أصول التحول الديمقراطي وتحقيق العدالة في الشرق الأوسط

دراسات :
- تم تحديثه في

تحليل الدكتور رائد المصري/ أستاذ محاضر في الفكر السياسي والعلاقات الدولية

  توطئة

بداية، تتفق معظم الكتابات على أن كلمة الديمقراطية تعود بالجذور الى الإغريق، من خلال التعبير اليوناني Demos والذي يعني الشعب، وKratos  الذي يعني حكم، إذن فالمعنى المباشر لها هو حكم الشعب، حيث يعود أصل الممارسة الديمقراطية إلى أثينا الإغريقية في القرن الخامس قبل الميلاد، وهناك نشأت الديمقراطية المباشرة أو الأثينية، التي إقتصرت وقتها على المواطنين الذكور الأحرار دون غيرهم، وبهذا جعلت الديمقراطية الأثينية المواطَنة وظيفة سياسية، تُوجِب على حاملها ضرورة المشاركة في الحياة السياسية في أثينا القديمة.

أما التعريف الإصطلاحي، وبما أن الديمقراطية ترتبط بتحوُّلات إقتصادية، وإجتماعية، وثقافية، وبحروب وإنتفاضات على مر التاريخ، فقد عرَّفها المؤرخ اليوناني هيرودوت، بأنها  حكم الأغلبية، وأنها المجتمع الذي تسود فيه المساواة أمام القانون، والذي يُساءَل فيه الحكام عن أفعالهم وتصرفاته، كما أن الرئيس الأميركي إبراهام لينكولن، عرفها بأنها حكم الشعب لمصلحة الشعب، وبواسطة الشعب، هنا نجد أن مفهوم الشعب، يتمتَّع بالمفهوم السياسي، أي مجموعة الأفراد الذين تتوافر فيهم شروط الناخب، أو مجموعة الناخبين، ونلاحظ كذلك إقتراب هذا التعريف من فكرة الديمقراطية المباشرة، كما هو الحال في أثينا الإغريقية، وعليه يمكننا أن نستنتج بسهولة صعوبة تطبيقه على أرض الواقع.

ونتيجة لكثرة هذه التعريفات، فقد وجد بعض المفكرين الحداثويين، ضبابية تعريفات للديمقراطية وسيولتها، فيرى المفكر فيليب غرين، أن الديمقراطية في أواخر القرن العشرين، شكلت موضع غموض شديد، وقد ضرب مثلاً بسقراط، الذي كان يُعلم تلامذته الديمقراطية، وأصبح ضحية لها في نفس الوقت، عندما حُكم عليه بالإعدام بواسطة 500 قاضٍ، ومع ذلك نجد التركيز على عملية التشاركية في تسيير الحياة السياسية في الدولة، عن طريق عدم تفرُّد شخص، أو مجموعة بالسلطة، وذلك بإشراك المواطنين في العملية السياسية، وتختلف الطريقة التي يتم بها ذلك، بإختلاف الإطار الزمني والثقافي في المجتمع، وعليه فهناك عدة أشكال للديمقراطية، منها الديمقراطية المباشرة، والتي تُعد الصورة الأولى والأبْسط للديمقراطية، والتي كانت تُمارس في أثينا القديمة، بواسطة المواطنين الأحرار من الذكور دون الإناث، البالغين من العمر 20عامًا فما فوق، دون غيرهم من سكان أثينا، ويلاحظ صعوبة تطبيقها إلاَّ في المجتمعات محدودة السكان.

وهناك الديمقراطية التمثيلية أو النيابية، عن طريق إختيار ممثلين، أو نواب عن الشعب، يقوم بتفويضها لإتخاذ القرارات، مع الإحتفاظ بحق مساءلتهم وإقالتهم، ويكون عماد النظام السياسي هنا الهيئة النيابية أو البرلمان، وأخيراً الديمقراطية شبه المباشرة، وفيها توجد هيئة نيابية، كما في الديمقراطية النيابية، مع إحتفاظ الشعب ببعض السلطات التي يمارسها بشكل مباشر دون وسيط، وذلك بأساليب مختلفة مثل الإستفتاء الشعبي، والإعتراض الشعبي، أو الإقتراح الشعبي.

وعليه، فإن التطرُّق حول موضوع التحوُّل نحو الديمقراطية، يأتي كردِّ فعل ونتيجة، للأزمة العميقة التي تعيشها الأنظمة التسلُّطية، التي فقدت المرونة والتكيُّف مع التغيُّرات الإجتماعية والسياسية والإقتصادية، وهذا التحوُّل تأثر بعوامل داخلية وخارجية بدرجة كبيرة، وهنا وجب معرفة أن التحول الديمقراطي لا يمثِّل، بالضرورة مساراً للإزدهار والحرية والحكم الرشيد، فالأمر يتوقف على جودة المؤسسات السياسية، ومدى كفاءتها في معالجة المشاكل الموروثة والناتجة، حيث أن دراسة التحوُّل الديمقراطي، يطرح فرضيات عديدة ويضيف خبرات جديدة، بعدما تأكَّد وجود أزمة حقيقية في علاقة الدولة بمجتمعها، وبين الفهم التقليدي للدولة، القائم على الولاءات والإنتماءات الضيقة، والفهم الحداثوي للدولة القائم على المواطنة المدنية الجامعة، نجد الفرق الشاسع بما توضحه طبيعة العقد الإجتماعي الناظم لعلاقات الدولة بالمجتمع، وتبرز إرتباطاً بذلك، جملة التحديات والإشكاليات المتعلِّقة ليس فقط في الممارسة والمستقبل، بل بالمفاهيم وسُبل تطور عملية الإنتقال والتحوُّل الديمقراطي وشروطها الرئيسية.

فالمؤسسات الدستورية تشكل الإطار الحقوقي الذي تنتظم فيه العملية السياسية، وتحدد آليات ممارسة السلطة ونطاقها، والقواعد  الواجب الخضوع لها، غير أنَّ هذه الممارسة السياسية، تبقى مرهونة بالقوى السياسية وبطبيعتها ومصدر وجودها، وبالقيم الإجتماعية والسياسية والثقافية التي تحكم تصرفاتها، ويأتي البُعد الفكري لعملية التحوُّل نحو الديمقراطية، كأساسٍ مؤثر في التحول الديمقراطي، حيث طبيعة السلطة الإستبدادية وإنحرافها في ممارسة السلطة، وإتساع الهوَّة بين الحاكم المستبدّ والمحكومين، وإنتفاء الشرعية لسلطة الإستبداد، كلُّ ذلك يجعل من طرح موضوع التحوُّل الديمقراطي ضرورة ملحَّة، خصوصاً بعد ما أدركت الشعوب الواقعة تحت نير الحكم الإستبدادي، أنه لا  بدَّ من مواجهتها، بعدما سئمت من الركود الفكري والسياسي والإجتماعي والإقتصادي، وعليه فإن عملية التحوُّل الديمقراطي، هي التحول من نظام إستبدادي تسلُّطي، إلى نظام ديمقراطي بتدرُّج، من خلال مؤشرات تدلُّ على صحة هذا التحوُّل، مثل تآكل النظام الإستبدادي، وظهور نخبة إصلاحية وأخرى محافظة في داخله، وبروز مؤسسات المجتمع المدني، وقوة نفوذها في مراقبة السلطة، وتحقيق مطالب الإفراد وإنتزاعها من السلطة، وظهور أحزاب سياسية فعَّالة، تعبِّر عن تعددية حقيقية وليست صُوَرية، تعمل على كبح جماح السلطة المستبدة، عبر تنظيم التظاهرات والإحتجاجات، ولغة المعارضة السياسية الواعية هذا من جهة، ومن جهة أخرى الإلتزام بتنفيذ برامجها ووعودها الإنتخابية، التي قطعتها للناخبين إبان موسم الإنتخابات، وبعبارة موجزة، فإنَّ التحوُل نحو الديمقراطية، يشهد ظهور فاعلين سياسيين في مشهد الحياة السياسية، بعدما كانت تتلون بلون سياسي إستبدادي واحد، ويقصد أيضاً به، العملية التي تصبح خلالها ممارسة السلطة السياسية أقل تعسُّفاً، تتأثر بعدة عوامل داخلية، لا تنفصل عن العوامل الخارجية والمتغيِّرات والظروف الدولية.

فلقد أدَّت السيطرة الإستعمارية الغربية على مقدرات بلدان الشرق الأوسط  خلال القرنين المنصرمين، الى أخذ شعوب المنطقة، نحو تشكيل طريق للخروج من تلك الدائرة وحلقاتها المفقودة، للبحث عن مقومات وأُسُس للنهوض، خاصة في زمن تسارع الأحداث،  وتكاثر نماذج النظم السياسية الحاكمة وتعدادها، ما بين فاشي ورأسمالي وإشتراكي وديمقراطي ليبرالي، فتجارب الأوروبيين الغنية والناتجة عن صراعات طبقية متتالية، أدَّت الى حدوث نقلة نوعية داخل المجتمعات، وقد تلخَّص الفكر اللِّيبرالي الغربي، الذي ساد حياة المستعمِرين بكلمة واحدة، أطلقت على نظام سياسي إجتماعي إقتصادي، يعتقد أن من شأنه أن يرفع من مكانة أي دولة وينهض بشعوبها، إذا راعت الدولة بنظامها الحاكم شروط ذلك النظام، ومرَّت بمراحل محددة وخطوات معينة ومستمرة لتحقيقه، وهو النظام الديمقراطي، ولم يظهر هذا المصطلح في كتابات العرب في القرن التاسع عشر، فيما إستخدمت مصطلحات أصيلة أخرى مثل الشورى، وأهل الحلّ والعقد، والعدل والإنصاف، وقد تمَّ تداول مصطلح الديمقراطية بعد الحرب العالمية الأولى في البلاد العربية، وكتب رفاعة الطهطاوي حول ذلك بقوله: ” إن ما يسمِّيه الفرنسيون الحرية هو ما يُطلق عليه عندنا العدل والإنصاف، وذلك لأنَّ معنى الحرية بالحكم هو إقامة التساوي في الأحكام والقوانين بحيث لا يجور الحاكم على إنسان، بل القوانين هي المحكّمة والمعبرة” .(1)

وقد إشتغل كثير من الكتاب والباحثين في الفكر الإسلامي في قضية الشورى، بالرجوع الى أسس هذا الفكر وتطبيقاته زمن الخلفاء الراشدين، ووجدوا أن أصوله تعتبر أن الأمة هي الأساس، فهي مصدر السلطات ولا تجتمع على ضلال، وهذه الأمة تقوم على فكرة المساواة لا سادة فيها ومسودين، والشريعة هي التي تحدِّد لكلٍّ حقوقه ومسؤولياته، وكأن الفكرة الإسلامية تقوم على أساس أن الأمة طبقة واحدة من أحرار متساوين يتفاضلون بالكفاية والعمل، كما أن الأمة هي التي تختار الإمام من خلال ما عُرف بالبيعة العامة، وقد خلصوا الى أنَّ المؤسسات التي تعبِّر عن المفاهيم الإسلامية، قد غُيبت فترة طويلة، وهو ما أحدث ثغرة كبرى في العالم العربي، وقد تناول بعضهم هذه المفاهيم وفق الإطار الثقافي الغربي، عبر معالجة لكن بطرق مختلفة نسبياً.

وعليه، إنَّ التفاعل الحضاري مع المستعمر والخارج، ساهم الى حدِّ ما في إستحضار الأمة لمعانيها الذاتية، في المجال الديمقراطي والحريات، كما دفع النُّخب المثقَّفة من أبنائها، إلى دراسة النموذج الديمقراطي الغربي، ومحاولة الإستفادة منه، متسبِّباً بنفس الوقت بالتعسُّف والظلم والجور، الذي مارسه الإستعمار بحق شعوب المنطقة ودولها، بتشكيل تيار عريض في معظم الأقطار العربية والمشرقية، يعمل على بناء أسس وقواعد الحرية والإستقلال، ومع  بزوغ طلائع الإستقلال أواسط القرن العشرين، إتجه النظام السياسي، لإعتماد الدساتير كمنظِّم أساسي لحياة المجتمع والدولة، ثم تسارعت التحوُّلات نحو أشكال متعددة من الحياة السياسية، إقتبس كلّ منها أجزاء معينة من الديمقراطية، خاصة فيما يتعلَّق بقواعد وأسُس الإختيار الشعبي لممثلي الأمة، ممَّا شكَّل ديمقراطيات عربية ناشئة، تبلورت على شكل تحوُّلات سياسية، سَعَت للمشاركة الكاملة في الحكم وإدارة شؤون البلاد.

تطور مفهوم الديمقراطية المشرقية

ففي رأي المناضل والمفكر الأممي عبدالله أوجالان، بحديثه عن الأمة الديمقراطية مقابل الدولة القومية، كشف أن القناع الثاني الكبير للبرجوازية الرأسمالية، هو الدولة القومية التي قامت بتأسيسها في المجال السياسي، والدولة القومية هي مجال التحقق السياسي وتجسيد نظام النهب والعصابات، وتؤسس سلطتها تحت غطاء الدولة القومية.

وإعتبر أوجالان، أنه مقابل الدولة القومية، فإنَّ الأمة ستكون موجودة، لكن ليس عن طريق الدولة، ونفوذ الدولة ضروري للأمة الحديثة، وجميع الدول القومية هي عملية تشكيل أمة في العصر الحديث، لكن بالقوة والعنف والسلطة، أي أنَّ هذه الأمم تتشكل عن طريق الدولة، عندما تدخل السلطة إلى الأمة، تصبح دولة قومية، لكن عندما تدخل الديمقراطية، تصبح أمة ديمقراطية، متسائلاً:هل يمكن أن تكون هناك أمة ديمقراطية؟ فيجيب بالطبع نعم، يمكن أن يكون المجتمع بأكمله ضمنها، فالحداثة الديمقراطية تشكَّلت ضمن العصرانية، ومن هذه العصرانية، تولد أمة رأسمالية وأمة ديمقراطية، على سبيل المثال، سويسرا قريبة من الأمة الديمقراطية، لكن الإلمان من أعلى رؤوسهم إلى أخمص أقدامهم دولة قومية، أي أنَّ لديهم أيضاً درجات، في رأيي، إسكتلندا أمة ديمقراطية، لكن إنجلترا دولة قومية، توجد فيها دولة قومية وأمة ديمقراطية في نفس الوقت، ستكون هذه الأمور حيوية ومن المحتمل أن تحدث عملية مماثلة في تركيا، كما يعتبر أوجالان، أن لا وجود لإشتراكية بدون ديمقراطية، فالمجتمع الذي تهدف إليه الإشتراكية هو مجتمع متساوٍ وحر، والمجتمع المتساوي والحر، يعني أن الشعب الذي يعيش على كدِّ يمينه، يدير نفسه بجهده، والكومونة التي تؤسسها في البداية ستكون ديمقراطية، أي أن الديمقراطية تُبنى بعد تولي الادارة، فـ”ديمو” تعني “شعب” و”كراسيا” تعني “حكم”، وبما أن الحكم سيكون للشعب في ظروف متساوية وحرة، فلا يمكن للإشتراكية أن توجد بدون ديمقراطية.(2)

هنا يمتلك مفهوم الديمقراطية بُعده ومنعطفاته التي أدَّت إلى تطوره، أهمها كان إبان الحرب العالمية الأولى، وما بين الحربين الأولى والثانية، وما ‎بعد الحرب العالمية الثانية، وصولاً الى مطلع القرن الواحد والعشرين، وعُرف هذا التطور بطور الإنبعاث الحضاري، وقد ظهرت آثاره بوضوح في مجالات حياة الأمة، وتجسَّد في محاولات للإصلاح والتجديد والإحياء، كما تسبَّب  بتطوُّر نوعي بالإنتقال من البرامج السياسية العامة، الى المضامين العقائدية، ومن الإهتمام بالديمقراطية السياسية، الى الإهتمام بالديمقراطيات الإجتماعية، مع تفاوت في إعتبار الوزن التاريخي الحضاري، لقيم ومبادئ المجتمع العربي ومقوماته الدينية والحضارية والتاريخية، فالحديث عن الديمقراطية بشكل عام، يصطدم في كثير من الأحيان ببعض الإنطباعات غير الدقيقة، حيث وَجَب التفريق جيداً بين الديمقراطية الغربية التي تشمل الجوانب الإجتماعية والسياسية في آن واحد، وبين الديمقراطيات التي نتناولها اليوم بمعطياتها السياسية المتعلقة بنظام تداول السلطة، أو المشاركة في السلطة السياسية، وفي ظل هذا التفريق، فإنَّنا نتجاوز الجدليات المتعلقة بالتباين الإجتماعي والحضاري، وربَّما الديني مع المجتمعات الغربية، وحتى لا تكون هذه حجَّة لحجب الحريات العامة، والديمقراطيات السياسية والمشاركة الشعبية، فإنَّ الأمر لم يعدْ محطَّ جدل كبير، كما أن قبول الإتجاهات السياسية العربية، بكل أطيافها لهذا النمط من الديمقراطية، قد دفع عجلة الحريات خطوات إلى الأمام في عدد من الأقطار العربية، وبرغم أن بعض هذه الديمقراطيات لا تزال ناشئة، وأن بعضاً آخر منها مُصاب بالتذبذب، هذا إضافة إلى التدخُّلات الأجنبية السياسية والإقتصادية والفكرية والأكاديمية، في تشويه التجارب المختلفة، إلاَّ أن النهج الديمقراطي السياسي، قد أصبح جزءاً من بنية الحريات العامة الواجب على الدولة حمايتها وصيانتها، وأن على القوى السياسية والإجتماعية الفاعلة في المجتمع، التحرُّر من الإنغلاق، لقيادة شعوبها والمشاركة في بناء أوطانها وأمتها، دون تردد أو ضياع، مع الإستفادة من التجارب العالمية المتنوعة، وبما يتوافق مع القيم والثقافة الأصيلة، والخصوصيات التي تتمتع بها كل المكونات المجتمعية لشعوب الشرق الأوسط.

إنَّ الديمقراطية ليست بذرة موجودة في الثقافة الخاصة بأيِّ شعب، فهي نتاج تضافر عوامل متعددة داخلية وخارجية، تدفع إلى إحداث تغيير في النظام السياسي القائم، من خلال تحليل الواقع بموضوعية، وبكلِّ ما فيه من النزاعات والتوازنات والمطالب المتميِّزة والمتعددة والمتباينة، التي تكوّن حقيقة هذا الواقع السياسي الخاص بكِّل مجتمع، وتتلخَّص في البُنية السياسية والتوزيع الإجتماعي، وفي البنية الإقتصادية والثقافية، وفي طبيعة ومقوِّمات السياسة الخارجية، وكذلك في الموقع الجيوسياسي لكلِّ دولة، إذ تحتاج هذه العوامل إلى معالجة وتحليل ودراسة، عبر الحوار والمشاركة والمساءلة والشفافية والمحاسبة، كما أنَّ تطبيق الديمقراطية السياسية العامة، القائمة على المساواة والعدل والحرية وحماية الفرد من تعسُّف الحاكم وظُلمه، ومساواته التامة مع جميع الناس، أمام القانون والدستور، في ظلِّ ما يُسمَّى بالتعددية السياسية، وحرية إختيار جميع المواطنين لممثليهم، وهو ما يُعد نهجاً أساسياً، لبلورة مسيرة أي مجتمع ونجاح أي أمة في مواجهة التحديات، فثمَّة خطّان يحكمان المسار الديمقراطي، أحدهما سياسي والآخر إجتماعي، وإذا كان للمسار الإجتماعي خصوصياته الثقافية والدينية والتاريخية، فإن المسار السياسي يتطابق مع كل المجتمعات، على قاعدة تداول السلطة وإفساح الحريات العامة.

فقد أحاطت بالشرق الأوسط ظروف خاصة، تسبَّبت بتشكيل تباين واضح، في مفهوم الديمقراطية والتعددية الإجتماعية والسياسية في البُنية العربية، كان من أبرزها الإستعمار الغربي طوال النصف الأول من القرن العشرين، وإستمرار تهديد الأمن القومي لدول المنطقة من الأخطار الخارجية، وتكريس الضعف والعجز في الميدان العسكري، وأيضاً التبعية السياسية والإقتصادية للدولة الواقعة تحت الإستعمار من قبل الدول المستقل حديثاً، بالإضافة الى ذلك،  تفاقم أزمة الهُوية والثقافة في بعض أقطار المشرق العربي تحت الإستعمار، خصوصاً في ظل غياب مُحددات الثقافة، وتزايد التأثر بثقافة وحضارة الأقوى وفق نظرية إبن خلدون،  والإفتقار الى الحسِّ التاريخي عند مواجهة مشكلة الديمقراطية في الوطن العربي، بيد أنَّ الأمر يختلف كثيراً على صعيد الغرب، الذي يتمتَّع بإستقلالية عامة، وسيطرة على الغير، وميَّزته عوامل وظروف هي مختلفة عن ظروف دول المشرق العربي، والتي أثَّرت في تشكيل مفاهيمه وواقعه الديمقراطي الخاص، لناحية عدم تدخُّل أي طرف خارجي في الميادين السياسية والعسكرية الخاصة بدوله، وعدم وجود عدو خارجي واقعياً بعد الحرب العالمية الثانية، بإستثناء سباق الرعب والردع مع الإتحاد السوفياتي سابقاً، وهو ما لم يشكِّل عائقاً أمام التوجُّهات الديمقراطية لهذه الدول فقط، بل ربَّما كان سبباً من أسباب نموها وتجذّرها في هذه المجتمعات مع التحرُّر الإقتصادي، بالإضافة إلى إستنزاف خيرات وثروات المناطق المستعمَرة لزيادة الرصيد، وتكوين قوة ذاتية إقتصادية، وإنتفاء أو عدم وجود أزمة هوية أو ثقافة، بل على العكس الشعور بالغطرسة والكبرياء، في ظلِّ سيادة المفاهيم الإستعمارية والغرور الحضاري، لتبقى المفارقة المهمَّة، المتعلقة بنشأة النظام الديمقراطي في الدول الأوروبية، والذي جاء كثمرة لصراعات طبقية دامت طويلا،ً ولها أسبابها الإقتصادية والطبقية في الصراع بين البرجوازية والمجتمع .

إنها معادلة غير متكافئة، يبحث العرب المشرقيون فيها عن مقومات ديمقراطية جديدة، تدفعهم لمحاولة التطوُّر والنهوض، إذ إعتُبرت التجارب الغربية الغنية، والناتجة عن صراعات متتالية داخل المجتمع الغربي، والتي أدَّت الى إحداث نقلة نوعية داخل المجتمع نفسه، مدخلاً لتطوير مفاهيم المجتمع العربي المستقبلي، خاصة وأن الإطار الديمقراطي السياسي، قد نقل المجتمع الغربي من  تخلُّف وظلم وإستبداد، الى حرية وعلم ومساواة وحياة كريمة لأفراد المجتمع الواحد، ومن فقر مُدْقع وإحتكار للثروة المالية في أيدي الطبقة البرجوازية، الى إنتعاش إقتصادي ومساواة في القانون وحق التملُّك، ممَّا أدَّى الى بناء إقتصادي متين، أعطى قوة ودفعاً لهذه الدول والمجتمعات، وجعلها تعطي المؤسسات الديمقراطية فرصتها الكافية، للتجذُّر والسيطرة على حياة المجتمع والدولة، حيث أصبح الفكر الغربي اللِّيبرالي، أنموذجاً للديمقراطية كنظام سياسي إجتماعي وإقتصادي، من شأنه أن يرفع من مكانة أي دولة وينهض بشعوبها، حيث تقوم العلاقة بين الحاكم والمحكوم، على قاعدة العدل وخدمة المجتمع.

كما إعتبر بعض المفكِّرين الغربيين مفهوم الديمقراطية، بأنه قديم عرفته المجتمعات المختلفة في صياغات متباينة، ومارسته بدرجات متفاوتة، ثم إتخذ شكلاً جديداً إبان الثورة الفرنسية، وأنَّ ثمَّة مثال أعلى ديمقراطي تتطلَّع إليه الإيديولوجيات والنُّظم، برغم إختلافل ظروف، حيث يكون الحكم على هذا النظام أو ذاك بالديمقراطية بفحص آلياته وممارساته، ومنهم من توصَّل الى نتيجة تعتبر، أن الديمقراطية أسلوب ملائم تدير به النُّخبة السياسية الذكية ومعها الدولة، مجمل النشاط الإجتماعي للأمة، ويعتمد هذا الأسلوب على تكوين النخبة ذاته وقابليتها للتجدُّد، وهو يعظِّم من قدرتها على مشاركة الحاكم في صنع القرارات، ويتطلَّب ذلك أوضاعاً مؤسسية، تعبِّر عن تعدُّد الإرادات وتوازن معيَّن بين القوى، كما يعتبر تنشيط الحوار والإتصال والتطلعات بين الحاكمين والمحكومين، في إطار العقيدة المشتركة، هو الأسلوب الأنجح للوصول الى نقطة توازن عام، ويتضمَّن ذلك توسيع دائرة النشاط الإجتماعي في مستوياته المختلفة الى أقصى حدٍّ ممكن، أي زيادة التفاعل الشعبي والبحث الحر عن البدائل الأفضل.

التحديات التي تواجه التحول الديمقراطي ومستقبله في الشرق الأوسط

اليوم، تتعدَّد مصادر التحدِّيات التي تواجهها عمليات التحوُّل الديمقراطي في دول المشرق العربي، وتتوزَّع على عوامل داخلية وخارجية، غير أنّ بين بعض هذه العوامل، علاقات وإرتباطات تستند أساساً الى التضرُّر المصلحي للطبقات المهيمِنة والبرجوازية، والتي تتشكَّل عبر إرتباطات محلية وإقليمية وربَّما دولية، إذ تبرز التحديات الداخلية في غياب البُعد التاريخي لأعمال المفكرين العرب، الذين شُغلوا بموضوع الديمقراطية، والى الإفتقار الى دراسات جادة لبُنية المجتمع العربي عامة، من أجل تأسيس فهم شامل له وللقوى المتصارعة فيه، حيث هناك العجز عن فهم العوامل الفاعلة في البنى الإجتماعية، التي أفرزت أنظمة الحكم والممارسة السياسية، كما أنَّ ممارسة الديمقراطية في إقليم الشرق الأوسط، هي ممارسة إيديولوجية رغبوية مؤقتة، تتغيَّب معها الممارسة الفعلية الممأسسة في الواقع، بالإضافة  لوجود عوامل  خاصة داخل المجتمع العربي، كإنتشار الفقر ووجود فئة كبيرة من الناس تحت خط الفقر والبطالة وتفاقمهما، وتزايد عدد العاطلين عن العمل، وإنحصار الوعْي والثقافة في أيدي نُخبة  قليلة من المجتمع،  وأخيراً ضعف مساحة الحرية والتعبير عن الرأي.

أما  التحديات الخارجية، فتتعلَّق بمصالح وأطماع الدول الكبرى، وبعض الجهات الأخرى الفاعلة الموجودة في بلدان الشرق، وبقدرة الحكومة على تحمُّل نتائج الجو الديمقراطي والتعايش معه، ومعها قدرة المعارضة على إستيعاب واقع المجتمع من جهة، وواقع المنطقة من جهة أخرى، وتحديد أهم الإشكاليات المعيقة للتقدم، والقدرة الإعلامية والإقتصادية المستقلة للمعارضة، ومدى نجاحها في تأطير الشعوب حول برامجها، بالإضافة الى مدى تفاعل المجتمع مع طرح البدائل، ووعيه لمدى أهمية دوره في تطوير الواقع السياسي والإقتصادي في بلده، والمقدار الذي تتحلَّى به قيادات الجيوش وأجهزة الأمن في التضحية ، حيث يلزمها ذلك لزوم الحياد وإلتزام القانون والعمل على إنجاح التجربة، إنطلاقاً من مصلحة البلاد الكبرى، وقدرة المعارضة والحكومة على الوصول الى مفاهيم مشتركة للمواطنة والولاء والوطنية، وهناك نظرة الغرب لطبيعة القوى المشاركة في الحياة الديمقراطية، وتخوفاته الكبيرة من وصول الإسلاميين إلى الحكم عبرها، ونتائج الجهود الدولية في حسم الصراع العربي_الإسرائيلي، وإنعكاساته على القوى السياسية المشكِّلة للمجتمع، وإنعكاس الحياة الديمقراطية على الدول المجاورة لكلِّ دولة، وأثر ذلك في علاقات الشعوب والدول في كلِّ إقليم، وموقف الدول الغربية خصوصاً الولايات المتحدة، حيال حجم ونوع التطور الديمقراطي في أي بلد، وِفقاً لإنعكاساته السلبية والايجابية على مصالحها الخاصة.

إن النظر الى طبيعة التحوُّلات التي أصابت المجتمعات الإنسانية الأخرى، في حقبة تسعينات القرن الماضي، تشير بوضوح، الى قوة الدفع التي إمتلكتها شعوب كثيرة، للتحوُّل السريع والإنقلابي نحو النظام الديمقراطي، وبرغم إختلاف طبيعة ومعادلات التحوُّل العربي، عن أنماط  وتكوينات هذه المجتمعات، غير أنَّ ما شَهِده المشرق العربي خلال الفترة نفسها، قد فتح آفاقاً جديدة وإمكانات واسعة، لعملية تغيُّر ديمقراطي واسع، إلْتقطت عدد من الحكومات العربية رسائلها، وبدأت تُبدي نوعاً من التأقلم معها، للمحافظة على مصالح النُّخب الحاكمة، فيما يبدو أنَّ بقيتها، سعى للبحث عن وسائل أخرى للتعبير، تعتقد هي أنها الأكثر حماية لمصالحها وإمتيازاتها، التي ورثتها على مرِّ العقود الماضية، ولعلَّ التمعُّن بهذه الظواهر والتحوُّلات، يكشف أنَّ أبرز هذه الإمكانات، يستند الى العمق التراثي لمفاهيم وقيم الشورى في جوابنها الدينية والإجتماعية، والى إرتباط النُّظم غير الديمقراطية بمفهوم الإستعمار والتخلُّف، وتزايد عزلتها محلياً ودولياً، وتزايد حجم وإتساع ثورة المعلومات والإتصالات، والإتجاه نحو العولمة، ما جعل فرص الإنغلاق شبه معدومة، كذلك الى إتساع دائرة المطالبة بالمشاركة بالقرار السياسي، عبر العملية الديمقراطية، ما جعل التوجُّه الديمقراطي، نوعاً من الإجراء الوقائي لحماية مصالح النظام وإطالة عمره، وتزايد نفوذ الحركات الإسلامية بتلاوينها المختلفة، ما يجعل الإنفتاح والديمقراطية إطاراً أوسع وأكثر نجاحاً، في إحتواء التوجُّهات المتطرِّفة، التي قد تتسلَّل الى هذه الحركات، وأخيراً الضغط الغربي على الدول العربية، لتطبيق شكل ما من أشكال النظم الديمقراطية، ولو على سبيل المحاكاة، بغض النظر عن جدية هذه التوجُّهات أو أهدافها.

أنموذج لملامح النظام الديمقراطي في الشرق الأوسط

إن الديمقراطية السياسية التي يجب السعي لبنائها وتطويرها وآلية التحول إليها، هي ذلك النظام والقدرة التي توفّر الفرص الكاملة لكلِّ أفراد المجتمع، بغضِّ النظر عن توجّهاتهم السياسية والإجتماعية، ليقدِّموا خلاصة أفكارهم وإبداعاتهم، ويشاركوا في إدارة القرار في الدولة، ويقوّموا أعمال الحكومات ومؤسَّساتها، ويبحثوا عن كلِّ ما يطوِّر الأمة لإقراره، ولإزالة ما يُعيق تقدمها، فمثل هذه التوجُّهات، يجب أن تعمل على توحيد الشعوب والأمم لا أن تفرِّقها، وليس إستبدال دكتاتورية الحكومات بدكتاتورية القانون أو الفئات الإجتماعية أو الحزبية.

فعملية تطبيق الديمقراطية بشكلها السليم، وعلى قاعدة الحرية للجميع في تداول السلطة في الشرق الأوسط، تقلِّل من فرص اللُّجوء إلى العنف لتحقيق الأهداف السياسية، وهي قادرة على أن تحدُّ من تفشّي وإنفلاش أي ظواهر متطرِّفة، بالعمل على توجيه الطاقات نحو البناء والعطاء المستمر، وبذلك، يُعدُّ الإستبعاد والمنع الذي تقيِّده القوانين في بعض الدول إنما هو حرية إنتقائية، وتمييز غير إنساني بين أبناء الوطن الواحد، وإذا نظرنا إلى تجارب الآخرين للإستفادة منها في هذا المضمار، سيكون من خلال التجربة الأوروبية، التي إحتوت على كل الفئات الإجتماعية من اليسار إلى اليمين، ومن العلمانيين إلى المتدينين، ومن الأغنياء إلى الفقراء، فليس هناك فكر أو توجُّه أو إنسان، ليس من حقِّه العيش بحرية في بلده ووطنه وبين أهله، وكفالة هذه الحرية من قبل الدولة وفق قوانين غير تمييزية، هي السبيل نحو تنمية الحرية وسيادة مفاهيم تداول السلطة، وصهر الطاقات في برامج المجتمع والدولة، وتوحّد الإتجاه بين الحكومات والشعوب نحو التقدم والرقي والإزدهار، ولكي يكون لدى بلدان الشرق النظام الديمقراطي والأنموذج والخاص به، يتوجَّب قيامه على قواعد أساسية، تعتمد  تشريع إجراء الإنتخابات الحرة والعامة والنزيهة، على قاعدة التعددية السياسية، وحق تداول السلطة للجميع، وتشكيل الحكومات المنفتحة على الشعب ونوابه، بالخضوع للمساءلة الدائمة، مع إعتبار حقوق الإنسان العامة، خاصة فيما يتعلق بالحريات وحقوق المواطنة والمساواة، هي حقوقاً مقدسة يُعد الإعتداء عليها إعتداء على المجتمع كله، ووضع التشريعات والنظم اللازمة، لبناء قواعد وأسس المجتمع المدني المعاصر.

إن الخيار الديمقراطي اليوم في مجتمعات الشرق الأوسط، هو خيار واقعي من حيث الظروف والتطور التاريخي، وهو خيار واقعي من حيث إنسجامه مع قيم المجتمع وحضارة الأمة، مع التحوُّلات الإقليمية والدولية، كما أنَّ إمكانات تحقُّقه متعدِّدة وكبيرة، وللنجاح في هذه الواقعية بالخيار الديمقراطي، فإنَّ التوجه نحو تسريع عملية التحوُّل الديمقراطي، يجب أن تكون بحفظ طاقات وجهود الحكومات والقوى السياسية، والكف عن معارك إعلامية وسياسية داخلية وغيرها، فقد أصبحت الحرية‎ مطلباً عاماً لكلِّ الفئات الإجتماعية المشرقية ومكوِّناتها، ولذلك فإنَّ الحكومات مدعوة اليوم، إلى توسيع هامش الحريات السياسية، وتبنِّي برامج التحوُّل الديمقراطي، مع إعادة الوحدة الداخلية بين أبناء الشعب الواحد، على قاعدة تعزيز التلاحم للوطن والأمة على حد سواء، وتوسيع الصلاحيات اللامركزية في إدارة الحكم والتمنية، وإعتبار جميع الفئات والقوى السياسة في النهاية، جزء لا يتجزأ من هذا البناء الذي تتربَّع على قيادته.

هذا وتُعتبر أي عملية إستبعاد للفئات الأخرى المختلفة داخل مكونات الوطن الواحد أو الأمة، إنما هي قتل لطاقات خلاّقة من أبنائها وشعوبها، وخلق لإشكاليات إجتماعية، قد تؤسِّس لحال من عدم الإستقرار المطلوب، والذي يهزُّ البُنية الإقتصادية والإجتماعية، ويهدِّد الكيان السياسي والإجتماعي كله، كما أنه يُضعف من قدرة الدولة على مواجهة التحديات والأخطار الخارجية، ولعلَّ ما نعيشه اليوم، من واقع أليم إزاء الضعف الذي الظاهر من المواقف وفي العلاقات الدولية، لهوَ مؤشِّر على صحة هذا الإستدلال، فالدفع بعجلة التحوُّل الديمقراطي، سيجعل الإستقلال والتنمية والوحدة بين الشعوب، أساساً متيناً للتربية المدنية وتطويراً للفكر والحضارة، إذ لا بدَّ من الإنطلاق نحو أدوات مجتمعية جديدة، في بناء الحياة وإحداث التنمية المستدامة، ونشر السعادة والرّفاه في المجتمعات، والسَّعي لتحقيق الديمقراطية، على قواعد وأسس التراث والحضارة الخاصة لكلِّ الفئات والمكونات، وذلك بهدف تحقيق العدالة الإجتماعية والإستقلال والتكامل بين الشعوب والأمم في التنمية المستقلة، وتكريس الأمة الديمقراطية كمكون أساسي للنظام العالمي، وتطوير قدراتها على مواجهة التحديات والأخطار الخارجية الإستعمارية على الأرض، ومقدرات الدول والشعوب، فالمنطقة اليوم تقف على أبواب تحوُّل مهم وإستراتيجي نحو الديمقراطية، والسؤال الكبير يتعلق بطريقة تعامل أنظمة الحكم والقوى السياسية مع هذه المرحلة الجديدة، حول نجاح دول المنطقة في بناء النظام الديمقراطي، وقدرة الأجيال الجديدة في الحكم والمجتمعات على السير بها، كي لا تكون رياح التغيير السياسية غير المنضبطة، هي المدخل لتشكيل صورة وتاريخ قادم ومجهول.(3)

المشاكل التي تواجه تقبُّل الديمقراطية

الديمقراطية في العالم العربي ومنطقة الشرق أوسط، تواجه مشكلات كثيرة وكبيرة ومعقَّدة، والبعض يختصر تلك المشكلات في الناحية الإقتصادية والسياسية، في حين أنَّ المشكلات أعمق من هذا بكثير، ولعلَّ أبرزها، إرتباط صورة دول المشرق خصوصاً لفترة طويلة في نظرة المجتمعات الغربية، وإقتصارها على ثروات النفط ومشاكل الإرهاب والحروب أو سياحة الإستجمام، لكنّ تلك النظرة تغيَّرت تدريجياً بعد الربيع العربي، التي عصفت بالكثير من دول المنطقة، حيث جاءت موجة الإنتفاضات، لتتسبَّب في حدوث تصدُّع كبير في نظرة الغرب تجاه دول المنطقة، فقويت المخاوف والتساؤلات بشأن المخاطر التي تواجه هذه البلدان، التي باتت تتجاوز الأمور الدينية والسياسية، الى مشكلات ومخاطر أخرى أعمق، صار من الضرورة إحتواؤها، لخلق بيئة مناسبة تستطيع أن تفرز أجيالا قادرين على تقبُّل الديمقراطية.

فهناك عدد كبير من المؤلفات التي إهتمّت بالمشاكل التي تواجه الديمقراطية، خاصة المتعلِّقة بالدين والسياسة، لتعارضهما مع بعضهما البعض، ففي كتاب تحت عنوان “الديمقراطية في أميركا” لــ ألكسيس دي توكفيل (1805–1856)، وهو السياسي الفرنسي، والذي يُعد من أهم المراجع المؤسسية لعلاقة إيجابية ممكنة بين الدين والديمقراطية، من خلال تجربة الولايات المتحدة، بإعتبارها كانت بلداً متطوراً يمثّل تحدِّياً للمنظِّرين، أعطت أنموذجاً في العلاقة بين السياسة والدين لعملية بناء الديمقراطية، يختلف عن الأنموذج الفرنسي، كون الوقت الذي دخلت فيه الثورة الفرنسية في صراع عدائي مع الدين، كانت الثورة الأميركية (1776)، قد أنشأت توافقاً وتعايشاً بين الديمقراطية والدين.(4)

فقد عمل “أليكس دي توكفيل” بشكل كبير، لفصل المؤسسة الدينية عن الدولة، وهو الذي رأى الخطر الذي يحيط بالديمقراطية، بتغليبها السياسة على ما هو ديني، أو الديني على ما هو سياسي، ولذلك فإنّه تميَّز في كتابه، برؤية الإمكانيات العملية لتهدئة المشاعر الديمقراطية الجامحة بكلّ كفاءة، كما أنه رأى في الدين الإمكانيات النظرية، في إطار المجتمع الديمقراطي للقدرة على بلوغ مجال خارجي، وهو أمر مختلف عن الديمقراطية الطبيعية الصافية النقية، المنافية لطبيعة الإنسان المتديِّن المتخلص من كلّ إعتقاد عن المساواة ذاتها، والنتيجة أنّه لا يُشيِّد هذه الإمكانية العملية، إلاَّ من خلال إفراغ هذه النظرية منها، لكن تظلّ هناك حاجة دائمة إلى تطوير الفهم الديني، وقدرته على مواكبة وإستيعاب التحوُّلات الإجتماعية والحضارية التي تمرُّ بها الأمم.

وهنا لعل أبرز المشكلات التي تواجه الديمقراطية في العالم العربي والشرق الأوسط بالتحديد، هي ما يُسمَّى بتيارات الإسلام السياسي، والتي تظهَّرت بقوة بعد ثورات الربيع العربي، وتمثَّل خطر تلك التيارات، بعد وصول جزء منهم للسلطة كما حدث في مصر، ففي حين يرى عدد من الخبراء، أنَّ المخاطر التي تواجه الديمقراطية في المنطقة، ربَّما هي أكبر من الأمور الدينية والسياسية، بل ثقافية وإجتماعية وإقتصادية، والمشاكل التي تواجه الديمقراطية بمنطقة الشرق الأوسط، تعود بجذورها لأسباب كثيرة، وليست مقتصرة على الأمور الدينية أو السياسية فقط، ولا يمكن حصرها، حيث هناك أسباب ثقافية وإجتماعية وإقتصادية، تعوِّق مسار الديمقراطية بالشرق الأوسط، وهناك مسمَّى الإستثناء العربي كسردية مستدامة، الذي يعني أنَّ أقاليم العالم كلّه قابلة للتحوُّل الديمقراطي، ما عدا المنطقة العربية، وهذا يرجع لأسباب كثيرة، أولها القضايا السياسية، ولكن أعمقها وأكثرها تجذراً، الأسباب الإقتصادية والثقافية والمجتمعية، وأخيراً الدينية، ولكن البعض يختزلها في الأمور السياسية فقط.

كما أنَّ هناك دولٌ عربية، قامت بها ثورات مطالِبة بالديمقراطية، وبالفعل تحقَّق التغيير بشكل من الأشكال في نظام الحكم، ولكنها لم تصمُد، نظراً لغياب البُنية الثقافية التي تسمح بتقبل الديمقراطية وتجذُّرها، وأنَّ حلّ تلك المشكلات يكْمن في إصلاح شامل إقتصادي وإجتماعي وثقافي وسياسي وديني بشكل ممنهج، وفي وقت واحد، حيث المشكلة الكبرى التي تواجه الديمقراطية في الشرق الأوسط، كما يراها البعض، خاصة بالمنطقة العربية، هي دينية وليست سياسية، بسبب وجود عدد كبير من تيارات الإسلام السياسي بمنطقة الشرق الأوسط، وهذه التيارات تفرض نوعاً من المثالية السياسية، وهذه المثالية يصعب توافرها بشكل كامل حتى تتحقق الديمقراطية، ولكي تتوافر هذه الديمقراطية والمثالية، يجب أن تمرّ بحقبة تاريخية معينة ومختلفة، وآليات إقتصادية وإجتماعية معينة، وهو ما لا يتوافر في تيارات الإسلام السياسي، فتيارات وتنظيمات الإسلام السياسي، تريد أن تحكم من وُجهة نظر بعيدة كل البعد عن الحداثة والمعاصرة، إضافة إلى تبنِّيها وُجهات نظر متشددة، وهو ما يترتَّب عليه خلط في مفهوم الديمقراطية، بين صناع السياسة وبين التيارات التي لها خلفية دينية، وعليه فإنَّ الديمقراطية في الشرق الأوسط، يبدو أن لها شروطاً معينة، يجب أن تتوفر فيها، حتى لا يتم إجهاضها في مهدها، أبرزها علاج شامل لكافة المشكلات الإقتصادية التي يواجهها الشرق الأوسط، وليس دولة بعينها، فالبداية مدخل إقتصادي وليس دينياً أو سياسياً، لكي تتحقق بشكل كامل ومفهوم، وساعتئذٍ يستطيع صناع السياسة، وضع ركائز للديمقراطية بمنطقة الشرق الأوسط على أسس وقواعد سليمة.

موانع التحوّل نحو الديمُقراطية في الشرق الأوسط

الديمقراطية كناظم أساسي لأي صيغة حكم، هي عملية لها خصائص وسِمات، تبدو مشتركة في غالبية الأنظمة الديمقراطية حول العالم، وتمثِّل مجموعة من الضمانات والضوابط المسيِّرة لعملية الإنتخاب وكذلك في تداول السلطة، والتي تلتزم بها تلك النظم التي تصف نفسها بأنها ديمقراطية، وهي تتمثل في الإنتخابات الحرة والنزيهة، والمساواة السياسية، وتوفير ضمانات الحقوق السياسية والمدنية، ومبدأ سيادة الأمة، ومبدأ الشرعية ومبدأ الفصل بين السلطات، الذي يرتكز على وجود دستور يوصف بأنه ديمقراطي، يكون الركيزة الأساسية لنظام الحكم، ويخضع له الحكام والمحكومون على قدم المساواة، وإعتباره المرجعية العليا والفيصل بين المؤسسات في الدولة، ويعني الدستور بأنه مجموعة القواعد القانونية، التي يتحدَّد بها شكل الدولة، ونظامها السياسي، إنطلاقاً من فكرة عدم إستئثار جهة واحدة بالسلطة في يدها، وتقوم على التقسيم الوظيفي والعضوي للسلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، بحيث لا تستطيع أي من هذه السلطات القيام بوظائفها، دون رقابة السلطات الأخرى عليها، وهو أساس العلاقة بين هذه السلطات، فعملية التحول إلى الديمقراطية تشير في كثير من الأدبيات السياسية، إلى عملية الإنتقال من نظام غير ديمقراطي أو سلطوي، إلى نظام ديمقراطي، أي أنها عملية هدم للنظام القديم القائم على الإستبداد، مروراً ببناء المؤسسات الجديدة للنظام الجديد للدولة، ثم تأسيس وترسيخ النظام الديمقراطي بالدولة.

هذا وتعاني دول الشرق الأوسط عموماً، العديد من المشكلات في عملية التحوُّل إلى الديمقراطية، من أبرزها كثرة الصراعات القومية، والقبلية، الطائفية وغيرها، والإنقسام السياسي، ودور المؤسسات العسكرية والدينية في بعض الدول، والمعارضة غير الفعالة والمفتقدة إلى الأرضية الشعبية، بالإضافة الى مشكلة التراجع الحاد في الديمقراطية، عبر تراكم معوقات تتعلَّق بالثقافة السياسية، وبموقع العالم العربي والشرق أوسطي الجيوبوليتيكي، وبالتدخل الأجنبي، إضافة الى النقص الحاد في الثقافة السياسية والمبادئ المرتبطة بها، ممَّا يؤدي إلى تدعيم الأنظمة السلطوية، في هذه المنطقة من العالم، بل وقد تنتشر بعض القيم المناهضة للديمقراطية في بعض المجتمعات.

ويشكل الصراع العربي الإسرائيلي، عنصر أساسي مع وجود البترول والموارد الطبيعية، وطرق النقل التي تربط بين آسيا وأوروبا، الأساس المانع أو المُعيق للتحوُّل الديمقراطي من وجهة نظر البعض، كذلك وجود مصادر الطاقة والنفط، وما ينتج عليه من تأثيرات إقتصادية، حيث أنَّ المنطقة تمتلك ما يقرب من 60% من إحتياطيات البترول العالمي، و40% من البترول المتداول عالمياً، بحسب تقرير أعدته مؤسسة راند للأبحاث، وبالتالي فإنَّ البترول يؤدي إلى تعزيز السلطوية من خلال، حالة الرفاه التي تتمتَّع بها الدول المصدرة للنفط، وتمتُّع شعوبها بمنتجات وخدمات عالية الجودة، دون الحاجة إلى رفع الضرائب، وبالتالي عدم حاجة الشعوب إلى إحداث التغيير، كما أنَّ الأهمية الإقتصادية لدول المشرق العربي، بسبب البترول والغاز ومصادر الطاقة، تجعل له أهمية إستراتيجية بالنسبة للقوى العالمية، وبالرغم من أنَّ الدول المتقدمة لا تدعم بشكل علني لممارسات الأنظمة القمعية، إلاَّ أنَّ كسب ولاء هذه الأنظمة، يحتل مكانة كبيرة لدى هذه الدول، خصوصاً الولايات المتحدة الأمريكية، وذلك لأنَّ حماية أمن إسرائيل القومي، تُعدُّ من أهم أولوياتها في المنطقة، وبالتالي فقد عزَّزت المساعدات الأجنبية والأمريكية، ورسَّخت لإستقرار وإستمرار الكثير من الأنظمة السلطوية في المنطقة.(5)

في حين يحكم دول منطقة الشرق الأوسط نوعين من الأنظمة، وهي الأنظمة الملكية الأسرية، والأنظمة المتمحورة حول شخص واحد، ففي الملكيات الأسرية، يكون الكثير من أفراد الأسرة الملكية ذوي مناصب مرموقة، ويتم إتخاذ القرارات فيها بالإجماع من قبل أفراد الأسرة المالكة، ويكون الملك مسؤولًا أمامها، ممَّا يحفِّز هذا النوع من الأنظمة، على العمل بشكل قد يكون أفضل من الديكتاتوريات ،أو الملكيات المطلقة، فمن غير المرجح أن يتصرف الملك أو العاهل بشكل منفرد، أما النوع الثاني، فهي الدكتاتوريات المستندة إلى حكم الفرد الواحد، التي تطوَّرت عن طريق مجلس عسكري، أو حكم الحزب الواحد المسيطر، ويعتمد على حاشية وأزلام ومحاسيب مقربة في التأييد، يحصلون على الإمتيازات الخاصة، ولكن إذا واجه هذا النوع من الأنظمة معارضة شعبية، فإنهم يلجؤون لإستخدام القوة المفرطة في مقاومتها، ولعل الأمثلة الأبرز، هما نظامي معمر القذافي وبشار الأسد ونظام العراق السابق والسودان، بعد دخولهم إلى حروب أهلية.

في الختام

إن عملية التحوُّل الديمقراطي، تُعد من أهم العمليات التي قد تشهدها الدولة، وذلك لأنَّ من شأنها أن تضع خارطة الطريق، الذي ستسير عليه في مرحلتها التالية، فإما إقامة نظام ديمقراطي جديد، أو العودة إلى نظام أكثر سلطوية من ذي قبل، فموضوع التحوُّل نحو الديمقراطية، يأتي غالباً على شكل ردِّ الفعل، ونتيجة للأزمة العميقة التي تعاني منها الأنظمة التسلُّطية، الفاقدة لأي مرونة وتكيُّف مع التغيُّرات الإجتماعية والسياسية والإقتصادية، فهذا التحوُّل يتأثَّر بعوامل داخلية وخارجية، تؤثر عليه بدرجة كبيرة، وهنا وَجَب معرفة أنَّ التحوُّل الديمقراطي لا يمثِّل، بالضرورة مساراً للإزدهار والحرية والحكم الرشيد، إذ أنّ الأمر يتوقَّف على جودة المؤسسات السياسية، التي تنتج عن المرحلة الإنتقالية، ومدى كفاءتها في معالجة المشاكل الموروثة والناتجة

في حين تواجه عملية التحوُّل الديمقراطي في بلدان الشرق الأوسط، الكثير من التحديات، ويرتبط معظمها بعدم وجود ثقافة أو وعْي سياسي حقيقي لدى جموع المواطنين، وكذلك عدم وجود رغبة لدى النُّخب الحاكمة في الكثير من هذه الدول،  بالسير نحو عملية ترسيخ الديمقراطية داخل النظام، هذا بالإضافة إلى الدعم الخارجي من بعض القوى الدولية، والذي أدَّى إلى ترسيخ أنظمة إستبدادية، وذلك مراعاة لمصالحها في المنطقة.

فُيلاحظ أنه ومن أجل إقامة نظام وآليات ديمُقراطية حقيقية في الشرق الأوسط، يستلزم الدفع نحو توسيع دائرة التوعية بالقضايا السياسية على المستوى المجتمعي، والدفع بمشاركة المجتمع المدني في هذه العملية، وتنشيط دور المعارضة بقوة ووعْي وطني، ودعم المبادئ الليبرالية كطريق نحو إقامة ديمقراطية حقيقية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المراجع:

1-التأويل الإصلاحي لمفاهيم النهضة الغربية : مفهوم الحرية أنموذجاً،دراسة نُشرت في مجلة المستقبل العربي العدد 476 في تشرين الأول/أكتوبر 2018.

2-عبدالله أوجالان،مانيفستو السلام والمجتمع الديمقراطي،صفحة 73

3-جواد الحمد، ورقة مقدمة لندوة “الديمقراطية والتربية في الكويت والوطن العربي”، جامعة الكويت/كلية التربية 27-29/11/1999 . الموقع الإلكتروني: http://mesc.com.jo/OurVision/1999/26.html

4-أحمد سالم،27 نوفمبر 2019،  خبير بمركز الأهرام للدراسات السياسية: أقاليم العالم كله قابلة للتحول الديمقراطي ما عدا المنطقة العربية:

https://www.majalla.com/node/78946/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AE%D8%A7%D8%B7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%8A-%D8%AA%D9%88%D8%A7%D8%AC%D9%87%D9%87%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%8A%D9%85%D9%82%D8%B1%D8%A7%D8%B7%D9%8A%D8%A9-%D8%A8%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D9%84%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A-%D8%AF%D9%8A%D9%86%D9%8A%D8%A9-%D8%A3%D9%85-%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%D8%A9%D8%9F

5-إسماعيل، إسراء أحمد، (2009)، تأثير التحول الديمقراطي على الاستقرار السياسي في الجزائر 1991- 2007، رسالة ماجيستير، جامعة القاهرة، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية. https://democraticac.de/?p=70094

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يمكنك أيضا قراءة هذه المواضيع!

الخريطة والمخيال .. صعود التفتيت وسلطة الرؤية

تحليل: هدير مسعد عطية ... الاستلهام المكاني والاستيعاب النصي للهوية وطبقات الانتماء تأتي عبر بعض العلامات البصرية، كالخريطة التي

Read More...

إيران: إيديولوجيا المواجهة والسيطرة في الشرق الأوسط

تحليل: رائد المصري/ أستاذ محاضر في الفكر السياسي والعلاقات الدولية توطئة بدأ الصراع الأمريكي_الإيراني منذ نجاح الثورة الإيرانية عام 1979، ومن

Read More...

الموقف التركي من الحرب الإيرانية

تحليل: د. عزة محمود ... مقدمة:في فضاء الشرق الأوسط؛ حيث تتشابك الجغرافيا مع التاريخ، وتتداخل المصالح مع الهُويات، تبرز

Read More...

أضف تعليق:

بريدك الإلكتروني لن يتم نشره

قائمة الموبايل