الجمهورية الديمقراطية: الطريق نحو بناء شرق أوسط ديمقراطي

دراسات :
- تم تحديثه في

تحليل: د. على ثابت صبري

ترتكز الأزمات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط في العقد الأخير ( سوريا ، السودان ، ليبيا، اليمن)، والتي تحولت من مجرد احتجاجات سلمية إلى حرب أهلية شاملة دمرت البنية التحتية، وشردت الملايين، مما أسهم فى شرعنة تدخلات خارجية متعددة. وفي ظل هذه التطورات، برزت دعوات متكررة لإقامة نموذج الجمهورية الديمقراطية، كخيار قد يكون قادراً على استيعاب التعددية الإثنية والدينية، ومن ثم، تحقيق الاستقرار المنشود والتنمية المستدامة، مما يُحافظ على شعوب ومجتمعات الشرق الأوسط، ويُمهد المنطقة لقيام حضارة ديمقراطية .

فلم تكن عملية إعادة تشكيل الشرق الأوسط بعد سايكس بيكو مجرد خطوط على الخريطة، بل كانت عملية جراحية في نسيج المجتمعات، زرعت بذور الصراع وغذّت نار الطائفية لتسهيل السيطرة على شعوب المنطقة عبر آليات الحداثة الرأسمالية . حيث نجح الفكر القومي فى تحويل التنوع إلى سلاح ضد الوحدة، وأصبح الاختلاف سببًا للتفكك بدلاً من أن يكون مصدر قوة. وخلق صراعات دائمة، فأصبحت الشعوب في مواجهة بعضها البعض، مما عزز الطائفية وأضعف الوحدة. أضف أيضاً، ارتباط مفهوم التنوع بالتفكك في أذهان الكثيرين، بينما الحقيقة أن التنوع في إطار الوحدة هو أساس الديمقراطية الحقيقية. لذا، فالتعددية الديمقراطية هي المسار الرئيس لبناء شرق أوسط  جديد يُشارك فيه كل المكونات دون استثناء أحد.

  لذا، تُمثل عملية الانتقال من الدولة القومية إلى الجمهورية الديمقراطية  تحولاً جذرياً نحو نظام يعتمد التعددية والمساواة. كما يطرح هذا التحول رؤية شمولية تتجاوز الخصوصيات الضيقة لتعالج أزمات المكونات السورية عبر دمقرطة الروابط الاجتماعية وتعزيز ثقافة السلام. ويكمن جوهر هذا التحول في تفكيك هيمنة الحداثة الرأسمالية، ومجابهة إرث طويل من التهميش والإقصاء. إن النجاح الحقيقي لهذا النموذج يتمحور حول قدرته على دمج المكونات المتعددة ضمن إطار سياسي واحد يحترم الخصوصية الثقافية لكل منها، مما يمهد الطريق لشرق أوسط ديموقراطي.

وتنبثق هذه الرؤية من مفهوم الجمهورية الديمقراطية فى فكر السيد عبدالله أوجلان، وما يقدمه من حلول جذرية لمشاكل المكونات المختلفة فى منطقة الشرق الأوسط ، ومنها المكونات السورية، لذا سوف نُفد جوهر مفهوم الجمهورية الديمقراطية ومدي انطباقه على الحالات آنفة الإشارة .

وثمة سؤالاً يطرح نفسه، وهو كيفية تمهيد أرضية تجذر فيها الفكر القومي الأحادي، وتمكنت منها آليات الحداثة الديمقراطية، لقيام تلك الجمهورية المنشودة؟ وهنا نجد ضرورة لإعادة صياغة ذهنية شعوب ومجتمعات الشرق الأوسط لقبول الديمقراطية أولاً ، ومن ثم التعددية والتشاركية والبناء.

الثورة الذهنية ضرورة مُلحة

تمثل الثورة الذهنية نقطة ارتكاز محورية لإعادة صياغة مصير شعوب الشرق الأوسط في القرن الحادي والعشرين، لا سيما بعد وقوعها تحت طائلة الحداثة الرأسمالية التي عملت بصورة منهجية على تغييب الوعي وتشويه إدراك الواقع؛ مما جعل المنطقة عرضة لمشاريع الهيمنة الكبرى.

تاريخياً، بدأت جذور هذه الأزمة منذ قرابة أربعة قرون، حين توغلت قيم الحداثة الغربية لتحل محل حضارات شعوب ومجتمعات الشرق الأوسط ، مستبدلةً المجتمعية التشاركية التي مثلت تاريخياً حجر الزاوية لبناء الحضارة في المنطقة بنزعة ذاتية أنانية. وقد أدى هذا التحول البنيوي إلى تفكيك التماسك الاجتماعي، وصولاً إلى اللحظة الفارقة في عام 1916 مع اتفاقية سايكس-بيكو، التي فرضت نموذج الدولة القومية القسري دون اعتبار للخصوصيات التاريخية.

إن هذا الدمج المشوه، الذي يتجسد بوضوح في الأزمتين الراهنتين السورية والتركية، لم يكتفِ بإشعال الصراعات العرقية والإثنية والدينية، بل خلق أزمات وجودية داخل الدول الناشئة. ومن هنا، تبرز الضرورة القصوى لإحياء الثورة الذهنية كأداة لاستعادة الحقيقة التاريخية، وإعادة ضبط بوصلة المجتمعات نحو مسارها الطبيعي القائم على التعددية والتشارك، بعيداً عن أطر التجزئة والتبعية.

إن كل ما يدور الآن ومن قبل على أراضي الشرق الأوسط، والصورة السلبية التي صدرتها الحداثة الرأسمالية عن مجتمعات وشعوب الشرق الأوسط ،عبر أدوات الحداثة الرأسمالية (الكتابة، الصحافة، الإعلام، الرياضة، الثقافة،…إلخ)، التي ضربت أواصر الأسرة في مقتل، ثم اتجه نحو الفرد، وبدأت في تغيير احتياجاته، متطلباته، سلوكه، إنسانيته…إلخ، عزز الفردية الأنانية على حساب المجتمعية، ودار الجميع في فلك يصعب الخروج منه إلا من خلال طريق واحد وهو الوعي. ولعل الثورة الذهنية هي المسئولة الوحيد عن عودة الوعي مرة أخري وبناء إنسان مفيد لوطنه ومجتمعه، لذا، لابد أن نأخذ أفكار المناضل والفيلسوف الكردي عبدالله أوجلان على محمل الجد، نظراً لواقعيتها وصدقها، ومن الضروري أيضاً طرح مشروعه الفكري          ( مانيفستو الحضارة خمسة أجزاء) على العقل الجمعي الشرق أوسطي لإعادة تقييم الحالة التي وصلنا إليها، ومن ثم، وضع الحلول الناجزة والسريعة لفك الأزمة الشديدة التي تضرب شعوب ومجتمعات الشرق الأوسط وهى ( تغييب الوعي) حتى يُمكننا مواجهة المشاريع الاستعمارية التي تُريد إعادة خريطة الشرق الأوسط بشكل أصعب بكثير من الخريطة الموضوعة في أعقاب اتفاق سايكس بيكو.

الجمهورية الديمقراطية فى فكر عبدالله أوجلان

قدم أوجلان رؤية شاملة للتحولات السياسية الديمقراطية فى الشرق الأوسط، حيث يكمن جوهر فلسفته فى تحرير الفرد فى منطقة الشرق الأوسط من براثن الحداثة الرأسمالية، وتأثيراتها الكبيرة على تعزيز ثقافة القطيع المطيع، واستغلال المنطقة لحماً وعظماً. لذا، يمثل مفهوم “الجمهورية الديمقراطية” في فكر عبد الله أوجلان ذروة مراجعاته الفكرية. لم يعد أوجلان يرى في “الدولة الكردية المستقلة” حلاً للقضية الكردية، بل اعتبر أن المشكلة تكمن في بنية “الدولة القومية” المركزية التي قامت في الشرق الأوسط عقب اتفاقية سايكس بيكو. يطرح أوجلان الجمهورية الديمقراطية كإطار سياسي وقانوني يضمن وحدة البلاد على سبيل المثال في (سوريا وتركيا) مع منح المجتمع حق الإدارة الذاتية عبر جناحين متكاملين: السياسة الديمقراطية والمجتمع الديمقراطي.

ركائز الجمهورية الديمقراطية

 1. الأمة الديمقراطية ركيزة أساسية لبناء الجمهورية الديمقراطية هي الطموح الأكبر لبناء نظام اجتماعي وسياسي يقوم على التعددية الثقافية واللغوية والدينية، والمساواة بين جميع المكونات. كما تجلى بوضوح أن فكر الأمة الديمقراطية يمثل الحل الجذري لشعوب المنطقة التاريخية، ويتجاوز تأثيره ليشمل القضايا العالقة في مختلف أنحاء العالم. عندما قدم أوجلان نموذج الأمة الديمقراطية، كان هدفه هو معالجة جميع التحديات والمشكلات التي تواجه المجتمعات، وليس مجتمعًا واحدًا فحسب. من خلال ذهنية الأمة الديمقراطية، حيث يتم دمقرطة العلاقات الاجتماعية بين الهويات المتنوعة، مُعززة بروح الوفاق والسلام والتسامح. يسعى هذا المشروع إلى إصلاح المجتمع بوعي عميق، وإعادة المنطقة إلى عصرها الذهبي الذي يتسم بالتعايش السلمى والبناء الحضاري. لذا، تُعد فلسفة الأمة الديمقراطية حجر الزاوية في مشروع الجمهورية الديمقراطية، وتعزيز ثقافة السلام فى الشرق الأوسط، ويتجاوز تأثيره ليشمل كافة المجتمعات التي تُعاني من الأحادية بكافة أشكالها. إن هذا النموذج يفتح آفاقًا جديدة للتفاهم والتعاون، مما يعزز قيم العدالة والمساواة لدي شعوب ومجتمعات الشرق الأوسط.

إن الهدف الأساسي لفكر الجمهورية الديمقراطية هو تحرير الشعوب من قبضة الحداثة الرأسمالية وأساليبها، لتمكينها من مواجهة التحديات في صراع وجودي بامتياز، يُعيد الأمور إلى نصابها. لقد عانت منطقة الشرق الأوسط كثيرًا من لصوص التاريخ والحضارة، لذا، يأتي مشروع إحلال الأمة الديمقراطية محل الدولة القومية كجهد فعال لمحاربة الإقصاء والتهميش. فإن الدولة التي تضم مكونات متعددة وتستطيع دمجها ضمن إطار ديمقراطي، مع الحفاظ على تاريخ وثقافة كل منها، هي حقًا أمة ديمقراطية. هذا الإطار يُمهد الطريق لبناء حضارة ديمقراطية متكاملة.

2.الكونفدرالية الديمقراطيةطرح أوجلان نظام الكونفدرالية الديمقراطية كنموذج للحكم الذاتي للمجتمعات المختلفة، حيث تمتع كل جماعة بحقوقها الثقافية والسياسية، وتشارك فى إدارة شؤونها. والأطروحات الأوجلانية فى تطوير مستمر، لذلك يري أن دمج المكونات المختلفة للدولة تحت غطاء ديمقراطي يتيح المشاركة والتمثيل لكل المكونات، بل أكثر من هذا، الاعتراف بالآخر وتاريخه وثقافته ولغته وهويته. فى كلمة، إن الكونفدرالية الديمقراطية هو نظام مؤلف من المجالس الإدارية المنتخبة من قبل الشعب، وهي التى تمكن المجتمعات المحلية من إدارة مواردها الخاصة، ومن ناحية أخري تقيم علاقات مع المجتمعات الأخرى عبر شبكة المجالس الكونفدرالية.

وتمثل الكونفدرالية الديمقراطية نموذج سياسي واجتماعي يسعى لبناء “أمة ديمقراطية” تتجاوز قيود الدولة القومية والمركزية السلطوية، حيث تقوم على الإدارة الذاتية للمجتمع عبر نظام الكومينات والمجالس الشعبية من القاعدة إلى القمة. يرتكز هذا المشروع على تلازم ثلاثي بين الديمقراطية الراديكالية، وحرية المرأة (الجنولوجيا)، والحياة الإيكولوجية، معتبراً أن تحرر المجتمع يبدأ من استعادة التوازن مع الطبيعة وتحطيم الهيمنة الذكورية. ويهدف هذا النموذج إلى خلق اتحاد طوعي بين الشعوب يضمن التعددية الثقافية والعدالة الاقتصادية عبر نظام تعاوني، مما يحول المجتمعات من كيانات خاضعة للدولة إلى قوى فاعلة تدير شؤونها بنفسها وتضمن حمايتها الذاتية.

كما يكمن الفرق الجوهري في مصدر السلطة وآلية ممارستها؛ فبينما يعتمد النظام البرلماني التقليدي على “الديمقراطية التمثيلية” حيث يفوض الشعب سلطته لنخبة سياسية (برلمان) تحكم من الأعلى لأسفل تحت سقف الدولة، تقوم الكونفدرالية الديمقراطية على “الديمقراطية المباشرة”. في نموذج أوجلان، تظل القوة في يد الكومينات المحلية (الأحياء والقرى)، وتقتصر وظيفة التنسيقيات العليا على تنفيذ إرادة هذه القواعد، مما يمنع نشوء طبقة سياسية منفصلة عن المجتمع أو احتكار الدولة لموارد القوة والعنف.

وتُمثل الكومينات في فلسفة أوجلان الخلية الحيوية التي تعيد النبض لجسد المجتمع بعيداً عن أجهزة الدولة البيروقراطية، فهي ليست مجرد وحدات إدارية محلية، بل هي الفضاء الأخلاقي والسياسي الذي تتحقق فيه الديمقراطية المباشرة بأبهى صورها. تنبثق الكومين من روح التشارك والجوار في القرية أو الحي، لتتحول إلى سلطة قرار سيادية تدير كافة جوانب الحياة عبر لجان متخصصة (دفاعية، اقتصادية، وبيئية)، مما يكسر احتكار السلطة ويمنع تحول السياسة إلى مهنة للنخبة. إنها المختبر العملي لترسيخ الأمة الديمقراطية، حيث يمتلك الفرد داخلها صوتاً فاعلاً وقدرة على المحاسبة والتشريع، وتبرز داخلها استقلالية المرأة كقوة ريادية تضمن عدم ارتداد المجتمع نحو الهيمنة الذكورية، لتشكل الكومينات بمجموعها شبكة كونفدرالية صلبة تستمد شرعيتها من القاعدة الجماهيرية، وتجعل من المجتمع كائناً حياً، سيداً على نفسه، ومتحرراً من قيود المركزية الخانقة.

3.المرأة ركيزة الحياة الإنسانيةعانت المرأة على مدار فترات تاريخية كبيرة من استغلالها واستنزفها واستعبدها، بعد طغيان ذكورية المجتمعات، أضف أيضاً، جعلها سلعة تباع وتشتري فى ظل الحداثة الرأسمالية. لذا، فإن تحرير المرأة هو أساس بناء مجتمع ديمقراطي، فهو يربط بين قضايا المرأة وقضايا المجتمع ككل، وكذلك إعادة النظر فى كل القيم الثقافية والاجتماعية التى تعيق تقدم المرأة، فأسس علم مختص بالمرأة ( الجنولوجيا)، فالمشاركة الفاعلة للمرأة والاضطلاع بدورها الرئيسي والتاريخي هي ركيزة الحياة الإنسانية وبناء المجتمعات الديمقراطية، رؤية أوجلان للمرأة نابعة دورها التاريخي فى تأسيس الإنسانية بالأساس.

 (Jineolojî)الجنولوجيا  هي علم المرأة والحياة ، وهي مصطلح مشتق من الكلمة الكردية “Jin” التي تعني “امرأة” و”Jiyan” التي تعني “حياة”. يطرح أوجلان هذا العلم كبديل للعلوم الاجتماعية التقليدية التي يرى أنها صيغت بعقلية ذكورية سلطوية همشت دور المرأة. 

تتلخص الركائز الأساسية لهذا العلم في النقاط التالية:

  • علم حرية المرأة: يهدف إلى إعادة كتابة التاريخ من وجهة نظر النساء وتفكيك الهياكل الأبوية التي استبعدتهن لآلاف السنين.
  • المرأة كجوهر للمجتمع: ينطلق من مبدأ أن “المجتمع لا يمكن أن يكون حراً ما لم تكن المرأة حرة”، معتبراً أن استعباد المرأة كان أول أشكال الاستغلال في التاريخ وبداية لنشوء الأنظمة الهيراركية (التراتبية(.
  • تصحيح العلوم الاجتماعية: يسعى لدمج “الذكاء العاطفي” مع “الذكاء العقلي” في البحث العلمي، رافضاً تحويل المرأة والمجتمع إلى مجرد موضوعات للدراسة الجامدة.
  • ثورة الذهنية: لا يكتفي بالمطالبة بحقوق قانونية، بل يركز على تغيير “ذهنية الرجل” والمجتمع، وتحقيق “الطلاق التام” من ثقافة الهيمنة الذكورية.
  • التطبيق العملي: يُدرّس هذا العلم في أكاديميات خاصة (أكاديميات الجنولوجيا) ويُطبق كركيزة أساسية في بناء نظام “الكونفدرالية الديمقراطية”. 

لذا، يُعتبر هذا العلم “درة تاج” فلسفة أوجلان، حيث يربط بين تحرر المرأة، وحماية البيئة (الإيكولوجيا)، والديمقراطية المباشرة للوصول إلى مجتمع أخلاقي وسياسي. 

4.الحياة الإيكولوجية (إعادة صياغة علاقة الإنسان بالبيئة : (تحتل البيئة موقعاً مهماً فى مشروع أوجلان للسلام فى الشرق الأوسط، التى تم استنزاف مواردها عبر نظرية الربح الأعظم ، وشوهت صورتها الطبيعية، وأهدرت حقوق الأجيال القادمة. لذا، يري أوجلان ضرورة تحقيق التوزان البيئي هو عنصر أساسي فى تحقيق السلام، وأن استغلال الطبيعة يكون بشكل عادل ومستدام، فى كلمة إعادة هيكلة علاقة الإنسان مع البيئة، ومواجهة نظرية الربح الأعظم.

ويرى أوجلان، إن نموذج التمدن الرأسمالي بشقيه الدولتي والخاص، جنباً إلى جنب مع الحضارات الهرمية القديمة، يقوم على الهياكل السرطانية المشوهة داخل ثالوث “التمدّن والطبقة والدولة”، بحيث يدفعنا نحو حافة “قتل المجتمع” ويرسخ أزمة البيئة إلى أقصى الحدود من خلال التهام مناظر الطبيعة الزراعية.

أبرز ركائز الفكر الإيكولوجي عند أوجلان:

  • الإيكولوجيا الاجتماعية: يربط أوجلان بين تدمير الطبيعة وتدمير المجتمع، مشيراً إلى أن الحل يكمن في تحرير المجتمع من السلطة الهرمية والدولة القومية، التي تعتبر أسباباً رئيسية لأزمة البيئة.
  • العودة للمجتمع الطبيعي: يرى ضرورة العودة إلى قيم العصر “النيوليتي” (الزراعي) حيث كانت الحياة تشاركية وتتعايش بانسجام مع الطبيعة.
  • حرية المرأة والبيئة: يربط أوجلان تحرير المرأة بتحرير الطبيعة، معتبراً أن “الذهنية الذكورية” هي التي سوّقت للبيئة كسلعة للربح، وأن المرأة هي الرائدة في العودة للمجتمع الطبيعي.
  • مواجهة الحداثة الرأسمالية: يعتبر أن النموذج العمراني الرأسمالي يقوم على “هياكل سرطانية” تدمر الطبيعة، ويدعو لإيجاد توازن بيئي من خلال المجتمعات الديمقراطية.
  • الأمة الديمقراطية والتوازن البيئي: يطرح “الأمة الديمقراطية” كإطار للتعايش بين كافة المكونات، معتبراً الإيكولوجيا جزءاً لا يتجزأ من الدفاع الذاتي للشعوب

عند هذا الحد تصبح السياسة الديمقراطية هي ركيزة أساسية فى بناء الجمهورية الديمقراطية، وبتطبيقها يتحول مجتمع الدولة القومية إلى مجتمع ديمقراطي، ويتكامل جناحي الجمهورية الديمقراطية ( السياسة الديمقراطية – المجتمع الديمقراطي).

أضف أيضاً، ارتكاز مشروع الجمهورية الديمقراطية على مبدأ التخلي عن فلسفة ‘الأمة الواحدة، اللغة الواحدة، الدولة الواحدة ، لصالح صيغة قانونية ودستورية تعترف بوجود كافة المكونات الإثنية والدينية. فيرى أوجلان أن الحل الديمقراطي لا يتطلب بالضرورة تغيير الحدود، بل تغيير ذهنية الحكم؛ بحيث تصبح الدولة إطاراً تنسيقياً يخدم المجتمع، بينما تحتفظ القوى المحلية والاجتماعية بحقها في الإدارة الذاتية والتعبير الثقافي.”

رغم أن مشروع أوجلان يُعد محاولة فكرية جرئية تصدم واقع وذهنية تمكنت منها الحداثة الرأسمالية وأدواتها، وتقدم بديل لانسداد الأفق في الشرق الأوسط، لكن تظل الخطوات على الأرض هي الفيصل، فنجاح المشروع عملياً يحتاج ثورة ذهنية . تمهد الأرضية لـ نجاح “الجمهورية الديمقراطية” .

التطبيق في سوريا (نحو الجمهورية السورية الديمقراطية)

رغم أن الحكومة المؤقتة في دمشق فشلت في إدارة حوار ديمقراطي يجمع كل المكونات السورية، بل أكثر من هذا، ارتكبت جرائم بحق الدروز والعلويين والكرد ، إلا أنها أمام فرصة ذهبية  بعد اتفاق 29 يناير 2026 بين الحكومة السورية المؤقتة وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، والمتمركز حول إنهاء النزاع المسلح ، ودمج الهياكل العسكرية والإدارية الكردية ضمن مؤسسات الدولة السورية ، والاستفادة من نموذج الإدارة الذاتية في بناء سوريا الديمقراطية ، ومعالجة الآثار التى طالت كل المكونات السورية بدرجات متفاوتة، ورفع شعار سوريا للجميع وبالجميع . نموذج الإدارة الذاتية في احتواء كل المكونات وممارسة المجتمع دوره في بناء الأمة، عبر تشاركية الكومينات، فقد طبق هذا النموذج في مناطق متنوعة عرقياً (كرد، عرب، سريان). ونجح في خلق حالة من الاستقرار والتعايش والمسؤولية المجتمعية، لكنه واجه تحدي “الاعتراف الدستوري” من قبل حكومة  دمشق المؤقتة بدلاً من الاستفادة به.

ومع التحولات الفكرية المرنة لأوجلان ودعم الاندماج الديمقراطي والتحول نحو الجمهورية الديمقراطية ، وفق  رسائل أوجلان الأخيرة في الذكري الأولي لـ ” السلام والمجتمع الديمقراطي التى وجهها من معزله العام الماضي، والتي جاء فيها ” إن دعوتنا في 27 فبراير 2025 (السلام والمجتمع الديمقراطي)، هي أن السلاح سيفقد معناه حيثما تتحقق السياسة الديمقراطية” وهي إعلان صريح عن الانحياز لخيار السياسة، وأضاف ” القوة والقدرة على التفاوض للانتقال من سياسة العنف والتجزئة إلى السياسة الديمقراطية والاندماج”، سينعكس هذا النداء على عملية التفاوض الديمقراطي، وهو ما جسدته الإدارة الذاتية منذ اتفاق يناير عبر تقديم “خارطة طريق” لدمشق تتضمن دمج قوات “قسد” في منظومة الدفاع الوطني السوري، مقابل اعتراف دستوري بـ “الإدارات الذاتية” ضمن جمهورية سورية ديمقراطية موحدة، وهو ما يمثل تطبيقاً لفكرة “العيش المشترك مع الدولة دون الانصهار فيها”.، يستطيع هذا النموذج احتواء كل المكونات السورية واحترام خصوصية كل منها، لذلك من الممكن طرحه للمناقشة بين المكونات والوصول لسوريا ديمقراطية غير محملة بآثار الثأر والنزاع العشائري والطائفي.

التطبيق في تركيا (إعادة بناء الجمهورية التركية)

عانت الجمهورية التركية الحديثة في بنيويتها منذ التأسيس الأحادي، ونكران جميل الكرد بالحفاظ على الأناضول ، وفق شعارات الأخوة الصادقة، والتي انخدع بها الكرد ولم تطفئ نارهم. ولكن ما فعله أوجلان ورفاقه منذ إحياء القضية الكردية واستمراريتها ووجودها الآن على طاولة المفاوضات، عبر تحولاته ومرونته في التفاوض الديمقراطي ، والاصرار على نجاح عملية السلام والمجتمع الديمقراطي في مواجهة صادمة مع  القومية الطورانية المتطرفة. ويطرح بديلاً يتمثل فى “الجمهورية الديمقراطية”  وهو ما أكد عليه فى رسائله الأخيرة آنفة الإشارة. ودعا إلى تحويل “المشكلة الكردية” من قضية أمنية وعسكرية إلى قضية “حقوق دستورية” ويرى أن على الدولة التركية التخلي عن ذهنية “العدو الداخلي” وقبول الكرد كشركاء في بناء “جمهورية ديمقراطية” تتسع للجميع. هذا التحول يتطلب تغيير قانون الأحزاب وقانون الانتخابات ليسمح للمجتمع بالتنظيم الذاتي. لذلك السياسة الديمقراطية تبني مجتمعاً ديمقراطياً فى جمهورية ديمقراطية.

الجمهورية الديمقراطية كحل إقليمي

يرى أوجلان أن تحويل سوريا وتركيا إلى جمهوريات ديمقراطية سيؤدي بالضرورة إلى نوع من “الاتحاد الكونفدرالي الشرق أوسطي”. حدود الدول القائمة ستبقى، لكنها ستصبح “حدوداً رمزية” تسمح بتبادل ثقافي واقتصادي بين الشعوب المكون الكردي داخل جمهوريات ديمقراطية، لكن المجتمع الكردي متصل ثقافياً واجتماعياً وإنسانياً. وإعادة هيكلية وآليات التعامل مع كل المكونات وقبول الآخر هي مسار السلام والمجتمع الديمقراطي، ووقف نزيف الصراعات والحروب والاتجاه نحو البناء والتعايش السلمي في إطار جمهوريات ديمقراطية .

هنا تُمثل الجمهورية الديمقراطية في رؤية أوجلان (المشروع السياسي) الأكثر واقعية لإنهاء صراعات الشرق الأوسط، حيث يطرحها كبديل “للطريق المسدود” الذي خلفته الدولة القومية المركزية، مراهناً على الاندماج الديمقراطي للشعوب ضمن حدودها القائمة بدلاً من خيار التقسيم أو الانفصال. يرتكز هذا الحل الإقليمي على تحويل بنية الدولة من أداة للهيمنة العرقية أو الدينية إلى إطار قانوني مرن يضمن التعددية الهوياتية والإدارة الذاتية للمكونات، مما يتيح للعرب والكرد والترك والفرس وبقية شعوب المنطقة بناء “أمة ديمقراطية” توحدهم القيم السياسية والأخلاقية لا اللغة أو العرق. إنها دعوة لاستبدال لغة السلاح بـ الدبلوماسية المجتمعية، وربط هذه الجمهوريات بشبكة كونفدرالية إقليمية عابرة للحدود، تؤسس لاستقرار مستدام يحمي المنطقة من التدخلات الخارجية ويستعيد دورها الحضاري كمهد للتنوع والتآخي الإنساني.

التحديات

رغم عمق الرؤية، وإمكانية تطبيق مشروع نابع من الشرق الأوسط يضع يديه على جراحه ويحاول علاجها، تواجه الجمهورية الديمقراطية عوائق ضخمة، منها ذهنية السلطة حيث ترفض الأنظمة في أنقرة ودمشق التخلي على المركزية المطلقة، ولكن إذ نجحت عملية السلام والمجتمع الديمقراطي بإرادة شعوب المنطقة ، ستبدد ذهنية الطائفية والقوموية، أضف أيضاً، التطرف القومي والديني الذى يتغذى وينمو على الصراعات وتوسيع دائرة اللا ممكن حتى لا تتشكل الأمة الديمقراطية ، كذلك فإن القوي الدولية تفضل التعامل مع أنظمة تابعة بدلاً من مجتمعات ديمقراطية تدير المنطقة عبر آليات جديدة تبني وتحافظ على مقدراتها للأجيال القادمة.

ويواجه مشروع الجمهورية الديمقراطية تحديات بنيوية وجيوسياسية معقدة، تتركز أولاها في صلابة الذهنية المركزية للأنظمة الحاكمة التي تتوجس من اللامركزية وتعتبر التعددية الثقافية تهديداً لسيادة الدولة، مما يعيق التحول نحو ديمقراطية حقيقية. كما تمثل العزلة المفروضة على أوجلان عائقاً أمام ترجمة فلسفته إلى خارطة طريق سياسية ملموسة، تزامناً مع التوازنات الدولية التي تفضل استدامة النماذج الدولتية التقليدية لضمان مصالحها الرأسمالية. يُضاف إلى ذلك التحدي الميداني المتمثل في الضغوط العسكرية والاتفاقات الإقليمية التي تفرض تنازلات سياسية قاسية على نماذج الإدارة الذاتية، فضلاً عن الصعوبة البالغة في تفكيك الولاءات الطائفية والعرقية الضيقة لصالح هوية “الأمة الديمقراطية” الشاملة، مما يجعل المشروع في صراع مستمر بين طموح التحرر المجتمعي وواقع الموازنات السياسية الخانقة.

وختاماً، إن فكر أوجلان حول الجمهورية الديمقراطية هو محاولة لإنقاذ الدولة القومية (الحدود) من الانهيار عبر تلقيحها بالديمقراطية المجتمعية، عبر تمكين السياسة الديمقراطية وبناء مجتمع ديمقراطي. إن نجاح هذا المشروع في سوريا وتركيا يعني نهاية عصر الحروب الأهلية وبداية عصر “الشعوب الحرة”، التى تشاركت وأسهمت في بناء حضارات عظيمة ورائدة.

ويتمركز مشروع الجمهورية الديمقراطية حول ضرورة الانتقال من “الفلسفة النظرية” إلى “الواقعية السياسية”، حيث يبرز كخيار لا غنى عنه لتجاوز مآزق الحروب الأهلية والانسداد التاريخي في المنطقة. إن مستقبل هذا المشروع مرهون بقدرته على خلق توازن خلاق بين الإدارة الذاتية للمجتمع وبين سيادة الدول القائمة، من خلال تحويل الدساتير إلى عقود اجتماعية تضمن التنوع وتنهي زمن “الدولة القومية الأحادية”. ومع التغيرات الجيوسياسية المتسارعة، يتوقع أن يشكل هذا النموذج “المسار الثالث” الذي يجنب الشرق الأوسط صراعات القوى العظمى، شريطة توفر إرادة سياسية دولية لفك العزلة عن أوجلان وإفساح المجال لـ دبلوماسية الشعوب لتكون هي المحرك الأساسي لإعادة بناء المنطقة كفضاء ديمقراطي موحد، يرتكز على المواطنة البيئية والحرية الجوهرية للمرأة، لتصبح الجمهورية الديمقراطية بذلك ليست مجرد حلم ، بل ضرورة وجودية لاستعادة السلام المفقود.

المراجع والمصادر

1.عبد الله أوجلان،  “مانيفستو الحضارة الديمقراطية، (المجلد الثاني)، المدنية الرأسمالية، مركز القاهرة للدراسات الكردية ، 2017
2.عبدالله أوجلان،  “مانيفستو الحضارة الديمقراطية” (المجلد الخامس): القضية الكردية وحل الأمة الديمقراطية، مركز القاهرة للدراسات الكردية ، 2017.
3.عبدالله أوجلان ،” مانيفستو الحضارة الديمقراطية”، ( المجلد الثالث) سوسيولوجيا الحرية، مركز القاهرة للدراسات الكردية ، 2017.
4.عبدالله أوجلان، مرافعات إمرالي: من دولة الراهب السومرية نحو الحضارة الديمقراطية، 2016.
5.إسماعيل خالد إسماعيل،  الفلسفة البيئية من تيودور أدورنو إلى المفكر الأمميّ عبد الله أوجلان والمواضيع الإشكالية في قضية البيئة، الشرق الأوسط الديمقراطي ، مجلة فصلية، الجمعة 27 سبتمبر 2024
6.فريدة عمر، الجنولوجيا… جوهر علم اجتماع الحرية ونقلة نوعية نحو الشرق الأوسط والعالم، مجلة روناهي ، 21 أغسطس 2024.
7.القائد أوجلان: علينا تطبيق نموذج حكم ديمقراطي والاندماج وفقًا للمبادئ الشاملة ، https://jinhaagency.com، 18فبراير 2026.
8.العقد الاجتماعي لعام 2024: وثيقة الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا (النسخة النهائية).
9.تقرير منظمة “أزمات دولية” (International Crisis Group) – مارس 2025: أوجلان وعملية السلام في تركيا: آفاق جديدة.
10على ثابت صبري، الثورة الذهنية في الشرق الأوسط ( ثورة البقاء والمواجهة)، موقع المبادرة
11.على ثابت صبري : المشروع الأوجلاني نقطة ارتكاز في إعادة قراءة تاريخ الشرق الأوسط، مجلة الأمة الديمقراطية أغسطس 2024.
12.أحمد الشرع، “الأزمة السورية: أسباب وتداعيات”، مجلة Y الدراسات الشرق أوسطية، العدد 45، 2021، ص 23.
13.معهد كارنيجي للشرق الأوسط، “نحو جمهورية ديمقراطية في سوريا”، ورقة بحثية، 2022، ص 5.
14.مركز الجزيرة للدراسات، “سيناريوهات حل الأزمة السورية”، تقرير، 2022، ص 10.
15.روجر أوفردوب، “التدخلات الخارجية في سوريا”، مجلة Z العلاقات الدولية، العدد 50، 2021، ص 35.
16منظمة العفو الدولية، “سوريا: نحو مستقبل ديمقراطي”، تقرير، 2022، ص 20.

يمكنك أيضا قراءة هذه المواضيع!

الخريطة والمخيال .. صعود التفتيت وسلطة الرؤية

تحليل: هدير مسعد عطية ... الاستلهام المكاني والاستيعاب النصي للهوية وطبقات الانتماء تأتي عبر بعض العلامات البصرية، كالخريطة التي

Read More...

إيران: إيديولوجيا المواجهة والسيطرة في الشرق الأوسط

تحليل: رائد المصري/ أستاذ محاضر في الفكر السياسي والعلاقات الدولية توطئة بدأ الصراع الأمريكي_الإيراني منذ نجاح الثورة الإيرانية عام 1979، ومن

Read More...

الموقف التركي من الحرب الإيرانية

تحليل: د. عزة محمود ... مقدمة:في فضاء الشرق الأوسط؛ حيث تتشابك الجغرافيا مع التاريخ، وتتداخل المصالح مع الهُويات، تبرز

Read More...

أضف تعليق:

بريدك الإلكتروني لن يتم نشره

قائمة الموبايل