطالب قوية بالظهور، والرؤية، والتمثيل السياسي. فمن خلال إرساء أنساب ثورية وسلالات تضحية، تُعدّ صور الشهداء الكرد وسيلةً فعّالة لإسقاط جسدٍ سياسي «لم يكتمل بعد»، أي لتفعيل مشروع ثوري قيد التشكّل. ويجدر التأكيد أن هذا المشروع يركّز حاليًا على إقامة نظام سياسي بلا دولة، قائم على الحكم الذاتي الديمقراطي للمجتمعات المحلية في الشرق الأوسط. وإلى جانب سعيه لتحرير الكرد من هيمنة الدولة القومية القمعية، يرى هذا المشروع نفسه حركةً متعدّدة الأعراق وعابرة للحدود، تقدّم حلولًا لمجتمعات كردية وغير كردية على حدّ سواء.
لقد أوضح باحثو التصوير الفوتوغرافي أن أسئلة التمثيل البصري—من يصبح مرئيًا، وتحت أي شروط—مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بأسئلة التمثيل السياسي. فالصورة لا تُشكّل أنظمة الخطاب والمعرفة والحقيقة والسلطة فحسب، بل إن الرؤية، في سياق الدولة القومية الحديثة وفكرة المواطنة الجماهيرية التي تقوم عليها، تُعدّ شرطًا مركزيًا للاندماج في الفضاءات العامة وآليات صنع القرار. وكما جادلت الفيلسوفة أرييلا أزولاي، يمكن للظهور أمام الكاميرا أن يغدو وسيلة قوية لتأمين الظهور السياسي خارج إطارها، بما يتيح للمهمّشين سبلًا مهمّة للمطالبة بالانتماء والمشاركة السياسية. وكما يؤكد نيكولاس ميرزويف في تحليله لتعبئة الصور في سياق حركة «حياة السود مهمة»، فإن «الظهور يعني الأهمية».
وانطلاقًا من ذلك، تُشير كارين ستراسلر إلى أن «تنظيم المرئي واللامرئي» لا يتعلّق فقط بمضمون الصراع السياسي، بل «يُكيّف الحقل الذي يتشكّل فيه السياسي ذاته». وبالمثل، كتبت باتريشيا سباير عن «عمل الظهور»—أي كيفية إدراك المرئي—بوصفه ما يحدّد «الأمكنة والرهانات التي تتكشّف فيها السياسة». ومن هذا المنظور، ينبغي فهم التمثيل الفوتوغرافي بوصفه موقعًا بصريًا-ماديًا تُتخيَّل فيه الجماعات السياسية، وتُرسَم حدوده، وتُتفاوض شروط الانتماء إليه. وبينما تُثمّن أزولاي التصوير أساسًا لما يتيحه من إدماج في فضاءات المجتمع المدني التي تتجاوز شكل الدولة أو تقوّضه، فإنني أستثمر طرحها هنا للنظر في كيفية إسهام التصوير في تشكيل سياداتٍ مضادّة أو منازِعة، حتى وإن لم تتخذ دائمًا شكل الدولة.
إن اعتماد مثل هذا المنظور يتيح فهم حجم الاستثمار الكبير الذي يبذله أنصار الحركة الكردية في تنسيق وعرض صور الشهداء داخل الفضاءات الخاصة والفضاءات العامة أو شبه العامة، بوصف ذلك جزءًا من سياسة أوسع للرؤية والظهور، تسعى إلى انتزاع الاعتراف السياسي بشعبٍ جرى إنكار وجوده لعقود، وتعرّضت لغته وثقافته لمحاولات منهجية للإبادة، ولا تزال أراضيه واقعة تحت الاحتلال، ولا سيما من قِبل دول إيران والعراق وسوريا وتركيا. وفي ظل غياب سيادة كردية، تصبح هذه العروض البصرية وسيلةً حاسمة لصياغة جماعة سياسية بديلة، ولإسقاط وتجسيد جسدٍ سياسي تسعى حزب العمال الكردستاني (PKK) وحركة التحرر الكردية المرتبطة به إلى تأسيسه منذ انطلاق التمرد المسلح ضد الدولة التركية عام 1984.
إن هذا النضال من أجل جسد سياسي يحدده أصحابه ذاتيًا هو في الوقت نفسه نضال من أجل الدخول إلى الزمن المحايث للتاريخ السياسي، وبذلك يتشابك على نحو وثيق نضال الرؤية والظهور مع نضال الذاتية التاريخية. فصور الشهداء، بهذا المعنى، تُقدّم مطالبة بكون الشعب الكردي فاعلًا تاريخيًا، وبامتلاكه agency على مسرح التاريخ بوصفه مسارًا زمنيًا متقدّمًا. وهي تُصرّ على أن وفيات من تُصوّرهم ذات شأن، وأن قراءة هذه الوفيات بوصفها تضحية تمنحها قدرةً على دفع التاريخ إلى الأمام. غير أنّ الصور الفوتوغرافية، بوصفها أشياء مادية تُسقِط وتُفعِّل الدخول إلى زمن التاريخ، تمتلك أيضًا قدرةً على زعزعة معايير هذه الزمنية ذاتها. فمثلها مثل وسائط الحداثة الأخرى لإعادة إنتاج الصوت والصورة، تشترك الصور في بنية زمنية تقوم على الكمون (اللاتينية الزمنية). ويعتمد تأثيرها على قدرتها على التقاط لحظة زمنية وتثبيتها ماديًا ثم إعادة إنتاجها في زمن لاحق. وبهذا المعنى، تجعل الصور الماضي كامنًا في الحاضر، فتُربك الزمن المتجانس للتقدّم الخطي المرتبط بالحداثة العلمانية. إنها تعمل بوصفها أشياء غير متزامنة (heterochronous) أو «أدوات مراوِغة للزمن»، تشكّك في السرديات الزمنية الخطية الصارمة. وأقترح أن هذا البُعد الكامن هو ما يجعل صور الشهداء التي أتناولها في هذه الدراسة أشياء متمرّدة محتملة، قادرة على التدخّل في المشاريع الزمنية المرتبطة بالخلاص الثوري. ومن ثمّ، لا تظهر صور الشهداء بوصفها وسائل قوية لإسقاط جسد سياسي كردي فحسب، بل كذلك كأشياء تُدخل قدرًا من الالتباس إلى هذا الإسقاط ذاته. ومن خلال إلقاء الضوء على لحظات «فشل فوتوغرافي» بقدر ما تُبرز لحظات النجاح.
وعلى غرار حركات ثورية وتحررية أخرى في أنحاء العالم، تُعدّ الاستعداد للتضحية بالحياة من أجل القضية الجماعية قيمةً أخلاقية أساسية داخل الحركة، وتتطلّب أشكالًا معقّدة من الإحياء التذكاري. فإلى جانب الصور، يُستعاد ذكر عشرات الآلاف من الشابات والشبان الذين فقدوا حياتهم منذ انطلاق الكفاح المسلح لحزب العمال الكردستاني في ثمانينيات القرن العشرين عبر النعوات، والنصوص (السيرية) الذاتية، والشعر؛ ويُحتفى بهم من خلال إقامة المقابر والنُّصُب التذكارية، وتسمية الشوارع والأحياء والمؤسسات (حيثما تسيطر الحركة أو تنظيمات مرتبطة بها على الأرض، ولا سيما في شمال العراق وشمال سوريا)؛ كما يُحتفى بهم في الجنازات ومجالس العزاء والفعاليات التذكارية (غالبًا رغم الحظر العام)؛ ويُلهمون إنتاجًا غزيرًا من الموسيقى والأفلام.
وتتمحور هذه الأشكال المتعددة من الإحياء التذكاري حول imperative إبقاء الشهداء أحياء وتكريم تضحياتهم. فبينما يُسمح لـ«الموتى العاديين» بالانفصال التدريجي عن الأحياء عبر مسار الحِداد، تؤكد حركة العمال الكردستاني والحركات المرتبطة بها أن الشهداء وتضحياتهم ينبغي أن يُستعادوا باستمرار، وأن يُتأمَّلوا ويُقتدى بهم. وبفضل هذه الممارسات الاجتماعية في هنا-والآن يبلغ الشهداء وضعهم الحدّي بوصفهم أحياءً أمواتًا، ويغدون، كما يعلن شعار حزبي أساسي، خالدين ومن المهم التأكيد على أن حركة التحرر الكردية تُنظِّر لخلود الشهادة بوصفه دنيويًا محضًا، وبذلك تميّز نفسها عن حركات سياسية تُحيل خلود شهدائها إلى حياة أخروية دينية الطابع. وعلى الرغم من أنها واحدة فقط من بين طيف واسع من وسائط الإحياء التذكاري، فإن الصور الفوتوغرافية تُعدّ أشياء محورية يُنجَز عبرها هذا الواجب بإبقاء الشهداء أحياء، ويُتفاوض حوله، بل تُدرج بصورة روتينية ضمن وسائط أخرى للإحياء، تمتد من التناظري إلى الرقمي، ومن السردي إلى الأدائي. وتتيح سهولة استنساخها انتشارًا واسعًا يتجاوز الوطن والشتات، والعوالم المتصلة بالإنترنت وتلك المنفصلة عنه. وهكذا تتخلّل صور الشهداء صفحات مجلات الحزب ونعواته المطبوعة، وتُحمل في التظاهرات وتُعرض خلال الجنازات، وتزيّن جدران غرف المعيشة ومكاتب الحزب.
تهيمن على جمالية هذا النظام البصري صورٌ تركّز على وجوه أصحابها. ففي منشورات حزب العمال الكردستاني المبكرة المكرّسة للثوريين الكرد الذين سقطوا في الثمانينيات، كانت الصور الشخصية الشبيهة بصور الهويات تُوضَع غالبًا إلى جانب نعوات مكتوبة. وعلى الأرجح التُقطت هذه الصور في استوديوهات محلية، وهي تُظهر أصحابها إما مواجهة للكاميرا مباشرة أو بزاوية جانبية خفيفة، على خلفية أحادية اللون، بنظرات مباشرة أو منحرفة قليلًا. بعض هذه الصور يُبرز شبانًا بشوارب كثيفة وشعور داكنة مُمشّطة بالزيت، تشي بتفاؤل شبابي، فيما تكشف صور أخرى عن أكتاف منحنية وملابس بالية تتحدث عن الفقر والإرهاق. غير أنّ صور الهوية لم تكن الوسيلة البصرية الوحيدة لتخليد الشهداء؛ إذ تضمّنت المنشورات، حتى أوائل التسعينيات، صورًا لأجساد مقتولة مضرّجة بالدماء، عُرضت بوصفها أدلة اتهامية على عنف الدولة وجرائمها. كما اشتملت بعض المنشورات على رسومات لشخصيات شهداء: تصويرات مقتضبة لثوريين بزيّ الكريلا، تستدعي الأسلوب الغرافيكي للواقعية الاشتراكية، وتعتمد على زخرفة حدّية وتأثير التباين بين الأسود والأبيض. لكن مع مرور التسعينيات، ومع تصاعد أعداد الشهداء بفعل اشتداد الحرب في المناطق الكردية بتركيا، استقر هذا الريبرتوار الجمالي لصالح لقطات رأس فوتوغرافية باتت تهيمن على العروض البصرية للشهداء بحلول نهاية العقد. ويُلاحظ أن هذا الاستقرار تزامن مع الظهور المنتظم لنساء ضمن صفوف الشهداء المصوَّرين، بما يعكس ليس فقط ارتفاع مشاركة النساء آنذاك، بل أيضًا تصوّرات جندرية جديدة للجسد السياسي ولممارسات التضحية التي تقوم عليه. وقد ضمّت تجميعات نعوات الشهداء طوال التسعينيات مزيجًا من صور هوية، وبورتريهات مقتطعة من صور أكبر، ولقطات عفوية وصور جماعية. وكثيرًا ما جرى تخليد بعض الشهداء من دون صورة فوتوغرافية أصلًا، إذ استُبدلت الصورة الفردية برسم عام لرأس مغطّى بكوفية.
ابتداءً من أوائل العقد الأول من الألفية الجديدة، يمكن ملاحظة تزايد حضور صور الهوية التي ينتجها حزب العمال الكردستاني نفسه، والتي تُظهر المقاتلين في وضعية أمامية من الصدر إلى أعلى، بنظرات مباشرة إلى الكاميرا، وعلى خلفية حمراء أو خضراء عامة تتوسطها شارة الحزب. تُلتقط هذه الصور عند الالتحاق بالحزب، ولا تُنشر للعموم. ومنذ أوائل الألفية، جرى تدعيم الجمالية التقشفية للقطات الرأس الخاصة بصور الهوية بسجلّ أكثر تنوعًا لعرض الشهادة. وقد تزامن ذلك تقريبًا مع التحول الأيديولوجي للحزب عقب اعتقال زعيمه عبد الله أوجلان عام 1999، حين تخلّى حزب العمال الكردستاني عن بعض مرتكزاته الماركسية-اللينينية، بما فيها هدف إقامة دولة قومية مستقلة، واعتمد بدلًا من ذلك برنامجًا للحكم الذاتي الديمقراطي الجذري، قائمًا على مبادئ النسوية، والإيكولوجيا السياسية، والتعددية الإثنية. كما شهدت هذه المرحلة صعود التصوير الرقمي، ما جعل التوثيق البصري رخيصًا وغزيرًا. وعلى إثر هذه التطورات، اتسعت على نحو ملحوظ جمالية الاستشهاد الكردي. فبينما ظلّت لقطات الرأس الصارمة لشابات وشبان عنصرًا أساسيًا في بيروقراطية الحزب وتوثيقه، أُضيفت إليها وفرة من الصور التي تُظهر مقاتلين مبتسمين ومبتهجين في حياة الجبال القتالية: يعدّون الطعام ويُشعلون النار، يلتقطون صورًا مع حيوانات برية، يعبرون الأنهار ويتأملون الشلالات. وإلى جانب ذلك، يُخلَّد الشهداء اليوم أيضًا عبر فنون الشارع، بما فيها الغرافيتي والاستنسل، التي تُدرج بورتريهاتهم في الحياة الحضرية اليومية (ولا سيما في المدن الأوروبية ذات الكثافة السكانية الكردية)، كما يظهرون في ألعاب الفيديو، وتزيّن رسوماتهم موادّ تمتد من اللافتات والملصقات إلى الكتيبات والملصقات اللاصقة.
وإذا كانت صور الشهداء تُشكّل وسيلةً لإسناد الانتماء داخل جسد سياسي كردي ناشئ، فإن ذلك يتناقض بحدّة مع الكيفية التي يظهر بها المقاتلون الساقطون في الفضاءات العامة التركية. فهذه الفضاءات تفرض نظامًا بصريًا يُنكر من جهة رؤية المتمرّدين الكرد عبر الإخفاء المنهجي لجثثهم، وتدمير مقابرهم، وحظر طقوس الدفن والحِداد. إن استخدام البورتريهات الفوتوغرافية لأغراض الإحياء التذكاري والتعبئة ليس، بالطبع، حكرًا على الحركة الكردية. ومن دون التقليل من الفوارق في المعنى والأثر الوجداني بين صور المعارضين المختفين وصور الأبطال القوميين المُحتفى بهم، فإن شيوع توظيف صور الهوية في العروض العامة للسياسة الحديثة يدلّ على قوة هذا الشكل البصري بوصفه جمالية محورية للمواطنة الحديثة. تُجسّد صور الهوية بعض المبادئ الأساسية لسياسات الجماهير الحديثة، لا بسبب ارتباطها العملي بممارسات الدولة البيروقراطية والتعريف فحسب، بل أيضًا لأنها تُبرز في آنٍ واحد التفرد الفردي عبر التركيز على الوجه، والتكرارية التسلسلية عبر الوضعية والإطار المتماثلين دائمًا. وهذا ما يجعلها أشياء قوية قادرة على تدعيم الانتماء حين يبدو مهددًا، أو المطالبة بالإدماج حين يعجز العقد الاجتماعي عن الوفاء بوعوده. وما تُظهره عروض صور الشهداء في السياقات الكردية هو أن النظام البصري ذاته يتيح أيضًا إسقاط جماعات سياسية بديلة بالكامل، مُدرِجًا كلًّا من الذوات التي تُصوّرها الصور ومن يتأملونها في أشكال جديدة من الانتماء وزمنياتها المصاحبة.
في النهاية، تتجاوز الفوتوغرافيا الكردية ثنائية الوثيقة/الفن لتصبح شيئاً آخر تماماً: فعل بقاء وجودي. إنها ليست مجرد أداة للتوثيق أو التعبير، بل هي طريقة لإثبات الوجود في مواجهة الإنكار المنهجي. الفوتوغرافيا في النسيج الكردي، كما يُفهم من السياق الكلي لهذه الدراسة، ليست مجرد “ترف بصري”، بل هي “تكنولوجيا لبناء الأمة”. إنها الأداة التي حولت الشتات إلى جسد واحد، والذاكرة الشفهية المهددة بالضياع إلى أرشيف بصري صلب، والجغرافيا الممزقة إلى خريطة وجدانية موحدة. الصورة في كردستان هي “الوطن الذي يمكن حمله في الجيب” و”الأرشيف الذي لا تستطيع الجيوش مصادرته”. إنها تقول، بصمت عنيد: “كنا هنا. لا نزال هنا. سنبقى هنا – ولو كصورة في ذاكرة العالم”. في هذا المعنى، لا تُنقذ الفوتوغرافيا الكردية الماضي، ولا تعد بمستقبل محدد، لكنها تفعل شيئاً ربما أكثر أهمية: تحفظ إمكانية التذكر، وترفض السماح للمحو أن يكون نهائياً. إنها مقاومة صامتة، لكنها عنيدة بما يكفي لإبقاء الأمل حياً – أمل أن يأتي يوم تصبح فيه هذه الصور ليست مجرد شهادات على المعاناة، بل أساسات لتاريخ معترف به، وذاكرة محمية، ووجود مؤكد. ولهذا كله، تمثل الفوتوغرافيا الكردية مشروعًا مستمرًا للحفاظ على الذاكرة الجماعية، وإنتاج المعرفة التاريخية، وتعزيز الهوية الثقافية، ومواجهة محاولات الطمس والنسيان. فهي ليست مجرد فن أو وثيقة، بل ممارسة أخلاقية وسياسية وثقافية متكاملة، تجمع بين النظرية والتطبيق، بين الفعل والمراقبة، بين الماضي والحاضر، وتستمر كأداة أساسية لفهم التجربة الإنسانية في سياقها الكردي، وللتأكيد على الحق في التمثيل والرواية، ولتقديم سرديات بديلة تتحدى الهيمنة التاريخية، وتعيد الاعتبار للتجربة اليومية والثقافية والسياسية للشعب الكردي في مختلف أبعاده.
للمزيد يمكن الرجوع إلى :
Allan sekula: photography and the limits of the national identity, gray room, spring 2014, no 55, pp 28 – 33
Costanza Caraffa and Tiziana Serena(Edited): Photo Archives and the Idea of Nation, de Gruyter Gmbh, walter, 2014
Marlene Schäfers: Projecting a Body Politic Photographs, Time, and Immortality in the Kurdish Movement, Anthropological Quarterly, Vol. 96, No.2, p. 307–334.
Liam Devlin: Creating Kurdistan: Photography as Discursive Documents,
suasan mieselas: kurdistan In the Shadow of History, kandom house, new york, 1997.
Zeynep N. Kaya: Orientalist Views of Kurds and Kurdistan



