تحليل: رائد المصري/ أستاذ محاضر في الفكر السياسي والعلاقات الدولية
توطئة
بدأ الصراع الأمريكي_الإيراني منذ نجاح الثورة الإيرانية عام 1979، ومن قبل عهد الرئيس ترامب بكثير، وكان من أهم أسبابه، العلاقات الأمريكية العميقة مع نظام الشاه آنذاك، وتدخُّل الولايات المتحدة الأمريكية في إسقاط الحكومات الإيرانية المنتخَبة، كما حصل مع حكومة مصدق، في خمسينيات القرن العشرين، على أنه وبعد سقوط الشاه ومعاداة الشعب الإيراني للولايات المتحدة الأمريكية وسياستها، وإقتحام سفارتها، تحوَّل الصراع بين الطرفين إلى صراع بين إيران والعراق بشكل مباشر في عهد الرئيس صدام، والتي إعتبرها المحلِّلون السياسيون بأنها حرب بالوكالة لأمريكا، نظراً لملابسات الحرب والدعم العسكري والسياسي.
فالأدبيات المقارَنة في علم السياسة، تنطلق من فرضية أولى مفادها، أنَّ التغيير السياسي لا يُحسم بالإحتجاج الشعبي أو الضغط الخارجي فقط، بل يتطلَّب إنتقال هذا الضغط إلى داخل بُنية السلطة عبر مسار إنقسام النُّخب الحاكمة، أو توحُّد الجماعات المتضرِّرة، وتحوُّلها إلى فاعل منظَّم قادر على فرض كلفة مؤسسية مستدامة، فالمؤسسات، وفق المقاربات المؤسسية التاريخية والإجتماعية، ليست كيانات محايدة أو ذاتية في إستدامتها، بل ترتيبات موزَّعة تقوم على تحالفات تحتاج إلى تعبئة مستمرة للموارد والدعم، وبالتالي، فإنَّ الإستقرار ليس حالة جامدة، بل نتيجة إدارة دائمة للتحالفات ولموازين القوى، ويحدث التغيير عندما تختل هذه الإدارة من الأعلى أو من الأسفل، ولهذا يظهر أنَّ الإنتقال السياسي لا يحدث لأنَّ الجميع يريد الديمقراطية، بل لأنَّ الفاعلين الرئيسيين يُعيدون حساب تكلفة الإستمرار مقابل تكلفة التغيير، إذ تُقيّم النُّخب الحاكمة مخاطر الإنقسام أو القمع، بينما تحسب قوى المعارضة فرص الربح وإمكانات النجاح، ويختار كل طرف في النهاية، الخيار الذي يبدو أقل تكلفة داخل القيود المؤسسية القائمة.
هنا، يُنظر الى الإحتجاجات في كل مرة في الداخل الإيراني، على أنها تعبير عن تآكل عميق في الشرعية الإجتماعية، خصوصاً بين الأجيال الشابة والنساء، وقد نجحت في كسر حاجز الخوف وإعادة تعريف ما هو مقبول في المجال العام، غير أن هذا الزَّخم وأهميته، يظلُّ غير حاسم ما لم يتحوَّل إلى أزمة قرار داخلية أو إلى قوة إجتماعية موحّدة، قادرة على إختراق الترتيبات المؤسسية القائمة، فتاريخ علم السياسة يُظهر، أن الأنظمة السلطوية تسقط عادة، عندما تنقسم النُّخب حول تكلفة الإستمرار مقابل تكلفة التغيير، أو عندما تواجه جماعات متضرِّرة موحَّدة تفرض واقعاً مؤسسياً جديداً، لا عندما يحتجُّ أو ينتفض الشارع فقط، ويُعزِّز هذا الإستنتاج من خلال النظر الى إحتجاجات إيرانية سابقة، مثل الحركة الخضراء عام 2009، رغم إتساعها الرمزي والإجتماعي، لم تصل إلى تغيير حاسم، بسبب غياب الإنقسام النخبوي وتوحّد الفاعلين المعارضين.
في هذا البحث نسعى إلى تحليل الصراع الأمريكي الإيراني، وفق المنطق الإيديولوجي والديني، وحوامله المطبوعة في سلوكيات الشعب الإيراني تاريخياً، بعد تكرار المواجهات الدبلوماسية والعسكرية بين البلدين، والتي إنتهت بالحرب الإسرائيلية_ الأمريكية مؤخراً، مستعينين بالمنهج الوصفي التحليلي لطبيعة الصراع، تحليلاً كيفياً ودراسته كما هو في الواقع، ودراسة مختلف العوامل الإجتماعية والثقافية والسياسية المؤثرة في إستمرار هذا الصراع، وكذلك الإستعانة بالمنهج التاريخي لتوضيح تاريخية الصراع بين الطرفين، ودخول إسرائيل على خط هذا الصراع، للتوصل إلى بعض السيناريوهات المحتملة، بناءً على المؤشرات والمعطيات الثقافية والسياسية في الصراع بين إيران وأمريكا.
سياسة النفس الطويل
حدَّد النظام في إيران بعد الثورة، طبيعة علاقته مع أمريكا لناحية عدائيته لواشنطن، فتوالت أحداث الصراع الأمريبين الطرفين، أولاً في لبنان بوتيرة متتابعة عبر فواعلها من غير الدول، كالمنظمات المسلحة مثل حزب الله، وتجلَّى هذا في العمليات العسكرية التي قام بها الحزب ضدَّ القواعد الأمريكية في لبنان منذ بداية تأسيسه عام 1982، ودخلت هذه الصراعات، ما بين التفاهمات السياسية وتقاطع المصالح العملياتي، مثل: إجبار حزب الله لإيقاف العمليات ضدَّ الأمريكيين، والتفاهمات العسكرية في العراق إبان الإحتلال الأمريكي ومحاربة داعش، وبرغم العقوبات الإقتصادية الدولية عموماً والأمريكية خاصة على إيران، إلاَّ أنها إستطاعت التكيُّف معها، وإستطاعت وضع إستراتيجية ردع قائمة على عدد من الأوراق والتحالفات، تتعلَّق بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيَّرة، وبتخصيب اليورانيم والبرنامج النووي، والهندسة العسكرية والتصنيع العسكري، وتحالف عسكري مع كل من روسيا والصين، وأخيراً التحكم في الجغرافيا وإستخدامها كورقة ضغط سياسية وإقتصادية، وهي مضيق هرمز.
فالسياسة الخارجية الإيرانية تُعرف بسياسة النفس الطويل، من ناحية المفاوضات السياسية، إذ إستمرت سنوات عديدة في التفاوض مع الولايات المتحدة الأمريكية، أيام عهد أوباما وبايدن، في محاولة للتوصُّل الى إتفاق نووي، ومن ناحية سياسة الحرب الطويلة، وتجلَّى هذا في حربها مع العراق، كما يستمدُّ المرشد سلطته الدينية من الناحية المذهبية الشيعية الإمامية، وولَاية الفقيه كنائب صاحب الزمان، فطاعة المرشد واجب ديني يتوجَّب تقليده وإتِّباعه، كما كان يردِّد الإيرانيون شعار “لبيك يا خميني”، وهذا الشعار له دلالته الواضحة في التضحية والطاعة الكاملة للمرشد، وبناءً عليه فإن إستسلام أو التخلُّص من المرشد الأعلى يعني إستسلام إيران، وهذا التشابه قد نفذته فعلاً الولايات المتحدة الأمريكية بإيعاز من إسرائيل بإغتيال خامنئي، وبرغم هذا التشابه النظري من ناحية السلطة السياسية، إلاَّ أنه يوجد إختلاف من ناحية النظام السياسي والثقافي.(1)
يُحفِّز إيمان الإيرانيين بالدين الإسلامي، كنظام شامل من المعتقدات والرموز والعبادات، على صدِّ العدوان وإعلان الجهاد، والقصاص بعيداً عن الأشخاص أو القادة الكارزماتيين، ولكن المذهب الشيعي له خصوصيته في تقديس الرموز الدينية، وإضفاء صفة القداسة عليها، وبالإضافة إلى هذا، فهو يجمع بين المظلومية والثأرية، فالمظلومية تتعلَّق بالمِخيال الإجتماعي الشيعي، القائم على أحداث تاريخية تغذِّي إستمرار المذهب ولا تَطوي صفحة التاريخ، وهذا المخيال المتمثِّل في الظلم الذي وقع على بعضٍ من آل البيت رضي الله عنهم، وهذه المظلومية مع الشعور بالإضطهاد لها تجلياتها السياسية الإيرانية، وهي بدعمها للأقليات الشيعية في العالم الإسلامي ومدّها بالسلاح، بغضِّ النظر عن وضعية حركة حماس كونها قضية إسلامية عالمية، فيما الثأرية يُقصد بمعنى الإنتقام لقَتَلة الإمام الحسين وعلي، وبمقتل خامنئي في الحرب الأخيرة، ولذلك رُفعت الراية الحمراء على مسجد جمكران، للدلالة على رمزية الثأر والإنتقام من القَتَلة.
وعليه، فإنَّ السياسة الإيرانية تجمع بين السياسة وبين الكربلائية، فتعمل على تبرير أفعال الإنتقام أو تحمّل الصبر والظلم بتبرير ديني، وليس سياسياً فقط، وتجلّى هذا في البكائيات السياسية التي يكرِّرها الشيعة، سواء في إيران أو في العراق أو لبنان، والتي حفَّزتهم على القتال ضدَّ الثوار في سوريا، تحت شعارات دينية، مثل الدفاع عن المقدسات وقتلة الحسين، والدفاع عن الشيعة، وتحفيز الذاكرة الإجتماعية، والربط بين ما حدث من ظلم واقع على الإيرانيين خاصة والشيعة عموماً، هو تماماً يشابه ما حدث للرموز الدينية، مثل الإمامين الحسين وعلي من ظُلْم، وذلك حسب إعتقاد الشيعة ومسيرتهم، ولذلك فإنَّ العدوان الأمريكي الإسرائيلي اليوم وقتْلهم للقادة، لن يؤثِّر على مجرى الحرب، بل زاد من حدَّتها الإنتقامية، لعدم معرفتهم بطبيعة المذهب والثقافة الإيرانية الفارسية.(2)
هدف أميركا من الحرب
أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، منذ توليه الرئاسة الأمريكية، العَداء الصريح لإيران ورفضه للإتفاق النووي، والإبتعاد عن سياسة كل من سلفَيْه أوباما وجون بايدن، في تعاملهم مع ملفات كل من أفغانستان والعراق وإيران، واضعاً سياسة إستعادة الهيبة الأمريكية السياسية والعسكرية والإقتصادية في جميع أنحاء العالم، تحت شعار أمريكا عظيمة من جديد، وكانت أولى ملامح هذه الخطوات لفرض النفوذ والقوة من خلال السُّمعة، والهجوم بشكل مباشر على بعض رؤساء الدول والسخرية منهم، وإعلان عزمه للإستيلاء على جرينلاند، وإعتقال الرئيس الفنزويلي نيقولاس مادورو، فالصراع بين أمريكا وفنزويلا هو صراع مع رأس السلطة، ولكن في الحالة الإيرانية، هو بين نظام ثقافي وسياسي وديني، مؤثر في الإيديولوجيا الجماعية والقومية للشعب الإيراني، ورغم التنوُّع الإثني والثقافي في إيران، فهناك تخادم دائم بين النظام الإيراني وبين الشعب عبر أجهزة الدولة الإيرانية، ولذلك وضعت الولايات المتحدة الأمريكية أهدافاً لتحقيقها في الحرب الإيرانية الأمريكية، يتعلق أولها بإيقاف البرنامج النووي الإيراني، وثانيها بإيقاف إنتاج وتصنيع الصواريخ الباليستية، وثالثها إيقاف دعم وتسليح الفواعل من غير دول أو ما يسمّلى بالأذرع، ورابعها تغيير النظام الإيراني، وخامسها إعادة إيران إلى التعبئة الأمريكية، وذلك لأهميتها الجيوسياسية في مواجهة الإتحاد السوفيتي سابقًا على غرار تركيا، وإن كان هذا الهدف ما زال مستمراً لمواجهة الروس والصين، إلاَّ أنَّ سياسة ترامب تثبت عكس ذلك تماماً، فهو يريد تكبير الرقعة الجغرافية الإسرائيلية من النهر إلى البحر، كما ذكر في أحد لقاءاته بأن إسرائيل دولة صغيرة وأنه يسْعى لتكبيرها، وبناءً عليه، فإن لم تستطع الولايات المتحدة توسيع دولة إسرائيل، فإنها ستعمل على إضعاف كل دول الجوار، حتى تتمكَّن من فرض نفوذها السياسي والعسكري عليهم، فتعتمد سياسة ترامب العسكرية على الإستعراض والسرعة، أو سياسة أَنجِز ودمِّر، التي تقوم على العمليات العسكرية الخاطفة، وإظهار قوة الهيبة الأمريكية العسكرية والتفاوضية كدليلٍ على كفاءتها في إستعمال قوتها الذكية.
ولذلك، رفضت واشنطن مواصلة التفاوض حول البرنامج النووي الإيراني وزادت من العقوبات، فكانت أولى مظاهر التدخُّلات الأمريكية الإسرائيلية في إيران لإسقاط النظام الإيراني، في عام ٢٠١٢ تأثُّراً بثورات الربيع العربي، وزادت من حدة الصراع بين إسرائيل وإيران في حربها في نهاية عام ٢٠٢٥، والتي عُرفت بحرب الإثني عشر يوماً، والتي طلبت فيها إسرائيل من ترامب التدخل لوقف الحرب، وإستمرت محاولات زعزعة الإستقرار للنظام الإيراني من الناحية الإجتماعية، من قبل الولايات المتحدة وخاصة إسرائيل، حتى أعلن ترامب صراحة أنه ينوي تغيير النظام الإيراني في فبراير ٢٠٢٦ ، وتنصيب قيادات جديدة في هذا البلد تكون موالية لأمريكا، ثم أعلن بأنه سيتدخل لحماية المتظاهرين الإيرانيين، ولكن سرعان ما تدخَّلت الولايات المتحدة وإسرائيل بحرب إستباقية مباشرة ضد إيران في أواخر الشهر الثاني من العام ٢٠٢٦، ومع الإستمرار في الحرب، تدرك الولايات المتحدة وإسرائيل، سوء التقدير والقرار الذي إتُّخذ بالحرب ضدَّ إيران، فقد زاد من حدتها وأظهر مدى صعوبة تحقيق الأهداف الأمريكية، وكلَّما كان هناك سوء في التقدير، إنعكس هذا على الهيبة الأمريكية، ممَّا يجعلها تتَّخذ قرارات عسكرية غير سليمة، تماماً كما حدث بين اليابان وأمريكا، فالكارثة البحرية العسكرية في بيرل هاربر، زادت من حدة الإنتقام الأمريكي تجاه اليابان، وألقت بالقنابل الذرية عليها، وبهذا قد لا يكون مستبعداً إذا لم تحقق الولايات المتحدة الأمريكية أهدافها تجاه إيران، ولا سيَّما رفض دول حلف الناتو المشاركة العسكرية الحربية.
هنا يجب التنويه، على أنه ورغم شدَّة العقوبات الإقتصادية التي دفعت الكثير من الشعب الإيراني للنزول إلى الشوارع لإسقاط الحكومة الإيرانية، إلاَّ أنَّ الصراع الخارجي، ربما قد زاد من الروابط الإجتماعية، وجعل المجتمع الإيراني أكثر تماسكاً وترابطًاً داخلياً ضدَّ الإعتداء الخارجي، ورغم إدراك الولايات المتحدة الأمريكية لهذا الأمر، إلاَّ أنها أعلنت صراحة إعتمادها على الورقة الإثنية داخل إيران، فقد أجرى ترامب إتصالات مع الأكراد، مبدياً محاولات لدعمهم وتسليحهم، لكنه فشل حتى الآن، كما قام بتركيز الضربات الأمريكية على مدينة سنندج وهي محافظة ذات غالبية كردية، بالإضافة إلى محاولة جرِّ أذربيجان الى الحرب لتتحول إلى حرب عرقية وإثنية، لذلك سعت كل من أمريكا وإسرائيل لتحقيق أي من أهدافها تجاه إيران، عبر محاولة إستمالة بعض الدول الحليفة لدعمها وتأييدها للمشاركة في الحرب، كما تدرك أمريكا تكلفة الإنزال البري خاصة مع عدم وجود تحالف دولي ودعاية دولية ضدَّ إيران، وعداء سياسي أوروبي سياسي تجاه ترامب، وبناء عليه، فإن الحركات الإنفصالية المسلحة في إيران، هي الورقة التي ستعتمد عليها مستقبلاً، بحا عدم التوصل الى تسوية سريعة، وكل ذلك لم يتحقق الى اليوم.
النصر أو الهزيمة في الصراع بين الشرق والغرب
هناك سيناريوهات عدة تحاكي المرحلة التي يلتهب فيها الشرق الأوسط، إذا هُزمت إيران، فإنَّ المذهب الشيعي قادر على خلق نظام آخر لإعادة تأويل النصوص الفقهية، مثل الإمام المغيَّب على غرار الإمام موسى الصدر في لبنان، وإعادة تشكيل نفسه من الناحية الدينية، مع الزيادة في الحدَّة من الشعور بالمظلومية والإضطهاد، ضدَّ بعض الدول والشعوب المتورِّطة في القتال ضد المذهب الشيعي نفسه، وستغذِّي هذه المظلومية من حدَّة ذلك الشعور، وستعمل على تغذية المخيال الإجتماعي الشيعي، عبر الأحداث المأساوية وقتل الرموز الدينية المعاصرة، وربطها بالرموز الدينية التاريخية، وهذا الربط التاريخي، يمكنه أن يزيد من تماسك النظام الإيراني والمجتمع الشيعي، هذا من ناحية النظام الديني، أما من ناحية الدولة والمجتمع الإيراني، ربَّما يجد الشرق نفسه أمام عراق جديد، عبر تقسيم للدولة الإيرانية، وهذا ما يحاول نتنياهو فعله، وهو تحويل الصراع من خارجي إلى داخلي، عبر ضرب مراكز قوى الأمن، ممَّا يؤدي الى ضعف القوة الأمنية، ليسهِّل عملية إدخال السلاح عبر الحدود، ويؤدي إلي تسليح الحركات الإنفصالية في إقليم أذريبجان وكردستان والأحواز، كما أنَّ الإنفصال للمكون الكردي في إيران، سيؤدي إلي تكوين دولة كردستان الكبرى، خاصة مع إنهيار وضعف الدول المركزية في كل من العراق وسوريا، وهذا ما سينعكس سلباً على تركيا، وبناء عليه، فإنَّ ورقة الإثنيات التي تعتمد عليها أمريكا وإسرائيل، ستؤدي إلي حربٍ عرقية عابرة للحدود، وستغيِّر من جغرافيا الشرق الأوسط، فهل هذا بالفعل ما تريده أمريكا، ومن يضمن أمن ومصالح العالم والطاقة وسلاسل التوريد؟.
أما لناحية السيطرة الشاملة على مضيق هرمز، نظراً لأهميته الجيوسياسية الدولية والإقليمية، حيث يعبُر من خلاله 11% من التجارة العالمية، و25% من تجارة النفط العالمية، ويشكِّل المنفَذ البحري للدول الخليجية، وإنتصار إيران يعني أنها قادرة على فرض إيديولوجيتها وسياستها في منطقة الخليج العربي والآسيوي، ممَّا يجعل هناك محوراً جديداً في أوراسيا، قادر على تشكيل ووضع نظام إقتصادي كما حدث بعد الحرب العالمية الثانية، متمثِّلا في إيران وروسيا والصين، والتوصُّل الى تفاهمات سياسية دولية.
فهناك إمتحان، لمدى قدرة النظام الإيراني والدولة الإيرانية، على التكيُّف مع العقوبات الإقتصادية ومواجهة تبِعاتها، عبر رفض المجتمع الإيراني الإنجرار خلف الصراعات الطائفية والإثنية، في ظل إستمرار الحرب وحدَّتها، ومدى تماسك المجتمع الإيراني من الداخل، ومدى الإتصال الثقافي بين أعضاء المجتمع، والتماثل والتشابه في القيم الثقافية، رغم الإختلاف المذهبي والإثني واللُّغوي، ومن خلال المتابعة والمراقبة، تبيَّن وجود خطأ في التقديرات الأمريكية والإسرائيلية تجاه إيران، بالإضافة إلى ذلك صعوبة تحقيق الأهداف الأمريكية عسكرياً وسياسياً، وكذلك فإن تحوُّل النظام الدولي من نموذج القطب الواحد، إلى عالم متعدِّد الأقطاب، صار بحاجة إلى نظام إقتصادي وسياسي جديد، فلن ينتهي الصراع بين الشرق والغرب، لأنَّ هناك إختلاف في الرؤية والخصوصية الثقافية، وبالتالي تتزايد فيه حدة الصراعات، فنحن أمام صراع تاريخي متكرِّر منذ الإمبراطورية الفارسية في صراعها مع الروم، وهذا الصراع بين أمريكا وإيران، هو صراع إرادة إيرانية، تحاول إثبات ذاتها أمام القوى العظمى، وليس فقط من أجل ترسيخ وجودها الحضاري والسياسي أمام لاعبين إقليميين، وهذا الإثبات لا بدَّ أن يستتبعه نفوذ سياسي وإيديولوجي وعسكري، متمثِّلاً بالقوة الذكية، وهي تؤثر على دول الجوار الإيراني وفي السياسات الدولية، فالتغيير الدائري للحضارات هو القانون الكوني في هذه الحياة، فالحضارات تنهض وتصل إلى قمتها ومن ثم تضعف وتنهار، وتصعد حضارات أخرى بدلاً منها، وتستمر المجتمعات في هذا التغيير الدائري، وأيضاً الحضارات تستمر في النهوض والسقوط، لكن الفارق بين حضارة وأخرى، هو المقوِّمات الحضارية والتاريخية، والإرادة الشعبية التي تمكِّنها من النهوض والإستمرار.(3)
مرحلة الإختبار المزدوج للنظام الإيراني
يرفع الضغط الأميركي على إيران، والإفراط بتعزيز العقوبات المزمنة والعزلة السياسية والتهديدات، من تكلفة إستمرار النظام، لكنه يعمل بشكل غير مباشر، عبر إعادة توزيع الكلفة الإجتماعية، نظراً لطبيعة الجماعات المتضرِّرة في الحالة الإيرانية، فهذه الجماعات ليست كتلة واحدة بمطالب موحَّدة، بل تتوزَّع بين مطالب إقتصادية كالتضخم والبطالة وتدهور المعيشة، ومطالب إجتماعية وثقافية، كالحريات الشخصية وحقوق النساء، ومطالب سياسية مثل المساءلة والإصلاح المؤسساتي، وهذا التنوُّع يعكس عمق الأزمة وإتساعها، ويُضعِف فرص التوحُّد التنظيمي، لصياغة برنامج سياسي جامع، وقادر على تحويل السُّخط والتبرُّم الشعبي إلى ضغط مؤسسي متماسك، ودون ذلك، تبقى الطاقة الإحتجاجية عالية التأثير إجتماعياً، لكنها محدودة في الحسم سياسياً.
أما الدور الأميركي، فهو عامل مسرِّع لا حاسم، فإذا ما تركَّزت تكلُفة العقوبات على المجتمع أكثر من النُّخب المحمية، فإنَّ النظام قد ينجح في إعادة توظيف خطاب ما يمكن تسميته بــ التآمر والحصار الخارجي لتعزيز التماسك الداخلي بدَل تفكيكه، خصوصاً عندما تُربَط ببقاء الدولة والفوضى المحتملة والمتوقَّعة من إنهيارها، في المقابل دفع التهديد العسكري الأميركي نسبياً، إلى إصطفاف دفاعي داخل النُّخبة الحاكمة، ويضاف إلى ذلك، أنَّ سيناريو الإنهيار المفاجئ للنظام، يُنظر إليه إقليمياً بوصفه عالي التكلُفة أمنياً، لِما قد يخلُفه من فراغ إستراتيجي وإضطراب في توازنات الردع والإستقرار الإقليمي، وتشكُّل أطول شريط جيوسياسي في العالم، يتَّسم بل تدبُّ به الفوضى وغياب الإستقرار، وهو السيناريو الذي يمكن أن يحدّ من قابلية الحسم الأميركي.
كما يتعزَّز هذا التماسك النسبي للنُّخبة، بطبيعة النظام الإيراني ذاته، بوصفه نظاماً عقائدياً شمولياً، لا يكتفي بالسيطرة على المجال السياسي، بل يعمل أيضاً على توحيد النخبة إيديولوجياً وتنظيمياً، ففي الأنظمة الشمولية، لا تقوم النُّخبة على تحالف مصالح مرِن فحسب، بل على إندماج وجودي بين بقاء النظام وبقاء الفاعلين داخله، هذا الإندماج يقلّص فُرص الإنقسام، لأنَّ الخروج من التحالف الحاكم لا يعني خسارة الإمتيازات فقط، بل تهديداً مباشراً للأمن والمكانة والوجود، لذلك، يصبح إنهيار هذا النوع من الأنظمة أكثر صعوبة، ولا يحدث عادة إلاَّ عند تفكُّك متزامن في أدوات الضبط الإيديولوجية، وهو ما لم يتبلور بعد ولم يحِن أوانه في الحالة الإيرانية، على أنه ليس المسار الإيراني إستثناء في هذا السياق المقارن، فقد شهدت دول أخرى إحتجاجات واسعة وضغوطاً خارجية قوية مع بقاء النظام بسبب تماسك النخبة، من بينها كوبا، والصين، وكوريا الشمالية، وفنزويلا، وروسيا، وحتى الآن، لا تزال النُخبة المركزية في إيران: المرشد (الجديد) والحرس الثوري والأجهزة الأمنية والقضائية متماسكة نسبياً، ولم تتحوَّل الضغوط المتراكمة إلى إنشقاق مؤسساتي علني يُغيِّر حسابات البقاء.
فمن الممكن أن تُضعف الإحتجاجات الإيرانية التي إندلعت وتوقفت، من شرعية النظام وتُعيد تشكيل المعايير الإجتماعية، وقد يرفع الضغط الأميركي تكلُفة الإستمرار، غير أن الحسم يبقى رهناً بتحوّل هذا الضغط إلى إعادة حساب داخل بُنية السلطة نفسها، عبر نقطة إلتقاء مسارات تتعلق بإنقسام نخبوي فعلي، أو توحّد الجماعات المتضرِّرة في فاعل منظّم قادر على فرض تكلفة مؤسسية، وما لم يتحقق ذلك، ومع إدراك الكلفة الإقليمية العالية لأيّ إنهيار مفاجئ، سيبقى المسار مفتوحاً على إستمرار متأزِّم أكثر منه إنتقالاً حاسماً، إذ تواجه إيران اليوم إختباراً مزدوجاً، يتمثَّل بالحفاظ على نفوذها عبر أذرعها الإقليميّة المنتشرة، بعد أن بَنَت على مدار عقود، شبكات من التحالفات العسكريّة والسياسيّة والدينيّة في منطقة الشرق الأوسط، مستفيدة من الفراغات الأمنيّة والسياسيّة، والنفوذ المذهبيّ لتعزيز قوّتها الإقليميّة، حيث كان من المتوقّع أن يتحرّك حلفاؤها بشكل أكثر على الجبهات في مواجهة التصعيد الأميركيّ _الإسرائيليّ، بإستثناء جبهة لبنان، لكنّ الوقائع أظهرت محدوديّة هذا الدعم، وفي الوقت نفسه، من أجل التعامل مع الضغوط الداخليّة والخارجيّة التي أصبحت هذه الأذرع أحد أسبابها، لم تَعُد أذرع إيران في لبنان والعراق وسوريا واليمن، أدوات فعّالة كما كانت عليه سابقاً، بفعل الخسائر العسكريّة المستمرّة والضغوط الشعبيّة، والتغيّرات في التحالفات الإقليميّة، حيث وضع هذا الواقع حلفاء إيران أمام خيارات صعبة، منها الإنكفاء التدريجيّ، ومحاولة نيل الدعم غير المباشر عبر عمليّات محدودة، أو البحث عن إعادة تموضع إستراتيجيّ بعيداً عن المظلّة الإيرانيّة.
وعليه، فإنَّ غياب الأدوات الإيرانيّة عن المواجهة، قد عكس تراكماً من العوامل العسكريّة والسياسيّة والإقتصاديّة، التي تجعل أيّ إنخراط مباشر محفوفاً بالمخاطر، بدءاً من الضربات الإسرائيليّة القوية، مروراً بالتحدّيات السياسيّة والإجتماعيّة والماليّة التي تواجه هذه الفصائل، وصولاً إلى تغيير توازنات الإقليميّة، التي قلَّصت من هامش المناورة الإيرانيّة، حتّى حليفا إيران الإستراتيجيّان، روسيا والصين، أظهرا تحفّظات كبيرة على إستمرار طهران في سياسة دعم الشركاء، التي كانت من بين أسباب المواجهة العسكريّة الحاليّة مع إسرائيل وأميركا.
فقد أظهرت إيران لعقود طويلة، نمطاً واضحاً في إستغلال الفراغات، لتعزيز الهيمنة عبر أدواتها، بدءاً من لبنان في الثمانينيّات، مروراً بالعراق بعد سقوط نظام صدّام حسين، حتّى سوريا واليمن في العقدين الأخيرين، لكنّ هذه الفُرص لم تعُد ممكنة اليوم في ظل التحولات الحاصلة، وهي تواجه تحدّياً حقيقيّاً في قراءة المشهد الإقليميّ، وإعادة ترتيب التحالفات بما يتوافق مع الواقع الجديد، الذي يفرضه تجاهل الحلفاء التقليديّين، لما تتعرّض له من ضغوط أميركيّة وإسرائيليّة متزايدة، وتحوّلات في أولويّات الدول الإقليميّة الفاعلة، فتقلّصت خياراتهاعلى مستوى السيناريوهات الإستراتيجيّة، من التصعيد المباشر المحفوف بالمزيد من الخطر، الى الدعم المباشر وغير المباشر للأذرع، الذي صار محدود الأثر بفعل الرقابة والحصار الخانق، ومحاولات نقل التوتّر إلى ساحات إقليميّة أوسع، باتت تعكس إدارة أزمة أكثر ممّا تعكس قدرة على توسيع رقعة التأثير، وهذا البحر من التراجعات في المنطقة، يضعها أمام مفترق إستراتيجيّ، إمّا انكفاء تدريجيّ بإتّجاه تثبيت موقعها الدفاعيّ، أو محاولة القفز إلى الأمام عبر إعادة تموضع أوسع، قد تحمل الكثير من الغموض والسير في المجهول.
وقد أظهرت المتغيّرات العسكريّة على الجبهات، حدود الرهان الإيرانيّ على الدعم الروسيّ والصينيّ، لم تكن ولم تُظهِر العلاقات المتقدّمة مع موسكو وبكين عن مستوى تحالف دفاعيّ ملزِم، قادر على توفير حماية إستراتيجيّة عند الحاجة إليها، من هنا تواجه طهران بمفردها إلى حدّ كبير تصعيد الحرب الأميركيّة _ الإسرائيليّة، فحسابات المصالح الثنائيّة والإقليميّة لدى شركائها، تتقدّم على أيّ إلتزام سياسيّ أو عسكريّ مباشر، كما أنَّ التحوّلات في العلاقات الإقليميّة، بما في ذلك مسارات التقارب بين أنقرة والرياض والقاهرة وإسلام آباد، أضْعفت من قدرة إيران على مواصلة إستغلال الفراغات الجيوسياسيّة التي إستفادت منها لعقود سالفة، إذ تتّجه بيئة الإقليم تدريجياً نحو تنسيق أكبر بين القوى، وهو ما يضيّق هامش المناورة ومعه التعويل على التمسّك بورقة الأذرع، وهنا تكشف المتغيّرات الدراماتيكية على الأرض، نمطاً متشابهاً من التراجع التدريجيّ لدور إيران وأذرعها، ففي العراق تتزايد الضغوط الداخليّة والدوليّة، مقلّلةً من قدرة طهران على توظيف فصائلها المسلّحة بفعّاليّة، وفي لبنان، تواجه شبكة التحالفات الإيرانيّة تحدّيات تقلّص هامش حركة الحزب، خصوصاً بعد دخوله حرب الثأر مع إسرائيل، وطرج السفير الإيراني من بيروت، فيما تبدو الساحة اليمنيّة أقلّ قدرة على أداء دور ورقة الضغط، بفعل الإستنزاف المستمرّ والتصعيد العربيّ والإقليميّ، وأمام هذا الواقع، تتقلّص خيارات طهران، ليصبح دورها في رسم السياسات الإقليميّة أقلّ تأثيراً، وأكثر إدارة للأزمات بإنتظار ما هو مقبل.
فاليوم، لم يعُد الأنموذج الإيرانيّ القائم على الأدوات المذهبيّة والميليشيات وإستعراض القوّة العسكريّة فعّالاً، في بيئة إقليميّة تتّجه نحو تعزيز دور الدولة، والرقابة على الفاعلين غير الحكوميّين والأحزاب والمنظمات، فقد لا يكون ما نشهده تراجعاً تكتيكيّاً وحسب، بل بداية تحوّل إستراتيجيّ يَطال العقيدة التشغيليّة الإيرانيّة نفسها، وما ستقوم به إيران مستقبلاً، يبدو كمحاولة للإنتقال من مرحلة الإستخدام القوي للأذرع إلى مرحلة النفوذ الهادئ، عبر تحويل هذه الأدوات من قوى قتاليّة مباشرة، إلى فواعل تأثير سياسيّة وأمنيّة، أكثر مرونة وقابليّة للتكيّف مع البيئة المحليّة والإقليميّة، وهو ما قد يسمح لطهران بالحفاظ على موقعها الإستراتيجيّ، من دون الإنجرار إلى مواجهات مُكْلفة بعد الآن، حيث سيكون الأمر أشبه بعمليّة جراحيّة حقيقيّة في السياسات والممارسات، لا عمليّة تجميل ينتهي مفعولها سريعاً.
المرشد الجديد وخياراته الإيديولوجية
تمرُّ إيران اليوم بمرحلة مفصليّة حَرِجة، وتعيش واقعاً يُخالف كلّ حساباتها، وقد يتحوّل نفوذها الجغرافيّ إلى عبء إستراتيجيّ عليها، قد يحسم المواجهة قبل أن تبدأ، إذا لم تعالج خياراتها بسرعة وذكاء، بعد سقوط منظومة تحالفاتها وشراكاتها في المنطقة، فأصبح من المحتّم عليها تحديث خياراتها، وإتّخاذ خطوات جذريّة تشمل مراجعة سياساتها وإعادة ترتيب أوراقها الإستراتيجيّة، وربّما العمل بضرورة البحث عن تقارب مع قوى فاعلة ومؤثّرة مثل أنقرة والرياض والقاهرة، فهي اليوم أمام إختبارٍ حقيقيّ لإستراتيجياتها القديمة، وقدرتها على مواجهة متطلّبات أكثر واقعيّة، ولذلك شكّل تعيين مجتبى خامنئي مرشداً أعلى خلفاً لوالده المرشد الراحل علي خامنئي، وبحسب تقارير صحافيّة دوليّة، مزيجاً من التحدّي السياسيّ للولايات المتّحدة الأميركيّة والتشدّد الداخليّ، إلى جانب إثارته تساؤلات عن ثروته ومدى شرعيّة وراثته للمنصب، والمرشد الجديد معروف بعلاقاته القويّة مع الحرس الثوريّ الإيرانيّ، وهو أحد أبرز مراكز القوّة في البلاد، إذ تشير تقارير إعلاميّة، إلى أنّ إختياره مرشداً أعلى، جاء أيضاً تحت ضغط وبإصرار الحرس الثوريّ، الذي يرى فيه شخصيّة قادرة ويمكنها الحفاظ على تماسك النظام في ظلّ الحرب.
فألصحافة الغربية والأميركية بالتحديد، إعتبرت أن إختيار مجتبى خامنئي مرشداً جديداً، يأتي تكريساً للنهج المتشدّد في الحكم الدينيّ في إيران، ورسالة تحدي واضحة للرئيس الأميركيّ دونالد ترامب، الذي ساهمت تصريحاته في صعوده حين رفض تولّيه المنصب، وإعتبر أنّ أيّ مرشد أعلى جديد، لن يستمرّ طويلاً دون موافقة الولايات المتّحدة، فترامب بذلك يكون قد عزّز بتصريحاته الدعم الداخليّ لمُجتبى خامنئي المرشد الجديد، الذي بات يُنظر اليه كرمز لمقاومة التدخّل الخارجيّ، وهو ما أعطى المواجهة بعداً أكبر وأكثر تعقيداً بين إيران وخصومها الدوليّين، وهذا المنصب يُعَدُّ من أخطر الوظائف في العالم حاليّاً، لأنّ الولايات المتّحدة وإسرائيل تعتبران القيادة الإيرانيّة هدفاً مشروعاً في الحرب، بالإضافة لذلك، وبحسب تحليل نشرته صحيفة تلغراف، بأنَّ المرشد الجديد يُعَدّ شخصيّة غامضة ومحافظة ومتشدّدة، لها علاقات عميقة مع الحرس الثوريّ الإيرانيّ، وتنتشر التكهُّنات كما أشارت الصحيفة، إلى أنّ عملية إغتيال والده ووالدته وزوجته وإبنه خلال القصف، قد زادت من عدائيته للولايات المتّحدة، التي يعتبرها خصماً لا يمكن التفاهم معه، كما أنه كان لسنوات طويلة مضت، شخصيّة مؤثّرة خلف الكواليس داخل النظام الإيرانيّ، وعمل في محيط والده وساهم في إدارة العلاقات مع المؤسّسات الأمنيّة والعسكريّة، فهو حارس البوابة الواصلة إلى الدائرة المقرّبة من المرشد السابق، وإستفاد كثيراً من موقعه، وعزَّز علاقاته وشبكها مع الكثير من القوى المؤثرة في الحكم وخاصة الحرس الثوري.
إنَّ دعم الحرس الثوريّ الإيرانيّ للمرشد الجديد حاسم، كونه يشكّل إمتداداً لنظام والده، وللشبكات السياسيّة والعسكريّة التي أمْسَك بها، ورسّخت خلال العقود الماضية إدارة الحرس الثوريّ لهذا النظام، ومع ذلك، يواجه المرشد الجديد تحدّيات كبيرة، يرى فيها بعض المحلّلين، إفتقاره للخبرة السياسيّة المستقلّة، كونه لم يَشْغَل منصباً رسميّاً من قبل، كما يثير إنتقال السلطة داخل عائلة واحدة تساؤلات، عن عودة شكل من أشكال الحكم الوراثيّ الذي قامت الثورة الإيرانيّة ضدّه عام 1979، وتخلص التقارير الغربية، إلى أنّ صعود مجتبى خامنئي، سيزيد من محاولة القيادة الجديدة توحيد صفوف النظام، وزيادة شدّته وصرامته، على الرغم من الجدل السياسيّ والدينيّ الذي أثاره تعيينه داخل إيران، حيث إنّ الثورة الإسلاميّة عام 1979، التي أطاحت بحكم الشاه، قامت جزئيّاً ضدّ النظام الملكيّ القائم على الوراثة، ولهذا السَّبب، ينظر كثير من رجال الدين الشيعة إلى إنتقال السلطة من الأب إلى الإبن أمراً حسّاساً، قد يذكّر بالحكم الوراثيّ الذي رفضته الثورة.
وعليه، سيكون برأي بعض المحلِّلين والمراقبين، أنَّ مجتبى خامنئي، أكثر تشدّداً وعداءً تجاه الولايات المتّحدة وإسرائيل مقارنة بوالده، بسبب الخسائر الشخصيّة الكبيرة التي تكبّدها خلال الحرب الأخيرة، وهو ما يعزّز لديه شعوراً شخصيّاً بالإنتقام، ويضفي بُعداً عاطفيّاً على موقفه السياسيّ، ويملك علاقات وثيقة بالحرس الثوريّ الإيرانيّ وقوّات الباسيج، التي تمثّل القلب العسكريّ والسياسيّ للنظام، وهو ما يجعله جزءاً من شبكة القوّة، التي تميل إلى التصعيد والتمسّك بالمواقف الصارمة في مواجهة أيّ تهديد خارجيّ، وكذلك خبرته الطويلة في السياسة من الظلّ، وعمله خلف الكواليس، كقوّة مؤثّرة داخل النظام، هو ما جعله شخصيّة حذرة ومتشبّثة بالسيطرة على المؤسّسات، وأيضاً وأخيراً التهديدات المباشرة من الولايات المتّحدة وإسرائيل، بما في ذلك تهديدات ترامب بإغتياله أو إستهدافه، تُعدّ عاملاً محفّزاً لتعزيز مواقفه المتشدّدة، حيث يُنظر إلى أيّ تدخّل خارجيّ كتهديد شخصيّ للنظام ولحياته، فهو تربّى في الحوزات الدينيّة بمدينة قمْ،وهو خرِّيج لمشايخ محافظين، ممّا أكسبه خلفيّة دينيّة متشدّدة، تؤطّر تصرّفاته وسياساته وفق العقيدة الثوريّة الإيرانيّة.
كل هذه العوامل مجتمعة، يرى فيها المحلّلون، أنّ مجتبى خامنئي سيعتمد سياسة صارمة وإنتقاميّة، مع إحتماليّة التصعيد الإقليميّ، والدفاع عن مصالح الحرس الثوريّ والنظام الإيرانيّ، ورفض أيّ مقاربات إصلاحيّة أو تفاوضيّة مع الغرب، إذ تجعل كلّ هذه المؤشّرات من قيادته مرحلة أكثر تحدّياً للصراع في الشرق الأوسط، حيث تتقاطع دوافعه الشخصيّة مع موقعه كمرشد أعلى للنظام، ممّا يرفع من منسوب تبنّي سياسات أكثر حدّة وعداءً في الداخل والخارج.
التسوية الشاملة وإدارة الصراع
اليوم، يخيِّم حال من الإبهام والغموض على أجواء المفاوضات الأميركيّة _ الإيرانيّة، في مستقبل البرنامج النوويّ، فما يزال خيار إستمرار الحرب حاضراً بقوّة على طاولة البحث، بعد المواجهات العسكرية المفتوحة، وغير المسبوقة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، وتعود الأسئلة حول إمكانية التسوية إلى الواجهة، ما بين خطاب أميركي يطالب بإستسلام كامل للنظام الإيراني، ومحاولات إيرانية لإظهار القدرة على الصمود وإستعادة التوازن الداخلي، تبدو ملامح مرحلة تفاوضية محتملة في طور التشكّل، فوسط الضجيج السياسي والعسكري الذي يرافق الحرب الدائرة في المنطقة، يصرّ الرئيس الأميركي دونالد ترامب، على تقديم نتائج المواجهة بإعتبارها إنتصاراً حاسماً لواشنطن، وبحسب الرواية الأميركية، أدّت الضربات العسكرية وإغتيال رأس النظام وعدد من كبار القادة العسكريين والسياسيين، إلى إضعاف بنيته وإدخاله في مأزق عميق يصعب تعويض خسائره سريعاً.
هنا، ترى الإدارة الأميركية أنَّ القيادة الجديدة في طهران، مطالبة بالقبول بالشروط التي تضعها واشنطن لإنهاء الحرب، أولها تغيير قواعد اللُّعبة الإقليمية، والتخلِّي عن أدوات النفوذ الخارجية التي إعتمدتها إيران خلال العقود الماضية، في المقابل، تحاول طهران إظهار صورة مختلفة، فالنظام الإيراني سارع لإحتواء تداعيات إغتيال المرشد الأعلى بإنتخاب مرشد جديد، في خطوة جرت ضمن ترتيبات أعدّتها مسبقاً دوائر القرار العميقة داخل الدولة، وخصوصاً داخل الحرس الثوري الإيراني، وهو ما سمح للنظام بإستعادة الحدّ الأدنى من التماسك الداخلي، بعد مرحلة من الإرتباك، رافقت مواقف للرئيس مسعود بزشكيان، وأوحت بوجود إختلافات داخلية في تقدير الموقف، كما تسعى طهران إلى إظهار قدرتها على الإنتقال من موقع تلقِّي الضربات، إلى موقع الرد وإلحاق الخسائر بخصومها وأصدقائها في مجلس التعاون الخليجي، خصوصاً على الجبهة الإسرائيلية، التي تعدّها الحلقة الأضعف في معادلة الصراع مع واشنطن.
لكن، وعلى الرغم من الخطاب المتشدد الذي يكرِّره بعض المسؤولين الإيرانيين، ومنهم وزير الخارجية عباس عراقجي، حول عدم جدوى الحوار مع واشنطن، فإنَّ القراءة الواقعية داخل دوائر القرار في طهران، تدرك أن خيار القطيعة الكاملة مع الولايات المتحدة، يحمل مخاطر كبيرة، فبقاء المواجهة المفتوحة قد يقود إلى إستنزاف طويل الأمد، وهو ما قد يهدِّد الإستقرار الداخلي للنظام، في ظل الأزمات الإقتصادية والإجتماعية التي تعاني منها البلاد، ولهذا السبب، تشير تسريبات متداولة في الأوساط السياسية الإيرانية، إلى أنَّ دوائر القرار، بدأت فعلياً بالتفكير في شكل التسوية الممكنة مع واشنطن، وفي التأسيس لمفاوضات مستقبلية بعد توقف العمليات العسكرية، أبرزها، التوصل إلى وقف شامل لإطلاق النار دون شروط مسبقة، مع إنهاء التهديد الدائم بإستئناف الحرب، والإعتراف بحق إيران في إمتلاك برنامج نووي سلمي، يشمل تخصيب اليورانيوم داخل أراضيها، تحت رقابة دولية وإشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية، كذلك إستبعاد البرنامج الصاروخي والمسيرات من أي مفاوضات، بإعتباره جزءاً من منظومة الردع الإستراتيجي الإيرانية، مع رفع كامل العقوبات الإقتصادية المفروضة، وأيضاً البحث في مستقبل الوجود العسكري الأميركي في المنطقة، بما في ذلك القواعد المنتشرة في الدول المجاورة، والبحث في آليات إقليمية جديدة لتنظيم التوازنات الأمنية في الخليج.
كما سيبرز في النقاش الإيراني ملف مضيق هرمز، بعد أن أسَّس لأزمة عالمية، تتعلق بسلاسل التوريد وأمن الملاحة العالمي، حيث يجري الحديث عن إحتمال طرح فكرة إنشاء آلية إدارة مشتركة للمضيق بالتعاون مع سلطنة عُمان، وربما بمشاركة صينية في الإشراف على حركة الملاحة، في إطار ترتيبات أمنية وإقتصادية أوسع، وتشمل بعض الطروحات أيضاً مِلفات إقليمية أخرى، من بينها مستقبل دور حلفاء إيران في المنطقة، وخصوصاً في لبنان، حيث ترى طهران أنَّ معالجة قضايا مثل سلاح الحزب، يجب أن تبقى شأناً لبنانياً داخلياً، وبطبيعة الحال، تبدو هذه الشروط الإيرانية بسقف يشكل إعلان إنتصارها، وتعكس محاولة لإظهار أنَّ طهران ما تزال قادرة على التفاوض من موقع قوة، أو على الأقل من موقع يمنع فرض إستسلام كامل عليها، لكن منطق التفاوض يقوم عادة على خفض سقوف المطالب المتبادلة تدريجياً، للوصول إلى نقطة وسط، تسمح لكلِّ طرف بتقديم النتيجة على إعتبارها إنجازاً، ففي نهاية المطاف، قد لا يكون السؤال الحقيقي، هو ما إذا كانت التسوية ستحدث، بل متى وكيف، ومن سيتمكن من تسويق نفسه، بوصفه الطرف الذي خرج من هذه الحرب بأقل الخسائر وأكثر المكاسب.(4)
في الختام:
نجح النظام الإيراني على مدار 40 عاماً، في إيجاد عمق إستراتيجي واسع لمشروعه التوسُّعي في المنطقة العربية، تحت مُسمَّى محور المقاومة، يمتد عبر هلال جيوسياسي واسع، من طهران إلى لبنان وفلسطين، مروراُ ببغداد ودمشق، وصولًا إلى صنعاء، ويجسِّد هذا المحور تصوُّرات إيران لدورها الإقليمي، وآليات تعظيم نفوذها في المنطقة، بما يحقق مصالحها العليا، ويضمن لها إحكام السيطرة على ملفات ومقدَّرات المنطقة، وعلى الرغم من أنَّ الهدف المُعلن من محور المقاومة، هو إستقطاب كل نظام أو منظمة أو جماعة أو طائفة، تقف إلى جانب إيران في مواجهة الهيمنة الأمريكية على المنطقة، ومقاومة الإحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية، إلاَّ أنَّ الهدف الحقيقي من ذلك، كان إنشاء حزام جيوسياسي لتطويق المنطقة، وإيجاد الظروف السياسية المواتية لتصدير الثورة الإيرانية إلى بلدانها، بحيث يصبح نظام الملالي هو المثال الأعلى للحكم، وتكون ولاية الفقيه هي الأسلوب الأمثل لإدارة شؤون الشعوب، وبالتالي تعود إيران إمبراطورية كما كانت سابقاً في التاريخ، وقد إستفادت إيران في غيبة أي مشروع عربي لمواجهة هذا المحور، فأعادت طهران إنتاج الهُوية الشيعية في العراق ولبنان واليمن، على أسُس أيديولوجية، وكانت قد دعمت النظام العلوي السوري برئاسة بشار الأسد، فنجحت في إختلاق هويات طائفية، تسْعى من تلقاء نفسها نحو تعزيز نفوذها الجيوسياسي في منطقة الشرق الأوسط.
واليوم يتحرك النظام بسرعة لإستعادة الإستمرارية، فمثَّل تعيين مجتبى خامنئي مرشدا أعلى جديداً لإيران، أحد أبرز التحوُّلات السياسية في الجمهورية الإسلامية منذ أكثر من ثلاثة عقود، وأنْهى هذا القرار أياماً من التكهُّنات والتبصُّر بشأن فراغ السلطة، في لحظة كانت إيران قد دخلت فيها حرباً كبرى، فالمقصود من سرعة الإنتقال، هو توجيه رسالة واضحة، مفادها أنَّ الآلة المؤسساتية للنظام، ظلَّت متماسكة رغم خسارة زعيمه الذي حكم زمناً طويلاً، وفي أخطر لحظة في تاريخ الجمهورية الإسلامية، لم تكن الغريزة الأولى للدولة هي التجريب بل التماسك، وعلى مدى سنوات، دارت نقاشات التوريث في إيران حول تنافس الأجنحة الدينية، ومساومات النُّخبة، وإمكان أن يتبلور نظام ما بعد خامنئي عبر مسار أطول وأكثر تنازعاً، لكن الحرب كثّفت الوقت وضيّقت الخيارات، ففي زمن السلم، كان سيواجه صعود مجتبى خامنئي بمقاومة أشد، فإحتمال توريث السلطة في نظام تأسَّس على إسقاط الملكية، كان سيثير إعتراضات أيديولوجية أشد حدة، وكانت الأسئلة المرتبطة برتبته الدينية، ومحدودية حضوره العام، وإفتقاره إلى خبرة تنفيذية، ستكون أصعب تجاهلاً. (5)
ولهذا حمل تعيين مجتبى دلالة تتجاوز مسألة التوريث المباشرة، فهو يكشف أن الجمهورية الإسلامية باتت تحت ضغط شديد، وعلى مدى عقود، عرّفت الجمهورية الإسلامية عنها نفسها برفضها المبدأ الوراثي الذي قامت عليه ملكية آل بهلوي، لكن في الحرب تراجع هذا المحظور، ومع ذلك، لا يبدو أن مجتبى خامنئي، قد ورث نظاماً مستقراً سيضمن الإستمرارية، بل دولة تواجِه أخطر تلاقٍ للأزمات في تاريخها، فهي إنخرطت في مواجهة عسكرية مباشرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وهما قوتان نوويتان، تتفوَّق قدراتهما العسكرية المشتركة على القوات التقليدية الإيرانية بشكلٍ كبير، وأضعفت الحرب بالفعل عناصر رئيسة من بُنية إيران الصاروخية ودفاعاتها الجوية وقدراتها البحرية، وفي الوقت نفسه، سيبقى الإقتصاد الإيراني ضعيفاً بعد سنوات من العقوبات والتضخم، وإضطراب العملة والبطالة الهيكلية، ففي زمن الحرب تواجه السلطة مجتمعاً قلقاً عانى في السنوات الأخيرة دورات متكرِّرة من الإحتجاج والقمع.
كما تواجه إيران اليوم معضلتين كبيرتين، الأولى جهازاً أمنياً شديد القوة قادراً على حفظ النظام الداخلي وبسط نفوذه في المنطقة، والثانية رؤية تفترض أنَّ العداء الخارجي والهشاشة الداخلية سمتان دائمتان في المشهد السياسي الإيراني، وهذا ما يضيّق من مجال المرونة، إضافة الى تبدُّل البيئة التي كانت تسند إستراتيجية إيران،(4) فقد ضعف حزب الله في لبنان، بفعل إشتباكات متكررة مع إسرائيل، وتواجه شبكة الميليشيات التابعة لطهران في العراق، ضغوطاً متزايدة من حكومات إقليمية تسعى إلى كبح نفوذ طهران، ويبقى الأثر التراكمي متمثِّلاً في إضعاف الإنطباع والرؤية، بأن إيران تستطيع بسط نفوذها عبر الشرق الأوسط، من خلال قوات الوكلاء وحدها، ولم يختفِ نموذج الدفاع المتقدم الذي أسْهم في تحديد الإستراتيجية الإيرانية لعقود، لكنه لم يعدْ يوفر مستوى الضمان نفسه الذي كان يوفره من قبل، فقد زعمت الجمهورية الإسلامية طويلا أنها بنت حلقة ردع خارج حدودها تحديداً، كي تمنع الحرب من الوصول إلى الأراضي الإيرانية، وأصبح اليوم الداخل الإيراني نفسه عرضة لهجوم مباشر ومتواصل، وإذا لم تَعُد الإستراتيجية الخارجية للنظام قادرة على منع نوع الحرب الذي صُمِّمت لردعه، فلا بدَّ للقيادة عندئذ من أن تكيِّف الإستراتيجية، أو أن تُعيد تعريف النجاح بصورة أكثر تواضعاً على أساس الصمود لا الهيمنة، ليتقاطع هذا الضعف العسكري مع الهشاشة الإقتصادية، فجراء سنوات من العقوبات وسوء الإدارة البنيوي، وإقتصاد يُعاني تضخماً مزمناً، وعملة شديدة التقلب، وتزايد الأزمات البيئية، وبالنسبة إلى كثير من الإيرانيين، تلاشت منذ زمن الوعود بالعدالة الإقتصادية التي كانت تسندُ يوماً السردية الثورية، حيث تقود هذه الضغوط الإقتصادية مباشرة إلى بُعدٍ يتعلَّق بالإضطراب الإجتماعي، ففي العقد الماضي، واجهت الجمهورية الإسلامية موجات متكررة من الإحتجاجات، بدوافع أسعار الوقود والضيق الإقتصادي، والقمع السياسي وحقوق النساء والفساد، ومعها تكشف إتساع الفجوة بين الدولة وقطاعات كبيرة من المجتمع، كما كشفت الإحتجاجات مؤخراً بأنَّ النظام صار جامداً وغير مستجيب، فالحرب نفسها التي تولد نزعات وطنية، قد تعمِّق الغضب أيضاُ، إذا إستحضرت مزيداً من الضيق والدمار والضحايا، أو إذا قدَّمت أدلّة ظاهرة على عجز النخب، ويتوقف الكثير على الكيفية التي يفسر بها الجمهور الصراع، فإذا رأى كثير من الإيرانيين أن الحرب هي في المقام الأول إعتداء على الوطن، فقد يحشد النظام دعماً حول خيار المقاومة، وهنا تكتسب هذه المفارقة أهمية، لأنَّها تشير إلى تحوُّل أعمق يجري بالفعل داخل الجمهورية الإسلامية، فعلى مدى سنوات، كان النظام ينتقل من ترتيب ثوري هجين، يجمع بين البُعد الديني والنزعة الشعبوية وملامح الدولة الأمنية، إلى صيغة تُهيمِن عليها أجهزة الإكراه بصورة أوضح، وقد يسرع إنتقال السلطة إلى مجتبى هذا المسار، فإذا كانت ولاية المرشد السابق علي خامنئي، قد قلَّصت تدريجياً التأثير النسبي للسلطة الدينية التقليدية لصالح المؤسسات الأمنية، فقد يشرف إبنه على المرحلة التالية من هذا التحوُّل، وهي قيام دولة تحتفظ بالرمزية الدينية، لكنها تعتمد على نحو متزايد على القوة العسكرية والأمنية في تماسُكها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المراجع:
2-لطفي العبيدي،ايران وإستراتيجية النفس الطويل: هل تغير المواجهة المفتوحة قواعد اللعبة، الموقع الإلكتروني:https://www.alquds.co.uk/%D8%A5%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86-%D9%88%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D8%AA%D9%8A%D8%AC%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%81%D8%B3-%D8%A7%D9%84%D8%B7%D9%88%D9%8A%D9%84-%D9%87%D9%84-%D8%AA%D9%8F%D8%BA/
3-طارق مصطفى القزق: https://democraticac.de/?p=108895
4- حسن فحص،الموقع الإلكتروني: https://asasmedia.com/119035/



