تحليل يكتبه دكتور/ حسني أحمد مصطفى
ثمة علاقة مترابطة بين كل من مصطلحات الوجود والزمان والوعي، تشكل ثالوثًا لا ينفك، فالوجود لا يُتصور بلا زمان والعكس، الزمان لا يُتصور بلا وجود، وعلى ذلك تتحقق علاقتهما بالنشوء، فسيرورة الوجود مرهونة بإمكان النشوء.
وتأخذ في هذا السياق النظم الإنسانية والقضايا الاجتماعية والبُنى معناها، حيث يشكل وجودها والوعي بها قضية محورية، وبإحالة النظر إلى الأمة الكردية وقضاياها، كما أشار الفيلسوف عبد الله اوجلان: ” ستغدو هذه المصطلحات الثلاثة تنويرية للغاية، فالعمل على تعريف الكرد وهم في حالة الوجود والنشوء والوعي، يُشكل أرضية الفهم الجذريّ للموضوع “-القضية الكردية.
بلا شك لقد عانت الأمة الكردية حوادث قمع وإنكار وإبادة في ظل مركزية النظم الرأسمالية الحداثية، هذه المعاناة من أجل ” إثبات وجودهم ” حيث ظلت القضية الكردية محل سجال للعديد من النظم الاقليمية والدولية، هذا الوجود لم يكن من فراغ، بل هو سيرورة نشوء لها أساس شهدت به الحقب الإنسانية المختلفة عبر تاريخ الكرد الطويل.
حيث تمت ممارسة آليات للقمع والصهر الذهني بواسطة قنوات أيديولوجية تستهدف الإنكار والتشتيت، وتعسفًا جسديًا يروم إلى التنكيل، وعليه شكَل المجتمع الكردي كيانًا اجتماعيًا انسانيًا في إطار مكونه الثقافي والمكاني بنظمه الأيكولوجية ونظمه الاجتماعية مورفولوجيا فريدة في سياقها الأشمل، ويشير المفكر عبد الله أوجلان: ” من هنا، فالكردايتية ظاهرة لا نظير لها على هذا الصعيد لكن، سيكون صحيحاً استخدام تعبير ” الشعب الفريد” أو ” الكيان الاجتماعي الفريد” بالنسبة للكرد؛ ليس على صعيد الإبادات التي تعرضوا لها وحسب، بل وبسبب جميع الممارسات الرامية إلى إخراجه من كونه وجوداً “.
التساؤل الذي يحاول الطرح التالي الإجابة عليه: كيف تشكّل المجتمع الكردي مورفولوجيًا عبر التاريخ؟، وهل يمثل مشروع أوجلان تحولًا بنيويًا حقيقيًا أم إعادة تأطير رمزية للبنى التقليدية؟
حيث ينطلق هذا السياق التحليلي من فرضية مؤداها أن المشروع الأوجلاني لا يطرح مجرد برنامج سياسي، بل يسعى إلى إعادة تشكيل البنية الاجتماعية ذاتها، من نموذج قرابي–عشائري إلى نموذج مجتمعي–شبكي لامركزي.
أولًا: المورفولوجيا الاجتماعية الكردية:
تستند الحياة الاجتماعية إلى أساس يتحدد في شكله كما في مقداره، وهو يتكون من مجموع الأفراد الذين يؤلفون المجتمع، والشكل الذي ينتظمون به على الأرض، وطبيعة وشكل العلاقات الجماعية من كل نوع، ولا تكمن المورفولوجيا الاجتماعية في علم مبسط من الملاحظات والوصف، بل يجب أن تكون تفسيرية متسائلة عن ماهية القوانين التطورية.
بالنظر الى النظم الاجتماعية في المجتمع الكردي وهياكلها وعلاقاتها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية بشكل عام نجد انها تخضع لتأثير مورفولوجي، مؤداه طبيعة الجغرافية الكردستانية، بمشمول مكوناتها البيئية، وتوزيعها الديموغرافي، وبنية المجتمع الجغرافية، وما تنبني عليها من انماط الاجتماع الانساني من قيم وأعراف وعادات وتقاليد بمختلف مكوناتها وفروعها بدوية كانت او حضرية، ذلك المجال العلمي – المورفولوجيا – يستهدف معرفة آثار هذه المورفولوجيا في المجتمع الكردي وتنظيماته المختلفة، ولكن قبلًا يجب تناول مصطلح المورفولوجيا الاجتماعية.
- المورفولوجيا الاجتماعية Morphologie Social :
تتكون كلمة المورفولوجيا الاجتماعية Morphologie Social من كلمة Morph التي تدل على البنية او الشكل أو الصيغة أو الصورة أو الهيئة أو الحالة، وكلمة (Logie/ Logos) التي تعني علم او دراسة أو لغة.
ومن ثم؛ تعني كلمة المورفولوجيا Morphologie العلم الذي يدرس بنية الكائنات الحية أو شكلها أو صورتها العضوية، ومن هنا؛ تعريفها الاصطلاحي هو العلم الذي يدرس شكل الكائنات الحية وتكوينها وصورها وأشكال أجسادها ومساحتها ونسب أعضائها وبنيتها الداخلية، وهذا كله من أجل التمييز بين السلالات والأجناس والأعراق والشعوب ضمن علم الأنثروبولوجيا.
أما المورفولوجيا الاجتماعية Morphologie Social فهو مصطلح يستخدم في الحقل العلمي المادي او العلوم الطبيعية اكثر مما يستعمل في حقل العلوم الانسانية، لذا تم نقله إلى حقل علم الاجتماع، من باب التجاوز ليس إلا، لدلالة على البنية والشكل والصورة الخارجية المادية.
ومن هنا تدرس المورفولوجيا الاجتماعية Morphologie Social بنية المجتمع أو شكله أو هيئته أو حالته البنيوية أو الشكلية، كدراسة توزيع السكان فوق الأرض، ووصف الظروف المكانية والجغرافية التي ترتبط بها الساكنة الديموغرافية، وبالتالي فالمورفولوجيا الاجتماعية هي مجمل الظروف المادية الأساسية التي تنبني عليها الحياة الاجتماعية، وهي التي تتحكم في قيم المجتمع وتصرفاته وأفعاله.
بذلك يتضح أن مصطلح المورفولوجيا Morphologie مستعار من حقل العلوم المادية الفيزيائية الى حقل علم الاجتماع، كما أنه – المورفولوجيا الاجتماعية Morphologie Social – يدرس البنى البدوية والبنى الحضرية، وكيفية انقسام الإقليم أو الدولة إلى مجموعة من البوادي والمدن الحضرية والهدف من ذلك كله معرفة آثار هذه المورفولوجيا في المجتمع وتنظيماته المتنوعة والمختلفة.
ويعد ابن خلدون المؤسس الفعلي والحقيق للمورفولوجيا الاجتماعية، وخاصة عندما تحدث عن المورفولوجيا البدوية والحضرية من جهة اولى، والجغرافيا البشرية والمناخ من جهة ثانية، والساكنة الديموغرافية من جهة ثالثة.
أما أول من ابتكر مصطلح المورفولوجيا هوGoethe سنة 1822 وقد اقتبسه من أصله اليوناني Morphe الذي يعني الشكل، ويقصد بها دراسة الاشكال في المجال الاجتماعي، ولقد استعمله اميل دوركايم وموريس هالبوك في دراستهم للجوانب الحضرية، حيث يرى دوركايم ان التمثيلات الجماعية ليست كالتمثيلات الفردية، فهي الجماعية تتميز بتعقيد شديد يتعذر الوصول اليه عبر التحليل السيكولوجي الداخلي، وذلك لارتباطها بضروريات خارجية، فالحياة السكولوجية ليست ذات طبيعة فردية فقط، إنما ايضًا لها خلفيات اجتماعية حيث يشترك الفرد فيها مع الآخرين في بعض الافكار والعواطف والاذواق، لكن في ذات الوقت يعد المجتمع من نتاج الفعل السيكولوجي الذي لا يتواجد إلا من خلال الفرد، ولكن يتجاوزهم وذلك حتى يستطيع جمعهم.
2- أهمية المورفولوجيا الاجتماعية:
تساعد المورفولوجيا الاجتماعية على فهم مجموعة من القضايا والظواهر الاجتماعية المتعلقة بالإقليم او المساحة او السكان أو الجنس أو النمو الديموغرافي او البيئة الجغرافية والمناخية، وتبين موقع التجمع البشري أو السكاني، وفهم الهجرة الداخلية والخارجية، على اساس هذه المعطيات المورفولوجية تسعفنا في تفسير الظواهر المجتمعية وفهمها وتأويلها، لن هذه المعطيات ذات اساس مادي، علاوة على ذلك تساعدنا المورفولوجيا الاجتماعية على فهم القرية او المدينة ورصد مختلف الظواهر الاجتماعية التي تنتشر فيما بنية ودلالة ووظيفة، كما تقوم المورفولوجيا الاجتماعية بدور هام في الحياة الاجتماعية، وخاصة في تفسير الظواهر الاخرى، لأن البيئة الجغرافية أو السكانية أو المادية تمارس تأثيرا واضحًا في المجتمع، وما يلحق ذلك من تغييرات جزئية أو كلية، مع دراسة مختلف العلاقات المرتبطة بالإنسان في علاقة محيطه الاجتماعي.
3– مقومات المورفولوجيا الاجتماعية:
تستند المورفولوجيا الاجتماعية الى مجموعة من الركائز والمقومات الاساسية، على سبيل المثال:
- الارض التي يمتد فوقها السكان عددا وحجما واتساعا، وقد تكون تلك الارض التي ينتظم فوقها السكان قارات، وبلدان، ومدنا، وأريافا، ومناطق، وأحياء، وأزقة، وشوارع.. ويعني هذا انه من المستحيل الحديث عن السكان بدون الحديث عن الأرض أو الإقليم أو الرقعة الجغرافية أو مكان الامتداد والتواجد والسيادة.
- البنية السكانية من حيث عدد الأفراد.
- مورفولوجيا المدن واكتظاظها بفعل الهجرة من البوادي نحو الحواضر المتمدنة أو المكتظة.
- حركات الهجرة الداخلية والخارجية في علاقتها بالنمو الديموغرافي.
- دراسة البيئة الجغرافية والمناخية التي يمتد فيها السكان.
ثالثًا: المورفولوجيا التقليدية للمجتمع الكردي:
يتناول السياق التالي تحليل المورفولوجيا التقليدية للمجتمع الكردي في ضوء المكون الاجتماعي العشيرة، والبيئي الجغرافيا الجبلية، كما نتناول الاقتصادي التقليدي، والمكون الثقافي فيما يرتبط بالتعدد الإثني والتنوع الديني في المجتمع الكردي.
- العشيرة كوحدة تنظيم أساسية:
تعد القبيلة والعشيرة بنية اجتماعية أولية، والتي نظرت إليها الحداثة الرأسمالية الليبرالية على أنها بقايا اجتماعية متخلفة، طبقًا لرؤية اوجلان: ” من الخطأ النظر إلى العشيرة على أنها ظاهرة اجتماعية خارجة عن العصر أو عفا عليها الزمن، ذلك أنّ العشيرة شكل أساسي للبشرية، ولن يحصل تخطّيها في أيّ وقت من الأوقات، قد تتغيرُ شكلاً ومضموناً، ولكن، من غير الممكن إقصاؤُها كلياً من الظاهرة الاجتماعية “.
وعكس ذلك يجب الاستفادة منها كمكون ولبنة اجتماعية لها تأثيرها في الأمة الأكبر، فثمة دافع لدمجها في نسيج المجتمع، وجزء من الشعب والممارسات المجتمعية المنفتحة، ولبنة مساهمة في بناء الأمة الديموقراطية دون انغلاق على نفسها، ولا يمكن النظر اليها أنها بنية رجعية، بل هي مكون له من القيم والأعراف التي تحكمه وتوجهه.
والحقيقة أن المجتمعات التي كانت القبيلة في تاريخها تتمتع بقوة ونفوذ يكون حاضرها أكثر تأثيرًا وكذلك استدامة قوتها وأثرها تاريخيًا وجغرافيًا، وعليه لا يمكن إغفال أثرها في بنية المجتمع وخصائصه، وفي ذلك اشار أوجلان : ” أن الدين والقبيلة لا ينفكّان يتمتعان بقوة نافذة، فسيُلاحظ أنّ التاريخ والجغرافيا اللذين تَستندُ إليهما يتميزان بمنزلة معيِّنة فيها، فبقدر ما يتأثر مجتمع ما بالتاريخِ والجغرافيا بنحو طويل المدى وعميق الأثر، فإنّ مَحَليّتَه وأهليّتَه تكون قوية ومستدامة بالمِثل “.
ويشير أوجلاني الى بنائية المجتمع بأنها تتسم بالعديد من الخصائص:
- طبيعة مختلفة من حيث أنه حصيلة لتطور تدريجيّ دام ملايين السنين، واستمرار لعالَم الأحياء الأسبق منه.
- ثمرة لعالَم عقلي وعاطفي مذهل يتسم بتكامل كليّ، بذلك فهو كون مُدرِك لذاته.
- يتوجب إيلاء قيمة عُليا للكلانِ والقبيلة والقوم والأمة، بل وحتى للكيانات الاجتماعية ذات الطابع القوميّ الخارج عن نطاق الدولة القومي.
- بحُكم الدياليكتيك، يتوجب رؤية الكلان والعشيرة والقبيلة والمجتمعات الشعبية كحالة راقية ومتكاملة حتى في المجتمعِ الوطني الأرقى.
- جميع أشكال المجتمع المتباينة هذه نفيسة وثمينة.
- تقييم التباينات المجتمعية اللاحقة لمجتمع الكلان بمنوال مشابه سيؤدي أكثر إلى الحقيقة الاجتماعية.
مثال على ذلك “غوباكلي تبه” والتي كشفت البحوث عن دورها المحوري كمركز لأقدم قبيلة ودين يمتد إلى ما قبل اثنتَي عشرة ألف سنة.
وبالنظر الى أثر مورفولوجيا الكرد نستطيع رصد المزايا العريقة والمحلية للكرد ” نجد أن ظاهرة التحول إلى شعب لم تَكن قد تكونت بعد في العهد النيوليتي، بل نشهد ولادة المجتمع القَبَلِي آنذاك “.
فثمة تطور اجتماعي جديد نشهده من الانتقال إلى العشيرة التي تعد شكلاً مجتمعياً جديداً بالمقارنة مع مجتمع الكلان، هو تطور ثوري عظيم آنذاك، حيث نعت اوجلان الثورة النيوليتيةِ بالثورة القَبَلِيّة أيضاً طبقًا للعديد من المعطيات:
- بدأَ اختلاف اللغات والثقافات إلى جانب العلاقات شبه المستقرة – شبهِ البدوية بالازدهار في المجتمعِ القَبَلِي.
- المركز الديني في ” غوباكلي تبه ” سوى بمثابة كعبة عصره، تَقصدها القبائل التي تعيش الاستقرار والترحال بنحو متداخل مدى آلاف السنين.
- لا يمكن الاستخفاف بنصيب هذا الواقع في بروز العواطف الدينية التي لا تنفك راسخة لدى الكرد عموماً وفي أورفا خصوصاً.
- يتضح هنا وقوفنا على ثقافة وطيدة تكونَت قبل الحضارة السومرية المدينية بآلاف السنين، ودامت آلافَ السنين.
وثمة نتيجة لتأثر المكون الكردي في عصرنا الحالي مآلها التأثير المورفولوجي المتراكم عبر آلاف السنين له تجلياته في ” صَون الكرد لوجودهم بطابعه الثقافي، فيتأتى من قوة الثقافة التاريخية التي يرتكزون إليها، لذا، يستحيل إيضاح تفضيلهم الحياة الثقافية على حياة المدنية بكونه تخلفاً ساذجاً أو بدائية بسيطة، فالثقافة التي عاشها الكرد ليست ثقافة مدينة أو طبقة أو دولة، بل هي ثقافة تُعاند في التشبث بالديمقراطية القَبائليّة، ولا محل فيها للتحول السلطوي أو الطبقي، والعجز عن التحكم اليسير بالكرد يُعزى إلى ديمقراطيتِهم الثقافيةِ هذه “.
ولقد أولت الرأسمالية اهتمامًا بدراسة العشيرة والقبلية، وعليه تجلت خصائصها واثرها القوي في توظيفها ومحاكات انماطها في العديد من نظمها الربحية الأكثر تأثيرًا ” في عهد الرأسمالية، دع جانباً تجاوُزَ العشيرة، فجميع الاحتكارات والشركات القابضة المهيمنة الرأسمالية ذائعة الصيت، ما هي في نهاية المطاف سوى تنظيمات قَبَلِيّة، قد لا تَكُونُ قبائل البدو الرُّحَّل والمجتمع الزراعي المُكَوِّن للتاريخ، ولا يمكنها أن تكون كذلك، ولكنها قبائل مدينية في مجتمع الأزمة والانهيار، أي أنها قبائل هرمية ودولتية واستغلالية “.
يرى أوجلان : ” يجب التبيان بعناية أن كل الأفكار الشاذة والهامشية بحق الكرد تعتمد على هكذا أحكام ذاتية مُسبَقة، فمهما أُقصِيَ الكرد من التاريخ والمجتمع العالميَّين في راهننا، إلا أنهم –وعلى النقيض– يمثلون المجتمع القَبَلِيَّ الذي أدى دوراً رئيسياً في كافة أطوار التاريخ والمجتمع العالميَّين، ابتداء من تخطي مجتمع الكلان وحتى تطوُّر مجتمع المدنية (المجتمع المدينيّ، الطبقيّ، والدولتيّ)، إنهم العنصر الرئيسي في إنشاء الثقافة القَبَلِيّة وتأمين سيرورتها “.
كما وتتواجد آثار هذه الثقافة القبَلِيّة العريقة، التي لا يُمكن محوها بسهولة، في أغوار العواطف الدينية ومفهوم الشرف والمفاهيم العائلية التي لا تزال راسخة إلى يومنا، إضافة إلى أنّ الحضور القوي جداً لدعاوى الشرف والثأر هو محصول حقيقة المجتمع الثقافية أيضاً، ذلك أنه لا يُمكن للقوانين المحفورة في الهوية المجتمعية أن تُمحى أو أن تفقد تأثيرها بهذه السهولة.
أي أنّ الشكل القَبَائلي والعشائري يُعَد الشكل أو الوعاء الأساسي الذي يحتوي الثقافة الكردية، من هنا، فمن الأنسب تعريف الثقافة القَبَلِيّةِ هنا بأنها نمط الوجود وثقافة الحياة الحرة، التي رسمَت المقاومة ضد المدنية ملامحها؛ بدلاً من تعريفها المألوف في السوسيولوجيا كثقافة تستند إلى روابط الدم، أي أنّ الحفاظ على الوجود وتبيان إرادة الحياة الحرة في خضم المقاومة المتواصلة مدى تاريخ المدنية، هو الذي أدى دوره في تعزيز الثقافة القَبَلِيّةِ بين الكرد إلى هذه الدرجة البالغة.
وثمة ارتباط وثيق بين القبيلة والأثر الثقافي لا يمكن إنكاره أو تجاوزه في السياقات الحداثية او النظم الاجتماعية الأرقى – الأمة الديموقراطية – حيث يرى أوجلان أن: ” لا يُمكن الاستخفاف بعالَم العواطف والأفكار المتولِّدة من الحضور الثقافي للقبيلة، إذ لا ينفكّ الوعي الذي يحافظ على صمود البشرية مشحوناً بالآثار العميقة لذاك الوجود الثقافيّ، حيث تكمن الثقافة القَبَلِيّة في ركيزة كافة أشكال الوعي الرئيسية المذكورة والمحسوسة في حقول الفن والمعرفة والفلسفة والدين والميثولوجيا “.
- الجغرافيا الجبلية وتأثيرها البنيوي:
يقطن الكرد في الشرق الأوسط من آسيا الغربية، وهذه البقعة التي يطلق عليها كردستان منذ القرن الثاني عشر تعد موطن الكرد التاريخي، وإن لم يجر الاعتراف بها كدولة، ويمثل هذا الوطن عنصرًا أساسيًا لوجود المجتمع الكردي كسائر المجتمعات الأخرى، الجغرافيا الكردية عبارة عن أرضًا محاطة بالجبال على هيئة مثلث، يمثل جبل أرارات على تخوم القوقاز رأسه في الشمال، وجبال زاغروس ضلعه في الجنوب الشرقي، وجبال طورس ضلعه الشمالي الغربي، وتشكل التخوم الشرقية لبلاد ما بين النهرين قاعدته في الجنوب الغربي.
لا تمثل الجبال الكردستانية فقط جغرافيا كونتها الطبيعة على مدار ملايين السنين، بل تعد محورًا فاعلًا في تشكيل البنية الاجتماعية والسياسية، ومكون اساسي أثر في بنية الهوية والشخصية الكردية، فهنالك المثل الكردي ” لا أصدقاء سوى الجبال ” والذي يعكس مدى التأثير البنيوي على الثقافة والهوية الكردية، وما للبيئة الجبلية من أثر في مواجهة العديد من التحديات السياسية، وواحد ضمن المقومات الرئيسية في مناهضة العديد من موجات محاولات الابادة والقسر والصهر.
كما شكلت البيئة الجبلية الوعرة في كردستان الهوية الكردية، فارضة انماطًا قبلية، وحياة رعوية وزراعية، وساهمت في تعزيز صفات الشجاعة والفروسية والاعتزاز بالنفس، كما عززت هذه التضاريس العزلة الجغرافية التي حافظت على الهوية الكردية، لكنها في الوقت ذاته اعاقت التطور الحضري ووحدتهم السياسية، مما جعلهم أمة بلا دولة مركزية عبر التاريخ.
- الثقافة الجبلية:
على مر التاريخ اخذت علاقة الكرد بالجغرافيا وصراعاتها مع المدينة بنظمها استغلالًا واحتكارًا وإنكارًا أوجه متباينة تركت آثارها جلية، وكانت نتائج هذه الصراعات الممتدة أن تكون سلاسل الجبال آنذاك ملازًا، وبمثابة الحياة التي تتناسب مع قيم وأعراف الكرد آنذاك.
ففي الوجه الأول ” عاشوا دوماً النزاعات والاشتباكات مع المدينة والطبقة والدولة من حيث كونها عناصر قمع واستغلال في ثقافة المدنية، وأنجزوا في بعض الأحايين حملات وصلت حد الاستيلاء على مراكز الاستغلال والقمع (غزو بابل، دمار نينوى)، وعندما خارت قواهم، توخوا العناية الكبرى في صون وجودهم وعدم التخلي عن الحياة المستقلة والحرة، وذلك بالانسحاب غالباً إلى ذرى الجبال الشاهقة العصية على الفتح (الثقافتان الظاظائية- الكرمانجية والهورامية اللتان تتحدثان باللهجات المتشابهة على امتداد حواف جبال زاغروس الجنوبية وصولاً إلى ديرسم، هي على علاقة قريبة بهذه الأحداث)
أما في الوجه الثاني، فقد نظروا بعين إيجابية إلى علاقاتهم مع ثقافة المدنية، فقَبِلوا بها وتَمَثَّلوها، وتجسدت انعكاسات هذه المدنية على الثقافة الكردية في نشوء الذهنية والمؤسسات المدينية والطبقية والدولتية، وفي ذلك القاعدة والتي مفادُها “إن تعسّر عليك التغلب عليه، فتشبَّه به واهزمْه”.
وعلى سبيلِ المثال، فالكوتيون والميتانيون والحثيون والأورارتيون والميديون والبرس والساسانيون قد واجهوا قوى المدنية التي هاجمتهم بالتشبه بها وبإنشاء أنفسهم كمدنية، مُعَبِّرين بذلك عن التغلب عليها والصمود في وجهها.
- ثنائية ثقافة الجبال والسهول:
أما سياق المدنية الثاني ذي الألفي عام يمتد حتى الإسلام، فكان بالنسبة للكرد الأوائل عصراً تَكَوَّنَت خلاله طبقاتهم الحاكمة، وبَنَوا فيه مدنهم، وشادوا دولهم، هذه الثقافة التي غالباً ما تكوَنت على حوافِّ الجبال وفي المناطق السهلية، تطغى عليها خاصية مختلطة: أرستقراطية حاكمة تحيا ثقافة المدنية التي سعت إلى التشبُّه بها ومحاكاتها، وتتحدث بلغتها؛ وشرائح تُشَكِّل الطبقات السفلى، وتحيا ثقافتها ولغتها الذاتيَّتَين.
إذ لم يَكُن قادراً على إيجاد الحل لقضاياه الأساسية من خلال مملكة مركزية متحدة، ولا قادراً على العيش ضمن المجتمع القَبَلِيِّ التقليدي الجامد والمنغلق، لذا، غالباً ما كان يسعى إلى إيجاد حل للقضايا المتولدة من هذا التناقض عبر مجتمعات الجماعات المذهبية والطرائقية، فبينما كانت الزرادشتية تتشتت وتضعف رويداً رويداً، كانت العَلَوية تحافظ على وجودها في المناطق الجبلية العسيرة على الفتح دون غيرها من المناطق.
هذا الطابع الثنائي لتلك الثقافة المتكونة في ظل الجغرافيا الكردية، سوف يحافظ على وجوده إلى راهننا، مع نذر قليل من التغيير، من هنا، فـ” التمايز الثنائيّ ” على شاكلة الثقافة الجبلية والأخرى السهلية من جهة، والتمايز الطبقي الثنائي داخل الثقافة السهلية والمدينية من الجهة الأخرى؛ يُمَثِّلان خاصية أصيلة لهذه الثقافة.
وثمة رابط بين كل من ثقافة الجبال والسهول، لم تستطع على مدار قرون التحرر منه في ضوء سُكناها والارتباط بها، وهو الانعكاسات الميثولوجية ، الدينية، الفلسفية، الفنية فقد عبَّرت عن ثقافة القَبَلِيّة قولاً وعاطفةً في بيئاتها المتنوعة، وفيما يمثله أشكال وعي القوم والأمة اللاحقة، فهي مُشتقّات من أشكال وعي القبيلة المُطَوَّرة اعتماداً على الاتحادات القَبَلِيّةِ التعددية.
- ثقافة الجبل والحداثة الرأسمالية:
اكتَسَبَت هجمات القرنين الأخيرين المتصاعدة مع الحداثة الرأسمالية طابعاً مختلفاً، حيث إنّ أنظمةَ حماية الوجود وآليات الدفاع الذاتيّ، التي طوَّرها الكرد على شكل وحدات عشائرية وقَبَلية اعتماداً على المناطق الجبلية التي قطنوها منذ العصور الأولى، لَم تَفِ بالغرض مقابل وسائل الهجوم المعتمِدة على النظام الرأسمالي، ولأول مرة تَبدّى خطر خُسرانهم لوجودهم، ذلك أنّ بنية الدولة القومية في الحداثة الرأسمالية لَم تسفر عن فقدان الكرد لحرياتهم فحسب، بل وآلَت إلى مواجهتهم مخاطر فقدانهم لوجودهم أيضاً.
- الاقتصاد التقليدي:
إن الكرد الأوائل هم أصحاب الثقافة التي رَصَفَت الأرضية لاقتصاد الزراعة وتربية الحيوان في التاريخ، وقد عَلَّموا البشرية أنّ الاقتصاد ثقافة مؤسساتية مادية، وذهنية معنوية وأخلاقية في آنٍ معاً، تلك الثقافات الضاربة بجذورها إلى هذه الدرجة في أغوار التاريخ.
يُعدّ الاقتصاد التقليدي جزءًا أساسيًا من البنية الاجتماعية للمجتمع الكردي التي تشكّلت عبر قرون طويلة في جغرافيا المناطق الجبلية الممتدة عبر تاريخ كردستان، ولا يمكن فهم الاقتصاد الكردي بمعزل عن مورفولوجياه الاجتماعية، أي شكل البناء الاجتماعي وتوزّع الجماعات والعلاقات بين مكوّناته، فالعوامل الجغرافية، ونمط الاستقرار، والعلاقات العشائرية، كلها أسهمت في تشكيل نظام اقتصادي تقليدي خاص يقوم على التكيّف مع البيئة الطبيعية وعلى شبكة من العلاقات الاجتماعية المتداخلة.
- الرعي والزراعة المحدودة:
ومن الناحية المورفولوجية، يتسم المجتمع الكردي التقليدي بتوزّع سكاني يعتمد على القرى الصغيرة والتجمعات العشائرية المنتشرة في المناطق الجبلية والريفية، وقد فرضت الطبيعة الجغرافية الجبلية نمطًا اقتصاديًا يعتمد بشكل كبير على الزراعة المحدودة والرعي المتنقل، فالجبال والوديان كانت توفّر مراعي طبيعية للماشية، مما جعل تربية الأغنام والماعز أحد أهم الأنشطة الاقتصادية التقليدية، وكان الرعي في كثير من الأحيان يتخذ طابعًا موسميًا، حيث تنتقل الجماعات الرعوية بين المراعي الصيفية والشتوية في إطار ما يُعرف بالهجرة الموسمية.
إلى جانب الرعي، شكّلت الزراعة عنصرًا مهمًا في الاقتصاد التقليدي الكردي، خاصة في المناطق التي تتوفر فيها الأراضي الصالحة للزراعة، وقد اعتمدت الزراعة على أساليب تقليدية وعلى أدوات بسيطة، وكانت المحاصيل الرئيسية تشمل القمح والشعير وبعض البقوليات، وكان الإنتاج الزراعي موجّهًا في المقام الأول للاستهلاك المحلي، مع وجود قدر محدود من الفائض الذي يُستخدم في التبادل مع المجتمعات المجاورة أو في الأسواق المحلية.
كما لعبت الحِرَف اليدوية دورًا مهمًا في الاقتصاد التقليدي للمجتمع الكردي، فقد اشتهر الأكراد بصناعة السجاد والبُسط الصوفية والأدوات المنزلية المصنوعة من الصوف والجلود، وكانت هذه الصناعات تُمارس غالبًا داخل الأسرة أو في إطار الجماعة القروية، حيث تتوزع الأدوار بين الرجال والنساء، فبينما كان الرجال يتولّون في الغالب أعمال الرعي والزراعة، كانت النساء يقمن بنسج السجاد وصناعة الألبسة التقليدية وإعداد المنتجات المنزلية، مما أسهم في دعم الاقتصاد الأسري.
- الشبكات التبادلية للاقتصاد المحلي:
من الخصائص البارزة للاقتصاد التقليدي الكردي اعتماده على شبكات التبادل المحلي، فقد كانت الأسواق الأسبوعية في القرى والبلدات الصغيرة تشكّل مراكز للتبادل التجاري بين السكان، وكان التجار ينقلون المنتجات الزراعية والحيوانية والحرفية بين المناطق المختلفة، مما ساعد على ربط المجتمعات المحلية ببعضها البعض، وعلى الرغم من محدودية هذا النشاط التجاري مقارنة بالاقتصادات الحضرية، فإنه لعب دورًا مهمًا في تعزيز التفاعل الاقتصادي والاجتماعي بين مختلف الجماعات الكردية.
كذلك في المجتمعات الكردية التقليدية، بشكل وثيق ارتبط الاقتصاد بالبنية العشائرية، فقد كانت العشيرة تمثل الوحدة الاجتماعية الأساسية التي تنظّم العلاقات الاقتصادية والإنتاجية، وكان أفراد العشيرة يتعاونون في مختلف الأنشطة الاقتصادية مثل الزراعة والرعي والتجارة المحلية، مما خلق نمطًا من الاقتصاد الجماعي الذي يعتمد على التضامن الاجتماعي والتكافل بين أفراد الجماعة، وفي هذا السياق، لم يكن النشاط الاقتصادي مجرد وسيلة لإنتاج الثروة، بل كان أيضًا وسيلة لتعزيز الروابط الاجتماعية وترسيخ الهوية الجماعية.
- الاعتماد على البنية القرابية في توزيع الموارد:
وترتبط هذه الأنماط الاقتصادية ارتباطًا وثيقًا بالبنية الاجتماعية للمجتمع الكردي، حيث تتداخل العلاقات الاقتصادية مع العلاقات القرابية والعشائرية، فالعمل الجماعي في الزراعة أو بناء البيوت أو تنظيم الرعي كان يتم غالبًا في إطار التعاون بين أفراد العائلة الممتدة أو العشيرة، كما كانت الأعراف الاجتماعية والتقاليد تلعب دورًا مهمًا في تنظيم ملكية الأرض وتوزيع الموارد، وفي حل النزاعات المتعلقة بها.
يمكن القول في إطار مورفولوجي إن الاقتصاد التقليدي الكردي يعكس توازنًا بين الاستقرار والحركة، فبينما كانت بعض الجماعات مستقرة في القرى الزراعية، كانت جماعات أخرى تعتمد على الرعي والتنقل الموسمي، وقد أدّى هذا التنوّع في أنماط المعيشة إلى ظهور أشكال مختلفة من التنظيم الاجتماعي، حيث تتفاوت درجة الاستقرار والعلاقات الاقتصادية تبعًا لنمط الإنتاج السائد في كل منطقة.
ومن منظور المورفولوجيا الاجتماعية، يرى أوجلان أن المجتمع الكردي التقليدي لم يكن مجتمعًا طبقيًا بالمعنى الصارم الذي عرفته المجتمعات المركزية الكبرى، بل كان مجتمعًا تتداخل فيه العلاقات الاقتصادية والاجتماعية بشكل كبير، فملكية الأرض وإدارة الموارد كانت غالبًا مرتبطة بالأعراف العشائرية وبنظام من التوازنات الاجتماعية، الأمر الذي حدّ نسبيًا من تراكم الثروة في يد فئة ضيقة، وعلى الرغم من وجود زعامات عشائرية أو إقطاعية في بعض المراحل التاريخية، فإن العلاقات الاقتصادية اليومية ظلت تعتمد بدرجة كبيرة على التعاون المجتمعي.
يمكن القول إن الاقتصاد التقليدي للمجتمع الكردي يمثل:
– انعكاسًا مباشرًا للمورفولوجيا الاجتماعية التي تشكّلت في إطار البيئة الجغرافية والبنية العشائرية والعلاقات القرابية.
– نشأ هذا الاقتصاد بوصفه نظامًا متكاملًا يجمع بين الإنتاج المعيشي والتعاون الاجتماعي والتكيّف مع الطبيعة.
ومن خلال دراسة هذا الاقتصاد في سياق المورفولوجيا الاجتماعية، يمكن فهم الكيفية التي أسهمت بها العوامل الاجتماعية والجغرافية في تشكيل نمط الحياة الكردي التقليدي، وفي الحفاظ على تماسك المجتمع عبر مراحل تاريخية طويلة، يربط المفكر عبد الله أوجلان الاقتصاد التقليدي للمجتمع الكردي بالبنية المورفولوجية الاجتماعية:
– أن المجتمعات الشرق أوسطية، ومنها المجتمع الكردي، بوصفها مجتمعات حافظت تاريخيًا على قدر من التنظيم الاجتماعي المشاعي الذي سبق نشوء الدولة المركزية الحديثة.
– البنية الاجتماعية الكردية التقليدية، القائمة على القرابة والعشيرة والقرية، قد أنتجت أنماطًا اقتصادية تتسم بدرجة من التكافل والتشارك في إدارة الموارد.
– الاقتصاد التقليدي الكردي يعد امتدادًا لفكرة ” الاقتصاد المجتمعي” أو ” الاقتصاد الأخلاقي”، أي الاقتصاد الذي تنظمه القيم الاجتماعية والتقاليد الجماعية أكثر مما تنظمه آليات السوق الرأسمالية.
– هذه الخصائص تعكس بقايا من أنماط التنظيم الاجتماعي القديمة التي اعتمدت على المشاركة الجماعية في إدارة الموارد الطبيعية.
– المناطق الجبلية أسهمت في الحفاظ على قدر من الاستقلال النسبي للمجتمعات المحلية، مما سمح ببقاء أشكال من الإدارة الذاتية التقليدية.
– أن هذه البنية الاجتماعية- الاقتصادية تمثل مثالًا مبكرًا لما يمكن أن يشكّل أساسًا لنموذج “الاقتصاد الديمقراطي” الذي يدعو إليه المفكر عبد الله اوجلان.
ومن هنا، يمكن فهم الاقتصاد التقليدي للمجتمع الكردي ليس فقط بوصفه مرحلة تاريخية من أنماط الإنتاج، بل أيضًا بوصفه تعبيرًا عن شكل خاص من التنظيم الاجتماعي الذي نشأ في تفاعل مع البيئة الجغرافية والبنية القرابية، وفي ضوء قراءة أوجلان، يصبح هذا الاقتصاد جزءًا من تاريخ طويل من أشكال التنظيم المجتمعي التي سبقت الدولة المركزية، والتي يمكن أن توفر عناصر نظرية لفهم إمكانات بناء نظم اقتصادية أكثر ديمقراطية وتشاركية في المستقبل.
وعليه، فإن تحليل الاقتصاد التقليدي للمجتمع الكردي في سياق المورفولوجيا الاجتماعية يكتسب بعدًا إضافيًا عند مقارنته برؤية أوجلان الفكرية، حيث يظهر الاقتصاد المحلي بوصفه مكوّنًا من مكوّنات البنية المجتمعية التي حافظت على قدر من الاستقلال والتنظيم الذاتي، كما يوضح هذا الربط كيف يمكن للقراءة السوسيولوجية للتاريخ الاجتماعي الكردي أن تتقاطع مع الطروحات النظرية المعاصرة حول الديمقراطية المجتمعية والاقتصاد التشاركي.
- التعدد الديني والإثني داخل المجتمع الكردي:
يمثِّل الكرد أحد المكونات القومية والحضارية القديمة في منطقة الشرق الأوسط، وقد كان لهم عبر العصور دور بارز في صياغة معالم الحضارة الانسانية الشرق أوسطية، ومنها إلى العالم، من هذا المنطلق، تُشكِّل كتابات المفكر الكردي عبد الله أوجلان مرجعًا مهمًا لفهم طبيعة البنى المورفولوجية والعلاقة التفاعلية بين التنوع الاثني داخل المجتمع الكردي، وبين المكونات الشرق اوسطية الخرى، حيث يتبنى أوجلان في مشروعه الفكري منظورًا تحليليًّا نقديًّا للتاريخ، يُعيد من خلاله قراءة دور الكرد بعيدًا عن النظرة القومية الضيقة، ويربط مساهماتهم بالإطار الإنساني والحضاري الأشمل.
- المكونات الإثنية في المجتمع الكردي:
يُعدّ التعدد الديني والإثني أحد أهم الملامح البنيوية الأساسية في المورفولوجيا الاجتماعية الكردية، إذ لم يتشكل هذا المجتمع عبر التاريخ بوصفه جماعة دينية أو مذهبية متجانسة، بل كفضاء اجتماعي متنوع تتعايش داخله هويات دينية وثقافية متعددة،حيث يشمل هذا التنوع جماعات سنّية تشكّل الغالبية، إلى جانب جماعات علوية وإيزيدية ومسيحية، فضلاً عن وجود تداخلات إثنية وثقافية في بعض المناطق الكردية، بطبيعة الحال يعكس هذا التعدد ماهية التكوين التاريخي للمجتمع الكردي الذي نشأ في منطقة جغرافية مفتوحة على التفاعل الحضاري بين الأناضول وبلاد الرافدين وإيران والشام، وتتضح بنية التعدد في:
– الجماعات السنية : تشكل العمود الديني الأكبر داخل المجتمع الكردي، حيث ينتمي معظم الأكراد إلى المذهب الشافعي، وقد لعبت المؤسسات الدينية التقليدية مثل الزوايا الصوفية والطرق الدينية دوراً مهماً في تشكيل البنية الاجتماعية والثقافية للمجتمع، وأسهمت هذه المؤسسات في تعزيز شبكات التضامن الاجتماعي وربط القبائل والمناطق المختلفة بروابط روحية وثقافية مشتركة.
– الجماعات العلوية: متواجدة في بعض مناطق الأناضول، وقد طورت هذه الجماعات أنماطاً ثقافية وطقسية خاصة بها، ورغم الاختلاف المذهبي، ظل الارتباط الإثني واللغوي عاملاً مهماً في الحفاظ على نوع من الانتماء المشترك داخل الإطار الكردي الأوسع.
– الإيزيديون: يعد أحد المكونات الدينية التاريخية في المجتمع الكردي، حيث يحتفظون بديانة خاصة ذات جذور قديمة تجمع بين عناصر دينية متعددة، وقد ساهمت العزلة الجغرافية لبعض مناطقهم في الحفاظ على خصوصيتهم الثقافية والدينية، مع بقائهم جزءاً من النسيج الاجتماعي الكردي.
– المسيحيون: المسيحيون الأكراد أو الجماعات المسيحية التي تعايشت داخل المناطق الكردية، فقد شكلوا بدورهم جزءاً من التنوع الثقافي والاجتماعي في تلك المناطق، حيث نشأت عبر التاريخ علاقات تفاعل اقتصادي واجتماعي بين هذه الجماعات وبين القبائل والعشائر الكردية.
– الزرادتشيون: الزرادشتيون يتمركز وجودهم في منطقة السليمانية والعديد من المناطق الأخرى في الاقليم الكردستاني خاصة العراق، ويتضح بها تأثيرًا تاريخيًا في كردستان متمثل في الفكر الديني والثقافي كديانة محلية كردية قبلية، فقد انتشرت الديانة الزرادتشية في بلاد ما بين النهرين ومناطق شرق الاناضول وكردستان، وتمثل المرتفعات الكردية منطقة تفاعل بين الزرادشتية والثقافات المحلية القديمة، وكذلك استمرارها في الثقافة الكردية المعاصرة ضمن النسيج الثقافي الديني للكرد حتى العصر الحديث.
– اليارسانيون: ويطلق عليها أيضًا الكاكائيةوتعد من اقدم المكونات الثقافية بكونها جزءًا من الديانات اليزدانية القديمة، وهي ديانة كردية حيث يمتد تواجد في إقليم كردستان العراق شرقًا، وغربًا في مناطق حلبجة والسليمانية وطوزخورماتو وخانقين وهوارمان وداقوق وصولًا الى سهل نينوى في أقصى شمال غربي مدينة الموصل
- أثر التنوع على التماسك البنيوي:
من منظور المورفولوجيا الاجتماعية، لا يُنظر إلى هذا التعدد الديني بوصفه مجرد تنوع ثقافي، بل بوصفه عاملاً مؤثراً في بنية العلاقات الاجتماعية وأنماط التماسك داخل المجتمع، ففي كثير من الحالات، لم يكن الانقسام الديني هو المحدد الأساسي للانتماء الاجتماعي، بل لعبت عوامل أخرى مثل القرابة العشائرية، واللغة المشتركة، والجغرافيا، دوراً أكثر مركزية في تشكيل الهوية الجماعية، ولذلك ظل الانتماء الكردي، في العديد من السياقات، إطاراً جامعاً يتجاوز الفوارق الدينية والمذهبية.
ومع ذلك، فإن هذا التنوع لم يكن دائماً مصدراً للانسجام الكامل في ظل العديد من التحولات، إذ تعرضت بعض الجماعات الدينية داخل المجتمع الكردي لأشكال من التوتر أو التهميش في فترات تاريخية معينة، خاصة في ظل التحولات السياسية الإقليمية أو تدخلات الدول المركزية، لكن في المقابل، أسهمت التجربة التاريخية المشتركة للأكراد، بما تتضمنه من تحديات سياسية وثقافية، في تعزيز نوع من التضامن العابر للانتماءات الدينية.
وعليه، يمكن القول إن التعدد الديني والإثني داخل المجتمع الكردي يمثل أحد العناصر البنيوية المهمة في مورفولوجيته الاجتماعية، فهو من جهة يعكس تاريخاً طويلاً من التفاعل الحضاري والتنوع الثقافي، ومن جهة أخرى يطرح تحدياً دائماً يتمثل في كيفية تحويل هذا التنوع إلى مصدر قوة اجتماعية يعزز التماسك البنيوي بدلاً من أن يتحول إلى عامل انقسام، وهذا ما يضمنه مشروع المفكر عبد الله أوجلان ” الأمة الديموقراطية” المستهدفة الوحدة في إطار التنوع، وفي هذا السياق، يظهر أن الهوية الثقافية واللغوية المشتركة، إلى جانب الخبرة التاريخية المشتركة، قد لعبت دوراً محورياً في الحفاظ على قدر من التوازن بين التنوع والوحدة داخل المجتمع الكردي.
خاتمة:
يتضح من تحليل المورفولوجيا الاجتماعية للمجتمع الكردي أنها تشكلت تاريخيًا في إطار تفاعل معقد بين ثلاث عناصر أساسية: الجغرافيا، والبنية الاجتماعية، وانماط الاقتصاد التقليدي، وقد اسهمت البيئة الجبلية في تشكيل نمط من الاجتماع الإنساني اتسم باللامركزية والتماسك الداخلي، حيث لعبت العشيرة والقرابة دور الوحدة التنظيمية الأساسية، بينما تكيفت النشطة الاقتصادية كالزراعة المحدودة والرعي والتنقل الموسمي مع متطلبات الطبيعة الجغرافية.
وفيما يتعلق بالتعدد الديني والإثني داخل المجتمع الكردي لم يؤد بالضرورة إللى تفكك البنية الاجتماعية، بل أسهم في كثير من الاحيان في تشكيل إطار اجتماعي مرن استطاع التعايش مع التنوع ضمن هوية ثقافية ولغوية مشتركة.
يتضح أيضًا في ضوء التساؤل المتعلق بكيفية تشكل المجتمع الكردي مورفولوجيًا عبر التاريخ، تبين من التحليل السابق ان هذه البنية لم تتكون بوصفها نظامًا اجتماعيًا جامدًا، بل كسيرورة تاريخية تراكمية تفاعلت فيها العوامل الجغرافية والثقافية والاقتصادية، ما أدى إلى نشوء مجتمع يتميز بقدر كبير من الاستقلال المحلي والتنظيم الذاتي، ويستند في تماسكه إلى شبكات القرابة والعلاقات العشائرية والاقتصاد المجتمعي القائم على التكافل والتعاون.
فيما يتعلق بالتساؤل الذي هو محور الدراسة والطرح هذا؛ حول ما اذا كان مشروع القائد عبد الله أوجلان يمثل تحولًا بنيويًا حقيقيًا أم مجرد إعادة تأطير رمزية للبنى التقليدية، فإن القراءة السوسيولوجية تشير إلى ان المشروع الأوجلاني لا يقوم على القطيعة التامة مع البنية التقليدية للمجتمع الكردي، بل يسعى إلى إعادة توظيف عناصرها ضمن إطار نظري وسياسي جديد، فبدلًا من إقصاء البنى القرابية والعشائرية، يحاول المشروع الأوجلاني دمجها في نموذج اجتماعي أكثر اتساعًا يقوم على مبدأ اللامركزية والتنظيم المجتمعي التشاركي.
وبناء على ذلك تؤكد نتائج التحليل صحة فرضيته التي انطلق منها البحث ومفادها أن المشروع الأوجلاني لا يطرح مجرد برنامج سياسي تقليدي، بل يسعى إلى نموذج مجتمعي – شبكي اكثر مرونة، يقوم على فكرة ” الأمة الديموقراطية ” والتنظيم المجتمعي القاعدي، غير ان هذا التحول لا يعني إلغاء البنى التاريخية للمجتمع الكردي، بل إعادة تفسيرها وتوجيهها نحو اشكال جديدة من التنظيم الاجتماعي والسياسي.
وعليه، يمكن القول إن فهم القضية الكردية في بعدها السوسيولوجي يقتضي النظر إليها ضمن سياقها المورفولوجي التاريخ، حيث تتداخل عناصر الوجود والزمان والوعي في تشكيل الهوية الكردية واستمرارها، ومن ثم فإن تحليل المورفولوجيا الاجتماعية لا يقتصر على تفسير الماضي فحسب؛ بل يفتح أيضًا أفقًا لفهم إمكانات التحول الاجتماعي والسياسي في المستقبل.
…………………………………………………………………………………
المراجع
- الامام، محمد رفعت (2024): الجبل الكردي، المحروسة، القاهرة.
- أوجلان، عبد الله (2018): مانيفستو الحضارة الديمقراطية ” أزمة المدنية وحل الحضارة الديمقراطية في الشرق الأوسط “، ترجمة: زاخو شيار، المجلد الرابع، ط (3)، مطبعة داتا سكرين، لبنان.
- أوجلان، عبد الله (2018): مانيفستو الحضارة الديمقراطية “القضية الكردية”، ترجمة: زاخو شيار، المجلد الخامس، ط (3)، مطبعة داتا سكرين، لبنان.
- أوجلان، عبد الله (2018): مانيفستو الحضارة الديمقراطية “سوسيولوجيا الحرية”، ترجمة: زاخو شيار، المجلد الثالث، ط (3)، مطبعة داتا سكرين، لبنان.
- حمداوي، جميل (2015): المورفولوجيا الاجتماعية، شبكة الألوكة.
- دوركايم، إيميل (2011): قواعد المنهج العلمي، ترجمة: محمود قاسم وآخرون، دار المعرفة الجامعية.
- طالباني، جلال (2022): كردستان والحركة القومية الكردية، منشورات مكتبة تنمية الفكر والتوعية، الاتحاد الوطني الكردستاني، ط (3)، السليمانية.
- مراد، كارزان (2025): زرادشن والديان الكردية القديمة وتأثيرها على الأديان المعاصرة ” دراسة تاريخية عقائدية “، جريدة الحقيقة https://alhakekenews.com
- الطائفة الكاكائية في العراق: من هي وما معتقداتها، مؤسسة الدراسات العلمية، https://iss-foundation.com



