تحليل: د. عزة محمود …
مقدمة:
في فضاء الشرق الأوسط؛ حيث تتشابك الجغرافيا مع التاريخ، وتتداخل المصالح مع الهُويات، تبرز تركيا بوصفها دولة إقليمية تسير على حافة التوازن بين الشرق والغرب، بين الإرث الإمبراطوري ومقتضيات الدولة القومية الحديثة، وفي خضم التوترات المتصاعدة المرتبطة بـ إيران، يتشكل الموقف التركي؛ لا كاستجابة آنية لأحداث طارئة، بل كنتاج بنية فكرية وسياسية عميقة، تتداخل فيها الفلسفة الواقعية مع البراغماتية السياسية، إضافة إلى القلق من النتائج الممكنة.
إن دراسة هذا الموقف لا تقتصر على تحليل التصريحات الدبلوماسية أو التحركات العسكرية، بل تتطلب تفكيك البنية الذهنية لصانع القرار التركي، واستجلاء العلاقة بين الضرورة (الجغرافيا) والإرادة (السياسة)، وبين الممكن (الواقعية) والمأمول (الاستقلالية).
وتُعدّ تركيا واحدة من أكثر الدول حساسية تجاه أي تصعيد إقليمي في الشرق الأوسط، نظرًا لموقعها الجغرافي الاستراتيجي وتشابك مصالحها السياسية، والاقتصادية، والأمنية مع محيطها، وفي ظل التوترات والحروب التي شهدتها وتَشهدها إيران، برز الموقف التركي بوصفه نموذجًا معقدًا من التوازن الدقيق بين الحياد الظاهري والانخراط غير المباشر، وهو موقف لا يمكن فهمه إلا من خلال قراءة عميقة لتاريخ العلاقات الثنائية، والتوازنات الدولية.
ولقد اتبعت تركيا في موقفها المُعلن منذ سنوات نهج الوساطة الظاهرية في التعامل تجاه التوتر بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية، ولا تزال حتى هذه اللحظة تُصرح تركيا بوجوب وقف الهجمات المتبادلة والعودة إلى طاولة التفاوض، وتتبنى ظاهريًا فكرة أن الحل يكمن في وقف التصعيد المتبادل، وضرورة العودة الفورية إلى المسار الدبلوماسي، وقد عبر وزير الخارجية التركي “هاكان فيدان”[1] للصحافة عن هذا التوجه في تصريحاته الأخيرة، وهو موقف يتباين مع الموقف الأمريكي – الإسرائيلي تمامًا؛ والذي يميل إلى إنهاء الصراع وفقًا للشروط التي يفرضها من جانبه فقط، والتي تنحو نحو القضاء على النظام الإيراني، وتهدف إلى استهداف بنية النظام ذاته.
وقد ظهر التشدد الأمريكي واضحًا خلال جولات التفاوض التي سبقت شن الهجوم على إيران واندلاع المواجهة؛ بالرغم من التنازلات التي أظهرتها طهران، في حين تدعي تركيا أنها قدمت حلولًا مبتكرةً لمنع الحرب ونجحت في تأخير اندلاعها على الأقل ولو لفترة من الزمن.
الجذور التاريخية للعلاقات التركية الإيرانية:
تعود العلاقات بين تركيا وإيران إلى قرون طويلة؛ حيث تعايش الطرفان ضمن حدود شبه مستقرة منذ توقيع معاهدة “قصر شيرين”[2]، التي رسمت الحدود بين الإمبراطوريتين العثمانية والفارسية، هذا الاستقرار الحدودي التاريخي منح البلدين ميزة نادرة في منطقة تتسم بالاضطراب، ومع قيام الجمهورية التركية الحديثة بقيادة “مصطفى كمال أتاتورك”[3]، ثم قيام النظام الجمهوري في إيران لاحقًا، تطورت العلاقات وفق منطق الدولة القومية، مع استمرار التنافس غير المباشر على النفوذ الإقليمي.
من خلال ما سبق طرحه نحاول أن نستعرض إشكالية الموقف التركي من الحرب الإيرانية في ظل التوتر بين مقتضيات الأمن القومي، وضغوط النظام الدولي، وضرورات التوازن الإقليمي؟ وهل يعكس هذا الموقف فلسفة سياسية متماسكة، أم أنه مجرد استجابة ظرفية؟
وفي ذلك الصدد يمكننا القول بأن الموقف التركي من الحرب الإيرانية يستند في حقيقة الأمر إلى فلسفة دولتية تُعلي من مصلحة الدولة فوق أي اعتبار أيديولوجي؛ حيث تمارس تركيا سياسة “التوازن المُرَّكب” التي تجمع بين الحياد الظاهري والانخراط غير المباشر كما ذكرنا آنفًا.
وتلعب الجغرافيا السياسية دورًا حاسمًا في تحديد حدود الحركة التركية، بما يجعل خياراتها مقيدة بإكراهات المكان، وفيما يتعلق بتقييم تركيا لمواقف الأطراف؛ فإنها ترى أن دولة الاحتلال تُريد القضاء التام على النظام الإيراني، فلم تعد تنظر إلى إيران من زاوية قدراتها العسكرية فقط، بل باتت تعتبر أن الخطر الحقيقي يكمن في بقاء النظام الإيراني ذاته، إذ تعتقد أن بقاء إيران الحالية سيشكل تهديدًا مستقبليًا، ما يدفعها إلى تبني مقاربة تقوم على إنهائه، لا مجرد احتوائه، وقد نجحت دولة الاحتلال بالفعل في نقل هذا التصور إلى صُناع القرار بالإدارة الأمريكية، وفي سياق متصل يبرز قلق تركي متزايد من احتمالية إقدام إيران على إغلاق مضيق هرمز، وهو الشريان الحيوي الذي يمر عبره خُمس استهلاك العالم من النفط، وخُمس تجارة الغاز المُسال، وهو ما ينعكس سلبًا على استقرار الأسواق المالية وأسواق الطاقة عالميًا.
كما تتابع تركيا بقلق بالغ استهداف إيران المباشر للقواعد الأمريكية في بعض الدول العربية معتبرة أن هذا السلوك قد يدفع بالأزمة نحو تصعيد إقليمي أوسع، رغم أن دول الخليج لم تنخرط بعد في هذا المستوى من التصعيد، وإن كانت هناك العديد من النقاشات متداولة حول احتمالات ردها، وترى تركيا أن استهداف دول الخليج؛ والتي لعبت أدوارًا وسيطة لتهدئة المشاحنة يمثل خيارًا استراتيجيًا غير موفق، ومن شأنه تعقيد المشهد الأمني بدلًا من تهدئته.
الاقتصاد التركي والموقف الراهن:
بدأت تداعيات التصعيد تنعكس بالفعل على أسعار المحروقات في تركيا، شأنها في ذلك شأن العديد من الدول، لا سيما في ظل اعتمادها الجزئي على إيران في واردات الطاقة؛ حيث كانت تؤَّمِن نحو 16% من احتياجاتها السنوية من الغاز الطبيعي من السوق الإيرانية، بشروطٍ تفضيلية، ومن ثم فإن أي تحول في وضع النظام الإيراني أو أي اضطراب في إمدادات الطاقة سوف يؤثر سلبًا على السوق التركية؛ سواء من حيث فقدان هذه الامتيازات أو ارتفاع تكاليف الاستهلاك نتيجة تعطل خطوط الإمداد، ومن جانب آخر؛ تمثل إيران ممرًا بريًا مهمًا لتركيا في تجارتها مع آسيا الوسطى، ما يجعل أي تعثر يطرأ في هذا المسار التجاري يمثل عامل ضغط مضاعف على الاقتصاد التركي؛ خاصةً في ظل سعي الحكومة التركية إلى احتواء أزمة التضخم وتحسين المؤشرات الاقتصادية.
علاوة على ما سبق ذكره، فإنّ العملة التركية تتأثر بشكل مباشر بالتوترات الجيوسياسية؛ لا سيما ما يحدث في محيطها الإقليمي، وهذا ما يُزيد من الضغوط الراهنة على الليرة؛ والتي شهدت بالفعل تراجعًا ملحوظًا، وفي ظل هذه الأوضاع قد يضطر المصرف المركزي التركي لبيع الدولار لدعم سعر صرف الليرة، الأمر الذي قد يُقيد توجهاته النقدية، مما يؤثر سلبًا على استراتيجيته الهادفة لتقليل سعر الفائدة مما ينعكس على التوازنات الاقتصادية الداخلية للبلاد.
مخاطر الانبعاث الكُردي في إيران – (بين الاستقرار الظاهري والقلق العميق):
لا يمثل القلق الاقتصادي الإشكالية الوحيدة لدى تركيا؛ والتي تترقب بحذر ما تشهده الساحة الإيرانية من حالة الهدوء الظاهري الذي قد يُخفي تحته جملة من التوترات البنيوية، وفي مقدمتها الملف الكُردي الذي يُعد من أكثر الملفات حساسية وتعقيدًا في الداخل الإيراني؛ فبينما تبدو مؤشرات الشارع خافتة، وتغيب موجات الاحتجاج واسعة النطاق، تظل احتمالات التحول المفاجئ قائمة في ظل تداخل العوامل السياسية والاجتماعية والاقتصادية، إلى جانب تأثيرات البيئة الإقليمية المضطربة، ويكتسب الملف الكُردي في إيران خصوصيته من موقعه المتداخل مع كُردستان الكُبرى، ومن الامتداد الاجتماعي والثقافي مع الكُرد في دول الجوار، وعلى رأسها تركيا، هذا الامتداد يجعل أي تطور داخلي في المناطق الكُردية – الإيرانية قابلًا للارتداد خارج الحدود، بما قد ينعكس على توازنات إقليمية دقيقة، ويُعيد فتح ملفات أمنية كانت في حالة احتواء نسبي خلال السنوات الماضية.
وتتزايد المخاوف التركية المزعومة من انبعاث كُردي محتمل في حال تعرضت الدولة الإيرانية لأي حالة ضعف أو انقسام؛ سواء نتيجة أزمات داخلية أو ضغوط خارجية؛ ففي مثل هذا السيناريو، يعتقدون أن بعض الأطراف الكُردية قد تجد الفرصة سانحة لإعادة طرح مطالب أوسع، قد تتراوح بين تعزيز الحكم الذاتي وصولًا إلى الطرح الانفصالي، وهو ما يمثل تحولًا نوعيًا في طبيعة الصراع داخل الدولة.
من زاوية أخرى؛ تنظر تركيا إلى هذا الملف بعين القلق الاستراتيجي، إذ ترى في أي تصعيد كُردي داخل إيران احتمالًا لتأثير ارتدادي على الداخل التركي، لا سيما في ظل وجود مطالبات كُردية، واحتمال إعادة إحياء النزعة الانفصالية الكُردية، ومن هنا فإن إعادة تفعيل هذا الملف لا تُعد مسألة داخلية إيرانية فحسب؛ بل قضية عابرة للحدود تمس الأمن الإقليمي ككل.
وفي هذا الإطار، أكد وزير خارجية تركيا أنهم يتابعون بدقة تحركات حزب العمال الكُردستاني داخل إيران، مع رصد وتحليل اتجاهاته وعلاقته بالنظام، وما يسعى لتحقيقه في حالة الضعف والانقسامات الداخلية، ومن ذلك يتبين لنا أن هناك تخوفًا ملحوظًا ومعلنًا لديهم من تنامي نفوذ الكُرد واتساع نطاق تحركاتهم مما قد يؤدي – من وجهة نظرهم – إلى موجات لجوء واسعة وتحديات أمنية وإنسانية معقدة تتجاوز حدودها. علماً أن حزب الحياة الحرة الكردستاني القريب أكد أن هذه الحرب ليست حربهم وأن مطالبهم تتمثل في تحقيق الديمقراطية في إيران وتأمين حقوق كرد إيران ضمن الحدود الحالية لإيران.
وهذا الملف يمثل مصدر قلق كبير لتركيا لأنها تخشى سيناريو الفوضى – كما تدعي-، وتكرار ما حدث في سوريا، بل أكثر، لأنّ عدد سكان إيران أكبر والتحولات تجري بشكل أسرع، ويمكن القول إنّ تركيا ترى أن انهيار إيران يُعرّف كخطر أكبر من وجودها كدولة منافسة مستقرة.
ولذلك فإن الأمر المرجح أن تُركيا سوف تستمر في تشجيع الأطراف للعودة إلى الهدوء، وسوف تشجع دول الخليج لعدم الانجرار إلى مربع الرد على إيران، ويُعتقد أنها ستستثمر علاقاتها مع بعض دول الاتحاد الأوروبي للعمل معًا عبر المسارات الدبلوماسية.
محددات الموقف التركي “المعلن” من الحرب الإيرانية:
في ضوء المعطيات سالفة الذكر يمكننا أن نتفهم سبب تمسك عدد من الأطراف الإقليمية وعلى رأسها تركيا، بخيار التهدئة والدفع نحو الحلول الدبلوماسية؛ باعتباره الخيار الأقل كلفة في مواجهة السيناريوهات المنفتحة على احتمالات متعددة؛ فالمخاطر المرتبطة من وجهة نظرها بالملف الكُردي إذا ما اقترنت باضطراب داخلي أوسع قد تُعيد رسم خريطة التوازنات في المنطقة، وقد تفتح الباب لمرحلة من عدم اليقين يصعب احتواؤها.
ويعتبر الأمن القومي لتركيا وفق منطق السلطات التركية، هو الخط الفاصل في تلك المرحلة؛ حيث تخشى تركيا من أن تؤدي أي حرب داخل إيران أو ضدها إلى تداعيات مباشرة على أمنها الداخلي؛ فتصاعد النزاع قد يُعيد إحياء مطالب الكرد بحقوقهم، وهو ما تعتبره تهديدًا وجوديًا لها، كما أنها بصفتها عضوًا في حلف شمال الأطلسي، ولكونها تستفيد من مظلة الدفاع الجماعي، بالإضافة لأنها تمتلك أحد أكبر الجيوش داخل الناتو، وتشارك في عمليات عسكرية للحلف؛ تجد نفسها مضطرة لمراعاة مواقف الغرب، خاصة الولايات المتحدة الأمريكية، والتي تتبنى سياسات متشددة تجاه إيران، وفي الوقت ذاته، تحاول الحفاظ على استقلالية قرارها السياسي، بما يحقق لها التوازن الدولي.
وبذلك لا تُعرِّف تُركيا نفسها بما تُعلنه؛ بل بما تؤجل علانيته، ففي ظل حرب تلوح مع إيران، لا ترى تُركيا في الصراع نهاية يجب بلوغها، بل ترى ضرورة إضعاف إيران دون إسقاطها، ومجاراة الناتو والتقاطع مع إسرائيل دون الانكشاف أمامها، فهي لا تختار بين الأطراف؛ بل تختار موقعها فوق خط التماس ذاته؛ حيث لا يُحسم الصراع، بل يعاد إنتاجه لصالحها.
ويالها من براغماتية تتخفى في ثوب التوازن، لا تسعى إلى انتصار كامل، لأن هذا الانتصار يغُلق أمامها المجال، بل تسعى إلى دوام محسوب للتوتر يجدد قدرتها على الفعل، ويُبقي على
مصالحها مع كافة الأطراف في قلب المعادلة.
الموقف التركي في ظل القيادة الحالية:
مع وصول رجب طيب أردوغان إلى السلطة، شهدت السياسة الخارجية التركية تحولات ملحوظة؛ حيث تبنت تركيا نهجًا أكثر استقلالية وجرأة ظاهرياً؛ فمن جهة، عززت تركيا علاقاتها مع إيران في مجالات الطاقة والتجارة، ومن جهة أخرى، لم تتردد في معارضة بعض السياسات الإيرانية في المنطقة، خاصة في سوريا؛ حيث دعمت أطرافًا معارضة للنظام المدعوم من طهران، ولكننا في حال قراءة الموقف التركي من أي حرب شاملة على إيران يمكننا توقع أن تتبنى تركيا الخيارات المعلنة التالية:
الخيار الأول – رفض الحرب: من المرجح أن تعلن تركيا رفضها لأي عمل عسكري ضد إيران، نظرًا لتداعياته المحتملة على المنطقة.
الخيار الثاني – تعزيز الأمن الداخلي: سوف تسعى تركيا إلى تعزيز إجراءاتها الأمنية، خاصة على حدودها مع إيران، لمنع تسلل المسلحين أو تدفق اللاجئين.
الخيار الثالث – الاستفادة الاقتصادية: رغم رفضها للحرب، قد تسعى تركيا إلى الاستفادة اقتصاديًا من الوضع، عبر لعب دور الوسيط التجاري أو اللوجستي، كما فعلت دائماً حتى التجاوز على حالة الحصار الاقتصادي المفروض على إيران أو استغلال الوضع.
الخيار الرابع – لعب دور الوسيط السياسي: سوف تحاول تركيا تقديم نفسها كوسيط لحل النزاع، مستفيدة من علاقاتها مع الغرب وإيران.
رؤية فلسفية لواقع الموقف التركي غير المُعلن:
إن الموقف التركي من الحرب الإيرانية يعكس نموذجًا معقدًا من التفاعل بين الجغرافيا والسياسة والاقتصاد؛ فهو ليس موقفًا ثابتًا أو أحاديًا، بل هو عملية مستمرة من التكيف مع المتغيرات الإقليمية والدولية.
ونرى من خلال ما أبرزته الأحداث في الأيام الماضية أن تركيا قد تتبنى ما عبّر عنه “نيكولو مكيافيلي” بقوله: “أن الغاية تبرر الوسيلة”، وفي هذا السياق، يمكن فهم السلوك التركي بوصفه تجسيدًا عمليًا لهذه الرؤية؛ حيث تسعى تركيا إلى تعظيم مكاسبها وتقليل خسائرها، دون الالتزام بتحالفات ثابتة أو مواقف أيديولوجية جامدة؛ ولا يمكننا أن نغفل أن تركيا من أوائل الدول ذات الأغلبية المسلمة التي اعترفت بإسرائيل عام 1949م، كما شهدت فترة التسعينيات تعاونًا عسكريًا واستخباراتيًا واسعًا مع الكيان الإسرائيلي، شمل التدريب والتسليح وتبادل المعلومات؛ لذلك فمن المتوقع أن يستمر الموقف التركي في اتباع نهج التوازن المُعلن؛ حيث تسعى تركيا إلى تجنب الانخراط المباشر في أي صراع، ولكنها في الوقت نفسه لا ترغب في خسارة قنواتها مع إسرائيل والغرب حفاظًا على مصالحها الحيوية، وقد تلعب تركيا دورًا متزايد الأهمية في أي تسوية مستقبلية، خاصة إذا نجحت في الحفاظ على علاقاتها مع جميع الأطراف.
أولًا- الجغرافيا كـ قدر سياسي:
ليست الجغرافيا مجرد إطار مكاني، بل هي مُحدِد بنيوي للسلوك السياسي؛ فموقع تركيا على حدود إيران يجعلها عرضة مباشرة لأي تداعيات للحرب؛ سواء من خلال الأمن أو الاقتصاد أو الهجرة. إن هذا القرب الجغرافي يفرض على تركيا نوعًا من الحذر الاستراتيجي، نظرًا لأنها لا يمكنها تبني مواقف عدائية صريحة دون تعريض نفسها لمخاطر مباشرة.
وطبقًا للموروث التاريخي؛ فقد حافظت العلاقات التركية – الإيرانية على قدر من الاستقرار النسبي، رغم التنافس المستمر، هذا الإرث التاريخي خلق نوعًا من “الوعي المتبادل” الذي يمنع الانزلاق نحو صراع مباشر؛ فالتاريخ هنا لا يُستدعى بوصفه ماضيًا منتهيًا، بل بوصفه مرجعية تحدد سقف الصراع وحدوده.
ثانيًا- الاقتصاد كـ عامل تقييد:
تعتمد تركيا على إيران في مجال الطاقة، كما تمثل الأخيرة سوقًا مهمًا للسلع التركية، هذا التشابك الاقتصادي يجعل من الصعب على تركيا اتخاذ مواقف حادة ضد إيران، وبذلك فإن الاقتصاد، في هذا السياق، لا يعمل فقط كحافز للتعاون، بل كقيد يمنع التصعيد.
ثالثًا- التوازن بين الشرق والغرب:
بصفتها عضوًا في حلف شمال الأطلسي، تجد تركيا نفسها ضمن المنظومة الغربية؛ التي تتبنى موقفًا متشددًا تجاه إيران، غير أن تركيا تسعى في الوقت ذاته إلى الحفاظ على استقلالية قرارها ظاهريًا على الأقل، ومن هذا يتضح أن التوتر بين الانتماء والتحرر يشكل أحد أبرز ملامح السياسة الخارجية التركية.
موقف الكُرد في ظل الحرب الإيرانية:
يتسم الموقف الكُردي إزاء التطورات المرتبطة بالحرب الإيرانية بقدر من التعقيد؛ إذ لا يمكن النظر إليه بوصفه موقفًا مُوحدًا؛ بل هو انعكاس لتباينات سياسية وتنظيمية وجغرافية بين مختلف القوى الكُردية داخل إيران وخارجها، ولكننا نلحظ أن الشارع الكُردي لم ينخرط حتى الآن في أي تحركات مراعاة لحالة التوتر العامة، ويعكس ذلك إدراكًا واعيًا لحساسية اللحظة، وخشية الانزلاق في صدام مفتوح، رغبةً في الحفاظ على الاستقرار النسبي وتفادي تحول المناطق الكُردية إلى ساحة للصراع تتداخل فيه مصالح قوى كُبرى وإقليمية، وهذا ما يمثله بصورة واضحة رؤية السيد عبد الله أوجلان في نقده للدولة القومية، ودعواه إلى نموذج الأمة الديمقراطية القائم على التعددية واللا مركزية، وهو ما يجعله رافضًا للحروب الإقليمية التي تعزز منطق الصراع بين الدول على حساب المجتمعات، كما أنه لطالما حذر من توظيف القضية الكُردية ضمن صراعات القوى الإقليمية معتبرًا أن ذلك قد يضر بالمصالح الكُردية على المدى الطويل، وبالتالي فإن أي حرب إقليمية قد تكون بيئة محفوفة بالمخاطر بالنسبة للجميع، وإن اعتقد البعض أنها فرصة ظرفية لهم؛ ولذلك فالموقف المعلن هو استقلالية القرار الكُردي وتجنب التصعيد وعدم الانخراط في محاور الصراع.
خاتمة
إن الموقف التركي من الحرب الإيرانية ليس مجرد موقف سياسي عابر، بل هو تعبير عن فلسفة دولتية عميقة في إدارة الصراع، تقوم على التوازن بين الضرورة والإرادة، بين الجغرافيا والتاريخ، بين المصلحة والقيم؛ حيث تبدو تركيا وكأنها تمارس فن “المشي على الحبال”؛ حيث لا مجال للسقوط، ولا إمكانية للتوقف، إنها سياسة تُجيد استخدام الظلال، وتتحرك في المساحات الرمادية؛ حيث لا شيء مطلق، وكل شيء قابل للتأويل؛ فعلاقتها تتضح كخطاب يشتبك في العلن، وخطاب آخر يتواصل في الخفاء، فهي تُعارض لتستقر، وتتقاطع لتستمر؛ حيث لا تُدار العلاقة بمنطق القطيعة أو التحالف؛ بل بمنطق الضرورة التي تُخفي نفسها خلف الضجيج؛ حيث يظل الخطاب التركي متأرجحًا بين النقد العلني والتنسيق الضمني، وبذلك تتجلى علاقة تركيا بجميع الأطراف سالفة الذكر كحالة من “التعايش المتوتر” تُدار بمنطق الضرورة لا القطيعة، وبحسابات المصلحة غير المُعلنة، وليس بثبات الموقف.
[1] “هاكان فيدان” تولى وزارة الخارجية التركية منذ يوليو 2023م في عهد الرئيس “رجب طيب أردوغان” بعد مسيرة طويلة في رئاسة جهاز الاستخبارات التركي MIT ويعتبر أحد أبرز مهندسي السياسة الخارجية والأمنية المعاصرة لتركيا.
[2] تُعد معاهدة قصر شيرين من أبرز الاتفاقيات التاريخية التي عُقدت بين الدولتين العثمانية والصفوية سنة 1639م، ومن أهم المعاهدات في تاريخ الشرق الأوسط، وقد جاءت لوضع حد للصراع الطويل بينهما، نصت المعاهدة على تثبيت الحدود بين الطرفين، مع اعتراف الصفويين بسيطرة العثمانيين على العراق، وهو ما أسهم في رسم ملامح الحدود السياسية بين تركيا وإيران في صورتها الحديثة، وأرسى قدرًا من الاستقرار في المنطقة بعد عقود من الحروب.
[3] هو قائد عسكري وسياسي تركي ولد عام 1881م في سالونيك “اليونان” ويعد مؤسس الجمهورية التركية 1923-1938م قام بإلغاء الخلافة العثمانية وأجرى سلسلة من الإصلاحات منها علمنة الدولة وتحديث النظامين القانوني والتعليمي، مما حول تركيا إلى دولة قومية.



