تحليل: د. أحمد محمد إنبيوه …
تعني الكوميونة، في أفقها النظري، امتلاك المجتمع القدرة على إدارة فضائه الجغرافي بوصفه فضاءً سياسياً، وأن تتحول هذه الإدارة إلى ممارسة مستمرة تُعيد توزيع السلطة داخل الجماعة. أي التأسيس لسيادة مجتمعية، لا ملكية مغلقة، ولا تعني انفصالاً قومياً بالضرورة، بل تعني تمكيناً ديمقراطياً؛ ولا تختزل التحكم في المصير في إعلان سياسي، بل تجعله عملية اجتماعية متواصلة. ومن هنا يمكن فهمها بوصفها محاولة لإعادة تعريف العلاقة بين الإنسان والأرض والسلطة، بحيث يصبح الفضاء الذي نعيش فيه مجالاً لفاعليتنا المشتركة، لا إطاراً مفروضاً علينا من خارجنا. حقيقة، ثمة لحظة في التاريخ الإنساني تسبق كل نظرية، لحظة يجلس فيها عدد من البشر في حلقة ويتداولون في شأن مشترك، ويقررون معاً كيف يوزعون الماء، وكيف يحرسون النار، وكيف يواجهون الخطر القادم من خارج المضارب. هذه اللحظة، البسيطة في مظهرها، العميقة في دلالتها، هي الكوميونة في حالتها الأولى، قبل أن تصبح مفهوماً فلسفياً أو مشروعاً سياسياً أو حلماً ثورياً. وقد كان أحد أهم الأسئلة التي شغلت الفكر الإنساني في القرنين الأخيرين هو: كيف فقد الإنسان هذه اللحظة؟ ومتى استُبدلت الحلقة بالهرم، والتشاور بالأمر، والمشاع بالملكية؟
إن الإجابة عن هذا السؤال لم تكن في يوم من الأيام محايدة، بل كانت دائماً محملة بعبء إيديولوجي ثقيل. فحين رسم الفكر الأوروبي الحديث، منذ هيغل ومن جاء بعده، خطاً تصاعدياً للتاريخ الإنساني يبدأ من البربرية وينتهي بالدولة القومية الرأسمالية الليبرالية، كان يفعل أكثر من مجرد توصيف تاريخي، كان يؤسس نسقاً معرفياً يجعل من النموذج الأوروبي غاية التاريخ ومنتهاه، ويُصنّف كل ما عداه باعتباره مرحلة سابقة أو انحرافاً جانبياً. وقد أفرز هذا النسق ما يمكن تسميته بـ”استعمار التاريخ”، أي إخضاع تواريخ الشعوب الأخرى لمنطق تطوري واحد لا يعترف بتعدد المسالك وتنوع الإمكانيات. والكوميونة، بوصفها شكلاً من أشكال التنظيم الاجتماعي السابق لكل دولة، كانت ضحية أولى لهذا الاستعمار المعرفي، إذ أُعيد قراءتها إما على أنها مرحلة “بدائية” تجاوزها التاريخ، وإما على أنها يوتوبيا رومانسية لا مكان لها في عالم الحداثة. بيد أن القرن العشرين، ولا سيما في نصفه الثاني، شهد تفككاً تدريجياً لهذا الإجماع المعرفي المصطنع. فمن داخل الأنثروبولوجيا، جاء مارشال سالينز في كتابه “اقتصاديات العصر الحجري” (Stone Age Economics, 1972) ليقلب المفهوم الشائع رأساً على عقب، إذ أثبت بدراسات ميدانية دقيقة أن مجتمعات الصيد وجمع الثمار لم تكن مجتمعات شُح وعوز، بل كانت تعمل بمنطق “وفرة الرغبات الفعلية” لا “ندرة الموارد”، وأن أفرادها كانوا يعملون ساعات أقل بكثير من نظرائهم في المجتمعات الرأسمالية الصناعية. وكان معنى هذا الاكتشاف أن ما سمّاه الفكر الليبرالي “التقدم” لم يكن دائماً تحسيناً فعلياً في جودة الحياة الجماعية، بل كان في أحيان كثيرة إعادة توزيع للوقت والموارد لصالح طبقة مسيطرة على حساب أغلبية عاملة.
ومن حقل مختلف جاء الفيلسوف وعالم الأنثروبولوجيا الفرنسي بيير كلاستر (Society Against the State, 1974) ليطرح سؤالاً أكثر حدة: لماذا افترضنا أن الدولة حتمية تاريخية؟ ما الذي يجعلنا نرى في غياب الدولة نقصاً لا خياراً؟ وقد وجد كلاستر في دراسته للمجتمعات الأمازونية أن هذه المجتمعات لم تكن تفتقر إلى الدولة لأنها لم تبلغ بعد درجة التنظيم الكافية، بل لأنها طوّرت بصورة واعية آليات اجتماعية تمنع تمركز السلطة في يد فرد أو مجموعة. بمعنى آخر، كانت هذه المجتمعات تعمل بمنطق “ضد الدولة” لا بمنطق “ما قبل الدولة”. وهذا التمييز الدقيق يفتح آفاقاً معرفية واسعة، إذ يعني أن الكوميونة ليست مرحلة تجاوزها التاريخ، بل خيار متجدد قادر على إعادة تأسيس ذاته في كل حقبة. وعلى المستوى الاقتصادي، مثّل كارل بولاني في “التحول الكبير” (The Great Transformation, 1944) منعطفاً أساسياً في إعادة قراءة الرأسمالية لا بوصفها نتاجاً طبيعياً للتطور الإنساني، بل بوصفها عملية عنيفة ومقصودة لـ”فصل” الاقتصاد عن المجتمع، أي تحريره من الروابط الأخلاقية والمجتمعية التي ظلت تُضمّنه عبر آلاف السنين. فطوال التاريخ الإنساني، كان الاقتصاد مُدمَجاً في العلاقات الاجتماعية، من هبات وتبادلات ومبادلات وإعادة توزيع، ولم يكن السوق يعمل بالمنطق التجريدي اللاشخصي الذي تصوّره ليبراليو القرن التاسع عشر. وحين يتشبث أوجلان بفكرة الكوميونة، فهو يستعيد، ضمن ما يستعيد، هذه الحقيقة البولانية: أن الاقتصاد المُدمَج في الحياة الاجتماعية هو الشكل الأصيل، وأن اقتصاد السوق المنفصل عنها هو الشكل الشاذ والمُصطنَع.
بيد أن ما يجعل هذه الدروب المعرفية البديلة ذات أثر عميق اليوم أكثر من أي وقت مضى هو تقاطعها مع ما ينتج من معرفة في هوامش العالم ومن ثقافات غير أوروبية. فمن أمريكا اللاتينية، صدر مفهوم “بوين فيفير” أو “الحياة الجيدة” (Buen Vivir) الذي طوّرته الحركات الأصلانية في بوليفيا والإكوادور والبيرو، وهو مفهوم لا يقبل الترجمة الحرفية إلى اللغات الأوروبية لأنه ينبثق من منظومة معرفية مغايرة كلياً تضع التناغم مع الطبيعة والمجتمع في مركز الرؤية لا النمو الاقتصادي الفردي. ومن أفريقيا جنوب الصحراء، انتشر مفهوم “أوبونتو” (Ubuntu) الذي يُعبّر عن حكمة الترابط البشري بصيغته المشهورة “أنا موجود لأن نحن موجودون”. وهذه المفاهيم مجتمعة، مع ما ينتجه الفكر النقدي في الهامش الكردي والشرق أوسطي والجنوب العالمي عموماً، تُشكّل ما بات يُعرف في الأدبيات الأكاديمية بـ”معرفة الجنوب” (Epistemologies of the South) على حد تعبير الفيلسوف البرتغالي بواونتورا دي سوزا سانتوس، أي منظومة معرفية تعترض الادعاء بأن الحداثة الأوروبية هي مرجعية التاريخ الإنساني الأوحد.
وفي هذا السياق بالذات يكتسب مشروع عبد الله أوجلان الفكري معناه الكامل. فهو ليس مجرد إنتاج فلسفي لمناضل كردي معتقل، بل هو مساهمة في نسيج أوسع من البحث الإنساني عن بدائل معرفية وسياسية واجتماعية لنموذج وصل، بشهادة أزماته المتراكمة، إلى حدوده التاريخية. وقد مثلت افكار اوجلان في جملتها نهجا فكريا بديلا يحمل جذر تأسيسي لمنطق الصراع أو السيادة الاحادية لنموذج فكري أو سياسي بعينه.. لكن أتت بعض أفكاره على سبيل التحديد لتحتمل إمكانية أن تكون امتدادا لمسارات بديلة للأفكار المؤسسة للمنظومة السياسية لعالم اليوم.
المعرفة من الأطراف.. أوجلان والكوميونة
لفهم مفهوم الكوميونة عند أوجلان فهماً حقيقياً، لا بد من استحضار المسار الفكري الذي أفضى إليه، لأن هذا المفهوم لم يظهر في كتاباته دفعة واحدة، بل نشأ من داخل نقد ذاتي عميق ومؤلم لمنظومة فكرية كاملة. فقد بدأ أوجلان، كجيله في السبعينيات من القرن الماضي، ماركسياً لينينياً كلاسيكياً يؤمن بأن تحرر الكرد يمر عبر بناء الدولة القومية المستقلة وفق النموذج الثوري المألوف. وكان حزب العمال الكردستاني (PKK) حين تأسّس عام 1978 يحمل هذا الأفق كهدف نهائي واضح. غير أن سنوات الصراع المسلح الطويلة وما رافقها من هزائم وإحباطات وتحولات في المشهد الدولي عقب انهيار المنظومة الاشتراكية عام 1991 فرضت على أوجلان مراجعة جذرية. وقد جاءت المراجعة الكبرى من داخل زنزانة عزل صارمة في جزيرة إيمرالي منذ عام 1999، حين كتب أوجلان خمسة أجزاء من “مانيفستو الحضارة الديمقراطية” في شروط استثنائية تحدّت المنطق، ليُنتج واحدة من أكثر التجارب الفكرية غرابةً في تاريخ الفلسفة السياسية: فيلسوف يُراجع مشروعه الحياتي كله من داخل أشد أشكال الحبس الانفرادي قسوة.
كانت المسألة الأولى التي فككها أوجلان هي مسألة الدولة نفسها. إذ توصّل إلى أن المشكلة ليست في غياب الدولة الكردية، بل في منطق الدولة ذاته. يقول: إن الدولة القومية هي الشكل الأشد تركيزاً للسلطة في التاريخ الإنساني، وإن السعي إلى الدولة القومية الكردية لن يُحرّر الكرد، بل سيُعيد إنتاج منطق الهيمنة بوجه كردي. وهنا، في هذه اللحظة النقدية، يبدأ الكوميون يرتسم كمفهوم مقابل، لا كتكتيك مرحلي، بل كبديل هيكلي جوهري. يُعرّف أوجلان الكوميونة في أكثر من موضع من كتاباته، لكن التعريف الأكثر جوهرية يظهر حين يقول إن الكوميونة هي الوحدة الاجتماعية الأساسية التي يتحقق فيها الحكم الذاتي الفعلي، وهي ليست مجرد شكل تنظيمي، بل هي علاقة بين البشر، علاقة قائمة على الإدارة المشتركة للموارد والقرارات والمعرفة. وما يميز تعريفه عن التعريفات الكلاسيكية الماركسية للكوميونة هو أنه لا يُرجئها إلى مرحلة تالية لانتصار الثورة وزوال الدولة، بل يُراها مشروعاً يُبنى الآن، في ظل الدولة وبالتوازي معها ومن خلال تآكلها التدريجي.
وكما استفاد أوجلان من موراي بوكتشين الذي يعترف صراحةً بدينه الفكري له، فإنه يأخذ مبدأ البلدية الحرة ومفهوم الإيكولوجيا الاجتماعية ليدمجهما في سياق إقليمي وثقافي مختلف كلياً. فبوكتشين كتب من منظور الحداثة الأمريكية والغربية، ومن القلق على المدينة الحديثة ومآلاتها، أما أوجلان فيكتب من قلب تجربة كردية ريفية وقبلية ومدينية في آن، من تجربة شعب موزع على أربع دول قومية لا يعترف أيٌّ منها بحق تقريره لمصيره. ومن هذا الاختلاف في الموقع تبرز إضافة أوجلان الأصيلة: فهو يوسّع مفهوم الكوميونة ليتجاوز حدود المدينة الحضرية ويشمل المجتمعات القبلية والريفية والمجتمعات العابرة للحدود السياسية، مُقدِّماً نموذجاً لحكم ذاتي لا يقوم على وحدة الأرض المعترف بها دولياً، بل على وحدة المجتمع وتضامنه الحي. وسنتعرض بعد برهة هنا للتناص بين التجربتين.
لماذا الكوميونة بديلاً لصراع الطبقات؟
هنا تحديداً يقع الاختلاف الجوهري الذي يُفرّق أوجلان عن الموروث الماركسي الكلاسيكي، والذي يحتاج إلى تأمل حقيقي بدلاً من الاكتفاء بإعادة صياغة الفارق الظاهر. فصراع الطبقات عند ماركس وإنجلز يقوم على فرضيات بنيوية واضحة: أن العلاقة الأساسية في المجتمع الرأسمالي هي علاقة رأس المال بالعمل، وأن التناقض الحادّ بين البروليتاريا والبرجوازية هو المحرك الرئيسي للتغيير التاريخي، وأن مآل هذا التناقض هو ثورة تنتزع فيها الطبقة العاملة وسائل الإنتاج وتُقيم دولتها الانتقالية كطريق نحو المجتمع اللاطبقي. وهذا المخطط، رغم عبقريته التحليلية، يحمل في طياته ثلاث افتراضات يرفضها أوجلان بصورة متصاعدة في مساره الفكري.
الافتراض الأول هو مركزية الاقتصاد. فالماركسية الكلاسيكية تجعل من العلاقات الاقتصادية “البنية التحتية” التي يرتكز عليها كل شيء آخر، من سياسة وثقافة وأخلاق وفن. ويُشكّل هذا الاختزال، بنظر أوجلان، عمى إيديولوجياً لأنه يُغفل هيمنات أخرى قديمة وعميقة لا تُرجأ إلى اليوم الذي يتغير فيه نمط الإنتاج. يقول : إن هيمنة الرجل على المرأة هي أقدم علاقة هيمنة في التاريخ الإنساني، وهي سابقة لنشوء الملكية الخاصة والدولة والطبقات. وهيمنة الإنسان على الطبيعة سابقة هي الأخرى للرأسمالية. وهيمنة الثقافة على أخرى، والعرق على آخر، هيمنات لا يُفسّرها الاختزال في العلاقة الطبقية الاقتصادية وحدها. ومن هنا، لا يُلغي أوجلان الطبقية بل يرفض وضعها في القمة؛ فبدلاً من أن تكون الاقتصاد هو الأصل وما عداه فروعاً، يرى أن ثمة ثلاث هيمنات متشابكة ومتساوية في الجذرية: هيمنة الدولة، وهيمنة الذكورية، وهيمنة الرأسمالية، وأن أي مشروع تحرري لا يتصدى للثلاثة معاً سيُعيد إنتاج ما يُريد تجاوزه.
الافتراض الثاني هو منطق الثورة المركزية. فالفكر الماركسي اللينيني صوّر التغيير الجذري باعتباره حدثاً كارثياً يُقلب موازين القوى دفعة واحدة، ثم تتولى الدولة الثورية قيادة التحول نحو الاشتراكية. وقد أثبت التاريخ، في رأي أوجلان، أن هذا المسار لا يُنتج مجتمعاً حراً بل يُنتج دولة جديدة تستعيد بأيديها الثورية منطق القمع الذي أسقطته. فالسلطة لا يُلغيها الاستيلاء عليها، بل تُلغيها العلاقات الاجتماعية البديلة التي تنمو خارجها وتُحاصرها. ومن هنا يأتي الاختيار الأوجلاني للكوميونة: لا انتظار ثورة مركزية، بل بناء تدريجي ومتراكم لبنى اجتماعية بديلة في الحاضر نفسه. وهو في هذا يلتقي مع روزا لوكسمبورغ في نقدها للبلشفية، ومع أنطونيو غرامشي في تركيزه على الهيمنة الثقافية والمؤسسية لا مجرد الثورة السياسية، لكنه يتجاوزهما معاً نحو مشروع أكثر صراحة في رفض الدولة بوصفها أداة للتحرر.
الافتراض الثالث، وهو ربما الأعمق، هو مسألة الذات الثورية. فالماركسية وضعت الطبقة العاملة الصناعية في مركز التغيير التاريخي، وهو ما جعل المشاريع الثورية الكلاسيكية عاجزة إلى حد بعيد عن دمج النساء والأقليات الإثنية ومجتمعات الريف والشعوب الأصلانية في صميم مشروعها لا على هامشه. أما أوجلان فيجعل من الكوميونة إطاراً تنظيمياً مرناً قادراً على استيعاب كل هؤلاء لا بوصفهم حلفاء للبروليتاريا، بل بوصفهم ذواتاً تاريخية مستقلة تمتلك كل منها تجربتها في المقاومة وموروثها في الحكم الذاتي. وهكذا تصبح الكوميونة في الفكر الأوجلاني ليست بديلاً اقتصادياً للرأسمالية فحسب، بل إطاراً حضارياً شاملاً يُعيد ترتيب العلاقات بين الأجناس والأعراق والثقافات والإنسان والطبيعة في منظومة واحدة متكاملة يسميها “الحداثة الديمقراطية”.
وثمة جانب آخر لا يقل أهمية في فهم لماذا اختار أوجلان الكوميونة بديلاً لصراع الطبقات، وهو الجانب الأنثروبولوجي-التاريخي. فأوجلان يرى، مستنداً إلى جيمس سكوت (The Art of Not Being Governed, 2009) ومارشال سالينز، أن شعوب الهامش كالكرد تمتلك تاريخاً عميقاً من الحكم الذاتي غير الرسمي، في القرى والعشائر والمجالس القبلية والنقابات والأسواق المحلية، وهو تاريخ ظل يُرمم نفسه في مواجهة الدولة المركزية المتعاقبة عبر القرون. وهذا الإرث ليس بقايا من ماضٍ متخلف، بل هو مورد ثري يمكن إعادة تفعيله وتنظيمه وتطويره بما يلائم التحديات الراهنة. ومن هنا يصبح الكوميون عند أوجلان تحديثاً لهذا الإرث لا قطيعة معه، مغايراً بذلك الإيديولوجيات الحداثية التي اعتبرت الموروث القبلي والمجتمعي عائقاً أمام التقدم.
في تصور أوجلان، لا تُفهم الكوميونة بوصفها وحدة حكم محلي أو بنية إدارية ضمن جهاز الدولة، بل بوصفها البنية الأولية التي يُعاد من خلالها تأسيس المجتمع الأخلاقي–السياسي. إنها المجال الذي يستعيد فيه المجتمع قدرته على تنظيم ذاته، واتخاذ قراراته، وتحديد أولوياته الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وهنا تتحول السياسة من شأن احترافي تمارسه النخب إلى ممارسة اجتماعية يومية تنبثق من الحاجات الحقيقية للناس. الكوميونة بهذا المعنى ليست مجرد مؤسسة، بل نمط حياة اجتماعي يقوم على التشاور، والمسؤولية المشتركة، والتضامن، والرقابة المجتمعية. إنها تدمج الاقتصاد بالأخلاق، إذ يصبح الإنتاج موجهاً للحاجات الاجتماعية لا للربح، وتدمج العدالة بالحياة اليومية عبر آليات حل النزاعات المجتمعية، وتعيد وصل الإنسان ببيئته عبر ممارسات الاستدامة المحلية. إن هذا التصور يعيد تعريف الديمقراطية بوصفها ممارسة اجتماعية شاملة، لا نظاماً سياسياً فحسب.
إن السؤال عمّا إذا كانت الكوميونة تعني امتلاك مجموعة من الأفراد لفضائهم الجغرافي، ومن ثم فضائهم السياسي، وبالتالي قدرتهم على التحكم في مصيرهم، يلامس جوهر التصور الذي يبلوره عبد الله أوجلان حول المجتمع والديمقراطية والسيادة. غير أن الإجابة الدقيقة تتطلب تحرير المفهوم من اختزاله في معنى “الملكية” المباشرة، لأن الكوميونة عند أوجلان لا تقوم على منطق التملك، بل على منطق الاستعادة والتنظيم الذاتي. فهي لا تعني أن مجموعة من الأفراد تمتلك الأرض كما تُمتلك سلعة في إطار قانوني، بل أن المجتمع المحلي يستعيد قدرته على إدارة فضائه بوصفه مجالاً للعيش المشترك، ولإنتاج القرار، ولتنظيم الاقتصاد والعدالة والعلاقات الاجتماعية.
في هذا المعنى، يتحول الفضاء الجغرافي من كونه مجرد مساحة خاضعة لسيادة الدولة أو السوق إلى فضاء سياسي حيّ. فالحي، أو القرية، أو البلدة، لا تعود وحدات إدارية تابعة لمركز بعيد، بل تصبح مواقع فعل سياسي مباشر. إن المكان هنا لا يُختزل في جغرافيا، بل يتحول إلى شبكة علاقات تشاركية، حيث تُتخذ القرارات من خلال المجالس والكومينات، ويُعاد ربط الاقتصاد بالحاجات الفعلية للسكان، وتُدار النزاعات عبر آليات مجتمعية. هكذا يصبح الفضاء الجغرافي فضاءً للسيادة المجتمعية، لا موضوعاً للملكية الخاصة أو للهيمنة المركزية. لكن هذه السيادة ليست سيادة دولة بديلة، ولا هي إعلان استقلال قومي مغلق. إنها سيادة موزعة، تمارسها الجماعة بوصفها قدرة على التنظيم الذاتي داخل شبكة أوسع من العلاقات الكونفدرالية. فالكوميونة لا تسعى إلى إقامة حدود مغلقة أو احتكار للعنف، بل إلى تقليص احتكار الدولة للسلطة وإعادة توزيعها داخل المجتمع. ومن ثم فإن التحكم في المصير لا يُفهم هنا بوصفه لحظة تأسيسية تُعلن فيها دولة جديدة، بل بوصفه عملية يومية تُمارس فيها الجماعة قدرتها على اتخاذ القرار في شؤونها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
بهذا المعنى، يمكن القول إن الكوميونة تعيد تعريف تقرير المصير نفسه. ففي التصور القومي الكلاسيكي، يعني تقرير المصير إنشاء كيان سيادي مستقل يعترف به القانون الدولي. أما في التصور الأوجلاني، فيعني تقرير المصير أن يمتلك المجتمع أدوات تنظيم حياته دون انتظار تفويض من سلطة مركزية. إن المصير هنا لا يُنتزع عبر حدث سياسي واحد، بل يُبنى عبر ممارسة ديمقراطية مستمرة. وكلما ازدادت قدرة المجتمع على إدارة موارده، وتنظيم عدالته، وتعزيز تضامنه الداخلي، تعمقت قدرته على توجيه مسار وجوده. ومن زاوية أعمق، تعني الكوميونة استعادة الإنسان لعلاقته الوجودية بمحيطه. ففي الحداثة الرأسمالية، جرى فصل الفرد عن فضائه عبر تحويل الأرض إلى ملكية، وتحويل السياسة إلى احتراف، وتحويل الاقتصاد إلى منظومة مستقلة عن الحياة اليومية. أما في التنظيم الكومينالي، فيُعاد وصل الفرد بجماعته وبأرضه عبر المشاركة المباشرة. وبهذا لا يصبح المكان مجرد إطار مادي للعيش، بل شرطاً لإنتاج المعنى والانتماء والفاعلية.
ومع ذلك، لا يمكن فهم الكوميونة كدعوة إلى الانغلاق المحلي أو إلى الانفصال عن العالم. فهي لا تقوم على الاكتفاء الذاتي المطلق، بل على توازن بين الاستقلال المحلي والتنسيق الأوسع. إن إدارة الفضاء المحلي لا تعني القطيعة مع الفضاءات الأخرى، بل تعني الدخول في علاقات تعاونية أفقية تحافظ على استقلالية كل جماعة. وهنا يكمن تميّزها: فهي تحاول أن تحل معضلة العلاقة بين الأرض والسياسة دون أن تعيد إنتاج الدولة القومية بصيغة مصغّرة. وللعودة إلى النص الأول وفكرة الكوميونة بوصفها حجر الزاوية في مشروع عبد الله أوجلان، يمكن قراءة هذا المفهوم ليس باعتباره آلية تنظيم محلية فحسب، بل كصيغة نظرية وسياسية لاقتراح حداثة بديلة تتجاوز ثنائية الدولة القومية والرأسمالية. فالكوميونة عند أوجلان، كما تتضح من الدراسات والنصوص التي تناولناها، تمثل نقطة التقاء بين نقد الحداثة الرأسمالية وإعادة تخيل السياسة بوصفها ممارسة مجتمعية أخلاقية.
يتعمّق فهم الكوميونة في مشروع عبد الله أوجلان عندما نضعها ضمن مسار تاريخي طويل من تفكك المجتمع أمام صعود الدولة المركزية، وتحول الاقتصاد إلى منظومة تراكمية منفصلة عن الحياة، وتحول المعرفة إلى جهاز سلطوي يحدد ما ينبغي التفكير فيه وكيفية التفكير. فالكوميونة، في هذا الأفق، ليست مجرد إعادة تنظيم إداري للمجتمع، بل محاولة لإعادة تأسيس البنية الأنثروبولوجية للعيش المشترك. إنها استعادة لقدرة المجتمع على أن يكون فاعلاً تاريخياً، لا موضوعاً لإدارة الدولة أو السوق. ويرى أوجلان أن المجتمعات البشرية قبل تشكل الدولة كانت تقوم على أشكال من التنظيم الأخلاقي–التشاركي، حيث كانت القرارات تُتخذ جماعياً، والاقتصاد مرتبطاً بالحاجات، والهوية متداخلة مع البيئة الطبيعية. ومع صعود الحضارات السلطوية، تحولت هذه البنى إلى أنظمة طبقية وهيمنية، وتم إقصاء المجتمع من السياسة. الكوميونة، بهذا المعنى، ليست ابتكاراً حديثاً بقدر ما هي استعادة نقدية لذاكرة المجتمع الأخلاقية، ولكن ضمن شروط ديمقراطية معاصرة تضمن المساواة الجندرية والتعددية الثقافية.
في هذا السياق، تصبح الكوميونة أيضاً أداة لإعادة تعريف الذات السياسية. فبدلاً من المواطن الذي يُعرَّف بعلاقته بالدولة، يظهر “العضو المجتمعي” الذي يُعرَّف عبر مشاركته في الحياة الجماعية. هذه النقلة المفاهيمية تعيد السياسة إلى مجالها الاجتماعي، وتكسر احتكار الدولة لتعريف الانتماء والحقوق. وقد لاحظت دراسات في النظرية الديمقراطية الراديكالية أن هذا التحول يفتح المجال لتصورات جديدة للمواطنة تقوم على المشاركة المباشرة بدلاً من التمثيل البيروقراطي. من ناحية أخرى، تتجلى الكوميونة كفضاء لإعادة بناء الزمن الاجتماعي. فالحداثة الرأسمالية أعادت تنظيم الزمن حول الإنتاج والاستهلاك والربح، مما أدى إلى تسليع الحياة اليومية. أما في التنظيم الكومينالي، فإن الزمن يُعاد توجيهه نحو الرعاية، والتعلم الجماعي، والعمل التعاوني، والمشاركة السياسية. وبهذا، تتحول الحياة اليومية نفسها إلى فضاء سياسي ومعرفي، حيث تصبح الممارسة الاجتماعية مصدراً للمعنى لا مجرد امتثال لإيقاع السوق.
ويمتد هذا التحول إلى المجال الاقتصادي، حيث يطرح أوجلان مفهوم “الاقتصاد المجتمعي” بوصفه بديلاً للاقتصاد الرأسمالي. فبدلاً من الإنتاج الموجه للربح، يُعاد تنظيم الإنتاج وفق حاجات المجتمع واستدامة البيئة. ويُفهم العمل بوصفه نشاطاً اجتماعياً يحقق الترابط والتكافل، لا مجرد وسيلة للبقاء الفردي. وقد أظهرت دراسات الاقتصاد التضامني أن مثل هذه النماذج تخلق شبكات أمان اجتماعي، وتحد من الفوارق الطبقية، وتعزز الاستقلال المحلي في مواجهة تقلبات السوق العالمية. وتأخذ الكوميونة بُعدها الأكثر راديكالية في مشروع تحرر المرأة، الذي يحتل موقعاً مركزياً في فكر أوجلان. فهو يرى أن أول أشكال الهيمنة التاريخية تجسدت في إخضاع المرأة، وأن كل أنظمة السلطة اللاحقة أعادت إنتاج هذا النموذج. لذلك لا يمكن لأي مشروع تحرري أن ينجح دون تفكيك البنية الذكورية للسلطة. داخل الكوميونة، تُعاد صياغة العلاقات الجندرية عبر المشاركة المتساوية، والرئاسة المشتركة، والمؤسسات النسوية المستقلة، مما يحوّل تحرير المرأة من شعار سياسي إلى ممارسة مؤسسية يومية. وقد رأت دراسات نسوية أن هذا النموذج يقدم مثالاً نادراً على دمج النسوية ضمن بنية الحكم المحلي.
كما تشكّل الكوميونة فضاءً لإعادة بناء التعددية الثقافية خارج منطق الدولة القومية التي تسعى إلى التجانس. ففي النظام الكومينالي، لا تُعتبر الاختلافات اللغوية أو الدينية أو الإثنية تهديداً للوحدة، بل شرطاً لثراء المجتمع. وتعمل المجالس المحلية على تمثيل مختلف المكونات، مما يخلق نموذجاً للتعايش قائم على الاعتراف المتبادل لا على الاندماج القسري. هذا التصور يقدّم بديلاً عملياً للأزمات المزمنة المرتبطة بالهوية في الشرق الأوسط. وعند وضع هذه الرؤية ضمن أفق التحول الديمقراطي، تظهر الكوميونة بوصفها مختبراً حياً للديمقراطية القاعدية. فالديمقراطية هنا ليست حدثاً انتخابياً دورياً، بل عملية مستمرة من المشاركة واتخاذ القرار الجماعي. وتتيح هذه البنية نشوء ثقافة سياسية جديدة، يتعلم فيها الأفراد مهارات النقاش، والتفاوض، والإدارة الجماعية، والمسؤولية المشتركة. وقد أظهرت أبحاث في علم الاجتماع السياسي أن المشاركة المباشرة تعزز الشعور بالقدرة السياسية وتحد من الاغتراب الديمقراطي.
وفي ضوء الأزمات العالمية الراهنة — من تفكك الثقة بالمؤسسات، وتصاعد السلطوية، والأزمات البيئية، واتساع الفوارق الاجتماعية — تبدو الكوميونة محاولة لإعادة التفكير في معنى الحداثة نفسها. فهي لا تدعو إلى العودة إلى الماضي، ولا إلى رفض التكنولوجيا أو التنظيم الحديث، بل إلى إعادة توجيه الحداثة نحو المجتمع بدلاً من الهيمنة عليه. ومن هنا، يمكن فهمها بوصفها مشروع حداثة بديلة يعيد التوازن بين الفرد والجماعة، والحرية والمسؤولية، والتقدم والاستدامة. إن ما يجعل هذا التصور جذرياً ليس طابعه الطوباوي، بل محاولته تحويل القيم الأخلاقية إلى مؤسسات، وتحويل الديمقراطية إلى ممارسة يومية، وتحويل المعرفة إلى نشاط اجتماعي مشترك. فالكوميونة، في جوهرها، ليست مجرد بنية سياسية، بل طريقة مختلفة للعيش والفهم والتنظيم، تُعيد للإنسان علاقته بالمجتمع والطبيعة والتاريخ.
الحداثة البديلة.. إعادة توجيه مسار الحضارة
إذا كان التحول الديمقراطي يمثل البعد السياسي لمشروع أوجلان، فإن الحداثة البديلة تمثل أفقه الحضاري الأوسع. فالحداثة الرأسمالية، في نظره، لم تكن مجرد مرحلة تاريخية، بل نظاماً حضارياً قائماً على ثلاث ركائز مترابطة: الدولة القومية، والرأسمالية، والنزعة الصناعية المهيمنة. هذه الركائز أنتجت اغتراب الإنسان عن مجتمعه، وعن الطبيعة، وعن ذاته. ولا تعني الحداثة البديلة رفض الحداثة أو العودة إلى الماضي، بل إعادة توجيهها نحو مسار إنساني ديمقراطي. فهي تسعى إلى الجمع بين منجزات الحداثة العلمية والتكنولوجية وبين قيم المجتمع الأخلاقي والتشاركي. وبدلاً من مركزية الدولة، تقترح لامركزية ديمقراطية؛ وبدلاً من اقتصاد الربح، اقتصاداً مجتمعياً تعاونياً؛ وبدلاً من الهيمنة على الطبيعة، علاقة تكاملية معها. ويرى أوجلان أن الحداثة الرأسمالية نجحت في فرض تصور أحادي للتقدم، يقيس التطور بالنمو الاقتصادي والقوة العسكرية. أما الحداثة البديلة فتقترح معياراً مختلفاً للتقدم يقوم على جودة الحياة، والتماسك الاجتماعي، والاستدامة البيئية، والمشاركة الديمقراطية. وهكذا يتحول مفهوم التقدم من التوسع الكمي إلى التوازن النوعي.
تتميز الحداثة البديلة أيضاً بإعادة الاعتبار للمجتمع بوصفه فاعلاً تاريخياً. ففي حين عملت الحداثة الرأسمالية على تفكيك الروابط المجتمعية لصالح الفردانية السوقية، يسعى المشروع الكوميونالي إلى إعادة بناء التضامن الاجتماعي بوصفه أساساً للحرية. فالحرية هنا لا تُفهم باعتبارها استقلال الفرد عن المجتمع، بل باعتبارها قدرة الفرد على المشاركة الواعية في الحياة الجماعية. كما تمثل الحداثة البديلة محاولة لتجاوز الثنائية الزائفة بين التقليد والحداثة. فهي لا ترفض التراث الثقافي، بل تعيد قراءته واستخراج عناصره الديمقراطية والتشاركية، وإدماجها في مشروع معاصر. وبهذا المعنى، تصبح الحداثة مشروعاً مفتوحاً متعدد المسارات، لا نموذجاً واحداً مفروضاً عالمياً.
ولا يمكن فصل التحول الديمقراطي عن مشروع الحداثة البديلة، إذ يشكل كل منهما شرطاً لوجود الآخر. فالحداثة البديلة تحتاج إلى بنية ديمقراطية مجتمعية لتحقيقها، بينما يحتاج التحول الديمقراطي إلى أفق حضاري يتجاوز حدود الدولة القومية والرأسمالية. بهذا الترابط، يصبح مشروع الكوميونة إطاراً عملياً لإعادة بناء السياسة والمجتمع والحضارة في آن واحد. إنه يقترح مساراً تاريخياً يهدف إلى تحرير المجتمع من الهيمنة، وإعادة تنظيم الحياة المشتركة على أساس المشاركة والعدالة والاستدامة. وفي عالم يشهد أزمات بيئية وسياسية واجتماعية متفاقمة، يكتسب هذا التصور أهمية خاصة، لأنه لا يقدم مجرد نقد للنظام القائم، بل يفتح أفقاً لإعادة تخيّل المستقبل السياسي والحضاري. بهذا، يمثل مشروع الكوميونة لدى عبد الله أوجلان محاولة نظرية متكاملة لإعادة تأسيس السياسة خارج أطر الدولة القومية والحداثة الرأسمالية. فبدلاً من فهم الديمقراطية باعتبارها شكلاً مؤسسياً للحكم داخل الدولة، يعيد هذا المشروع تعريفها بوصفها بنية اجتماعية قاعدية تُمارس فيها السلطة مباشرة عبر التنظيم الذاتي للمجتمع. وهنا تتحول الديمقراطية من آلية تمثيلية إلى ممارسة يومية تُعيد توزيع القوة داخل المجتمع وتعيد وصل السياسة بالحياة الاجتماعية.
ينطلق هذا التصور من نقد جذري للحداثة الرأسمالية التي قامت، وفق تحليله، على تلازم الدولة القومية والرأسمالية الصناعية والمركزية البيروقراطية. وقد أدت هذه المنظومة إلى تفكيك الروابط المجتمعية، وإنتاج اغتراب الإنسان عن ذاته ومجتمعه، وإخضاع الطبيعة لمنطق الاستغلال. في مواجهة ذلك، يطرح مشروع الحداثة البديلة تصوراً حضارياً يعيد توجيه مسار الحداثة نحو قيم المشاركة المجتمعية والاستدامة البيئية والعدالة الاجتماعية. في هذا السياق، تشكّل الكوميونة وحدة التنظيم الأساسية للمجتمع الديمقراطي، حيث تُمارس السلطة عبر المجالس المحلية، والتعاونيات، والمؤسسات المدنية، ضمن شبكة كونفدرالية تربط بين الوحدات المحلية دون أن تلغي استقلالها. ويؤدي هذا التنظيم إلى إعادة تعريف السيادة بوصفها قدرة المجتمع على تنظيم ذاته، بدلاً من كونها احتكاراً مركزياً للسلطة. وهكذا تنتقل السيادة من الدولة إلى المجتمع، ومن المركز إلى الشبكة، ومن السيطرة إلى التمكين.
يمثل التحول الديمقراطي في هذا الإطار عملية تاريخية تدريجية تبدأ من بناء البنى الديمقراطية القاعدية، وتؤدي إلى تقليص مركزية السلطة، وتعزيز المشاركة المجتمعية، وترسيخ ثقافة التعددية والمساواة. ولا يقتصر هذا التحول على الإصلاح السياسي، بل يشمل إعادة تشكيل الوعي الاجتماعي والعلاقات الثقافية والاقتصادية، بما يجعل الديمقراطية نمط حياة لا مجرد نظام حكم. كما يقدّم المشروع تصوراً للتعددية بوصفها شرطاً للديمقراطية، لا تهديداً لها. فالمجتمعات المتنوعة ثقافياً وإثنياً يمكن أن تتعايش ضمن إطار ديمقراطي مجتمعي يضمن المشاركة المتساوية دون فرض هوية قومية موحّدة. وبذلك يصبح التنظيم الكونفدرالي أداة لإدارة التنوع وتحقيق الاستقرار الاجتماعي. ومن الناحية الإبستمولوجية، يسهم هذا المشروع في إنتاج معرفة سياسية تنطلق من خبرات المجتمعات المحلية وتجاربها التاريخية، بدلاً من الاعتماد على نماذج حداثية مركزية ذات طابع أوروبي. وهو بذلك يفتح أفقاً لما يمكن تسميته حداثة متعددة المسارات، تعترف بتنوع الخبرات الحضارية وإمكانات التنظيم المجتمعي خارج نموذج الدولة القومية.
تكمن أهمية هذا التصور في كونه لا يقدّم نقداً للنظام القائم فحسب، بل يقترح بديلاً عملياً يستند إلى إعادة تنظيم المجتمع، وتعزيز المشاركة المباشرة، وبناء اقتصاد اجتماعي تعاوني، وترسيخ علاقة متوازنة مع الطبيعة. إنه مشروع يسعى إلى تجاوز ثنائيات الدولة والفوضى، الفرد والجماعة، التقليد والحداثة، عبر تصور ديمقراطي مجتمعي يدمج الحرية بالتضامن. وفي عالم تتفاقم فيه الأزمات البيئية والاجتماعية والسياسية، يقدّم هذا الإطار النظري رؤية لإعادة تخيّل المستقبل السياسي على أساس الديمقراطية المجتمعية، والعدالة، والاستدامة، والتعددية الثقافية. بذلك، يمكن فهم الكوميونة ليس فقط كشكل تنظيمي، بل كأفق حضاري بديل يسعى إلى إعادة بناء العلاقة بين الإنسان والمجتمع والطبيعة ضمن تصور أخلاقي–ديمقراطي شامل.
ولهذا، يمكن تعميق قراءة مفهوم الكوميونة في مشروع عبد الله أوجلان بوصفه ليس مجرد وحدة تنظيم محلي، بل صيغة معرفية وسياسية لإعادة تعريف الحداثة نفسها. ففي كتاباته، وخاصة سوسيولوجيا الحرية والدفاع عن الشعب وجذور الحضارة، يقدّم أوجلان نقداً جذرياً لما يسميه “الحداثة الرأسمالية”، معتبراً أنها ليست مرحلة تطور تاريخي طبيعي، بل نظام هيمنة تشكّل عبر تضافر الدولة القومية والرأسمالية والبطريركية. ولذلك فإن تجاوزها لا يتم عبر الاستيلاء على الدولة أو إعادة توزيع السلطة داخلها، بل عبر إعادة بناء المجتمع من القاعدة، أي عبر الكوميونات والتنظيمات المجتمعية.
ويرى أوجلان أن السياسة الديمقراطية لا تهدف إلى اقتسام السلطة داخل بنية الاحتكار، بل إلى خدمة المصالح الحيوية للمجتمع ككل. وهو يصرّح بوضوح أن الهدف الأساسي للنضال السياسي الديمقراطي هو “تشكيل مجتمع ديمقراطي وإيجاد أفضل السبل لإدارة الشؤون المشتركة عبر النقاش واتخاذ القرار”. هنا تتحول السياسة من صراع على السلطة إلى عملية أخلاقية جماعية لإدارة الحياة المشتركة. الكوميونة، في هذا الإطار، ليست مؤسسة إدارية، بل فضاء تتجسد فيه الإرادة المجتمعية، حيث يصبح القرار السياسي امتداداً للأخلاق الاجتماعية. بل ويذهب أوجلان أبعد من ذلك حين يعيد النظر في المفاهيم الكلاسيكية للصراع الطبقي والدولة. فهو يرى أن مفاهيم مثل الطبقة والدولة قد تحجب الواقع أكثر مما تكشفه، بينما تلعب الاحتكارات دوراً أوضح في الاستغلال والهيمنة. هذا التحول النظري يسمح بفهم الصراع الاجتماعي بوصفه صراعاً بين أنماط الهيمنة وأنماط المجتمع الأخلاقي، وليس مجرد صراع طبقي اقتصادي. من هنا تصبح الكوميونة إطاراً لمقاومة الاحتكار وإعادة تنظيم الاقتصاد بوصفه نشاطاً اجتماعياً أخلاقياً، إذ يؤكد أن الاقتصاد في المجتمع الديمقراطي يجب أن يكون في يد المجتمعات، وأنه ليس بنية تحتية أو فوقية بل الفعل الديمقراطي الأكثر جوهرية في المجتمع.
كما يعيد أوجلان كتابة تاريخ الحضارة بوصفه تاريخاً لهيمنة البنى الهرمية. فهو يرى أن أول الضربات القاتلة للأخلاق الاجتماعية والسياسة المجتمعية جاءت مع ظهور الاحتكار قبل خمسة آلاف عام، حين جرى تطبيع العبودية وإخضاع المرأة وتأسيس السلطة الذكورية. ويشير إلى أن الأنظمة ذات الآلهة الذكورية المهيمنة نشأت بوصفها قطيعة مع المجتمع الأمومي النيوليتي. هذه القراءة التاريخية ليست وصفاً للماضي فحسب، بل تأسيساً نظرياً لفهم أن الهيمنة ليست قدراً تاريخياً، وأن المجتمع الأخلاقي – الذي تجسده الكوميونة – يمكن أن يشكل بديلاً حضارياً.
وفي إطار نقده للملكية والدولة، يؤكد أوجلان أن الملكية الفردية المفرطة أو ملكية الدولة ليست متوافقة مع الحضارة الديمقراطية. فالطبيعة الاجتماعية تقتضي أن يكون الاقتصاد في يد المجتمعات، وأن الديمقراطية ضرورية للاقتصاد نفسه. ويقترح نموذج “مجتمعات إيكولوجية” زراعية وحضرية تُنظم الإنتاج على أساس تعاوني غير ربحي، بهدف القضاء على البطالة والفقر وإعادة بناء التوازن البيئي. هذا الطرح يربط الكوميونة بالاقتصاد الإيكولوجي، ويحوّلها إلى إطار لإعادة إنتاج الحياة خارج منطق الربح. ويرى أوجلان أيضاً أن الهيمنة الأيديولوجية لا يمكن أن تتعايش مع الديمقراطية. فالحضارة الديمقراطية، في تصوره، لا تحتمل أي شكل من أشكال الهيمنة الفكرية أو السياسية، لأن إدارة الشؤون الاجتماعية تتطلب التفاهم المتبادل واحترام الاختلاف والالتزام بالقرار الديمقراطي. لذلك، فإن الكوميونة ليست مجرد تنظيم سياسي، بل فضاء تعددي يضمن الاعتراف المتبادل والعيش المشترك.
وفي نقده للماركسية التقليدية، يذهب أوجلان إلى أن تقسيم المجتمع إلى طبقات لم يكن تقدماً بل تراجعاً اجتماعياً وأخلاقياً، وأن اعتبار هذا التقسيم مرحلة حتمية من التقدم خطأ كبير في النضال من أجل الحرية. هذا الطرح يفتح المجال لفهم الكوميونة كبديل للصراع الطبقي، لا بإلغاء التفاوتات، بل بإعادة بناء المجتمع على أساس التضامن والتعاون والمشاركة المباشرة. كما يؤكد على أن الحرية والمساواة والديمقراطية لا يمكن تحقيقها عبر الهندسة الاجتماعية أو السلطوية، بل عبر مجتمع يمتلك ضميره وقوته الفكرية الذاتية. لذلك فإن أي وسيلة تغيير لا ترفع المستوى الأخلاقي والسياسي للمجتمع لا يمكن اعتبارها شرعية. الكوميونة هنا تمثل آلية رفع هذا المستوى، لأنها تعيد السياسة إلى المجال الاجتماعي الأخلاقي.
ويطرح مفهوم “الأمة الديمقراطية” بوصفه إطاراً يتجاوز الدولة القومية، مقدماً حلاً من مستوى المجتمعات الصغيرة حتى العالم بأسره. هذا المفهوم يضع الكوميونة كوحدة أساسية في شبكة كونفدرالية تتيح التعددية الثقافية والسلام والتوازن البيئي. ويرى أن الديمقراطية الحديثة كلما تطورت كنظام، زادت إمكانية الوصول إلى سلام كريم. وفي ضوء ذلك، يمكن فهم الكوميونة لدى أوجلان بوصفها أداة لإنتاج معرفة بديلة عن الحداثة: فهي تعيد تعريف السياسة بوصفها أخلاقاً اجتماعية، والاقتصاد بوصفه نشاطاً مجتمعياً، والتاريخ بوصفه صراعاً بين الهيمنة والحرية، والحداثة بوصفها إمكاناً ديمقراطياً لا مشروعاً سلطوياً. إنها ليست مجرد شكل تنظيمي، بل مشروع حضاري يسعى إلى إعادة بناء المجتمع على أساس الديمقراطية المباشرة، والاقتصاد التعاوني، والتحرر الجندري، والاستدامة البيئية، والتعددية الثقافية. وبهذا المعنى، تمثل الكوميونة لدى أوجلان محاولة لتجاوز الحداثة السلطوية نحو حداثة مجتمعية تنبع من المجتمع ذاته، حيث يصبح التنظيم القاعدي ليس بديلاً للدولة فقط، بل أفقاً معرفياً وأخلاقياً لإعادة بناء العالم الاجتماعي.
يُقرأ مشروع الكوميونة لدى عبد الله أوجلان بوصفه أكثر من تصور سياسي؛ إنه أيضاً مشروع معرفي يسعى إلى إعادة تعريف مصادر المعرفة السياسية خارج المركزيات الغربية الحديثة. ففي هذا الأفق، تندرج الكونفدرالية الديمقراطية ضمن ما يمكن تسميته بـ«إبستمولوجيات الجنوب»؛ أي أنماط المعرفة التي تنبثق من تجارب تاريخية مهمّشة، ومن مجتمعات عاشت خارج مركز السلطة الإمبراطورية، أو على هامش الدولة القومية الحديثة. في الحداثة الأوروبية، تشكّل نموذج الدولة القومية باعتباره المسار الطبيعي للتاريخ السياسي، وتحوّل إلى معيار عالمي للشرعية والتنظيم. غير أن هذا النموذج، حين طُبِّق في مناطق متعددة الإثنيات والثقافات، أنتج أشكالاً من العنف البنيوي والإقصاء الثقافي. من هنا، تنبع أهمية الأطروحة الأوجلانية بوصفها محاولة لتفكيك «مركزية النموذج الواحد» واستعادة إمكانات تنظيم سياسي متجذرة في خبرات تاريخية بديلة.
ينطلق هذا التصور من إعادة قراءة التاريخ الاجتماعي للشرق الأوسط، لا بوصفه فضاءً للتأخر عن الحداثة، بل باعتباره حاملاً لأنماط تنظيم اجتماعي تعاونية سبقت الدولة المركزية. يشير أوجلان إلى أن المجتمعات النيوليتية والقرى الزراعية الأولى عرفت أشكالاً من التضامن المشاعي والتنظيم التشاركي، وأن هذه البنى لم تختفِ بالكامل، بل استمرت في التقاليد القبلية والتضامن المجتمعي والاقتصاد التعاوني. إن استعادة هذه الخبرات لا تعني العودة إلى الماضي، بل إعادة تفعيل إمكاناته في سياق معاصر. ضمن هذا الإطار، تتحول المعرفة السياسية من كونها مستوردة من نماذج الدولة الغربية إلى معرفة متجذرة في التجربة المجتمعية المحلية. فالكوميونة ليست نموذجاً نظرياً مفروضاً من الخارج، بل هي امتداد لأنماط التنظيم الاجتماعي التي حافظت على التماسك المجتمعي رغم القمع السياسي والتهميش الاقتصادي. وهكذا تصبح التجربة التاريخية مصدراً للابتكار السياسي، لا مجرد موضوع للدراسة. تتحدى إبستمولوجيات الجنوب أيضاً فكرة أن التقدم السياسي يسير في خط واحد من «التقليدية» إلى «الحداثة». فالنموذج الأوجلاني يقترح حداثة متعددة المسارات، حيث يمكن للمجتمعات أن تبني مؤسسات ديمقراطية معاصرة دون المرور عبر الدولة القومية المركزية. هذه الرؤية تفتح المجال أمام حداثة بديلة تقوم على التعددية الثقافية والتنظيم الأفقي والاستدامة البيئية.
كما ترتبط هذه الرؤية بإعادة الاعتبار للمعرفة الأخلاقية والمجتمعية التي همّشتها الحداثة التقنية. فبدلاً من النظر إلى الطبيعة بوصفها مورداً للاستغلال، يعيد نموذج المجتمع الإيكولوجي ربط الإنسان ببيئته، ويضع الاستدامة في صلب التنظيم الاجتماعي. وهنا تتقاطع إبستمولوجيات الجنوب مع نقد الحداثة الصناعية، حيث يُعاد تعريف التقدم بوصفه توازناً بين المجتمع والطبيعة، لا هيمنة أحدهما على الآخر. ومن منظور معرفي أوسع، يعيد هذا الطرح الاعتبار للتعدد اللغوي والثقافي بوصفه ثراءً معرفياً. فاللغات المحلية والتقاليد الشفوية وأنماط التنظيم العرفية ليست بقايا ماضٍ متجاوز، بل مخازن معرفة بديلة يمكن أن تسهم في بناء نظم سياسية أكثر مرونة وعدلاً. وهكذا تتحول الديمقراطية من إطار قانوني مجرد إلى ممارسة ثقافية يومية متجذرة في حياة الناس. إن تبنّي هذا الأفق المعرفي يمثّل أيضاً نقداً للهيمنة المعرفية التي رافقت الاستعمار والعولمة، حيث فُرضت نماذج سياسية واقتصادية بوصفها معايير عالمية. في المقابل، يقترح أوجلان إعادة توزيع السلطة المعرفية، بحيث تصبح المجتمعات المحلية منتجة للمعرفة السياسية، لا مجرد مستهلكة لها.
من أكثر ما يُميّز الفكر الأوجلاني عن سائر مشاريع الحداثة البديلة أنه لا يُقيم علاقة قطيعة مع الماضي، بل يُعيد استدعاءه استدعاءً نقدياً خلاقاً. فالحداثة الأوروبية في تقليدها الرئيسي، من هيغل إلى ماركس إلى الليبراليين من أمثال فوكوياما، تقوم على تصور خطي للزمن يجعل من الحاضر تجاوزاً للماضي، ومن المستقبل امتداداً للحاضر في نسق تصاعدي يُكرّس مفهوم “التقدم” بوصفه حركة لا رجعة فيها. وفي هذا التصور الزمني تتحول كل مجتمعات الأرض إما إلى “متقدمة” تسبق الركب أو “متخلفة” تلحق به، وكل موروث ثقافي أو اجتماعي إما أن يُصنَّف “تقدمياً” لأنه يخدم الحداثة أو “رجعياً” لأنه يُعيق مسيرتها. ويرفض أوجلان هذا التصور الزمني من جذره. فهو في “منيفستو الحضارة الديمقراطية” يُقدّم رؤية للتاريخ الإنساني لا تقوم على المراحل المتعاقبة بل على تعايش دائم بين نمطين حضاريين مختلفين: حضارة الدولة والهيمنة من جهة، والحضارة الديمقراطية الكوميونية من جهة أخرى. ويرى أن هذين النمطين لم يتعاقبا زمنياً بل تصارعا في كل حقبة وفي كل مكان، وأن انتصار حضارة الدولة في الحقبة الحديثة لم يعنِ اندثار الحضارة الديمقراطية، بل دفعها إلى هوامش الخريطة السياسية والاجتماعية حيث ظلت تُقاوم وتتكيف وتنتظر. وبهذا المنظور لم يعد الكوميون اختراعاً حديثاً أو يوتوبيا مستقبلية، بل هو إعادة اكتشاف وإعادة تفعيل لنمط حياة ظل يعيش في قرى الجبال وتجمعات الحدود وأسواق التبادل المحلي وقبائل الهامش عبر القرون.
هذا الموقف من الزمن له تداعيات معرفية بالغة الأهمية. فهو يعني أن الكوميونة لا تحتاج إلى نقطة صفر ثورية تُعلَن فيها القطيعة مع الماضي، بل تحتاج إلى استكشاف ما هو موجود فعلاً في النسيج الاجتماعي وتقويته ورعايته وتوسيع نطاقه. وهذا ما يجعل المشروع الأوجلاني أكثر قابلية للتطبيق في السياقات التي تحتفظ بموروثات قوية من التضامن المجتمعي، كما هو الحال في أجزاء واسعة من الشرق الأوسط وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، مقارنةً بالسياقات الغربية التي أجهزت الرأسمالية على هذه الموروثات بصورة أكثر شمولاً. ويُعيدنا هذا إلى الحضور الكردي الخاص في الفكرة؛ فالمجتمعات الكردية في مناطق جبلية وريفية حافظت على أشكال من الحكم الذاتي القبلي والعشائري والمجتمعي لم تستطع الدولة القومية الحديثة سحقها كلياً، وهو ما يجعلها أرضاً خصبة بشكل استثنائي لتجربة الكوميون لا بالمعنى الرومانسي، بل بالمعنى الاجتماعي الملموس.
من التمثيل التقليدي إلى ثراء نموذج سيادي بديل
يمتد تصور الكوميونة لدى عبد الله أوجلان من المجال النظري إلى فضاء الفعل السياسي بوصفه نموذجاً انتقالياً يعيد تعريف معنى التحول الديمقراطي ذاته. فالانتقال الديمقراطي، في التجارب الكلاسيكية، يُفهم غالباً بوصفه انتقالاً من نظام سلطوي إلى نظام تمثيلي ليبرالي عبر إصلاح الدولة ومؤسساتها. أما عند أوجلان، فإن هذا الانتقال لا يمكن أن يتحقق عبر الدولة وحدها، لأن الدولة القومية الحديثة تشكّلت تاريخياً بوصفها جهازاً للهيمنة والتجانس القسري وإدارة المجتمع عبر الاحتكار والعسكرة. لذلك فإن الديمقراطية الحقيقية لا تُبنى من أعلى، بل تنمو من أسفل، عبر تكوين بنى مجتمعية مستقلة قادرة على إدارة الحياة اليومية بصورة جماعية.
ينطلق أوجلان من فكرة أن المجتمع يمتلك قدرة كامنة على التنظيم الذاتي، وأن التاريخ لم يكن مجرد مسار حتمي نحو الدولة والطبقات، بل تخلله دوماً صراع بين المجتمع الأخلاقي وبنى الهيمنة. في هذا السياق، تصبح الكوميونة إطاراً لإعادة تفعيل هذه القدرة الكامنة، إذ تتيح للمجتمع أن يستعيد وظائفه السياسية والأخلاقية التي صادرتها الدولة. لذلك يطرح مفهوم “السياسة الديمقراطية” بوصفها ممارسة مجتمعية مستمرة، لا مجرد تنافس انتخابي، حيث يُعاد تعريف السياسة باعتبارها إدارة جماعية للشأن العام قائمة على النقاش والتوافق. وفي فضاء الفعل السياسي، تتجسد هذه الرؤية عبر بناء المجالس المحلية، التعاونيات الاقتصادية، المؤسسات النسوية، ومنظمات المجتمع المدني التي تعمل بصورة شبكية. هذه البنى لا تهدف فقط إلى تقديم خدمات بديلة، بل إلى إعادة توزيع السلطة داخل المجتمع ذاته، بحيث يصبح اتخاذ القرار عملية تشاركية يومية. وهنا تتحول الديمقراطية من إجراء دستوري إلى ممارسة اجتماعية متجذرة، حيث يتعلم الأفراد المشاركة والمسؤولية المشتركة، مما يخلق ثقافة سياسية جديدة تتجاوز التبعية للدولة.
يرى أوجلان أن الانتقال الديمقراطي لا يمكن أن يتحقق دون تحرير المرأة، لأن النظام الأبوي هو أحد الأعمدة التاريخية للسلطة الهرمية. لذلك فإن مشاركة النساء في القيادة والتنظيم ليست مسألة تمثيل رمزي، بل شرط بنيوي لبناء مجتمع ديمقراطي. فالديمقراطية، في تصوره، لا تكتمل دون تفكيك البنى الذكورية التي أعادت إنتاج الهيمنة عبر التاريخ. ومن هنا تأتي أهمية التنظيمات النسوية المستقلة داخل البنية الكوميونية، بوصفها قوة تحول اجتماعي لا مجرد مطلب حقوقي. كما يربط بين التحول الديمقراطي وإعادة بناء الاقتصاد على أساس مجتمعي. فالاقتصاد التعاوني الذي تديره الكوميونات يهدف إلى تحرير المجتمع من تبعية السوق الاحتكارية ومن سيطرة الدولة البيروقراطية. هذا الاقتصاد ليس مجرد آلية إنتاج، بل وسيلة لإعادة بناء العلاقات الاجتماعية على أساس التضامن. وفي هذا الإطار، تصبح التعاونيات الزراعية والحضرية أدوات لمكافحة الفقر والبطالة، وفي الوقت ذاته مدارس لتعلم الإدارة الجماعية والعدالة التوزيعية.
من منظور الانتقال السياسي، لا يسعى أوجلان إلى تدمير الدولة فوراً، بل يرى أن المرحلة الانتقالية قد تشهد تعايشاً بين مؤسسات الدولة والبنى الديمقراطية المجتمعية. هذه الثنائية ليست تناقضاً بقدر ما هي تعبير عن مرحلة انتقالية تاريخية، حيث تتراجع الدولة تدريجياً أمام توسع التنظيم الذاتي للمجتمع. فكلما تعززت البنى المجتمعية الديمقراطية، تضاءلت الحاجة إلى السلطة المركزية. هنا يتحول الانتقال الديمقراطي إلى عملية طويلة المدى تعيد تشكيل العلاقة بين المجتمع والسلطة، بدلاً من استبدال نخبة حاكمة بأخرى. كما يقدم مفهوم “الكونفدرالية الديمقراطية” إطاراً سياسياً لهذا الانتقال، حيث تتصل الكوميونات والمجالس المحلية ضمن شبكة أفقية عابرة للحدود القومية. هذه الشبكية تسمح بإدارة التنوع الثقافي والإثني دون اللجوء إلى نموذج الدولة القومية المتجانسة. وبهذا المعنى، يشكل المشروع الديمقراطي المجتمعي بديلاً للصراعات القومية، لأنه يعترف بالتعددية بوصفها مصدر قوة لا تهديداً للوحدة.
في هذا السياق، يصبح التحول الديمقراطي عملية إعادة بناء للمجال العام ذاته. فبدلاً من أن يكون المجال العام فضاءً تهيمن عليه الدولة أو السوق، يصبح فضاءً مجتمعياً مفتوحاً للمشاركة المباشرة. هذا التحول يعيد تعريف المواطنة بوصفها ممارسة يومية، لا مجرد صفة قانونية. المواطن هنا ليس ناخباً دورياً، بل فاعل مستمر في إدارة الحياة المشتركة. كما يؤكد أوجلان أن الديمقراطية لا يمكن أن تستقر دون إعادة بناء العلاقة مع الطبيعة. فالأزمة البيئية، في نظره، ليست منفصلة عن أزمة السلطة، بل نتاج لنفس العقلية الهيمنية التي تعامل الطبيعة كمورد للاستغلال. لذلك فإن المجتمع الديمقراطي الإيكولوجي يشكل جزءاً من عملية الانتقال الديمقراطي، لأنه يعيد التوازن بين المجتمع والبيئة ويؤسس لاستدامة الحياة.
من هذا المنظور، يمكن فهم الكوميونة بوصفها بنية انتقالية بين الحداثة السلطوية والحداثة الديمقراطية المجتمعية. فهي ليست فقط أداة تنظيم سياسي، بل مختبر اجتماعي لإنتاج قيم جديدة: التعاون بدل التنافس، المشاركة بدل التمثيل، الأخلاق الاجتماعية بدل البيروقراطية، والتعددية بدل التجانس القسري. هذه القيم، حين تتجذر في الحياة اليومية، تُحدث تحولاً عميقاً في الثقافة السياسية، وهو الشرط الحقيقي لأي انتقال ديمقراطي مستدام. وبذلك، لا يقدم أوجلان نموذجاً إصلاحياً للديمقراطية، بل مشروعاً لتحويل المجتمع ذاته إلى فاعل سياسي. فالانتقال الديمقراطي، في هذا الإطار، ليس لحظة دستورية، بل عملية تاريخية طويلة يعيد فيها المجتمع اكتشاف قدرته على الحكم الذاتي، وتتحول الكوميونة إلى البنية الأساسية التي تُعاد من خلالها صياغة السياسة والاقتصاد والثقافة والعيش المشترك.
يمثّل تصور الكوميونة لدى عبد الله أوجلان تحوّلاً جذرياً في مفهوم السيادة، إذ ينتقل من سيادة الدولة بوصفها سلطة احتكارية على الأرض والسكان والقانون، إلى سيادة المجتمع بوصفه فضاءً حياً للإرادة المشتركة. ففي الدولة القومية الحديثة، تُفهم السيادة باعتبارها وحدة مركزية غير قابلة للتجزئة، تُمارس من أعلى عبر أجهزة بيروقراطية وأمنية وقانونية. أما في نموذج الكونفدرالية الديمقراطية، فإن السيادة تتوزع أفقياً داخل المجتمع، وتُمارس عبر المجالس والكومينات والمؤسسات المحلية التي تشكّل البنية الحقيقية لاتخاذ القرار. بهذا المعنى، لا تُلغى السيادة بل يُعاد توطينها. فبدلاً من أن تكون السيادة “ملكية” للدولة، تصبح وظيفة اجتماعية موزعة، تستمد شرعيتها من المشاركة المباشرة لا من التفويض الانتخابي الدوري. وهنا يتحول الشعب من مصدر نظري للسلطة إلى فاعل فعلي يمارسها يومياً. إن هذا التحول يفتح المجال أمام تصور سياسي تتراجع فيه الثنائية التقليدية بين الحاكم والمحكوم، لتحل محلها شبكة من العلاقات التشاركية التي تعيد توزيع القوة داخل المجتمع.
يُقوّض هذا التصور الأساس الفلسفي للسيادة الحديثة الذي نشأ مع الدولة الأوروبية منذ القرن السابع عشر، حيث ارتبطت السيادة بفكرة الاحتكار الشرعي للعنف والسيطرة القانونية على المجال العام. في المقابل، يقترح أوجلان نموذجاً تتراجع فيه مركزية العنف لصالح آليات اجتماعية لحل النزاعات، ويصبح القانون نتاجاً للتوافق المجتمعي بدلاً من كونه إرادة مفروضة من سلطة عليا. وهكذا تتحول الشرعية من كونها قانونية–مؤسساتية إلى شرعية أخلاقية–مجتمعية. كما يعيد هذا النموذج التفكير في العلاقة بين السيادة والحدود. فبدلاً من السيادة المرتبطة بالتراب الوطني المغلق، تُطرح سيادة مرنة تتجسد في شبكات مجتمعية عابرة للحدود القومية. فالمجتمعات المحلية يمكن أن تتعاون وتتحد في كونفدراليات إقليمية دون أن تلغي خصوصياتها. وهنا تتبدى السيادة بوصفها قدرة على التنظيم الذاتي والتعاون الحر، لا احتكاراً للقرار داخل حدود جغرافية جامدة. ويكتسب هذا التحول أهمية خاصة في مناطق التعدد الإثني والديني، حيث ارتبط مفهوم السيادة التقليدي بمحاولات فرض التجانس الثقافي. فحين تُعاد السيادة إلى المجتمع، تصبح التعددية جزءاً من بنيتها، لا تهديداً لها. وتتحول الهوية السياسية من هوية قومية مغلقة إلى هوية مدنية تعددية قائمة على المشاركة والانتماء المحلي.
وفي السياق ذاته، يقدّم هذا التصور بديلاً عن معضلة “الدولة أو الفوضى” التي هيمنت على الفكر السياسي الحديث. فالكوميونة لا تدعو إلى غياب التنظيم، بل إلى إعادة توزيع التنظيم داخل المجتمع نفسه. إن ما يُستبدل هنا ليس الدولة بوصفها جهازاً إدارياً ضرورياً، بل احتكارها للسلطة والسيادة. ولهذا يرى أوجلان إمكانية وجود دولة محدودة الوظائف تتعايش مع الديمقراطية المجتمعية، في مرحلة انتقالية تُعاد فيها صياغة العلاقة بين السلطة والمجتمع. تتجلى أهمية هذا الطرح أيضاً في عالم يشهد تراجع سيادة الدول أمام قوى السوق العالمية والشركات العابرة للقوميات. ففي حين تضعف الدولة القومية أمام العولمة، يمنح نموذج السيادة المجتمعية المجتمعات المحلية قدرة أكبر على التنظيم الذاتي وحماية مواردها وثقافتها. وهكذا تتحول السيادة من مفهوم قانوني مجرد إلى ممارسة اجتماعية يومية تعزز الاستقلال والمرونة. وومن منظور فلسفي أعمق، يمكن فهم إعادة تعريف السيادة هنا بوصفها انتقالاً من السيادة بوصفها سيطرة إلى السيادة بوصفها تمكيناً. فالسلطة لم تعد تُمارس لإخضاع المجتمع، بل لتمكينه من تنظيم ذاته وإدارة شؤونه. وهذه النقلة تعيد وصل السياسة بالأخلاق، وتفتح المجال أمام تصور للديمقراطية يتجاوز الإجرائية الشكلية نحو المشاركة الفعلية.
تناص وحوار بين أوجلان وبوكتشين
يتعمّق مشروع الكوميونة لدى عبد الله أوجلان حين يوضع في حوارٍ تناصي مع فكر موراي بوكتشين Murray Bookchin، إذ لا يمكن فهم التحول الذي طرأ على تصور أوجلان للديمقراطية والمجتمع دون استحضار الإطار النظري الذي طوّره بوكتشين حول البلديات التحررية والإيكولوجيا الاجتماعية. هذا التناص لا يعني مجرد تأثير فكري، بل يشير إلى تقاطع عميق في تشخيص أزمة الحداثة السلطوية واقتراح بدائل مجتمعية تتجاوز الدولة القومية والرأسمالية الصناعية.
يرى بوكتشين أن الحداثة الرأسمالية ليست فقط نظاماً اقتصادياً، بل بنية هيمنة متجذرة في التاريخ الهرمي للحضارة، حيث أنتجت السيطرة على الإنسان أساساً للسيطرة على الطبيعة. هذا التحليل يجد صداه لدى أوجلان، الذي يربط نشأة السلطة الهرمية بظهور الدولة المركزية والبطريركية والاحتكار الاقتصادي. كلاهما يعيدان كتابة تاريخ الحضارة بوصفه صراعاً جدلياً بين أنماط الهيمنة وإرث المجتمع التعاوني القديم. فبوكتشين يتحدث عن “المجتمع العضوي” السابق للتراتبية، بينما يسميه أوجلان “المجتمع الطبيعي”، وفي كلا التصورين يشكّل هذا الماضي مصدراً أخلاقياً وإمكاناً مستقبلياً. في الإطار السياسي، طوّر بوكتشين مفهوم البلديات التحررية بوصفها بديلاً للدولة القومية، حيث تمارس المجتمعات المحلية الديمقراطية المباشرة عبر مجالس شعبية تتحد كونفدرالياً لإدارة الشؤون المشتركة. هذا التصور يظهر بوضوح في مفهوم أوجلان عن الكونفدرالية الديمقراطية، التي تقوم على شبكة من الكوميونات والمجالس المحلية المرتبطة أفقياً، بحيث تنتقل السلطة من المركز إلى المجتمع. غير أن أوجلان يضيف بعداً شرق أوسطيّاً وتعددياً إلى هذا النموذج، إذ يجعله إطاراً لإدارة التنوع الإثني والثقافي والديني، وليس مجرد إصلاح مؤسسي للديمقراطية.
يشترك المفكران في رفض اختزال الديمقراطية في التمثيل البرلماني. فالديمقراطية، عندهما، ليست آلية انتخابية بل ممارسة يومية. يرى بوكتشين أن المجالس الشعبية هي “أشكال الحرية” القادرة على إعادة السياسة إلى المجال العام، بينما يؤكد أوجلان أن السياسة الديمقراطية تعني إدارة المجتمع لشؤونه بنفسه عبر النقاش والقرار الجماعي. بهذا المعنى، تصبح الكوميونة أو الجمعية الشعبية مدرسة للمواطنة الفاعلة، حيث يتعلم الأفراد المشاركة والمسؤولية والتفكير الجماعي. كما يتقاطع المشروعان في نقدهما للدولة بوصفها جهازاً بنيوياً للهيمنة. بوكتشين يرى أن الدولة القومية تمثل احتكاراً للسلطة يقوّض الديمقراطية، ويقترح بناء قوة مضادة عبر كونفدرالية المجالس. أما أوجلان فيصف الدولة بأنها أحد أخطر الظواهر التاريخية حين تتحول إلى أداة قمع وهيمنة، لكنه يقر بإمكانية التعايش المؤقت معها خلال المرحلة الانتقالية. هذا الاختلاف يعكس السياقات المختلفة: بوكتشين كتب في فضاء نظري غربي، بينما يطوّر أوجلان مشروعه في سياق صراع واقعي مع دول قومية مركزية.
في البعد الإيكولوجي، يشكل تأثير بوكتشين واضحاً في ربط أوجلان بين الديمقراطية والبيئة. الإيكولوجيا الاجتماعية عند بوكتشين تؤكد أن الأزمة البيئية هي نتيجة علاقات الهيمنة داخل المجتمع، وأن مجتمعاً ديمقراطياً لا مركزيّاً يمكنه إعادة التوازن مع الطبيعة. يتبنّى أوجلان هذا المنظور حين يرى أن تدمير البيئة مرتبط ببنية السلطة نفسها، وأن المجتمع الديمقراطي الإيكولوجي هو شرط استدامة الحياة. وهكذا تصبح الكوميونة ليس فقط وحدة سياسية، بل وحدة بيئية واقتصادية تعيد تنظيم العلاقة مع الطبيعة. كما يشترك المفكران في اعتبار تحرير المرأة محوراً مركزياً للتحول الديمقراطي. فبوكتشين رأى أن الهيمنة بدأت تاريخياً مع السيطرة الذكورية، بينما يؤكد أوجلان أن استعباد المرأة هو أقدم أشكال العبودية وأكثرها رسوخاً. لذلك فإن مشاركة النساء في القيادة والتنظيم ليست مسألة حقوقية فحسب، بل شرط بنيوي لتفكيك السلطة الهرمية وإعادة بناء المجتمع الأخلاقي.
من منظور الانتقال الديمقراطي، يقدّم التناص بين أوجلان وبوكتشين نموذجاً للتحول من “الديمقراطية الشكلية” إلى “الديمقراطية المجتمعية”. هذا التحول لا يحدث عبر ثورة مفاجئة أو إصلاح دستوري محدود، بل عبر بناء تدريجي لبنى مجتمعية بديلة تمارس السلطة فعلياً. بوكتشين سمّى هذا “السلطة المزدوجة”، حيث تنشأ مؤسسات شعبية قادرة على منافسة الدولة، بينما يرى أوجلان أن توسع التنظيم الذاتي للمجتمع يؤدي تدريجياً إلى تقليص دور الدولة. ومع ذلك، فإن أوجلان يوسّع أفق هذا المشروع ليشمل ما يسميه “الأمة الديمقراطية”، وهي إطار يتجاوز الحدود القومية ويعترف بالتعددية الثقافية بوصفها أساساً للوحدة. هنا يتحول نموذج البلديات التحررية إلى مشروع حضاري يتجاوز أوروبا وأمريكا الشمالية، ويتكيّف مع تعددية الشرق الأوسط وتعقيداته التاريخية.
إن التناص بين أوجلان وبوكتشين يكشف أن الكوميونة ليست مجرد بنية تنظيمية، بل أفق معرفي لإعادة التفكير في السياسة والحداثة. فهي تمثل انتقالاً من مركزية السلطة إلى مجتمعية القرار، ومن الاقتصاد الربحي إلى الاقتصاد التعاوني، ومن السيطرة على الطبيعة إلى التوازن معها، ومن الدولة القومية المتجانسة إلى التعددية الديمقراطية. بهذا المعنى، تتجسد الكوميونة بوصفها نقطة التقاء بين النقد الجذري للحداثة السلطوية وإمكانية بناء حداثة بديلة قائمة على الحرية والتعددية والمجتمع الأخلاقي.
وهكذا، فإن إدماج أفكار بوكتشين في مشروع أوجلان لا يقدّم مجرد استعارة نظرية، بل يفتح أفقاً عملياً للانتقال الديمقراطي، حيث يتحول المجتمع من موضوع للسلطة إلى فاعل سياسي، وتصبح الكوميونة البنية الأساسية التي يُعاد عبرها بناء السياسة والاقتصاد والثقافة والحياة المشتركة.
كان بوكتشين نفسه ستالينيًا في ثلاثينيات القرن العشرين وهو في سن المراهقة؛ لكنه غادر هذا التيار في أواخر العقد وانضم إلى التروتسكيين. في ذلك الوقت، اعتقد التروتسكيون أن الحرب العالمية الثانية ستنتهي بثورات اشتراكية بروليتارية في أوروبا والولايات المتحدة، كما أدت الحرب العالمية الأولى إلى الثورة الروسية. وخلال الحرب، عمل بوكتشين بجد في مسبك، محاولًا تنظيم العمال للنهوض وتحقيق تلك الثورة. لكن ذلك لم يحدث عام 1945. انهارت الحركة التروتسكية بعد فشل نبوءتها الحاسمة. وكثير من أعضائها، إن لم يكن معظمهم، تخلوا عن الماركسية والسياسة الثورية عمومًا، واتجهوا إلى العمل الأكاديمي أو تحرير المجلات، أي العمل بدرجات مختلفة داخل النظام القائم. أما بوكتشين فتخلى أيضًا عن الماركسية، بعدما اتضح أن البروليتاريا لم تكن القوة الثورية المتوقعة. لكنه، بدل الاندماج في التيار السائد، قام هو وأصدقاؤه بشيء غير مألوف: ظلوا ثوريين اجتماعيين. وتذكّروا أن ليون تروتيسكي كان قد قال قبل اغتياله عام 1940 إنه إذا حدث ما لا يُتصوَّر — أي إذا لم تنتهِ الحرب بثورة — فسيكون من الضروري إعادة التفكير في العقيدة الماركسية نفسها. اجتمع بوكتشين وأصدقاؤه أسبوعيًا خلال خمسينيات القرن العشرين للبحث عن سبل تجديد المشروع الثوري في ظل الظروف الجديدة.
ظلوا مقتنعين بأن الرأسمالية نظام معيب ذاتيًا ومدمِّر لنفسه. لكن إن لم تكن البروليتاريا هي نقطة ضعفه، فأين تكمن هذه النقطة؟ أدرك بوكتشين، في وقت مبكر من خمسينيات القرن العشرين، أن الخلل القاتل يكمن في تعارض الرأسمالية مع البيئة الطبيعية، وتدميرها للطبيعة وصحة الإنسان معًا. فقد أدّت إلى تصنيع الزراعة وتلويث المحاصيل — ومن ثم البشر — بالمواد الكيميائية السامة؛ وضخّمت المدن إلى أحجام حضرية عملاقة خانقة، مقطوعة عن الطبيعة، تحوّل الناس إلى كائنات آلية وتضر بأجسادهم ونفسياتهم؛ كما دفعتهم عبر الإعلانات إلى إنفاق أموالهم على سلع عديمة الجدوى، يُسهم إنتاجها بدوره في الإضرار بالبيئة. وهكذا فإن أزمة الرأسمالية لن تنجم عن استغلال الطبقة العاملة فحسب، بل عن نزع إنسانية البشر وتدمير الطبيعة إلى حدٍّ لا يُحتمل. ولإنشاء مجتمع إيكولوجي، ينبغي تفكيك مركزية المدن بحيث يعيش الناس على نطاق أصغر، ويديرون شؤونهم بأنفسهم، ويزرعون غذاءهم محليًا، ويستخدمون الطاقة المتجددة. ويجب أن يُوجَّه المجتمع الجديد لا بإملاءات السوق ولا بضرورات سلطة الدولة، بل بقرارات الناس أنفسهم، المستندة إلى معايير أخلاقية وعلى نطاق مجتمعي. ولبناء مجتمع عقلاني إيكولوجي كهذا، سنحتاج إلى مؤسسات قابلة للحياة — ما سمّاه «أشكال الحرية».
كان ينبغي أن تكون المنظمة الثورية ومؤسسات المجتمع الجديد تحررية حقًا، حتى لا تقود إلى ستالين جديد أو طغيان آخر باسم الاشتراكية، لكنها في الوقت نفسه يجب أن تكون قوية بما يكفي لكبح الرأسمالية. وأدرك أن هذه المؤسسات لا يمكن أن تكون إلا جمعيات ديمقراطية شعبية. ينبغي إلغاء الدولة القومية الراهنة ونقل صلاحياتها إلى المواطنين في هذه المجالس. وهم، لا أرباب الصناعة، من يقررون — مثلًا — بشأن البيئة. وبما أن المجالس تعمل محليًا، فإنها تحتاج، لكي تعمل على نطاق جغرافي أوسع، إلى الاتحاد في إطار كونفدرالي. قضى العقود التالية في تطوير هذه الأفكار حول مجتمع ديمقراطي إيكولوجي. ففي ثمانينيات القرن العشرين، على سبيل المثال، رأى أن كونفدرالية مجالس المواطنين ستشكّل قوة مضادة أو سلطة مزدوجة في مواجهة الدولة القومية. وأطلق على هذا البرنامج اسم «البلدية التحررية»، ثم استخدم لاحقًا مصطلح «الكوميونالية».
وخلال تلك العقود حاول إقناع اليساريين في الولايات المتحدة وأوروبا بأهمية هذا المشروع. لكن معظمهم كانوا منشغلين بالإعجاب بقادة مثل Mao Zedong وHo Chi Minh وFidel Castro. وكان بوكتشين يشير إلى أنهم ديكتاتوريون، لكن اليساريين لم يرغبوا في سماع مثل هذا النقد. وقالوا له إن الإيكولوجيا والديمقراطية مجرد أفكار برجوازية صغيرة. الوحيدون الذين أصغوا إليه كانوا الأناركيين، لأن أفكاره مناهضة للدولة؛ وقد أصبح بالفعل منظرًا أناركيًا بارزًا. أخبر الأناركيين أن برنامجه للبلدية التحررية يمثل سياستهم الطبيعية ونظريتهم الثورية الواضحة. كانوا يستمعون إليه باحترام، ثم يخبرونه أنهم لا يحبذون الحكم المحلي أكثر من أي شكل آخر للحكم، كما يعترضون على التصويت بالأغلبية لأنه يعني أن الأقلية لن تنال ما تريد. كانوا يفضلون جماعات مجتمعية غير سياسية، تعاونيات، مكتبات راديكالية، وكوميونات. رأى بوكتشين أن هذه المؤسسات جيدة، لكن تحقيق ثورة جدية يتطلب وسيلة لاكتساب سلطة سياسية فعلية وبنيوية وقانونية. وكانت البلدية التحررية، في نظره، وسيلة لتحقيق ذلك، موطئ قدم راسخ في مواجهة الدولة القومية. سعى إلى استمالة الأناركيين: تودد إليهم، ناشدهم، جادلهم، توسّل إليهم، خاطبهم بلهجة واعظة، ووبّخهم. فعل كل ما بوسعه لإقناعهم بأن البلدية التحررية هي الطريق لجعل الأناركية ذات صلة سياسية. لكن بحلول عام 1999 — في الفترة نفسها التي اعتُقل فيها أوجلان — كان قد أقرّ أخيرًا بفشله، وبدأ بالانفصال عن الأناركية.
كان بوكتشين يقول إن أفضل الأناركيين هم أولئك الذين كانوا ماركسيين سابقًا. فقد كانوا يعرفون كيف يفكرون، وكيف يستنبطون منطق الأفكار، ويفهمون الجدل (الديالكتيك). ومن المؤكد أنه كان سيلاحظ هذه القدرة لدى أوجلان لو التقيا. فقد اشترك الرجلان في نزعة جدلية في التفكير، ورثاها من ماضيهما الماركسي المشترك. وليس معنى ذلك أنهما كانا ماديين جدليين؛ فكلاهما أدرك قصور هذا المفهوم الماركسي، لأن السببية التاريخية متعددة وليست اقتصادية فقط. ومع ذلك، بقيا جدليين في منهجهما، شغوفين بعمليات التطور التاريخي. الجدل هو طريقة لوصف التغير — ليس التغير الحركي الذي تهتم به الفيزياء، بل التغير التطوري الذي يحدث في الحياة العضوية وفي التاريخ الاجتماعي. فالتغير يتقدم عبر التناقضات. وفي كل عملية تطور يُحفَظ بعض القديم ويُضاف بعض الجديد، لينتج ما يُسمّى بالرفع أو التجاوز.
كان كلا الرجلين يميل إلى التفكير من منظور التطور التاريخي. وقد كتبا بالفعل سرديات تاريخية واسعة عن الحضارة، أكثر من مرة، حلّلا فيها جدلية الهيمنة والمقاومة، والدول والطغيان في مقابل نضالات الحرية. وعلى خلاف الماركسيين، لم يستخدما الجدل للتنبؤ بثورة حتمية في المستقبل — فقد أدركا أنه لا يستطيع التنبؤ — بل استخدماه لفتح إمكانات، وتحديد الاحتمالات، وتأسيس الأسس التاريخية لما اعتبراه الخطوة السياسية التالية. واستخدماه، بوعي أو بدونه، لأغراض أخلاقية: لاستخلاص ما ينبغي أن يأتي لاحقًا انطلاقًا مما حدث في الماضي. وكتب كلاهما، كلٌّ على حدة، عن أصول الحضارة: عن المجتمعات البدائية في العصر الحجري القديم؛ وعن نشوء الزراعة والملكية الخاصة والمجتمع الطبقي؛ وعن صعود الدين؛ والإدارة، والدول، والجيوش، والإمبراطوريات، والملوك، والنبلاء، والإقطاع. كما ناقشا الحداثة، وصعود عصر التنوير، والعلم، والتكنولوجيا، والتصنيع، والرأسمالية. وقد سخّرا هذه السرديات الحضارية لمعالجة الإشكالات السياسية الراهنة. فكتاب إيكولوجياالحرية هو، من بين أمور أخرى، حجة ضد البيئيين الإصلاحيين السائدين، لصالح الإيكولوجيا الاجتماعية الراديكالية. أراد بوكتشين أن يُظهر لهؤلاء الليبراليين الحذرين أنهم يستطيعون أن يطمحوا إلى ما هو أبعد من إصلاحات الدولة المحدودة — وأن بإمكانهم التفكير في تحقيق مجتمع إيكولوجي متكامل. لقد عاش البشر في الماضي في أشكال جماعية، ويمكنهم أن يفعلوا ذلك مرة أخرى.
سلّط بوكتشين الضوء على المجتمعات البشرية المبكرة قبل ظهور الكتابة، التي أطلق عليها اسم «المجتمع العضوي» — مجتمعات قبلية، جماعية، غير هرمية، تعيش في تعاون متبادل. وحدّد السمات التي جعلتها تعاونية: توزيع وسائل العيش وفق أعراف الانتفاع المشترك (استخدام الموارد حسب الحاجة)، والتكامل أو التعاضد الأخلاقي، و«الحد الأدنى غير القابل للاختزال» أي حق الجميع في الغذاء والمأوى والكساء. وكتب: «من هذا الإحساس بوحدة الفرد مع المجتمع ينشأ إحساس بوحدة المجتمع مع بيئته»؛ فقد عاشت هذه المجتمعات العضوية في انسجام مع العالم الطبيعي. ثم تتبّع تطورًا جدليًا: نشوء الهرمية من داخل المجتمع العضوي نفسه — بروز الأبوية وهيمنة الرجال على النساء؛ حكم الشيوخ؛ الشامانات والكهنة؛ المحاربون والرؤساء والدول؛ ثم المجتمع الطبقي. وبعد ذلك نشأت فكرة السيطرة على الطبيعة، حيث أُعيد تصور الطبيعة بوصفها موضوعًا للاستغلال. إن إرث الهيمنة الذي خلّفته الهرمية تقابله، عبر التاريخ، تقاليد راسخة من الحرية — حركات مقاومة جسّدت مبادئ المجتمع العضوي: الانتفاع المشترك، والتكامل، والحد الأدنى غير القابل للاختزال. ولا تزال الإمكانية قائمة لتجاوز جدلي للهيمنة في مجتمع تعاوني حر يتيح علاقة تعاونية مع الطبيعة. وقد سمّى بوكتشين هذه المنظومة الفكرية «الإيكولوجيا الاجتماعية».
كان ذلك عام 1982. وفي سردية حضارية ثانية، هي Urbanization Without Cities، سعى إلى تأسيس الجذور التاريخية للديمقراطية الجمعية (ديمقراطية المجالس). فوجد تقليدًا لمجالس المواطنين، خاصة في جمعية المواطنين الأثينية القديمة؛ وفي مدن إيطاليا وألمانيا المبكرة والبلدان المنخفضة؛ وفي مجلس الـ«فيتشه» الروسي في Pskov وNovgorod؛ وفي جمعيات الكومونيروس في إسبانيا القرن السادس عشر؛ وفي أقسام باريس الثورية عام 1793؛ وفي لجان ومجالس الثورة الأمريكية؛ وفي نوادي باريس عام 1848؛ وفي Paris Commune؛ وفي السوفييتات عامي 1905 و1917؛ وفي الجماعات التعاونية في إسبانيا الثورية 1936–1937؛ وفي اجتماعات بلدات نيو إنغلاند اليوم، وغيرها. وقد بيّن كيف أن موقع الثورة، خلافًا للماركسية، لم يكن المصنع بل البلدية. وهكذا وضعت عملية التحضر الأسس الجدلية لثورة بلدية من أجل الحرية في مواجهة الدولة القومية.
وفي المقابل، كرس عبد الله أوجلان عزلته في داخل سجنه الجزيري للدراسة والكتابة، وغالبًا في شكل سرديات حضارية. سعى من خلالها إلى إظهار ضرورة أن تشمل الجمهورية الديمقراطية في تركيا الكرد. وقد وصف هو أيضًا عملية تطور اجتماعي، أي العمليات التاريخية الكبرى للحضارة، التي تعود جذورها إلى بلاد ما بين النهرين، إلى سومر. وفي روايته، كانت الزقورة — بوصفها معبدًا ومركزًا إداريًا وموقعًا للإنتاج — «رحم مؤسسات الدولة». قيل إن الطابق الأعلى كان مسكن الآلهة، أما الطابق الأول فخُصص لإنتاج السلع وتخزينها، وبذلك عمل المعبد كمركز للإنتاج الاقتصادي. وقد رُفع الحكام إلى مرتبة الألوهية، بينما كان على بقية الناس أن يعملوا في خدمتهم ضمن اقتصاد متمركز حول المعبد. كانت الزقورات «مختبرات لتشكيل البنى الذهنية البشرية»، حيث جرى تشكيل الكائن المطيع؛ وكانت أيضًا «أولى الأسر الأبوية وأولى بيوت الدعارة». وأصبح الكهنة السومريون الذين شيدوها «المهندسين الأوائل للسلطة السياسية المركزية». تحولت معابدهم إلى مدن، والمدن إلى دول وإمبراطوريات وحضارة. لكن طبيعة الظاهرة بقيت كما هي: «إن تاريخ الحضارة ليس سوى استمرار لمجتمع سومري تمدد وتفرع وتنوع، لكنه احتفظ بالبنية الأساسية ذاتها». وما زلنا نعيش في سومر، في «ذلك الابتكار الفكري المدهش» الذي «يسيطر على تاريخنا بأكمله منذ ذلك الحين».
وإذا كانت الحضارة السومرية تمثل الأطروحة، فإنه يلزم — جدليًا — نقي (antithesis)، يمكن العثور عليه، من بين أماكن أخرى، في المسألة الكردية. فالمقاومة الإثنية لمدينة سومر قديمة قدم تلك المدينة نفسها. واليوم يمكن العثور على تجاوزٍ للدولة السومرية في جمهورية ديمقراطية كاملة تشمل الكرد والأتراك معًا. وتُظهر كتابات أوجلان اللاحقة أثر دراسته لبوكتشين. ففي عمله عام 2004 دفاعا عن الشعب، يقدّم سردية حضارية تتضمن وصفًا لأشكال الحياة الاجتماعية الجماعية البدائية، المشابهة لـ«المجتمع العضوي» عند بوكتشين، والتي أعاد أوجلان تسميتها «المجتمع الطبيعي». ففي هذا المجتمع، كما كتب، كان الناس يعيشون «كجزء من الطبيعة»، وكانت «المجتمعات البشرية جزءًا من الإيكولوجيا الطبيعية». وقدّم وصفًا لنشوء الهرمية يشبه إلى حد كبير وصف بوكتشين: إذ إن الدولة «فرضت الهرمية بشكل دائم وشرعنت تراكم القيم والسلع». كما أن نشوء الهرمية أدخل فكرة السيطرة على الطبيعة: فبدل أن يكون الإنسان جزءًا من الطبيعة، أخذ المجتمع الهرمي ينظر إليها «بصورة متزايدة كمورد». بل إن أوجلان لفت الانتباه إلى الطبيعة الجدلية لهذه العملية: فـ«المجتمع الطبيعي في بدايات الإنسانية يشكل الأطروحة التي يقابلها نقيض يتمثل في الأشكال الهرمية والدولتية اللاحقة للمجتمع».
بوصفهما ماركسيين سابقين، تعلّم كل من بوكتشين وأوجلان أن العمليات الجدلية-المادية للتاريخ حتمية وتعمل كقوانين ذات نتائج لا مفر منها، مثل نشوء الدولة القومية والرأسمالية. لكن بوكتشين، في كتابه The Ecology of Freedom، سعى إلى تفنيد «مثل هذه التصورات عن القوانين الاجتماعية والغاية الحتمية». فهذه التصورات استُخدمت لتحقيق إخضاع قاسٍ للفرد لقوى فوق بشرية — كما في الستالينية — كما أنها تنكر قدرة الإرادة الإنسانية والاختيار الفردي على تشكيل مسار الأحداث الاجتماعية. إنها تجعلنا أسرى الاعتقاد بالحتمية الاقتصادية والتقنية. وفي الواقع، يجادل بوكتشين بأن نشوء الهرمية لم يكن حتميًا؛ وإذا تخلينا عن هذا الافتراض، يمكننا امتلاك «رؤية تغيّر بصورة جوهرية تصورنا لمستقبل متحرر». أي أننا عشنا يومًا حياة جماعية، ويمكننا أن نعيشها مجددًا. فالذاكرة الدفينة للمجتمع العضوي «تعمل لاوعيًا بالتزام ضمني بالحرية».
كتب أوجلان عام 2004: «لم يكن انتصار الرأسمالية قدرًا محتومًا؛ كان يمكن أن يحدث تطور مختلف». إن اعتبار الرأسمالية والدولة القومية حتميتين «يترك التاريخ بيد أصحاب السلطة». بل إن «هناك دائمًا احتمالاً معينًا لحدوث الأشياء… وهناك دائمًا خيار الحرية». وتستمر الجوانب الجماعية للمجتمع الطبيعي داخل الجماعات الإثنية والحركات الطبقية والتيارات الدينية والفلسفية التي تناضل من أجل الحرية. «المجتمع الطبيعي لم يتوقف عن الوجود»، كما كتب. فالصراع الجدلي بين الحرية والهيمنة استمر عبر التاريخ الغربي بوصفه «معركة دائمة بين العناصر الديمقراطية التي تستند إلى البنى الجماعية وتلك التي تعتمد أدوات السلطة والحرب». فـ«المجتمع الكوموني في صراع دائم مع المجتمع الهرمي».
وفي النهاية، تبنّى أوجلان الإيكولوجيا الاجتماعية. «تبدأ مسألة الإيكولوجيا الاجتماعية مع الحضارة»، لأن جذور الحضارة هي أيضًا جذور تدمير البيئة الطبيعية. كان المجتمع الطبيعي، بمعنى ما، مجتمعًا إيكولوجيًا. والقوى نفسها التي تدمر المجتمع من الداخل تقطع صلته بالطبيعة. ويرى أن الرأسمالية معادية للإيكولوجيا، وأننا بحاجة إلى ثورة أخلاقية واعية ضدها، وإلى أخلاق اجتماعية جديدة متناغمة مع القيم التقليدية. كما أن تحرير المرأة عنصر أساسي. ودعا إلى «مجتمع ديمقراطي-إيكولوجي»، أي نظام أخلاقي يقوم على علاقة جدلية مستدامة مع الطبيعة، ويحقق الرفاه العام عبر الديمقراطية المباشرة. كيف ينطبق ذلك على المسألة الكردية؟ يؤكد أوجلان مرة أخرى أن تحقيق حرية الكرد يعني تحقيق الحرية للجميع. «أي حل يجب أن يتضمن خيارات صالحة ليس فقط للشعب الكردي بل لكل الشعوب… أنا أتناول هذه المشكلات على أساس إنسانية واحدة وطبيعة واحدة وكون واحد». لكن بدلًا من الاكتفاء بإصلاح الجمهورية الديمقراطية، بات الطريق يمر عبر ديمقراطية المجالس. فـ«مهمتنا الأولى هي الدفع نحو الديمقراطية، وبناء هياكل غير دولاتية وتنظيمات جماعية». وبدلاً من التركيز الحصري على تعديل الدستور التركي، دعا إلى بناء تنظيمات محلية: مجالس بلدية، إدارات محلية، هياكل للأحياء والقرى، أحزاب سياسية محلية، تعاونيات اقتصادية، منظمات مجتمع مدني، وهيئات تُعنى بحقوق الإنسان والمرأة والطفل والحيوان وسائر القضايا المجتمعية.
المقارنة مع تجارب الحكم المحلي التشاركي عالمياً
يكتسب نموذج الكوميونة أهميته أيضاً عند مقارنته بتجارب عالمية سعت إلى تعميق الديمقراطية عبر المشاركة المحلية. ففي تجارب الميزانيات التشاركية في مدن مثل بورتو أليغري، أو المجالس البلدية القاعدية في بعض مناطق أمريكا اللاتينية، يظهر اتجاه عالمي نحو إعادة توزيع السلطة إلى المستوى المحلي. إلا أن هذه التجارب بقيت غالباً ضمن إطار الدولة المركزية، ولم تصل إلى مستوى إعادة تعريف السيادة كما يقترحها نموذج الكونفدرالية الديمقراطية. في أوروبا، شهدت بعض البلديات تجارب ديمقراطية تشاركية متقدمة، غير أنها ظلت محكومة بالبنى القانونية للدولة القومية. أما في شمال شرق سوريا، فقد اتخذت المجالس المحلية والكومينات دوراً يتجاوز الإدارة المحلية ليشمل الاقتصاد المجتمعي، والعدالة التصالحية، والتنظيم الاجتماعي، ما يجعلها أقرب إلى نموذج مجتمعي شامل. وتتلاقى هذه التجارب في إدراكها أن الديمقراطية التمثيلية وحدها غير كافية، وأن المشاركة المباشرة تعزز الثقة السياسية والتماسك الاجتماعي. لكنها تختلف في مدى استقلالها عن الدولة المركزية، وفي قدرتها على إعادة بناء الاقتصاد المحلي والهوية السياسية من الأسفل.
رغم الجاذبية النظرية للنموذج الكوميونالي، يواجه تطبيقه تحديات معقدة. فالمجتمعات الحديثة مترابطة اقتصادياً وإدارياً على نطاق واسع، مما يجعل الاستقلال المحلي الكامل أمراً صعب التحقيق. كما أن بناء هياكل ديمقراطية قاعدية يتطلب ثقافة سياسية تشاركية قد لا تتوفر بسهولة في مجتمعات عانت طويلاً من السلطوية. هناك أيضاً إشكالية العلاقة مع الدولة: هل يمكن للكومينات أن تعمل بالتوازي مع الدولة دون أن تُدمج أو تُقمع؟ هذه المسألة تظل مفتوحة، خاصة في سياقات إقليمية تتسم بالصراعات الجيوسياسية. كما أن التوازن بين الاستقلال المحلي والتنسيق الإقليمي يمثل تحدياً مؤسسياً دائماً. من جهة أخرى، يطرح بعض النقاد تساؤلات حول قدرة البنى القاعدية على ضمان العدالة الاجتماعية في مجتمعات تعاني تفاوتات اقتصادية كبيرة، أو حول إمكانية تحول الهياكل المحلية إلى مراكز قوة جديدة إذا لم تُصمَّم آليات رقابة فعالة. ومع ذلك، فإن أهمية هذا النموذج لا تكمن فقط في اكتماله العملي، بل في قدرته على توسيع أفق التفكير السياسي، وفتح إمكانات جديدة أمام الديمقراطية تتجاوز حدود الدولة القومية والتمثيل الانتخابي التقليدي.
وحين نتأمل مستقبل الكوميونة الأوجلانية في المنطقة، لا بد من الاعتراف أننا أمام سؤال مفتوح لا سيناريوهات محسومة. فالمنطقة التي يتحدث عنها أوجلان، الشرق الأوسط الكبير وبالذات ما يسميه “الهلال الخصيب” امتداداً من كردستان إلى شمال أفريقيا، هي اليوم في حالة سيولة تاريخية غير مسبوقة، وما تجارب السنوات الأخيرة من ثورات وحروب وانهيارات دولاتية وصعود لاعبين من خارج الدولة إلا أعراض هذه السيولة لا مسبباتها. إن ما تقترحه فكرة الكوميونة الأوجلانية لهذا السياق ليس خارطة طريق محددة، بل منطقاً مختلفاً للتفكير في التنظيم الاجتماعي والسياسي. فحيث تقترح النخب الحاكمة وأيديولوجيات المعارضة التقليدية على حد سواء إعادة بناء الدولة المركزية القوية كحل للفوضى، تقترح الكوميونة السير في الاتجاه المعاكس: بناء الحكم الذاتي من القاعدة الاجتماعية والاعتراف بالتعددية العرقية والدينية والثقافية لا بوصفها مشكلة تتطلب الإدماج القسري، بل بوصفها ثروة تتطلب الترتيب التشاركي. وفي منطقة حيث الدولة القومية اليعكوبية تُعاني أزمة شرعية عميقة، قد يبدو هذا المنطق مغرياً لشعوب اختبرت عقوداً طويلة من القمع باسم الوحدة الوطنية.
التجربة الفعلية في شمال شرق سوريا، التي أُقيمت فيها “الإدارة الذاتية الديمقراطية” منذ عام 2012 وسط حرب أهلية مدمّرة، تُقدّم اليوم حالة دراسية استثنائية. فقد نجحت هذه التجربة في إدارة تعدد إثني وديني حقيقي يضم العرب والكرد والسريان والآشوريين والأرمن والإيزيديين وغيرهم ضمن إطار كوميوني مشترك، ونجحت في تجربة الحكم المزدوج وقيادة المرأة في مواقع لم تبلغها في كثير من دول المنطقة “الحديثة”. لكن هذه التجربة ذاتها تكشف عن توترات بنيوية حقيقية؛ فالضرورات العسكرية التي فرضتها الحرب أفرزت تمركزاً للسلطة وعسكرةً للقرار تتعارض في أحيان كثيرة مع مبادئ الكوميون اللامركزي، كما أن الاعتماد على الدعم العسكري الأمريكي وضع الإدارة في تناقض عضوي مع مبادئها السيادية. ويرتبط مستقبل هذه الفكرة في المنطقة ارتباطاً عضوياً بثلاثة مسارات متشابكة: الأول هو مآل الصراع على الدولة السورية وما سيُفرزه من ترتيبات سياسية إقليمية، إذ إن أي حل سياسي يعترف بالتعددية ولا يحاول إعادة إنتاج نموذج الدولة القمعية المركزية سيُتيح للنموذج الكوميوني فرصة الاختبار الأطول. الثاني هو مآل الحالة الكردية في تركيا والعراق وإيران، وما إذا كانت تحولات سياسية جيلية داخل هذه الدول ستُفتح فضاءً لتجارب الحكم الذاتي الناعم والمعترف به ضمن أُطر فيدرالية أو كونفدرالية. والثالث، وهو ربما الأطول مدى وأكثرها راهنية، هو الأزمة البيئية والغذائية التي تضرب المنطقة بصورة متصاعدة، فشُح الماء وتراجع الأراضي الزراعية وانهيار البنى التقليدية للتعاون المجتمعي تخلق حالة ضغط قد تجعل نماذج الإدارة الكوميونية للموارد المشتركة خياراً براغماتياً لا مجرد مشروع أيديولوجي.
إن ما يبقى من هذه الفكرة في أكثر الأحوال تشاؤماً هو سؤالها الجوهري، السؤال الذي لا تستطيع الدولة القومية ولا الرأسمالية الليبرالية الإجابة عنه بصدق: كيف يمكن لبشر متعددين ومختلفين أن يديروا حياتهم المشتركة دون أن يحتاجوا لقوة قاهرة تُجبرهم على الانسجام؟ هذا السؤال الذي طرحه البشر في حلقتهم الأولى حول النار، حين توزعوا اللحم وتشاوروا في الخطر القادم، هو السؤال ذاته الذي تحاول الكوميونة الأوجلانية أن تُجيب عنه في عالم حداثي معقد يئن تحت وطأة هيمنات متراكمة. وأياً كان مآل التجربة، فإن طرح السؤال نفسه بهذه الجذرية وهذه الشمولية يظل إسهاماً لا يُمحى في تاريخ الفكر السياسي الإنساني.
ولا يستقيم تناول أي مشروع فكري بالجدية الكافية من غير مواجهة إشكالياته الحقيقية، ومشروع الكوميونة الأوجلاني ليس استثناءً. وثمة نوعان من النقد يستحقان التوقف: نقد داخلي يصدر من داخل المنظومة الأوجلانية ذاتها، ونقد خارجي يصدر من مواقع فكرية مغايرة. وعلى صعيد النقد الداخلي، يُلاحظ عدد من الباحثين المتعاطفين مع المشروع أن ثمة فجوة لم تُعبَأ بعد بين المستوى النظري ومستوى الممارسة. فأوجلان يتحدث عن الكوميونة بوصفها فضاءً للحرية الحقيقية وللتعددية غير المشروطة، لكن التجربة الفعلية في مناطق تطبيق الكونفدرالية الديمقراطية كشفت عن توترات حادة بين الحرية الفردية والانتماء الجماعي. فالكوميونة كوحدة اجتماعية تُفترض فيها درجة من الانسجام المسبق، ولكن في مجتمعات منقسمة على خطوط طائفية وعشائرية وأيديولوجية ومتشابكة كالمجتمع السوري المعاصر، من الذي يُقرر من يتشارك مع من في أي كوميونة، ووفق أي مبدأ يُحل التعارض حين يشتد؟ ويُشير يونغردن (Jongerden, 2019) إلى أن الكوميونات العملية في روج آفا ميّلت أحياناً إلى التجانس الإثني والسياسي على حساب التعددية المُعلنة، وهو ما يطرح سؤالاً حقيقياً: هل الكوميونة تُنتج التعددية أم تحتاجها مسبقاً شرطاً لعملها؟
أما النقد الخارجي فيأتي من اتجاهين متعارضين. الاتجاه الأول يصدر من الليبراليين والفاعلين في مجال حقوق الإنسان الذين يرون أن غياب الإطار القانوني للدولة وضماناتها الرسمية يُعرّض الحقوق الفردية للانتهاك بحجة الإرادة الجماعية. فالكوميونة في نهاية المطاف تقوم على ضغط اجتماعي يُلزم الفرد بالانتماء والالتزام، وفي مجتمعات تاريخها مع الضغط الجماعي ثقيل، يبقى السؤال: ما الذي يمنع الكوميونة من أن تصبح أداة ضبط اجتماعي جديدة باسم الجماعة بدلاً من الدولة؟ وهذا سؤال لا يُردّ عليه بمجرد التذكير بمبدأ الإدارة الذاتية، بل يتطلب آليات مؤسسية واضحة لحماية المعارض والمختلف والمتحول عن توافق الجماعة. الاتجاه الثاني يصدر من الماركسيين التقليديين الذين يرون أن أوجلان، بتخليه عن صراع الطبقات وعن نقد الرأسمالية بالمعنى الاقتصادي المحدد، قدّم “إصلاحاً” لا “ثورة”، وأن نموذج الكوميون يستطيع التعايش مع الرأسمالية لا الإطاحة بها. ويستشهدون على ذلك بأن بعض تعاونيات روج آفا أُدرجت في علاقات مع أسواق إقليمية ودولية لا تختلف جوهرياً عن منطق السوق الرأسمالي، وأن اللامركزية دون نقد جذري لعلاقات الملكية قد تُعيد إنتاج التفاوت الاقتصادي بمقياس أصغر لا تُلغيه. ويُجيب المدافعون عن المشروع بأن هذا النقد يغفل أن أوجلان لم يتخلَّ عن نقد الرأسمالية بل وسّع نطاقه، وأن اقتصاد الكوميون في طور البناء لا في طور الاكتمال، وأن المنطق الكلي للمنظومة يتجه نحو تآكل الرأسمالية لا استيعابها. وهذا جدل حقيقي لم يُحسم بعد لا على المستوى النظري ولا على مستوى الممارسة.
بينما ومن زاوية ثانية، يشهد العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين ظاهرة لافتة في المنطقة وفي العالم على حد سواء، وهي صعود جيل شاب يرفض الأيديولوجيات الكبرى الموروثة من القرن العشرين دون أن يكون بالضرورة قد وجد أيديولوجيا بديلة. فهو جيل يُعبّر عن الغضب بكفاءة عالية في الفضاء الرقمي، ويُنظّم نفسه في شبكات أفقية بشكل غريزي تقريباً، ويرفض الهياكل الهرمية الحزبية التقليدية، لكنه في الوقت ذاته يعاني من عجز في صياغة مشاريع سياسية بديلة مستدامة. وما يُسميه المحللون “سياسة الفقاعة الرقمية” أو “الإيديولوجيا التجميعية” هو في أحد وجوهه تعبير عن فراغ نظري تحتاج هذه الطاقة الشبابية لملئه. وفي هذا السياق، قد تمتلك الكوميونة الأوجلانية قدرة استقطاب لهذا الجيل من زاوية غير متوقعة، ليس بالضرورة من بوابة الفكر الكردي أو الماركسي أو النسوي بمعانيها الأكاديمية، بل من بوابة منطقها التنظيمي الجوهري: اتخذ قرارك في الكوميونة الصغيرة القريبة منك، في حيّك وحارتك ومدرستك وسوقك المحلي، وأنت تفهم الواقع وتملك المعلومة الكاملة وتتحمل النتيجة الفعلية. هذا المنطق يُلامس بنيوياً ما يفعله الجيل الجديد حين يُنظّم مجموعاته على واتساب وتيليغرام ليُدير توزيع المساعدات في الزلازل والفيضانات، أو حين يُنشئ مبادرات اقتصاد تشاركي في مواجهة غلاء المعيشة. الفارق هو أن هذه الممارسات تظل في المرحلة الراهنة عفوية وقابلة للتبدد، بينما يقترح الكوميون تأطيرها وتنظيمها وتحويلها من حالة طارئة إلى نمط حياة دائم.
ولعل أكثر ما يُشير إلى هذا الإمكان هو الطريقة التي انتشرت بها أفكار أوجلان خارج السياق الكردي المباشر. فثمة حركات تنظيم مجتمعي في أمريكا اللاتينية تستلهم صراحةً من نموذج الكونفدرالية الديمقراطية، وحركات نسوية في أوروبا تجد في الجينيولوجيا الأوجلانية إطاراً نظرياً غائباً عن النسوية الليبرالية السائدة، وتجمعات إيكولوجية في آسيا وأفريقيا تتعرف على منطق الإيكولوجيا الاجتماعية الأوجلانية في ممارساتها المحلية القديمة. وهذا الانتشار غير المنظور يُشير إلى أن الفكرة تمتلك بُعداً كونياً حقيقياً يتجاوز كردستان وروج آفا والتاريخ الكردي.
الكوميونة بوصفها سؤالاً أكثر من كونها جواباً
في نهاية هذا المسار الفكري الطويل، من الحلقة الأولى حول نار قديمة إلى إدارة ذاتية تُحارب الآن على حدود سوريا وتركيا والعراق، تبقى الكوميونة الأوجلانية أصدق ما تكون حين تُفهم بوصفها سؤالاً حضارياً كبيراً لا بوصفها إجابة نهائية. السؤال هو: هل يستطيع الإنسان أن يُنظّم حياته الجماعية دون أن يُضطر للاختيار بين الاستبداد والفوضى؟ هل تملك الحداثة المختلفة، القادمة من خارج أوروبا ومن هوامش الرأسمالية العالمية، كلاماً حقيقياً تقوله لا ترجمةً لكلام سُبقت إليه؟ الجواب الأوجلاني صريح بقدر ما هو ملتبس: نعم، والكوميونة هي المكان الذي يُصاغ فيه هذا الكلام الجديد. ملتبس لأن الفجوة بين النظرية والممارسة لا تزال واسعة، وصريح لأن هذه الفجوة ذاتها موضع اعتراف لا إنكار في الكتابات الأوجلانية وفي النقد الداخلي للحركة. وهذا الاعتراف بالفجوة، المقرون بالإصرار على المضيّ قدماً في الاختبار، هو ربما أكثر ما يُفرّق هذا المشروع عن اليوتوبيات المغلقة التي طالما آمنت بكمال النموذج قبل تطبيقه وانتهت إلى قمع كل من يُجرّب اكتشاف عيوبه.
ويبقى السؤال الأعمق معلّقاً وسيظل كذلك: هل الإنسان الذي يجلس في الحلقة، يتشاور ويُقرّر ويتعاون ويُنصف ويُعيد توزيع ويحمي حقه في الاختلاف، هو الإنسان كما يكون في أحسن أحواله، أم كما يُريد أن يكون في يوتوبيا لا تطال؟ الإجابة، بكل صدق، لا يعلمها لا أوجلان ولا غيره. لكن قيمة المشروع لا تتوقف على حسم هذا السؤال، بل على جرأة طرحه في وجه عالم آثر الهيمنة الناعمة على فوضى الحرية.
لقد رأينا أن أوجلان لا يستدعي الكوميونة بوصفها نموذجاً مستورداً أو استذكاراً لتجارب ثورية سابقة، بل يعيد إنتاجها كإطار نظري لفهم مسار الحضارة نفسها. فالتاريخ، في قراءته، ليس فقط تاريخ صراع طبقي، بل تاريخ صراع بين المجتمع التشاركي الأخلاقي وبين أنظمة الهيمنة المركزية التي بدأت مع نشوء الدولة الهرمية الأولى وتطورت حتى الدولة القومية الحديثة. ضمن هذا الإطار، تصبح الكوميونة نموذجاً تفسيرياً يكشف كيف تم تفكيك المجتمعات الطبيعية وتحويلها إلى وحدات خاضعة للسلطة المركزية، وكيف نشأت الاغترابات الاجتماعية والاقتصادية والجندرية. كما تساعد على فهم أن السيطرة ليست مجرد بنية سياسية، بل منظومة معرفية وثقافية تعيد إنتاج نفسها عبر مؤسسات السلطة والاقتصاد والتعليم. ومن ثم فإن استعادة الكوميونة ليست عودة إلى الماضي، بل استعادة لقدرة المجتمع على إنتاج ذاته خارج منظومات الهيمنة.
لقد أكد أوجلان في كتاباته، أن المجتمع الأخلاقي–السياسي هو المصدر الحقيقي للمعرفة، وأن المعرفة حين تُفصل عن المجتمع تتحول إلى أداة للسيطرة. ومن هذا المنطلق، تُفهم الكوميونة بوصفها بنية إبستمولوجية، لا مجرد بنية تنظيمية. فهي تتيح إنتاج معرفة قائمة على التجربة الحية، والذاكرة الجمعية، والحاجات الواقعية، بدلاً من المعرفة البيروقراطية أو التكنوقراطية التي تُفرض من فوق. وبذلك تتحول الكوميونة إلى فضاء يعيد وصل المعرفة بالحياة، ويحررها من هيمنة السوق والدولة. لقد التقطت دراسات معاصرة هذا البعد المعرفي، مشيرة إلى أن الكوميونة تمثل شكلاً من “إبستمولوجيا المجتمع”، حيث تصبح الخبرة اليومية مصدراً للمعرفة، وتتحول المشاركة الجماعية إلى عملية تعلم مستمرة. وتظهر هذه الرؤية في تحليلات الحركات المجتمعية المرتبطة بالإدارة الذاتية، حيث تُنتج المجالس المحلية فهماً عملياً للاقتصاد، والتعليم، والعدالة، مبنياً على الخبرة المباشرة لا على النماذج المفروضة. في الوقت نفسه، تشكّل الكوميونة نقداً جذرياً للحداثة الرأسمالية، لا من خلال رفض التكنولوجيا أو التنظيم الحديث، بل عبر إعادة توجيههما لخدمة المجتمع بدلاً من السوق. فالتقدم، في هذا الإطار، لا يُقاس بالنمو الاقتصادي أو تراكم رأس المال، بل بمدى قدرة المجتمع على تحقيق التوازن بين الحرية والمساواة والاستدامة. وقد لاحظ باحثون في الفكر السياسي الراديكالي أن طرح أوجلان يلتقي مع اتجاهات عالمية تسعى إلى تجاوز المركزية الصناعية، وإعادة بناء الاقتصاد على أساس محلي تشاركي مستدام.
وحسب أوجلان لا يقتصر مشروع الكوميونة على إعادة تنظيم السلطة، بل يمتد إلى إعادة بناء العلاقة بين المجتمع والطبيعة. إذ يرى أن استغلال الطبيعة هو امتداد لاستغلال الإنسان، وأن تحرير المجتمع لا ينفصل عن تحرير البيئة. لذلك يرتبط الاقتصاد الكومينالي بمفاهيم الاستدامة، والسيادة الغذائية، والإنتاج المحلي، وتقليل الاستهلاك الرأسمالي. ومن زاوية أنثروبولوجية، يرى بعض الباحثين أن الكوميونة تستعيد أشكال التنظيم المجتمعي ما قبل الدولتية، مثل المجالس المحلية والتضامنات التقليدية، لكنها تعيد صياغتها ضمن إطار ديمقراطي حديث قائم على المساواة الجندرية والتعددية الثقافية. إن قراءة الكوميونة ضمن هذه المسارات المتقاطعة تكشف أنها ليست نموذجاً تنظيمياً فحسب، بل مشروعاً حضارياً يسعى إلى إعادة تعريف الحداثة ذاتها. فهي تقدّم تصوراً لحداثة بديلة يكون فيها المجتمع منتجاً للمعرفة، والسياسة ممارسة يومية، والاقتصاد نشاطاً اجتماعياً أخلاقياً، والديمقراطية عملية مستمرة، والطبيعة شريكاً لا مورداً للاستغلال.
وبهذا المعنى، يمكن النظر إلى الكوميونة بوصفها محاولة لإعادة تأسيس الحياة الحديثة على قاعدة أخلاقية–مجتمعية، حيث تُستعاد السياسة من الدولة، والمعرفة من المؤسسات السلطوية، والاقتصاد من السوق، والبيئة من منطق الاستغلال. إنها مشروع يعيد للإنسان موقعه داخل المجتمع، ويعيد للمجتمع موقعه داخل الطبيعة، ويعيد للحداثة إمكانها التحرري الذي فُقد في مسارها الرأسمالي.



